مغامر عماني في أدغال أفريقيا

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

سيرة ذاتية ترجمها: محمد المحروقي
(كاتب واستاذ في جامعة السلطان قابوس)


هذا النص جزء من سيرة حميد بن محمد المرجبي المسماة (Maiysha Ya Hameed Bin Mohamed El Murjbi Yaani Tipu Tip) أي "حياة حميد بن محمد المرجبي المعروف بتيبو تيب" أملاه باللغة السواحيلية ثم ترجم هذا النص الى اللغات (1): الألمانية والفرنسية والانجليزية. تعتمد هذه الترجمة النص الانجليزي مع استشارة النص الأصل بعض الأحيان.

 حميد بن محمد المرجبي واحد من أشهر التجار العمانيين في شرق افريقيا في مطلع القرن التاسع عشر، تاجر في الرقيق والعاج. ولد في زنجبار وكانت له صلات قوية ببعض القبائل الافريقية مما ساعد على نجاح تجارته وتقوية نفوذه حتى أن كثيرا من المستكشفين الأوروبيين للقارة الافريقية نعموا بالحماية التي وفرها لهم المرجبي واثبتوا ذلك في مراسلاتهم للجمعيات التي ينتمون اليها.

ويشير الدكتور ابراهيم الزين صغيرون (1992: 37) في دراسته الهامة (2) أن مفوض الملكة البريطانية السير جونستون Sir H. H. Johnston أبان عن تقديره للدور المميز الذي يقوم به اثنان من كبار التجار العرب وهما الشيخ حميد بن محمد المرجبي والشيخ محمد بن خلفان البرواني في مساعدة الارساليات الانجليزية. وقال عنه وايتلي، واحد من أبرز المهتمين باللغة السواحيلية، في مقدمته للترجمة الانجليزية: "كان تيبو تيب رجلا مشهورا وله دور بارز في توسيع التجارة العربية في تانجانيقا والكونغو الأمر الذي يمنحه أهمية تاريخية كما تمثل سيرته أهم سيرة ذاتية عرفت في اللغة السواحيلية".

ننوي في جهد لاحق أن نستكمل ترجمة هذه السيرة الذاتية كما نهم بكتابة ترجمة وافية للمرجبي ليس فقط لأن المرجبي يعتبر حلقة من حلقات الوجود العماني في شرق افريقيا بل لأن التعرف عليه تعرف على ذلك التاريخ ببعديه المضيء والمعتم دون فرح بالبعد الأول ودون مواربة للبعد الثاني، ويلاحظ المتابع تنامي الكتابة والدراسة المتصلتين بما أسميه تقليبا حقل "الزنجباريات" وان كان أغلبها قد صدر باللغة الانجليزية من بينها المشاركة الجريئة التي أسهم بها الشاب موسى الرجيبي (3) وهي عبارة عن قاموس انجليزي-سواحيلي مع اثبات الأصل العربي للكلمات ذات الصلة باللغة العربية. وسيحوذ الرجيبي ريادة اذ قام بعمل قاموس آخر متعدد المداخل أي عربي - سواحيلي - وسواحيلي -عربي وهو مؤهل للقيام بمثل هذا الجهد.

وفيما يتصل بالترجمة لابد أن نشير الى انه من الصعوبة ان تفهم هذه السيرة دون تمثل لحالة انتاجها. وهي أن منشئها المرجبي أملاها ولم يكتبها ولذا فهو يتحدث مسترسلا عند بعض النقاط ومختصرا عند نقاط أخرى. وقد يأخذه الاستطراد الى حكاية جديدة تلهب ذاكرته بما تحويه من مغامرات أو بما حققه من ثروات. وهنا نتذكر أن صاحبنا المرجبي من كبار التجار وهو يكتب هذه السيرة بعد عهد طويل بكثير من أحداثها لذا يقع في مزلقين من مزالق الحكي.

فقد تدفعه لذة سرد مغامراته الى المبالغة والتزيد فيما حقق من ثروة أو أفنى من أعداء. وينتقل أحيانا من موضوع الى موضوع دون رابط واضح ودون مقدمات مهيئة. ويمكن أن نقدم أرقام القتلى الذين حصدهم في مواجهته للساموا كدليل على أن نوعا من المبالغة يظهر هنا. ففي المرة الأولى يقتل 200 منهم في مقابل قتيلين فقط ولا تجعل هذه الهزيمة النكراء الساموا يتعظ بل أنه يعاود الهجوم ليخسر 600 من جنوده. وقد يعقل ذلك الفرق الكبير في الضحايا في إطار اختلاف السلاح حيث يواجه المرجبي سلاح الساموا التقليدي (السهام والرماح) بسلاح فاتك وهو البارود ولكننا لا نتصور كيف لم يأبه الساموا لفارق السلاح.

أما المثال الذي يمكن أن يقدم للحالة الثانية من حالات مزالق الحكي وهي الاستطراد وتداخل السرد بالتذكر في بعض حكاياته هي قصة الجماجم التي شاهدها (ص 100) جنوده أثناء تتبعهم للساموا. فعندما تحكي أحدى الأسيرات مقتل الباحثين عن العاج في أرض الساموا يتدخل المرجبي (يلاحظ أنه هنا يمثل دور السامع للأخبار التي يقدمها بشير بن حبيب) بابداء ذكرياته أو معرفته لبعض الأماكن التي ترد في الخبر.

وقد يكون من الطبيعي أن تعكس ترجمتنا مزالق الحكي المشار اليها لاسيما المزلق الثاني. وفي مرات معدودة سنتدخل باضافة جملة أو أقل منها عندما نجد انه من الصعوبة على القاريء العربي أن يتابع سير الأحداث دون هذه الاضافة وسنضع المضاف بين معقوفتين هكذا (:. ونطمح من نشر هذه الترجمة الأولية لهذا النص أن نعاود النظر اليها ثانية بما نجده من ملاحظات المهتمين بحقلي الترجمة والزنجباريات. كما نأمل أن نقوم بموازنة دقيقة بين النص الانجليزي الذي نعتمده هنا والنص السواحيلي.

***

عندما بلغت الثانية عشرة من عمري أخذت أسافر الى البلدان القريبة متاجرا في السندروس ملازما أخي محمد بن مسعود الوردي وعمي بشير بن حبيب وعبدالله بن حبيب الورديين. تاجرت عاما كاملا في ذلك النوع من الخشب. كنت أحمل بضائع قليلة لصغر سني بينما يحمل أخي وعماي بضائع أكثر استمرت هذه التجارة سنة واحدة.

***

وعندما بلغت الثامنة عشرة كان والدي محمد بن جمعة مسافرا وقتذاك. قرر والدي وعشيرته التوجه الى أوجانجي (Ugangi) بعث الي بالخبر التالي: "قررت القيام برحلة الى أوجانجي، تعال لنذهب معا. صاحبته الى أوجانجي وبعد رجوعي ذهبت الى زنجبار (Zanzebar) بينما ذهب والدي محمد بن جمعة الى تابورة (Tabora) أونيامويزي (Unyamwazi). وكان ذا كلمة ونفوذ في تابورة حيث كان مقربا من سلطانها فوندي كيرا (Fundi Kira) إذ صاهره بالزواج من ابنته منذ شبابه. واسمها كروندي (Karunde) وأمها زوجة السلطان الأولى التي كانت تقمع بنفوذ يعادل نفوذ السلطان. لذا كان لوالدي نفوذ كبير في تابورة وعندما يجيء الى الساحل يصطحب زوجته معه ويأتي بكميات كبيرة جدا من العاج بعضها تخصه وحده - منحة من السلطان - والبعض الآخر تخص السلطان جعلها في قبضة والدي ليبيعها له كان سلطان أونيامويزي في ذلك الزمان ذا مال وأتباع كثيرين يماثل سلطان أوغندا (Uganda) وسلطان كراجوا (Karagwe).

مرة كنت ذاهبا الى الوالد في تابورة فأصابني مرض الجدري في الطريق. لذا مكثنا شهرين في أونيانيامبي (Unyanyambe) بتابورة رأى والدي بعدها الذهاب الى أوجيجي (Ujiji). ولما وجدنا أن سعر العاج مرتفع بعض الشيء قرر جماعتنا العرب - الذين كنا بصحبتهم - التوجه الى أوروا (Urua) بينما فضل والدي العودة الى تابورة وعهد ببضائعه الى رجل من مريما (Mrima) يسمى مويني بكار بن مصطفى، وقال لي: "سافر - وكن بصحبته" - وفي ذلك الوقت كانت البضائع المطلوبة في أروا هي الأساور والخرز - فكان ردي له: "لا أستطيع الذهاب الى أروا وبضاعتنا في قبضة رجل آخر من ساحل مريما وأنا في وضع التابع له، ولكن من الأفضل أن أعود معك". أجاب أبي: "لم أكن لأعطيه القيادة لو لم تكن شابا غير مجرب وهو خبير بالمنطقة أجمعها. ولكن إذا كنت تشعر أنك قادر على حمل المسؤولية فهذا أمر جيد" فأجبته: "جربني، واذا فشلت فاعهد الى رجل آخر في الرحلات القادمة". و ما كان من أبي إلا أن سلمني البضائع وعاد الى تابورة.

***

عبرنا بحيرة تانجانيقا (Tanqanyik) بزوارق أهلية لانعدام القوارب. وقد كنا قرابة عشرين تاجرا عربيا. وصلنا أوروا بمرونجو (Mrongo Tambwe’s) ووجدنا التجارة فيها متوسطة ليست جيدة وليست ضعيفة كذلك. اشترينا عاجا من هناك واخترت القطع الصغيرة لأنها كانت أرخص من القطع الكبيرة لرغبة الناس في الأخيرة، بينما أقبل التجار الآخرون على القطع الكبيرة للحصول على أرباح مضاعفة. وقد عدنا بعد أن أنهينا شراء ما نريد.

***

وفي طريق العودة بلغنا خبر وفاة زعيم تابورة فوناي كيرا إذ نحن بمتوا (Mtoa) كما علمنا أن والدي أقام مكان الزعيم الراحل ابن أخيه واسمه منيوا سيري (Mnywa Sere) ثار أحد أقارب الزعيم السابق ضد منيوا سيري ولكنه لم يوفق في مسعده للزعامة. وكان من أمر هذا الزعيم الثائر المسمى بـ ميكازيوي (Masiwa) أن تحصن بقريته وبدأ يبني المخازن ويجمع القوة والأتباع.

رأى منيوا سيري أن الحرب لازمة فحاول المواجهة عدة أسابيع ولكنه لم يتمكن من دحر أعدائه. عندما أيقن من ضعفه عن الحرب طلب من والدي مساندة العرب وأعطى والدي قرونا كثيرة من العاج بعضها من مخازنه الخاصة وبعضها من مخازن أخرى مجاورة لمخازنه. قبل العرب الهدية وشنوا هجوما استغرق شهرا كاملا حتى زعزعوا قوة ميكازيوى وقتلوا عددا كبيرا من أتباعه وأسروا مثلهم مما اضطر ميكازيوى الى الهرب مع من نجا الى أورياكورو (Uriakuru) وحتى هذا الوقت لا يعرف أحد شيئا عن ميرابو (Mirabo). (5)

***

حافظ منيوا سيري على سلطته وقويت شوكته. وعندما أحس بتمكنه فرض ضريبة على القوافل العربية القادمة من الساحل تلزم القوافل بتسليمها عينا من بضائعهم أيا كانت. كان ذلك أثناء الحرب بين السيدين ماجد وبرغش وهرب أكثر أتباع السيد برغش الى تابورة لاجئين الى العرب بها. وعلى الرغم من أن الزعيم منيوا سيري كان ضعيفا وفي ضائقة شديدة لم يستطع العرب النيل منه خوفا من والدي محمد بن جمعة الذي كان يتمتع بنفوذ كبير وله أتباع كثيرون. فأولاد عمه - المسافرون آنذاك - يزيدون على ثلاثين رجلا، وكل واحد منهم يتبعه عبيد كثيرون في خدمته. لقد كبح عرب تابورة رغبتهم في الانقضاض على الزعيم.

***

تزايد طغيان منيوا سيري مع مرور الوقت فقد عذب حتى الموت كروندي بنت فوناي كيرا (Karundi Binti Fundi Kira) أم عمتي (زوجة والدي) وأم أخ عمتي. فاستشاط والدي محمد بن جمعة غضبا لذاك وتوجه الى سليمان بن حمد وسلطان بن علي وثاني بن عمر وخاطبهم قائلا: لقد تجاوز منيور سيري الحد في طغيانه مع أصهاري ولابد من محاربته. فأجابوه: كنا نراقب تزايد طغيانه منذ فترة طويلة ونتجنب إخبارك تخوفا من ردة فعلك، وبما أنك قررت بنفسك محاربته فنحن نساندك، ولننتظر عودة صهرك وولدك ثم نهجم عليه وننصب ماكازيوا (Makasiwa) سلطانا بدلا منه.

***

تمت المشاورة بين أولئك الرجال الأربعة كما صح العزم في قريتنا على إحضار مكازيوي سرا الى منطقة قريبة من تابورة وتم ذلك بجهود سالم بن سيف البحري الملقب بالصبور. أعلن الوالد محمد بن جمعة وسالم بن حمد وثاني بن عمر بيانا في اليوم الثاني عشر من الاستعدادات الى جميع الموجودين من أقاربهم وكل سكان تابورة الذين يتراوح عددهم بين 300 الى 400 رجل جاء بعضهم من ساحل مريما فتجمعوا في منزل سلطان بن علي الذي أعد لهم وليمة كبيرة قبل أن يبلغهم البيان المذكور.

***

في الوقت ذاته أرسل الزعيم عاجا الى موسى الهندي مع أحد أصدقائه القدامى ليبيعه له في تابورة ذاتها. وكان من موسى هذا الملقب بـ "الجميل" أن أخبر الرسول بأن العرب كلهم تجمعوا عند سلطان بن علي بقصد محاربة الزعيم وقد أرسلوا سالم بن سيف لاحضار ميكازيوي. هرع الرسول لنقل الخبر الى سيده الذي كان قريبا من تجمعنا الى حد ما. وبلا تأخير أمر بضرب طبول الحرب وقرر مباغتتنا بضربة عاجلة. لم نعاجل الزعيم بالضربة الأولى. في الوقت ذاته كان حول الزعيم عدد كبير من المقاتلين ولو هاجمنا مباشرة لوقعنا في خطر كبير ولكنه استمع الى نصائح مقربيه. لم نستسغ الطعام أبدا آنذاك.

***

توجه ثاني بن عمر الى السكان القاطنين بعيدا عن تابورة وأخبرهم أنه يجب عليهم أن يذهبوا حالا الى تابورة حيث تجمع الناس وأنذرهم قائلا: إن الحرب مهلكة ومن لم يجربها فإنها هكذا ثم قرأ قوله تعالى "فلا تلوموني ولوموا أنفسكم" ابراهيم 27. رابط أهل تابورة بها وهرب القاطنون بعيدا عنها ولم يبق إلا الذين ظنوا أنهم في مأمن من الحرب. بعد 15 يوما عاد سالم بن سيف ومعه ميكازيوى فانكشفت حالا المعركة التي دامت عدة أشهر. خسر الطرفان خلالها جملة من الرجال. وفي الشهر الرابع نزعنا الزعيم السابق ونصبنا مكانه ميكازيوى. بقيت في تابورة مدة شهرين بعد الحرب ثم توجهت الى الساحل فقد عهد الى والدي أن أبيع عاجا له ثم أعود اليه بالثمن.

وصلت زنجبار وكان الحظ حليفي فقد وجدت أن سعر العاج الصغير حجمه أغل من الكبير وكان سعر الفرسيلة آنذاك يتراوح بين 50- 55 دولارا والضريبة 9 ريالات على الفرسيلة الواحدة. بعت العاج وبلغت والدي البضاعة التي كان طلبها. لم أذهب ثانية الى تابورة لانشغالي بأعمالي الخاصة.

لم تقيض لي رؤية الأخ محمد بن مسعود الوردي فعندما كنا - والدي وأنا - في سفر كان هو في ناجوناياسا (Nago & Nyasa) لزيارة أحد أقاربه ويدعى محمد بن سعيد الملقب بـ "واتليزي (Watelezi) وأخيرا فإن محمد بن مسعود قصد ناجومويا ليتوجه بعدها الى البنادر بينما ذهبت أنا مشيا على الأقدام الى ماهينجي لشراء بعض الزيوت.

اقترضت في زنجبار بضإعة قيمتها 1000 دولار (6) وتوجهت الى منتيجيرا عن طريق أوهيهي، ونظرا لحسن القبول الذي كنت أحظي به تمكنت من اقتراض مال آخر يقدر بين 4000 - 7000 دولار وسافرت الى أوريري التي وجدتها كاسدة التجارة مما دفعني للذهاب الى فبيا ونيامانجا فجمعت كثيرا من العاج.

لدى عودتي من هذه السفرة الى أورونجو وجدت أخي محمد بن مسعود في زنجبار والذي لم تتيسر لي رؤيته مدة 12 سنة فقد كانت رحلاتنا مختلفة الاتجاهات دائما، فعندما أصل الى أورونجو يكون هو في البر حتى قيض لنا هذا اللقاء أول مرة.

لقد ربحت كثيرا من رحلتي الأخيرة. أما الأخ محمد فقد عدل عن رحلته البحرية ليكون بصحبتي. أخذ مالا قليلا يقدر بـ5000 ريال ليجرب حظه في التجارة بينما أخذت أنا مالا تزيد قيمته على 30000 ريال اقترضتها من 20 هنديا مسلمين وبانيان.

***

كانت المجاعة متفشية في ساحل مريما. عبرنا طريق يوري باستخدام رجال من قبيلة يتواويزي الذين رفضوا عبور طريق أوري لبعده عن مساكنهم مما اضطرني الى مفاوضة قبيلة وزارام المعروفين بأنفتهم من الاستخدام لكنهم قبلوا لما عانوه في الفترة الأخيرة من الجوع والتعب واشترطوا أجرة 10 ريالات لكل حمال، طلب بعضهم الربع مقدما وطلب الآخرون الثلث بالاضافة الى توفير الطعام من المأكولات النباتية عمل عندي 700 رجل. غادرنا بتجارتنا أونجوجي (Unguja) الى مبواماجي (Mbwamaji) وكانت جلبة الاستعداد وتحميل البضاعة بارزتي الضجيج. تواصل سفرنا الى مبزي (Mbzi) التي بقينا بها 7 ليال ثم اتجهنا الى مكامبا (Mkmb). كان طعام الحمالين الذرة التي نفدت في الطريق مما جعل الحمالين يقاسون ضغط الأحمال على بطون خاوية. وما إن وصلنا الى مكامبا حتى اشتريت مؤونة تضمن عدم نقص التغذية على الحمالين مرة ثانية وكذلك لصعوبة الحصول على مؤونة بعد هذه المحطة وحتى روفيجي Rufiji Lafty لهذا العدد الكبير من الرجال. وزعت المؤونة لكل شخص ما يكفيه مدة 6 واحتفظت بالكمية المتبقية.

***

في اليوم المحدد للسفر لم أجد الحمالين فقد تفرقوا في القرى المجاورة مئة رجل في هذه القرية ومئة في تلك القرية وهكذا. قرعت صباحا طبول الرحيل فلم يحضر أحد وكأن الجمع قد تلاشى. عندما جاءتني الأخبار بغيابهم ذهبت بنفسي لمزيد من التأكد - الى القرى التي تركوا بها الحمول وقد هالني الأمر إذ لم أجد أحدا البتة. بعثت الى أخي محمد بن مسعود وأمرته أن يلحقني ببندقيتي وملابسي ومجموعة من الخدم.

 سرت بمحاذاة مدينسيركومباري (Ndensereko Mbazi) وبعد ساعات قليلة كانت لدي قوة من السلاح والرجال. أدركنا الليل فبتنا على قارعة الطريق وفي الصباح توجهت الى قرية الحمالين وجمعت كبار السن بها وأقارب الحمالين فبلغوا على الجملة 200 رجل. ولم يكن الحمالون قد وصلوا الى قريتهم بعد.

ضرب أهل القرية طبولهم للتجمع فجاء الحمالون الذين رأوا ما صنعت فأظهروا الطاعة وعادوا معي. واصلت الطريق لتجميع الحمالين من (Nedeng) (Reko) (Mbezl) وفتشت في كل جزء من زراما (Zarama) والحدود المحيطة بها مما يقطع في 5 أيام فجمعت 800 رجل. لقد لقبوني بعد هذه العملية بكينجو واتا Kingu Wta ذلك الطائر الذي ينقض خاطفا هنا وهناك. قدتهم جميعا بعصا الموت عائدين الى مكامبا.

***

من هناك توجهت الى زيزي وهي خلف منطقة كوالي حيث يسكن أحد البانيان واسمه حيلة. وهو يملك - في الواقع - دكانين، أحدهما في مبواماجي والآخر في زيزي قرب كوالا، قصدت حيلة في دكانه الثاني وسألته أن يزودني بقطع معدنية فوفر لي الكمية التي أريد. عدت بها الى مكامبا ليسبكها الصانع الذي كان بصحبتي سلاسل، وضعت جميع الحمالين بها وجعلت أخي في المقدمة وتبعتهم أنا لضبط من يحاول الهرب. أطلق هؤلاء الحمالون لقب كومباكومبا (Kumpa Kumpa) على أخي وهو لقب يطلق على الشخص الذي يفتك بكل أحد. تابعنا المسير حتى وصلنا أوروري (Urori) التي كان يتزعمها ميرري (Merere) وحال وصولنا تركت البضاعة من الخرز وغيره مما يقدر بقيمة 600 دولار بعهدة شاب من مباواماجي (Mbuamaji) كانت المقايضة على اعتبار الوزن فالفرسيلة من الخرز يقابلها فرسيلة من العاج أما القماش فمن 12 الى 15 قطعة يعادلها فرسيلة واحدة من العاج وقطعة الصابون بفرسيلة واحدة من العاج، هنا ربحت مالا عظيما.

***

ذهبنا أنا والأخ محمد بن مسعود الوردي (7) وبشير وعبدالله ابنا حبيب بن بشير الوردي وعمي والعديد من اخواننا ومن معنا من الاتباع الذين يبلغون 30 رجلا كنا مسلحين بالبنادق تسعون منها لدى رجالنا وهي جميعا على الجملة 130 بندقية. لقد كان قرارنا واحدا وهو التوجه الى رومبا (Ruemba).

***

أغذذنا المسير حتى وصلنا الى قرية رويمبا حيث قابلنا مجموعة من الرجال من موامبا (Mwaba) من كيتيكار امتوكا (Kitimkara Mtuka). الموامبيون هم الأخوة الصغار للحمالين الذين معي. رأينا أن ندخل رويمبا ولكننا لم نجد بها طلبتنا من العاج لذا قررت مواصلة المسير الى ايتاوا (Itawa) خلف بحيرة تانجانيقا (Tangqnyika) حيث تسكن قبيلة الساموا (Samu). خلفت أخي مع الموامبيين ومع خمس عشرة بندقية وأخذت البنادق الأخرى المتبقية وعددها مائة وخمس.

حاول الحمالون اثنائي عن الذهاب قائلين: "لا تذهب الى الساموا صحيح أن لديه كثيرا من العاج ولكنه لا يؤتمن. لقد قتل أعدادا كثيرة من العرب والعبيد وآخرين من ساحل مريما. ربما كان يخدعهم برؤية العاج وبرؤية بضائع أخرى ثم ينقض عليهم ومن الأفضل لك ان تبقى هنا جانيا ما يمكن من فائدة تجارية إننا نعرف شخصية الساموا على مدى طويل". في نهاية المطاف واصلنا المسير الى أورنجو (Urungu) كل الحمالين مجمعون على أننا لن نعود من هذه الرحلة، قالوا لي: "انك تحمل نفسك وبضاعتك اليه".

***

وجدنا أحد المعمرين العرب واسمه عمر بن سعيد الشقصي الذي قال لنا ناصحا: "لا تذهبوا الى أرض الساموا فمنذ أعوام طويلة ذهبت هناك برفقة محمد بن صالح النبهاني وحبيب بن حمد المعمري وآخرين من العرب والأتباع من سكان الساحل، لقد هوجمنا ونهبت بضاعتنا بل إن بعضنا قد قتل وما نجا منا الا من التجأ الى رؤساء متامبارا (Mtambara). والى رؤساء آخرين أرى أنه من الحكمة أن تبقوا هنا حيث يمكنكم الحصول على قدر من العاج".

***

لم نأخذ بنصيحته وبعد أربع ساعات واصلنا المسير الى أرض أرونجو (Urungu) حيث عبرنا نهرا عظيما يشكل حاجزا طبيعيا مارين بعدد لا يحصى من القرى. كانت المنطقة مكتظة بالسكان مسيرة ستة أيام. والانتقال من مكان الى آخر يستغرق ساعتين نقطع خلالهما غابات وقرى تبلغ المائتين وربما الثلاثمائة غير محكمة التحصين عدا تلك الخاصة بالزعماء وهم أبناء الساموا نفسه وأبناء أخيه وأحفادهما.

مررنا خلال تلك الأيام الستة بما يقارب ألف قرية وكانت قرى الزعماء مميزة بعظمتها. في هذا الزمان تعرضت هذه المنطقة لغزو قام به رجال المافيتي (Mafiti الذين لم يستطيعوا التغلغل في أرض الساموا الذين دحرهم بشكل لا يمكن معه أن يفكروا ثانية في غزو أراضيه. إن سكان رويمبه وسكان ورنجو يدفعون ضريبة الى الساموا كما تفعل جميع القبائل الأخرى مثل: قبيلة بيرتو (Pweto) وكيسابي (Kisabi) وحتى أولئك الساكنون أوروا (warua).

***

بلغنا في صباح اليوم التالي مشارف قرية الساموا، صعدنا تلا صغيرا فبدت قرية الساموا في الجانب الآخر عظيمة جدا. استقبلنا بعض حاشية الساموا وأخذونا الى مكان ليس ببعيد عن القرية. وجدنا فيه المخازن الكبيرة التي بنيت في ثلاثة صفوف وهي محصنة بأخدود عظيم وأشجار شائكة. في الصباح التالي أرسل الزعيم بعض حاشيته يدعونا لملاقته، فذهبت ومعي رئيس الحمالين. أخذنا معنا بعض الثياب كهدايا. وجدناه طاعنا في السن يتراوح عمره بين السادسة والثمانين الى التسعين سنة. قال الزعيم لحاشيته: "احملوني لأريهم العاج". أخذوه محمولا على محفة فأرانا كميات عظيمة من العاج محزونة في منزل كبير. قلت له: "ألن يهبني الزعيم قطعتين من هذا العاج" فاهتاج غضبه. هنا عرفنا حقيقة الأمر وهي أن كل هدايانا له ذهبت هباء. لقد أعطينا أتباعه بعض الهدايا وأعطونا ثلاث قطع من العاج مقابل ذلك. أما الزعيم فقد أعطيناه النصيب الأعظم من الهدايا وهو الآن ساخط علينا. 

***

ودعناهم وعدنا الى مخيمنا. بعث الساموا الينا خدمه في صباح اليوم التالي يدعونا الى قريته. فتوقعنا أننا سنحصل على بغيتنا من العاج ولكن الحقيقة التي لم تكن لتفوتنا هي أن الساموا جهز جنوده للانقضاض علينا. تقدم عشرون منا بالاضافة الى عشرة من العبيد وكنت على رأس القيادة وفجأة اصابتني ثلاثة سهام اثنان منها اصابة عرضية والثالث أصابني مباشرة.