قصيدة النثر في الخطاب الملائكي

رشيد يحياوي (باحث وأكاديمي من المغرب)


خاضت نازك الملائكة حربا ضارية على قصيدة النثر. وبالرغم من كونها شاعرة تنتظم في سلك التجديد الشعري، فموقفها لم يفصح عن كون صاحبته تفتحت يوما على رياح الثقافة المعاصرة أو كتبت ردها في منتصف القرن العشرين أو ألفت كتابا كاملا في الدفاع عن الشعر الجديد (شعرا لتفعيلة). بعكس ذلك وقعت الباحثة الشاعرة في سلسلة من الأخطاء والمغالطات أثارت استغراب النقاد.

لم تستطع الذائقة النقدية عند نازك الملائكة تسمية قصيدة النثر شعرا، فاعتبرتها "بدعة غريبة" دون أن تبحث في جذورها في الأدب العربي وفي الأسباب التاريخية التي ولدت مفهومها. قصيدة النثر في رأيها وضع طاريء حشر حشرا تحت تأثير الشعر الغربي. فهي نتاج "الروح الأوروبية المصطنعة". تجاهلت الناقدة بذلك أن هذه "الروح الأوروبية" كانت مما أظهر وطور قصيدة التفعيلة. ألم تقر نازك نفسها بهذا التأثير في مقدمة ديوانها «شظايا ورماد» معتبرة إياه تفاعلا ايجابيا وأن روحه ليس فيها من الاصطناع شيء بل من الاصالة ما يحتفى به ؟!

لم تذكر الشاعرة الأدب الأوروبي في كتابها "قضايا الشعر المعاصر" إلا لترتد ردة غير محسوبة وغير محصورة نحو التراث العربي الذي عدته غنيا و"مكتنزا" وأصلا لكل ما يحتاجه الشاعر المعاصر. هذا الموقف المتعصب للتراث دفعها للقذف بقصيدة النثر في حلبة غير متكافئة حيث تبنت نفس الخطاب الذي هوجمت به قصيدة التفعيلة في هدايتها حين ربط بينها وبين الواقع العربي في أبعاده السياسية والحضارية والدينية. وكأن الشعر هو المسؤول عن التردي العربي أو حارس "الحضارة العربية الاسلامية" من الاندحار والضياع.

لقد رفعت نازك نفس المشجب في سعيها للاطاحة بأي شرعية ممكنة لقصيدة النثر. فعدت الدعوة لقصيدة النثر دعوة ليس فيها أي «مصلحة لا للادب العربي ولا للغة العربية ولا للأمة العربية نفسها». جعل هذا الخطاب "خطورة" الدعوة لقصيدة النثر كخطورة الدعوة لصلح سياسي أو ترسيم للحدود أو تقرير للمصير. بل عدت هذه القصيدة "نكسة فكرية وحضارية يرجع بها الفكر العربي الى الوراء قرونا كثيرة". إنه إذن خطاب يتجاوز حدود النقد الأدبي المسؤول الذي يضع الظاهرة في حدودها الموضوعية ويخلط - عن جهل أو عن قصد - أوراق الواقع العربي بهدف قمع التجديد بكل الوسائل بما فيها تلك المستعملة في القاموس العسكري كوصف قصيدة النثر بأنها "خيانة للغة العربية وللعرب".

لن يتوقف خطاب الشاعرة عند حدود التهجم بتلك النعوت، بل سيدفع بصاحبته لتقمص دور الوهي على القاريء والعارف بمصلحته. إنه موقف الردة و"النكسة" الفكرية بعد الطموح الذي عبرت عنه الشاعرة ابداعيا في قصائدها ونقديا في مقدمة ديوانها "شظايا ورماد" قبل سنوات معدودة من الطبعة الأولى لكتابها المذكور والذي ضمنته دراستها عن قصيدة النثر. تلك المقدمة التي ختمتها بتحية تحررية قالت فيها: "وألف تحية لشعراء الغد".

واذا كان من الصحيح أن الشاعرة لم تعلن في مقدمتها تلك قطيعة مع التراث، واكتفت بتسمية الخروج الى التفعيلة "تعديلا" فإنها لم تمنع نفسها في الوقت ذاته من نقد الماضي وعناصر الجمود فيه بما في ذلك القافية والوزن الفراهيدي. بيد أن نقدها لم يستشرف أفقه خارج الوزن. فحتى حين انتقدت النظرة التي تطابق بين الشعر وبين الوزن العروضي بقولها: "وكأن الشعر لا يستطيع أن يكون شعرا إن خرجت تفعيلاته على طريقة الخليل"، فإنها احتفظت بمطابقة الشعر مع طريقة التفعيلة. إذ كلماتها محسوبة ودقيقة. ولم تقل بدل جملتها السالفة مثلا: "وكأن الشعر لا يستطيع أن يكون شعرا إن خرج على طريقة الخليل". لأن المقولة الأخيرة تحتمل إقرار شعرية قصيدة النثر.

بيد أن آراء الشاعرة في "المقدمة" لم تبق حبيسة الوزن والقافية مثل دراستها في الكتاب. ففي مقدمة الديران عرضت على سبيل المثال لمادة الأحاسيس وأرجعت مرجعية الابهام الشعري للحياة، كما أشارت للجانب الباطني في قصائدها حيث قالت: "عالجت فيها حالات تتعلق بالذات الباطنية أحيانا وباللاشعور أحيانا، وهي حالات لم يقف عندها الشعر العربي إلا نادرا، فهو قد وقف نفسه على معالجة السلوك الخارجي للانسان.

سجلت الناقدة في مقدمة ديوانها تنبؤا ايجابيا بالمستقبل، فتصورت أن هذا الشعر يقف على "حافة تطور جارف عاصف" وأنه سيزعزع كافة الأساليب العتيقة بما فيها اللغة والأوزان والقوافي. ووصفت هذا التطور المتوقع بأنه سيدعم "قوة التعبير" ويوسع مجال حضور الذاتي والنفسي في القصيدة. كما نظرت بإيجابية لموضوع التفاعل مع الآداب الأوروبية، بل ذهبت الى أن الكاتب العربي لم يعد أماما خيار آخر سوى التفاعل مع هذه الآداب إذا شاء أن يكون ابن عصره ولحظته التاريخية.

تقول نازك في ختام المقدمة "والذي أعتقده أن الشعر العربي يقف اليوم على حافة تطور جارف عاصف لن يبقي من الأساليب القديمة شيئا، فالأوزان والقوافي والأساليب والمذاهب ستزعزع قواعدها جميعا. والألفاظ ستتجه اتجاها سريعا الى داخل النفس بعد أن بقيت تحوم حولها من بعد. أقول هذا اعتمادا على دراسة بطينة لشعرنا المعاصر واتجاهاته. وأقول لأنه النتيجة المنطقية لاقبالنا على قراءة الأداب الأوروبية ودراسة أحدث النظريات في الفلسفة والفن وعلم النفس. والواقع أن الذين يريدون الجمع بين الثقافة الحديثة وتقا ليد الشعر القديمة، أشبه بمن يعيش اليوم بملابس القرن الأول للهجرة. ونحن بين اثنين: اما أن نتعلم النظريات ونتأثر بها ونطبقها اولا نتعلمها إطلاقا (1).

عبرت نازك عن ذلك كله قبل أن تنتقل الى معاداة "الروح الأوروبية" معتبرة التأثر بها "خيانة" للأمة. بعد هذا المنقلب، سنطالع للنا قدة خطابا مغايرا لن تكتفي فيه باعتناق مباديء نقدية متجاوزة ومتحجرة، بل ستنصب من نفسها وهي "الشاعرة والعروضية" كما تطلق على نفسها، زعيمة للذ وق العام والتلقي الجمعي وحامية له من ددالخطردد الذي بدا لها أنه يزحف نحوه ليجتاحه. لم تعد تميز في هذا الرأي بين تلقيات مختلفة وتيارات ثقافية متعددة صهرت التلقي العام في مصهر واحد، صانعة قوالب هذا المصهر من المفهوم القديم للشعر الذي ربط فيه جل القدماء بين الوزن والشعرية في القصيدة.

لقد بنت نازك تصورها للشعر وضمنته قصيدة النثر على دعائم هشة سننظمها في نقطتين نتتبعهما على التوالي:

1 - المتلقي والشعر:

لاحظنا في نقد الشاعرة اشارات متكررة لوضع قصيدة النثر بالنسبة لمتلقيها وتأثيرها السلبي فيه. بيد أنها إشارات اشتركت كلها في فهم غير سليم لعلاقة التفاعل المحتملة بين الطرفين:

1- 1 - تحقيق التوقع:

لقد نفت نازك في هذا التصور أي احتمال لتصريف الجدل بين التلقي وبين النص، إن ما يجب أن يسود في العلاقة بين الطرفين - في اعتقادها – هو المطابقة بين ما يتوقعه المتلقي وبين الميثاق أو العقد الذي يجب أن يعلن عنه النص ويكون صادقا فيه غير خارق للعرف السائد في طرائق الصوغ الأدبي. فإذا جنس الشاعر نصه بجنسية الشعر، فعليه أن يكون صادقا في ذلك، لا أن يكتب نثرا ويجنسه بالشعر. والقاريء الذي يتم خرق توقعه في هذه الحالة سيعتبر النص وتجنيسه خدعة غير مقبولة. تقول نازك: ددويفتح القاريء تلك الكتب متوهما أنه سيجد فيها قصائد كالقصائد فيها الوزن والايقاع والقافية، غير أنه لا يجد من ذلك شيئا وانما يطالعه في الكتاب نثر اعتيادي مما يقرأ في كتب النثر، وسرعان ما يلاحظ أن الكتاب خالي من أي أثر للشعر، فليس فيه لا بيت ولا شطر، واذن فلماذا كتبوا على الغلاف أنه شعر؟ تردهم يجهلون حدود الشعر؟ أم أنهم يحدثون بدعة لا مسوغ لها؟ (2).

كأن نازك تجهل أن هذا الجدل الذي يتولد بين القراءة والنص هو من مولدات غنى وتحولات الأشكال. كيف يمكن لذاكرتي المتلقي والشاعر أن تنتجه نفس النص ؟ أليس التلقي الجمعي خاضعا للتطور والتغير وأنه ليس جبهة واحدة منسجمة متماسكة في رفضها مخالفة التوقعات الأدبية على مستوى التنويع الأدبي؟ (3).

إنها تعمل بذلك على تكريس جمود الأشكال والأنماط الأدبية حين يبقى النثر نثرا والشعر شعرا. وكأن امتلاك شرعية وسم النص بالشعرية واجازته للمرور الرسمي نحو التلقي، هو من حق نازك وحدها، الناقدة التي تقمصت في هذه الحالة دور الوهي، بل الفقيه المعزز بالسند الشرعي الذي يسمح له بتصنيف الأفعال الى حسنة تستحق الأجر والثواب، وبدع تستوجب النار هي ومرتكبوها.

1-2- أمية المتلقي:

بما أن نازك الملائكة نصبت من نفسها وصية على المتلقي، فإنها بذلك اعتبرته أميا جاهلا وقاهرا لا يستطيع أن يميز الشعر عن غيره، إلا إذا أرشده الشاعر لذلك أو طابق النص الأبجديات التي انغرست في المتلقي وترسبت فيه وثبتت نفسها كمباديء مطلقة لا تقبل البدع والضلال والخيانة والكذب. فالشاعر ليكون صادقا في تجنيسه للنص، عليه أن "يستعمل رصيد الشعرية الذي تملكه لفظة (شعر) في أذهان الناس". أما أن يسمح لنفسه بإبداعية تخلخل هذا الجاهز، فعمل مرفوض شرعيا.

إنه متلق لا يملك أي دينامية في تقبله للعمل، فيسير مثل "الروبوت" نحو النص، إذا وجده مطابقا لما في ذهنه، قبله، واذا وجده مخالفا رفضه. المتلقي جاهل بأهم شرط في الشعر الذي هو الوزن، والشاعر مطالب بعدم استغلال هذا الجهل والأمية وغفلة قارئه لتمرير نصوص تحت اسم الشعر وهي ليست كذلك. تقول الناقدة: "وكأن تسمية النثر شعرا مسألة بديهية مفروغ منها. ولعله لا يخفى على أصحاب هذه الدار (تقصد دار مجلة شعر) أن مئات القراء لا يملكون حاسة الوزن ليدركوا أن هذا نثر لا شعر حر، ومن ثم فقد كان عليها - على الأقل – أن تصدر الكتاب بمقدمة تضع فيها تبريرا يسوغ تسمية النثر شعرا، فإن ذلك يمنح القاريء حويته، فإما أن يقبل أو أن يرفض" (4).

إن القاريء إذن، متلق أمي يسهل ايقاعه في شراك التسمية. ألم يكن على نازك الملائكة أن تعتبر "أمية" القاريء في الأوزان تحولا في تاريخ التلقي الشعري العربي وواحدا من دواعي ظهور مفهوم قصيدة النثر؟ فلماذا لم تتقبل إذن أن يتلقى هؤلاء "المئات" الشعر دون قرنه بحبال الوزن ؟ ولماذا تعدهم عبيدا للتسمية ؟ أليس لكونهم قاعدة محتملة لتحولات القصيدة الشعرية بمنأى عن العروض ؟

هذا التصور الذي عامل المتلقي بوصفه جاهلا وناقصا في إدراكه الجمالي و" لا يملك حاسة الوزن"، كان تعبيرا عن احساس نازك بوجود متلق أخر خارج "بيت الطاعة". أما محاولة اقناعه بمعادلة الشعر للوزن والقافية والشطر والبيت، وبو جوب الانضباط لهذا المفهوم، فكان من تجليات تهافت موقف نازك من فاعلية التلقي وطبيعة الاستخدام الشعري للغة.

1-3- تفوق التأثير الشعري:

ترى نازك أن الشعر أكثر تأثيرا من النثر من حيث "إثارة المشاعر ولمس القلوب". وهذا مبرر من المبررات التي استهلكها القدماء واستنفد وها في مفاضلتهم بين الشعر والنثر. تطرح نازك وهي تفاضل بين الشعر والنثر بناء على الوزن أسئلة كهذه: "أيهما سيهز السامعين هزا أشد؟ أيهما سيبعث فيهم مقدارا من النشوة أكبر، والى أيهما سيستجيب الذوق الانساني استجابة أرهف وأحر؟ (5) وتجيب بوثوقية مطلقة بأن الشعر هو الذي سيحقق ذلك.

أما الإجابة الفعلية عن تلك الأسئلة، فيجب أن توكل لنسبية التلقي ونوعية النصوص. ولقد كان القدماء أكثر تفتحا وموضوعية من نازك حين ربطوا بين التلقي وبين النص الشعري استنادا الى مجموعة من البنيات النصية والسياقية ولم يعدوا الوزن سوى واحد منها وخاصة عند الفلاسفة والنقاد الذين زاوجوا بين النظر البلاغي النقدي والنظر الفلسفي الجمالي كحازم القرطا جني. ففي هذا المدار النقدي اعتبر موضوع التأثير الشعري في المتلقي موضوعا معقدا لا يمكن أن يتم إلا بتضافر مجموعة من البنيات والأساليب والشروط. بيد أن نازك الملائكة ترتد عن هذه النقط التراثية المضيئة حتى أن التعصب الأعمى دفعها الى تفضيل النظم على قصيدة النثر. "فما قيمة شعر جميل الصور ولكن أوزانه تتعثر بالسقطات ؟ إن الناظم الذي يحسن النظم أجدر بإعجابنا لو أنصفنا من شاعر لا يحسن النظم، ذلك أن الأول بصفة كونه ناظما، قد استكمل عدة فنه حين أتقن النظم وضبط أصوله، وأما الشاعر فإنه وهو يجهل قواعد النظم، إنما يفتقد جزءا مهما من عدة الشاعر" (6).

ولو "انصفت" نازك الملائكة وقارنت بين قصيدة التفعيلة وبين نص نثري كالنص المسرحي أو الروائي، ووجدت أن نص قصيدة التفعيلة يفتقر لمقومات العرض المسرحي والحبكة السردية، فلصالح من كانت ستحكم ؟ لكن الناقدة لم تقع في هذه الأخطاء المنهجية والمفاهيمية فحسب، بل وقعت كذلك في أخطاء أخرى تخص المكونات الشعرية للقصيدة.

2- المكونات الشعرية للقصيدة:

من يتتبع المسار النقدي لنازك الملائكة، يتأكد أن صاحبته ليست شاعرة فحسب بل ناقدة أيضا. وكتابها "قضايا الشعر المعاصر" بتنوع موضوعاته دليل على ذلك. هذا دون باقي كتاباتها النقدية، غير أن هذا الكم من الكتابات وما يلتمس فيها من رغبة في الخوض في موضوعات جديدة، لا يغطي على ما ينطوي عليه من هفوات، من بينها هفوات تجتر فيها نازك الملائكة مباحث تم استنفادها منذ زمن بعيد في النقد القديم مثل الفصل بين الشعر والنثر واشتراط الوزن.

2- 1 - الفصل بين الشعر والنثر:

تفصل نازك بين الشعر والنثر فصلا قاطعا لا نجده سوى عند بعض الغلاة من القدماء. فعند آخرين نجد آراء متقدمة على رأي نازك. بل أكثر دقة وموضوعية. تقول نازك: "وخلاصة الرأي أن للنثر قيمته الذاتية التي تتميز عن قيمة الشعر ولا يفني نثر عن شعر ولا شعر عن نثر، لكل حقيقته ومهناه ومكانه" (7).

إن أي محاولة لزحزحة هذا التقسيم وتسمية ددالنثردد شعرا، ستمثل عند نازك خلخلة لاستقرار المفاهيم والظواهر. فمن يسمي النثر شعرا - في اعتقادها - كمن يسمي الليل نهارا ومع أن ما تعتبره نثرا في قصيدة النثر هو شعر مثلما يوجد في النظم كلام ليس شعرا فإن نازك لم تتقبل هذا التغير في المفاهيم.

2- 2- أفضلية الشعر على النثر:

أرادت نازك أن تطمئن شعراء قصيدة النثر بأنها ليست ضد النثر وانما ضد خلط الأوراق وتسمية النثر شعرا، فتعللت بنفس المبرر القديم الذي هو القرأن الكريم و"نثره البديع" ووصفت شعراء القصيدة النثرية بكونهم أصحاب مواهب وان كانوا "يزدرون" مواهبهم بإطلاقهم صفة الشعر على نصوصهم فالأولى بهم - حسب رأيها - أن يحترموا النثر فيطلقوا على ما كتبوه اسم النثر. أو يطلقوا عليه - على الأقل - نعوتا ذات قرائن نثرية مثل "شعر منثور".

إن الاشكالية المصطنعة التي وضعتها نازك الملائكة في هذا الاطار ليست في أن يكتب الشعراء شعرهم بمنأى عن الوزن، وانما هي إشكالية نعت أنواعي. ماذا - مثلا - لو أن شاعرا أطلق على قصيدة تفعيلية نعت "نثر" فبأي رد فعل كانت ستواجهه نازك ؟ سيكون بالتأكيد موقفا أعنف، لأن صاحب المحاولة سوف لن "يزدري" موهبته أو لن يحترم النثر فحسب، بل سيزدري موهبة نازك غير محترم للشعر أيضا. فالمحاولة - في لغة نازك - لن تنحصر في سرقة صورة الشعر لالصاقها بالنثر بل تتعداها لطمس صورة الشعر وتبديلها بصورة النثر إذ الشعر أعلى مقاما وشرفا وجمالا.

انفعال نازك يصل لدرجة تقول فيها: ولسوف يجد دعاة "قصيدة النثر" أنفسهم حيث بداوا، فلقد استحال معنى كلمة (شعر) الى التعبير عن النثر كما أرادوا، غير أن الشعر وجد لنفسه اسما آخر صادقا ينص على الوزن الذي حاولوا قتله..

ولسوف يبقى الناثرون حيث كانوا مع الناثرين" (8)

وهكذا تلقي الملائكة بشعراء قصيدة النثر الى أسفل حضيض بصفة أنهم ناثرون. أما الشعراء الآخرون ففي أحسن تقويم ومكان، يشفع لهم في علو مرتبتهم أنهم آمنوا بالوزن ولم يشركوا به في عقيدة الشعر شيئا آخر.

2 – 3 - الوزن شرط الشعرية:

مع أن نازك في مقدمة ديوانها "شظايا ورماد" نظرت بتفتح لمسألة الوزن واعتبرت "التعديل" فيه مطلبا فنيا ملحا وأقرت بالمستقبل الذي اعتبرته سيزعزع الأوزان، فإنها في كتابها "قضايا الشعر المعاصر" أعلنت تعصبا أعمى للوزن، حتى أنها في نقاشها لقصيدة النثر، لم تفرق بين الوزن الفراهيدي والوزن التفعيلي. فأعلنت في أكثر من موضع أن الشعر لا يمكن أن ينجز شعريته دون وزن. بل أضافت لذلك القافية وجعلتها مقوما ضروريا للشعر. ومن أقوالها الصارخة في موضوع الوزن، قولها: "ليس هناك في رأيي شعر إلا وهو موزون" إنها قولة مفعمة بتحد يتجاوز حدود الأدب العربي الى غيره من الأدأب العالمية: "لماذا إذن ميزت لغات العالم كلها بين الشعر والنثر؟ وما الفرق بين الشعر والنثر، إن لم يكن الوزن هو العنصر المميز؟ (10).

"تحرق" الناقدة قرونا من ارتقاء الثقافة متقهقرة الى كتاب "العمدة" أو كتاب "سر الفصاحة" حيث تم اعتبار الوزن "أعظم أركان حد الشعر" ونظر الى الفرق بين الشعر والنثر بالوزن على كل حـال (11). وحتى هذين الناقدين، حين أخذا بهذا التصور فإنهما ادخلاه ضمن تصور شمولي يبني الشعر على أركان عديدة. أما الأداب واللغات العالمية التي احتجت بها نازك، فهي التي أقرت الشعر خارج الوزن حين ولدت "قصيدة النثر والشعر الحر".

لكن نازك لم تكن مستعدة للإقرار بذلك حتى لا تختل منظومتها من المواقف المعادية للتحول الجديد في التعبير الشعري العربي. لذلك أجهدت لفتها النقدية في البحث للوزن على مبررات تقيمه شرطا لازما في العمل الابداعي نصا وتلقيا، دون أن تفلح في جعل اللغة النقدية مقنعة ومتماسكة.

كيف تكون لغتها في هذا الموضوع مقنعة وهي تقول مثلا بأن الوزن في الشعر يزيد الصور حدة، ويعمق المشاعر ويلهب الأخيلة. لا بل إنه يعطي الشاعر نفسه، خلال عملية النظم نشوة تجعله يتدفق بالصور الحارة والتعابير المبتكرة الملهمة (12). إنه تصور لم يأخذ به حتى القدماء الذين أقروا فيما يشبه الاجماع، بأن الشعر بخلاف النثر يتسم بالتقييد والحصر. وأنه موضع اضطرار يضيق على الشاعر مجال العبارة بسبب تقيده بالوزن، وأن الشاعر يكون مجبرا على مصارعة الوزن وترويضه بل على مخالفة النحو، إذا شاء أن يفتح في اللغة فضاء لابداعية متميزة.

فأين من هذا الحصر والتقييد تلك الصور الحارة المتدفقة في صلب القصيدة المولدة فيها وفي صاحبتها النشوة الحية ؟

2 – 4 - الفصل بين الشكل والمضمون:

في الفصل الذي وسمته نازك بـ:"مزالق النقد المعاصر"، حرصت على التنبيه الى خطأ الفصل بين الشكل والمضمون وأدرجت ضمن هذا المزلق اختيار الناقد أفكار القصيدة أساسا لنقده وتأثره بسيوله وآرائه الخاصة، كما حذرت مما سمته "النقد التجزيئي" أي ذلك الذي لا يعتبر القصيدة "هيكلا فنيا مكتملا" مفتتا إياها الى أبيات يدرسها منعزلة عن سياقها.

ونازك وان حذرت من مزالق الفصل بين الشكل والمضمون وتقديم أحدهما على الآخر في فصل آخر وسمته بـ"الناقد العربي والمسؤولية اللغوية"، فإن تحذيرها وفطنتها لم يرتقيا بها الى النظر للطرفين بصفة أنهما يشكلان وحدة. لقد عبرت عن تسرب صفة الفصل بين الشكل والمضمون في وعيها تعبيرا هويح الدلالة حين قالت: "المشكلة الأساسية في هذا المزلق، إن الكاتب يخلط بين القصيدة وموضوعها وهم شيئان منفصلان" (12).

إن أقصى ما وصل اليه تفكيرها في هذا المعطى، هو دعوة الناقد لعدم التطرف نحو المضمون أو نحو الشكل وأن يقف في الوسط مسيطرا على المضمون والأداة في وعي واتزان" (13).

نازك التي نبهت الى كل ذلك وحذرت منه ستقع فى مزالقه وهي تعالج موضوع قصيدة النثر. وكان أول مزالقها تجريدها قصيدة محمد الماغوط "المسافر" من الشكل البصري الذي قدمها فيه صاحبها بعد أن اختار لها نظام الأسطر. ونازك التي لم تستسغ أن يكتب الشاعر في أي شكل أراده، قامت بإعادة كتابة القصيدة في شكل مسترسل كأنها فقرة نثرية عادية (14). فهل كانت الشاعرة تجهل أن نظام الأسطر في قصيدة "المسافر" له قيمه الفنية والدلالية ؟ وهل كانت على وعي بأن العمل الذي قامت به، قد يسقطه غيرها على قصائدها أيضا؟

لم تنتبه الشاعرة الى أن عملها هذا سيحث الشعراء في قصيدة النثر على الانتباه الى كون هذه القصيدة، ليس من اللازم أن تكتب في شكل قصيدة التفعيلة من حيث نظام الأسطر، بل إن كتابتها في شكل النثر المسترسل تمثل امكانية جديدة لتحرير القول الشعري ليس من الوزن فحسب، بل أيضا من الفضاء المقيد للسطر الشعري والذي قد يكون عقبة أحيانا في وجه تدفق اللغة النصية وهي تبحث عن عوالم وفضاءات غير محدودة وغير متوقعة. وهو ما رأيناه في "لن"  لأنسي الحاج.

إن الشكل ينحصر عند نازك في الوزن. والشعر الذي لا وزن له، لا شكل له في خطابها. وترتيبا على هذا الفهم جردت قصيدة النثر من الشكل وميزتها بالمضمون فقالت بلسان شعراء القصيدة النثرية: "الشعر في نظر أصحاب هذه الدعوة ليس إلا معاني من صنف معين، فيها خيال وعاطفة وصور". ثم بالغت في هذا التخريج واستخلصت لقصيدة النثر التعريف التالي:

"تجمع معان جميلة موحية فيها الاحساس بالصور".(15).

هذا التعريف الذي قدمته الناقدة، خططت له تخطيطا لكي تبني عليه تقابلا مصطنعا اختلقته لمزيد من التنقيص من قصيدة النثر. في تقابلها ميزت بين مفهومين الأول هو الذي يعترف بالمضمون دون الشكل، ويمثله التعريف الذي اختلقته لقصيدة النثر، أما الثاني فهو المفهوم الذي يعترف بالشكل دون المضمون. وقد نسبته "للتعريف العربي القديم" وحصرت ما نسبته للقدماء في كونهم عرفوا الشعر بأنه "الكلام الموزون المقفى" وهذه نظرة أخرى تزكي ما قلناه عن كون الشاعرة لم تستوعب فهم القدماء للشعر.لقد شطبت الشاعرة بجرة قلم تعريفات الجاحظ وحازم وابن خلدون وغيرهم ممن قدموا تعريفات ومفاهيم للشعر لا تحصره في الوزن وحده (16). وحتى التعريف الذي نسبته للقدماء شوهته بما يخدم مقاصدها. كان يمكن أن تنتبه الى أن قدامة بن جعفر الذي صاغ هذا الت