|
للمتخيل
الشعري
وضعية
استثنائية
في كتابة
وقراءة النص
الابداعي
لاعتبارات
عدة تتصدرها
المكانة
الجوهرية
التي يحتلها
"الخيال"
بوصفه دالا
أكبر في بناء
الخطاب
الشعري
الحداثي. ومن
ثم
ندرك بجلاء،
سر عناية
الفلاسفة
المسلمين
بهذه الطاقة
الخلاقة،
مما جعلهم
يرفعونها
الى مرتبة
المبدأ
الأول الذي
تتحقق
بواسطته
ماهية ما هو
شعري،
وبطاقة
الهوية التي
تثبت
الانتماء
الى هذا
الجنس
الفاتن
المنافس
للموجود
والوجود،
وذلك بخلقه
أشكالformes
- sens (1)
تندغم فيها
تجربة
الكتابة
بالتجربة
اليومية. ولعل
ذلك هو السبب
الذي جعل
تعريف الشعر
يقترن
بالخيال
الشاعر بين
العرب
القداس
الذين
أفادوا من
الفلاسفة
أمثال حازم
القرطاجني
الذي يبرز د.
جابر عصفور
مكانته
النقدية
البارزة
ودوره
الرائد، كما
يتضح ذلك في
الفقرة
التالية "لقد
أفاد حازم من
الفلاسفة كل
الافادة
وأستطاع أن
يتجاوز خطي
أقرانه
وأسلافه من
النقاد ويصل
الى ما لم
يصلوا اليه
ويعالج
مشاكل لها
ثقلها
وأهميتها في
تاريخ
النظرية
الشعرية" (2). ويحسن
أن نشير الى
أنه، رغم
التحول الذي
حصل في
البيئة
الثقافية
القديمة،
وذلك بتبني
مبدأ
الخيال،ووقف
العملية
الابداعية
على
اشراقاته،
وكشوفاته،
فإن استمرار
التصورات
الأرسطية في
تأطير
ماهيته
وتفاعلاته
في النص، قد
حد من حريته
وقلص من
أقاليمه
وفتوحاته،
وذلك
بالاحتكام
الى المنطق
في قبول
عوالمه وعيش
فصولة أو طرح
بنائه ووصله
باللامعقول
والمعمى
والمبهم.
وتفضي بنا
هذه النقطة
الى إحدى
المنارات
البيضاء في
الثقافة
العربية
القديمة أرسى
قواعدها،
وأعلى صرحها
المتصوفة
المسلمون
الذين طرقوا
الأبواب
الموصدة
وولجوا عالم
الغيب
والشهادة
وغزوا
اللحظة
المبدئية،
وذلك باتخاذ
الخيال طاقة
خلاقة بها
تكتشف
التحولات
الدائمة في
الوجود،
وتتوارد
المتجليات
على القلب
والخاطر.
ولنتأمل
تعريف ابن
عربي: "...فالخيال
لا موجود ولا
معدوم ولا
معلوم ولا
مجهول ولا
منفي ولا
مثبت كما
يدرك
الانسان
صورته في
المرآة يعلم
قطعا أنه
أدرك صورته
بوجه ويعلم
قطعا أنه ما
أدرك صـورته
بوجـه" (3). ووفق
هذا التصور
نتبين ماهية
الخيال
البنائية
سواء في
العملية
الابداعية
أو في تعيين
أشكال تلقى
ما يعرضه من
صور ومشاهد
في النوم أو
اليقظة، وما
طبيعة وقدر
المسافة
التي يجب أن
يتخذها
الرائي
عندما يبلغ
مقام
التجليات.
ولذلك يردف
ابن عربي: "ومن
الناس من
يدرك هذا
المتخيل
بعين الحس
ومن الناس من
يدركه بعين
الخيال
وأعني في حال
اليقظة" (4)،
ويحسن أن
نشير الى
ضرورة
التنبه الى
خصوصية
الاشتغال
النظري
واستراتيجية
البحث في
الخيال
والمتخيل
عند
المتصوفة
وعند أبن
عربي الذي
خصه هنري
كوربان Henri
Corbin ودراسات
قيمة وعن
استراتيجية
في مبحث
الخيال. يقول:
"ولا شك أن
انشغال ابن
عربي الأول
كان هو عقد
صلات رؤيوية
بين المقدرة
التخييلية
من جهة، وبين
الالهام
الالهي من
جهة ثانية.." (5). فرضيات
القراءة: إن
اعتبار النص
الشعري في
كليته
والانفتاح
على الكون
التخييلي
الذي يؤسسه
يفرض علينا
اختيارا
منهجيا
يتمثل في
مراعاة سياق
توارد الصور
والرموز
التي تشكل
النسق
النصي، لكي
يتجنب
التفسير
الآلي وذلك
بعكس
الدلالة
المتحققة
للصورة في
المستوى
الانطروبولوجي
أو النفسي
على الطبيعة
التنظيمية
الخاصة التي
تدرج بها (الصورة)
في البناء
الدائم
التجدد،
علما بأن ما
يمكن أن يدرج
في إطار "المعرفة
الخلفية"
سيكون
بمثابة
إضاءات تفتح
أمامنا أفاق
المصاحبة. ومن
هذه
الزاوية،
نقترح في هذه
القراءة
الاستفادة
من شعرية
المتخيل
التي يدافع
عنها جان
بورغوص Jean
Burgus إن أول
قرنية
تواجهنا هي
فرضية
التركيب أي
التأليف
الحر
واللانهائي
للانساق
التخييلية.
ومن هذا
المنطلق يتم
التنبيه الى
أن القراءة
لا ينبغي أن
تكتفي
بملاحقة
الراهن، بل
يجب أن
تخترقا الى
الممكن
والمحتمل: "ومن
ثم فإن عزو
المعنى
الماورائي،
الذي يحدد
أيضا ماهية
الشعري، هو
الذي يمكن أن
يسمح بشعرية
المتخيل" (6). ومن
ثم فإن ابراز
الحدود بين
الوظيفة
الأسطورية
والكتابة
الشعرية، هي
أولى
المسائل
التي يتصدى
لها وفق
خاصيتي:
التكرير
والتوليد. إذ
أن الأسطورة
وهي تقدم
اجابات عن
تساؤلات
مركزية
تصاحب
الانسان
تعيد انتاج
وصياغة
الحالات
والأوضاع
الى مالا
نهاية،
بينما تصهر
الكتابة
العناصر
المعطاة
لخلق أنساق
جديدة
وارتياد
عوالم
مجهولة، ومن
ثم: "يميل
الخطاب
الأسطوري
الى تكرير
أوضاع بدئية
الى مالا
نهاية... في
حين تدشن
الكتابة
وضعية لم تعش
ولم يعبر
عنها من قبل
كما تنفتح
على
احتمالات
جديدة" (7). وهذا
المبدأ
العام هو
الذي ينبغي
أن يوجه
الانشغال
بطرائق
تجميع
الصورة
والكوكبات
الرمزية Les
cons te llations symboiques
التي تنتظم
في إطارها
لتحديد شكل
تركيب
المتخيل في
الكتابة
المقروءة.
ولقد اقترح
جان بورغوص Jean
Buegus ثلاثة
أشكال هي: 1-
كتابة
الثورة:
التي يصفها
بأنها "كتابة
الفضاء
الممتليء في
الحاضر" (8)،
وتستند الى
ملء الفضاء
الذي يعني في
وجه من وجوهه
السيطرة على
الزمن،
وتوقيفه في
لحظة مثبتة
ولهذه
الغاية يتم
تشغيل علاقة
التعارض. 2-
كتابة الرفض:
التي تسعي
الى أبعاد
الزمن
والالتجاء
الى مكان
حميمي، وفي
هذا الشكل
الكتابي
تهيمن
ترسيمات
التقريب
والتقليص
والانثناء،
كما: "تقتضي
هذه الكتابة
رؤية أكثر
تجريدية
وذاتية
خالصة، إنها
أساسا رؤية
حسية للعالم
والأشياء أي
رؤية متزنة
حسب تصور
باشلار" (9). 3-
كتابة
التمويه:
التي توهم "بقبول
السيرورة
الكرونولوجية
الحتمية" (10)،
ومحاكاة
الحياة
اليومية، ثم
لا تلبث أن
تفجر
تناقضاتها
ولذلك: "كثيرا
ما يشبه
العالم
المتخيل
الذي تفتحه
عالمنا
المعتاد، ثم
لا نلبث حتى
نكتشف فجأة،
بأن العبور
من المتجول
الى الزمني
قد تحقق،
وبأن
الدرامي قد
أخذ معناه" (11). بهذه
الفرضيات
المركزة
نقترح
الاقتراب من
الكون
التخييلي
الذي تؤسسه
القصائد
الشعرية
المكونة
للديوان
الشعري،
موضوع
القراءة "حزن
في ضوء القمر"
للشاعر
الغاضب محمد
الماغوط. البعد
والأبعاد
يفجؤنا
العنوان
بصيغته
التناقضية
ذات الصفة
الازدواجية
إذ يتمظهر
التعارض
الأول في
الشق الثاني:
في ضوء
القمر، شبه
الجملة
المزدوجة:
جار + مجرور=
مضاف + مضاف
اليه. بما
يحمله من قلب
طبيعي
للخاصية
الزمنية:
الليل
والنهار،
وملحقاتهما:
نور - ضياء - (ظلام
- عتمة) حيث
أصبح الليل
حاملا
للنور،
واتشح
النهار
بالسواد.
الأمر الذي
يفضي بنا الى
التعارض
الثاني
المتمثل في
الشق الأول:
المركب
الأسمى حزن،
إذا ما
اعتبرنا هذه
العاطفة
الشعورية
تعتيم الذات
لحظة
انخطافية
تبعث على
الدهشة
والمناجاة
مما ينجم عنه
رج للعلاقة
بين المثير
والاستجابة
بلغة
السلوكيين.
ومن هنا يبرز
تقابل بين
حالة
افتراضية،
تكون اللحظة
الطبيعية
حافزها
ومبررها لها
ارتباط
بعالم داخلي
تؤثثه
أحاسيس
الرقة
والسمو
والصفاء
والبهجة
والفرح كما
تنفتح على
عالم خارجي
تستحضره
انخطافات
العشق
والمفاجأة
وحالة سلبية
واهنة تتقلص
وتنكفيء
فيها الذات،
مما يفتح
احتمالات
الفقد
والحرمان
وينبيء
بصلابة
العوائق. إن
لترسيمة
الفقد
والغياب
أهمية خاصة
في بناء
الانساق
التخييلية
ومد الأطراف
بماء
الحياة،
حولها
تتكوكب
ثيمات
التشرد
والضياع
والشوق
والحنين.
ولعل أول
مظهر للفقد
يواجهنا، هو
غياب
المعشوقة
التي تبعث
الخصب وتغمر
الكون بهجة
وصفاء. واذا
كان البعد /الأبعاد
حاصلا،
والحب
مستحكما مس
العاشق
بالوله
والخبل،
واستحالة
اللقاء لا
مراء فيها،
فإن استدعاء
التحولات لا
مناص منه بها
يهدم جدار
البين وكفى
مسافة الفصل.
لذلك تسافر
الذات في شكل
"قصيدة غرام"
حضور اقتضته
الأجواء
الرومانسية
والدرامية
التي يلقي
العنوان
بظلالها. غير
أن هذا
الانفتاح
المرحلي، لا
يلبث أن
يستدعي
تعارضا
تجسده
الجملة
الاسمية
المعطوفة،
أو طعنة خنجر.
ولعل جذوة
الحرقة
المتقدة في
الفؤاد هي
التي تفسر
هذا
التعارض،
حرقة
اقتضاها
الاتحاد في
البعد
بواسطة
اللقاء
الرمزي
تهيىء
الكتابة
مراسميه
وطقوسه.
وتفيد فيه من
علاقة
المحتوي
والمحتوى
ومن ترسيمة
التنافذ
والتداخل: ايها
الربيع
المقبل من
عينيها أيها
الكناري
المسافر في
ضوء القمر خذني
إليها (12) من
العين يقبل
الربيع وفق
تشخيص فصلي
لا يفتا أن
يستدعي
احتواء
مناظر يتمثل
في "الكناري
المسافر".
والعمليتان
الاحتوائيتان
تنسجان
صيغتين
تركيبيتين
متناظرتين: (أيها
الربيع..
خذني اليها) (أيها
الكناري (...)
خذني اليها)
كما تتقوى
الرابطة
التنظيمية
من خلال
الصفتين
المتقابلتين: (أيها
الربيع
المقبل.. /
أيها
الكناري
المسافر) وفي
الاقبال
والسفر
دلالة على
التحول
والحركة (الأبدية)
وهنا يحضر
الجسد
الايروتيكي
بجلاله
وشبقيته
ونقائه
وطهره مما
يتيح
التسمية: (حبيبتي
ليلى... دمشق
يا عربة
السبايا..)
عندئذ تفتح
واجهة
للصراع بين
الذات
والزمن. صراع
يندحر فيه كل
أمل في
الانعتاق من
السلطة
القاهرة،
فتتعالى
أصوات
البكاء
والخيبة
والانتكاس.
وترفع رايات
اليأس
والعدمية
لتلقي
الذوات في
فضاء مظلم
أشبه بالهوة
السحيقة
التي لا قرار
لها. -
عشرون عاما
ونحن ندق
أبوابك
الصلدة (ص 16) -
ونحن نعدو
كالخيول
الوحشية على
صفحات
التاريخ (ص 17) ويمكن
أن نستنتج،
في هذا
المقام، بأن
الترسيمة
الموجهة
لانتظام
الصور هي:
النقيضة
التي
واجهتنا
صورة من
صورها في
عنوان
القصيدة: حزن
في ضوء
القمر،
المختار
لتسمية
الديوان
الشعري، كما
تواجهنا صيغ
أخرى
لقسماتها
تتكوكب حول
الجسد
الأنثوي
بفتنته
وبشاعته، وتبادله
العلاقات
التفاعلية
وفق مبدأ
التماهي مع
البلاد -
دمشق - الوطن.
وفي هذا
الكون
التخييلي
يتقابل
عالمان
متعارضان:
عالم مضيء
يقوم على
أساس
الامتداد
وملء الفضاء
تؤسسه تيمات
البعث
والخصب،
التي يكون
للعين في
سلطانها
مرتبة
السيادة
وطاقة
الخلق، إنها
عين الآلهة
المخلصة
والجذوة
المتقدة
التي ينبعث
من انسانها
النور
والضياء. كما
يكون للغم
والقدمين في
شريعتها
طاقة التهيج
وإثارة
الغرائز
الجنسية بما
أنهما
مصدران
للنشوة
والانتشاء.
أما العالم
الثاني
فيقوم على
أساس
التقليص
والانحسار
تتعالى فيه
أصوات
النواح
والمرض،
عالم مظلم
تنسحب فيه
الذوات
وتنكفيء،
ليلقي بها في
ردهات الصمت
والبكاء
والخوف
مكتفية من
خلل الثقوب
بالتفرج على
المشهد
الجنائزي
الذي تعيش
أطواره
وفصوله،
وتكتوي
بنيرانه
العاتية،
ولننصت الى
صوت الكتابة
وذبذبته حين
يلهج هذه
المأساة
مشددا على
التعارض: (1-
أيها الربيع
المقبل من
عينها 2-
في عينيك
تنوح عاصفة
من النجوم) (1-
ذات الفم
السكران
والقدمين
الحريريتين) (2-
ذات الجسد
المغطى
بالسعال
والجواهر) وفي
هذه اللحظة،
لا نملك إلا
الاستسلام
والانقياد
سريا لغواية
قصيدة
تأسيسية في
الشعر
العربي
المعاصر هي
قصيدة
الشاعر
الكبير بدر
شاكر
السياب،
أنشودة
المطر، غير
أننا نترك
لذة اللقاء
والوصل
مفتوحة. ومن
هذه
الزاوية،
ندرك أيضا سر
المراوحة
بين النظام
الانثنائي:reqine
de repli: فأنا
متشرد وجريح -
إنني شبح -
إنني مريض -
إنني ألمح
أثار قلبي -
وأنا راقد في
غرفتي -
فأنا على
علاقة قديمة
بالحزن
والعبودية. * وتتجمع
في هذا
النظام
الكوكبات
الرمزية les
conslellations symboliques القائمة
على أساس
التناظر -
التاريخ
الرابض على
الشفة..
الاجتثاث من
الجذور. -
الحب القاتل
- البطل
المنهزم -
الرايات
المنكسة.. ويحسن
أن نشير الى
أن التناظر
بين الصور
المعتمة
إحدى ضرورات
هذا النسق
التخييلي،
به تحقق وحدة
الكائن،
وألم
الكينونة. ويقابل
هذا النظام،
نظام مناقض
تمديدي
توسيعي فيه
يبعث البطل
من الرماد
كما تبعث
العنقاء
فيحيى جذوة
الحياة
مستعيرا من
الطبيعة
طاقة الخلق
المتجدد. -
وأنا أسير
كالرعد
الأشقر في
الزحام (ص19) -
أملا في
السيطرة على
الفضاء
والزمن -
أنت لي -
هذا الحنين
لي يا حقودة ! (ص
17) فاتحا
بؤرة إشعاع
ينبعث منها
اضوء
ومراهنا عي
زمن أبدي
يمحى فيه الى
من
الكرونولجي،
وتجد فيه
الذات مكانا
حميميا
وملجأ رحيما
من عنف
المحسوس
وجبروته. وفي
مجامل
الطريق،
ووحشة السفر
تعي "الذات"
خيبتها
وخذلان
العالم لها.
كذلك تستعيد
ذكريات
الطفولة،
وتستحضر
أحلامها
السعيدة،
مستلقية في
أحضان الأم
التي جف
عودها
وتوارت
فتنتها لذلك
تمني
بالخيبة
مجددا لأن
الاحتماء تم
بالهباء. مقامات
الكتابة إن
مشهد العذاب
والشهادة
الذي تعيش
فصوله كل ذات
مبدعة أصيلة
تصل في هذا
المقام درجة
قصوى، فيه
تعي الذوات
تفاهتها
وخستها
فترفع نداء
مقاومة
الزمن
لالغاء
جبروته
وقهره ومن ثم
تعبر لحظة
تأملية
تتغيا ملء
الفضاء:
العيون -
الطفلة
السحابة -
هذه العناصر
التي تشترك
في بعث
الحياة
والخصب. إذ
تتعاضد
الطاقة
الرؤيوية
والبراءة
الطفولية
لتجديد
مواسم الخصب
والبهجة. غير
أن ثبات
المشهد
الوحشي
ينبيء بأن
الزمن مازال
جاثما حاملا
اعلام
الفجيعة
والانكسار
والهزيمة: -
إن ملايين
السنين
الدموية تقف
ذليلة أمام
الحانات (ص 23) وفي
هذا الكون
المظلم
تحتمي الذات
بالحلم، به
تجرب اختراق
الانفلاق.
وعندئذ
يتحول الحزن
من طاقة
شعورية
تدميرية
توهن الذات
وتشل
حركتها، (بما
أنه خلاصة
لرعب الزمن
واقتياده
الكائن الى
الجحيم)، الى
مادة
تطهيرية،
بها يخاض
الصراع ضد
الزمن
لترويضه
والسيطرة
عليه. -
فالتراب
حزين،
والألم يومض
كالنسر (ص 24). ومن
ثم نشهد
محاولات
مستمرة
للاختراق
والنفاذ الى
الباطن،
واستسلاما
لغواية
الكتابة
وآلامها،
وخضوعا
لطقوسها،
ودهشة أمام
تقريبها
السحري بين
الحاضر
والغائب،
الظاهر
والخفي،
الداخل
والخارج،
الصاعد
والنازل،
الكائن
والممكن،
الواقع
والمحتمل.. غير
أن انحسار
الرؤيا
وقتامة
الأفق، لا
تثبت سوى
مشهد
الاندحار
والتقلب في
ردهات
الجحيم فيها
يمحى بهاء
الكتابة
ويجف ماؤها
فتتلاشى
الذات وحيدة
وهي تراقب
احتراقها
وتشهد مد ما
يقوضها
ويشتتها
مجسدا في
التشابه
والتماثل.
لذلك تدوي
نبرات الضعف
والعجز: -
ولكنني حزين
لأن قصائدي
غدت متشابهة -
وذات لحن
جريح لا
يتبدل (ص 17) ومع
تنامي حاجة
الذات الى
الانفتاح
على المختلف
والمتعدد،
تتضاعف حدة
الغضب
والنقمة على
الطبيعة: (الحقول)
والكينونة (البشرية)
لأنها تنشد
السمو
والتحليق في
الآفاق
اللامحدودة. وهنا
تستحضر شكلا
من أشكال
التوجيه
الخارجي
المجسد في
الحب القاتل
والعشق
المدمر الذي
أفنى الجسد
في الوطن. -
وطني.. أيها
الحرس
المعلق في
فمي (ص 48) على
الرغم من
القهر
والحرمان.
وما أبشع أن
يموت البشير
جوعا
وتتوارى
النبوءة
سرابا. وذلك
هو المال
الذي انتهت
اليه الذات
ساحبة
وراءها
أذيال
الهزيمة
والاندحار
لتعترف
علانية
بالعجز: -
لكنني لا
أستطيع (ص
49) -
لا أستطيع
الكتابة،
ودمشق
الشهية تضطلع
في دفتري
كفخذين
عاريين (ص 49). وفي
هذه العتمة
المدمرة، لا
تملك الذات
الانسحاب
والهرب الى
ملجأ حميمي،
نشدانا
لصفاء وسمو
خالص تتعمد
فيه بمياه
الأبدية. ويمكن
أن نلاحظ في
هذا النسق
التخييلي،
تقابل
ترسيمتين
منظمتين،
ترسيمة
الانثناء
وترسيمة
التوسيع
والتمديد.
لذلك نواجه
انحسارا
وانغلاقا
تجسده تيمات
الفقد
والفراغ
والألم
والكآبة عبر
استحضار
نضالات
المامي التي
آلت إلى
السقوط،
وتعذر
العبور بعد
تحطم الجسور
والحرمان من
اللقاء
نتيجة النفي
والتشريد.
وتلك هي علة
الحرقة التي
يذكيها
الشوق
والحنين
الباعث على
بسط سلطان
الخيال
وقدراته
الابداعية
على التوسيع
والتمديد،
وهنا تحضر
الرمزية الأ
نشوية كشكل
من أشكال
الانفتاح
وتصعيد
البشاعة الى
ذروتها: -
ما من أمة في
التاريخ لها
هذه العجيزة
الضاحكة والعيون
المليئة
بالأجراس (ص 62) وفي
هذا الأفق
التخييلي
تتقلص
القارات:
أوروبا،
آسيا.
لتتماهى مع
العشيقة
والأم،
والساقطة.
ومن ثم نلمح
هذا التوق
الى محو
الواقع،
وتصعيد
الأوضاع
الصدامية،
والتأرجح
بين العواطف
المتناقضة،
إذ تجتاح
عواطف
اللاجدوى
والعبثية
الذات، في
الوقت الذي
تبتهج فيه
بنشوة الخلق
واعادة
التشكيل. فتوحات
الهجرة
والسفر
تتعالى
من الأعماق
أصوات تحث
على الرحيل
والسفر الذي
لم تتحدد
معالمه: -
سأرحل عنها
بعيدا..
بعيدا (ص 33). رحيل
يخلص الذات
من العناصر
والأشياء،
ويحصنها من
الزمن
ومهاويه
وهبائه. واذا
كان قرار
السفر لا راد
له، فإن
الغضب
والنقمة
التي تحملها
الذات
للعالم
شديدة
دفعتها الى
حمل معول
الهدم كي
تتحرر من كل
السلطات
القاهرة بما
فيها السلطة
الأبوية
باعتبارها
علة "شر
الكينونة". وبما
أن وحشة
السفر،
وغربة
المسافر
تقتضي الزاد
والعدة، فإن
كوكبة من
الصور تنتظم
حول عوالم
الطفولة
السعيدة. إن
الهوة التي
ألقيت الذات
في مهاويها،
ترسخ سيادة
الظلمة
والعتمة
وهيمنة
السكون.
فالأشياء
فيها حزينة،
والزمن ذو
وجه بشع لا
يتبدل،
والمدنية
غارقة في
المرض. إن
المياه
راكدة،
والعفن
والوحل يني
الجوانب: ...
حياتي، سواد
وعبودية
وانتظار (ص 35). لذلك
تحاول الذات
جاهدة
الاختراق
والنفاذ الى
كون مغاير
يفزر
المسافر
مجامله،
ويطأ أراضيه
البكر. ومما
يرسخ
التعارض
والسلب، هو
أن الملاذ
الحميمي
الذي تلوذ
اليه الذات
الغاضبة من
عنف الزمن،
قد أضحى
مهددا، لأن
المعشوقة (ليلى)
قد هجرته بعد
أن كانت
تملؤه بؤر
اشعاع ونور.
ولهذا الفقد
تتمزق
الأوصال بين
لحظتين: لحظة
ماضية اكتوت
الذات فيها
بحرقة الهجر
والفراق.
ولحظة
مستقبلية
تحاصر الذات
فيها هواجس
الخوف
والقلق. -
وأنا أرقب
البهجة
الحبيبة تغادر
أشعاري الى
الأبد (ص 37) عندئذ
تنتصب
القامة
شامخة لتبسط
همينتها على
الكون وتوقف
الزمن. غير
أن القدر
القاهر يفلق
كل ثقب يتسلل
منه بصيص
صفاء، حيث
ينفذ المصير
المشؤوم
المرعب الى
الأعماق
والدواخل،
مكثفا
هيستيريا
القلق
والخوف،
فتوثق
الأجساد في
مهاوي سحيقة: -
قبورنا
معتمة على
الرابية (ص: 51) لأن
تجربة
الموت، في
هذا المقام،
سلبية تفني
الى الجحيم
كما تتبين
ايحاءاتها
الرمزية
الدالة
للحصان
الجهنمي: -
والموت
المعلق في
خاصرة
الجواد يلج
صدري كنظرة
الفتاة
المراهقة كأنين
الهواء
القارس (ص 52). ويتسع
مشهد الفقد،
وفق تمديد
متدرج من
الانسان الى
الطبيعة: (فقد
الأب - سعال
الغابات -
الانين
التائه بين
الصخور -
القطيع
الميت)، وبما
أن الذات
تروع خوض
غمار مغامرة
انبعاثية
جديدة، تحول
تجربة الموت
الى معبر الى
حياة أنقى
وأطهر، فإن
مناجاة
مصادر البعث
والحياة في
الطبيعة:
الجبال -
الأنهار،
تغدو أشد
إلحاحا.
ويمكن أن
نقول، بأن
الكون
الجديد الذي
تفضي اليه
تجربة
الانفتاح من
خلال
الفناء،
تحيل جسد
الذات مصدر
إشعاع
وبوتقة نور،
في موكبها
توصل
الأشياء
والكائنات
بما يناقضها
ليسفر
التركيب عن
تطهير
وتخليص من
القوى
الشريرة: ...
أسير تحامين
جريحتين والفرح
ينبض في
مفاصلي إني
أسير على قلب
أمة (ص 56). لقد أصبح العالم المحسوس، بعنفه ورعبه ومشاهده البشعة: (الحياة الكريهة - نواح الأشجار -الجيوش الصفراء) دما يسري في الضلوع، هو مبعث الكآبة المتأصلة والاحساس الرهيب بفداحة الفقد وفي حضرة الغياب والتلاشي، تستسلم الذات لغواية السفر والرحيل لأنها اختارت المرافيء والسفينة، مسكنا وبيتا رمزيا، يكون الموت فيه معبرا لحياة أبدية ترتاد فيها غياهب المجهول، و |