اليهود والموسيقى


 

النص: ريهان فاغنر
ترجمة: نوفل نيوف (مترجم من سوريا يقيم في موسكو)


قبل مدة قصيرة أثيرت في "المجلة الموسيقية الجديدة " (1) قضية "الذوق الفني اليهودي"، وسرعان _ نشبت الخلافات بهذا الصدد. فقد أسفر الدفاع عن الذوق الفني اليهودي والتشكيك به عن نقاش ساخن. ويبدو لي شخصيا أنه ينبغي الا نتباه  في هذا النقاش وبالدرجة الأولى الى مسألة مبدئية هامة يؤسفنا أنها قوبلت حتى الآن إما بصمت من جانب النقد أو نوقشت بحرارة وانفعال مغرط.على أن مهمته النقد في هذه الحالة كان يمكن أن تكون نبيلة على نحو خاص، لأنه دون الانحطاط الى مناقشة ما اختلقه النقد نفسه، ودون الاساءة بذلك الى جوهره بالذات، كان على النقد أن يكتفي بالتعامل سر الوقائع الأكيدة والظاهرة بوضوح.

وبين الوقائع العالية القيمة التي تهمنا في هذه القضية هناك قبل كل شيء النفور الداخلي العميق من كل ما هو يهودي، وهو نفور نعرفه جميعنا، ويميز الشعب بأسره، ويظهر جليا على الدوام.

إننا نرغب هنا في تفسير هذا النفور العميق من جانب الشعب إزاء اليهود وحدهم في الفن، وفي الموسيقى حصرا. ومنفض الطرف عن مجالي الدين والسياسة. فاليهود، من الناحية الدينية أعداء الداء منذ القدم، بل وغير جديرين حتى بالكره.. أما في السياسة الصرفة فإننا وإن كنا لا نتصادم معهم مستعدون دائما لتمكينهم من إقامة مملكة جديدة في القدس. ويبقى لنا أن نعرب عن شديد أسفنا لكون الدوق روتشيلد رفض بحذق كبير شرف أن يكون ملكا لليهود، وفضل أن يصبح "يهودي الملوك ".

ولكن حين غدت السياسة عندنا ملكا للمجتمع خيل للمثاليين أن وضع اليهود القانوني المميز يستدر العدالة الانسانية. وأيد هذه النظرة بالذات ما مهر لدينا أنفسنا من طموح الى التحرر الاجتماعي. وهنا تحديدا ينبغي علينا أن نبحث عن أصل كفاحنا في سبيل تحرير اليهود، إذ ظللنا في هذا السياق نكافح على الدوام في سبيل مبدأ مجرد، في سبيل فكرة وليس في سبيل تحرير اليهود كشيء ملموس، ويعود سبب ذلك الى أن ليبراليتنا برمتها لم تتكشف إلا عن لعبة عقل قصير النظر، لأننا شرعنا بتحرير شعب لا نعرفه، وبطبيعة الحال نتحاشى أي علاقة معه. وعلى النحو نفسه تماما فإن حماستنا في الذود عن مساواة اليهود لم تكن تنبع إلا من صبوتنا المثالية العامة، وليس من الشعور بالعطف على اليهود إطلاقا. ومهما قيل من كلام حميد عن عدالة ضرورة مساواة اليهود فإننا بعد احتكاكنا المباشر بهم، لم نتخلص من الشعور إزاءهم بأصدق أنواع النفور.

وفي هذا النفور الغريزي من اليهود نصطدم بمسألة لابد من توضيحها نظرا لأبد يتعين عليها أن تفضي بنا الى هدفنا.

ولا مناص من الاشارة الى أن الانطباع السلبي المنفر الذي يخلفه اليهود فينا يفوق بطبيعته وعمق قوته سعينا الواعي للتخلص من هذا المزاج غير الانساني النزعة. ولا نفعل الا أن نخدع أنفسنا. وبوعي كامل في هذا الحالة، عندما نستسلم لسورة شهامة، وعبثا نود أن نقنع أنفسنا والآخرين بأن ذلك  الشعور الطبيعي الذي يستدعيه اليهود فينا يجب أن يتميز بقدر خاص من الانسانية والأخلاق.

ويبدو أننا شرعنا نصل في المدة الأخيرة الى اقتناع عاقل بأن الأحري بنا هو أن نحرر أنفسنا من ضغط هذا الخداع الذاتي، وأن نتفحص بروية كاملة موضوع «عطفنا» القسري.

فعندما سنقوم متعقلين، خلافا لضلالاتنا العاطفية بتكوين مفهوم يحدد كيف يجب أن تكون مواقفنا من اليهود وكيف هي الآن، سوف نستغرب إذ نرى أننا أبان كفاحنا من أجل منحهم المساواة كنا معلقين في الهواء على نحو يثير الشفقة، وكنا نقاتل الغيوم ببسالة.

أما المجال الرائع البعيد عن مثاليينا المتهودين، مجال الواقع الفعلي فقد استلفت أنظار أولئك الذين كانت تسليهم قفزاتنا الهوائية الضحكة، ولكنها لم تكن تسليهم بالقدر الذي يمنعهم من التخلي لنا ولو عن جزء منه مكافأة لنا على بهلوانيتنا المثالية.

على هذا النحو تماما، وكما لو بشكل عرض كامل، أصبح "دائن المشوك " ملك الدائنين، ولا تبدو وساطات هذا الملك لتحقيق المساواة لليهود إلا جهودا ساذجة في نظرنا، مادام الأمر الأكثر إنصافا وإلحاحا الآن هو أن علينا نحن أن نطالب بمساواتنا مع اليهود.

وتشهد وقائع العالم اليوم على أن اليهود أكثر عن ستساوين في الحقوق، إنهم يسيطرون وسيستمرون في السيطرة مادام  للمال قوة تعجز إزاءها جميع طموحاتنا وأفعالنا.

ولا يتطلب توضيحا كون بني اسرائيل قد توفروا على هذه القوة القاهرة نتيجة  الويلات التاريخية والفظاظة الوحشية التي ميزت الحكام المسيحيين، الجرمانيين(2) وبخصوص تأثير اليهود على الفنون الجميلة تجدر الاشارة قبل كل شيء الى أن الفن المعاصر بلغ في تطويره درجة من الكمال جعلت مواصلة تطويره متعذرة الا بعد ارساء أسس جديدة له.

وقد استغل اليهود هذا الظرف من أجل تزعم النقد الفني وأخذ زمام الفن بأيديهم فلنتوقف عند هذه النقطة بمزيد من الاهتمام.

إن كل ما حصل عليه أقوياء وأغنياء ورما والعصور الوسطى من جهد قدمه لهم الانسان المستعبد الذي كأن يكابد أنواع العوز والويلات، كل ذلك حوله اليهود في أيامنا الى أموال. حقا، فمن يستطيع أن يرى على الأوراق دلالية البادية البراءة أبها مجبولة بدعاء تمدد لا يحصى من المبيد.

وكل ما حققه أبطال الفن بجهود لا حمو لها التهمت طاقتهم بل وحياتهم نفسها خلال صراعهم ضد قوى الظلام المعادية للفن على امتداد ألفي سنة بائسة، كل ذلك تحول في أيدي اليهود الى موضوع اتجار بالأعمال الفنية. فمن سيرى في ملامح تناغم الأعمال الفنية انها وليدة جهود شاقة ومقدسة بدلتها العبقريات على امتداد ألفين من السنين، أما كون الفن الجديد كله قد اتخذ سمة يهودية فمسألة شديدة الوضوع للعيان، جلية للشعور بحيث لا تتطلب برهانا. بذا فنحن في غنى عن الذهاب بعيدا، ولا حاجة بنا لملتصق في تاريخ الفن طلبا للبرهان على واقعة بينة.

يكفينا أننا توقفنا حيري أمام حتمية ضرورة تحرير الفن من تأثير اليهود الطاغي. إننا بحاجة الى قوة لن نجدها إذا ما توقفنا عند دراسة الظاهرة نفسها والاكتفاء بتعريفها نظرا. ولبلوغ هذه الغاية خير لنا أن نستطلع مزاجنا ومشاعرنا العفوية. إن المسبب الحقيقي لغفورنا من اليهود منجده في ذلك الشعور العتيد الذي ينفرنا منهم، وقد آن لنا أن نعترف، به صراحة. إذ ان نعرف، أخيرا، ضد من سنناضل.فقبل ذلك لمن يكون بوسعنا أن نمني أنفسنا بأننا سنحرر الميدان من العفريت المعادي لنا. المرابط تحت ستار ظلمة أمينة كتيمة قمنا. نحن الانسان الطيبين : بالقائها عليه لنخفف من بشاعة مظهره.

إن اليهودي الذي له وب واحد، وهو رب له وحده، يتبدى لابصارنا في الحياة اليومية بمظهره الخارجي قبل كل شيء. وهذا المظهر المميز سمة ,لا تنفصل عن اليهودي أيا كان الشعب الأوروبي الذي يعيش بين ظهرانيه، وعلى يمثل ملامح غريبة وكريهة في نظر جميع الأوروبيين إننا تلقائيا لا نرغب في أن يثرن ثمة شيء مشترك بيننا وبين من له هذا المظهر الذي كأن يجب أدن يعد حتي اليوم  مصيبة بالنسبة لليهود. إلا أننا نراهم اليوم،سعداء بهذه المصيبة. وتدل نجاحات اليهود على أن صفاتهم الفارقة تلك كما لو أنها ميزات.

ويصرف النظر عن ذلك التأثير الاخلاقي الذي تمارسه علينا الطبيعة بلعبة كريهة بحد ذاتها، يجب علينا أن نلفت الانتباه  في هذا القضية الى ذلك المظهر الخارجي اليهودي الذي لا يمكن أبدا أن يكون موضوعا للفن التشكيلي الصرف. وحين، يرغبون في الفن برسم شخصية اليهودي نجدهم يستقون الصور فن عالم الخيال، وبحكمة يخلعون تليها النبل أو يجردونها تماما من كل يميز المظهر اليهودي في الحياة العادية.

لن يتصدر اليهودي خشبة المسرح أبدا. وما الاستثناءات بعددها وسماتها إلا إثبات للقاعدة.

فنحن لا نستطيع أن نتصور يهوديا يمثل دور شخصية أغريقية أو معاصرة في مشهد درامي، وإلا بلغت المفارقة حد الاضحاك الى العرض (3). وهذا فائق الأهمية  إذ أن الانسان الذي لا نعد مظهره صالحا لايصال الجميل، يفرض علينا أن نعدد بشكر عام غير صالح لأن نجسد جوهره فنيا.

غير أن معالجة قضية تأثير اليهود على الموسيقى تتقلب الالتفات أساسا الى لغة اليهود، والى الانطباع الذي يخلفه لدينا الكلام اليهودي.

إن اليهود يتكلمون لغة الأمة التي يعيشون بين أبنائها، ولكنهم يتكلمونها كأجانب.

ونحن لا ننوي الانشغال بدراسة هذه الظاهرة، ولكننا لا نستطيع الا نلقي بمسؤولية ذلك على الحضارة المسيحية انتي فرضت على اليهود عزلة قسرية، مثلما لا فتهم اليهود بعواقب الظاهرة نفسها، ليس علينا إلا أن نضيء الصفة الجمالية لهذه الظاهرة ونجلوها.

ولابد قبل كل شي ء أن ن خذ بعين الاعتبار كون اليهودي الذي تعلم الكلام بجميع. اللغات الأوروبية، ولكنه لم يتقنها كلغات أم، ظل محروما نهائيا من أي قدرة على التعبير بتلك اللغات بكامل الاستقلالية والخصوصية الفردية. فاللغة ليست مسألة فرد واحد، بل هي نتاج جماعة تاريخية، ولا يستطيع المساهمة في ابداع تلك الجماعة إلا من نشأ وترعرع فيها. واليهود يقفون منبوذين خار- الجماعة التاريخية لتلك الشعوب ائتي يعيشون وسطها. إنهم وحيدون بديانتهم القومية، وحيدون كقبيلة معدومة الأرضية منعها القدر من التطور داخل نفسها الى حد أنه حتى لفقها الخاصة لم تصل الينا إلا كلغة مميتة.

والى اليوم كان الابداع بلغة غريبة متعذرا حتى على العباقرة العظام. لذا ظلت الحضارة اليهودية وفنها غريبين بالنسبة لليهود، فلم يقوموا بأي مساهمة في تشكيلهما وتطويرهما. بل كانوا محرومين من الوطن يكتفون بالنظر اليه من بعيد. ليس اليهودي قادرا الا على التكرار والمحاكاة بلغتنا وفننا، ولكنه عاجز عن ابداع أعمال بديعة، عاجز عن الخلق.

ونستطيع أن نقدر كم اليهود غرباء بالنسبة لنا انطلاقا من كون لغتهم نفسها كريهة علينا. إن خصوصيات الكلام السامي، ولا سيما عناد طبيعته، لم تمح حتى بتأثير الفي سنة من الاختلاط الثقافي بين اليهود والشعوب الأوروبية.

ان نطق الاصوات بحد ذاته غريب علينا وشديد الاثقال على أسماعنا وكريهة علينا كذلك بنية التعابير غير المألوفة التي تضفر على الكلام اليهودي طابع ثرثرة بالغة التشابك، الأمر الذي يجب أخذه بعين الاعتبار قبل كل شيء، لانه _ كما سيتبين لاحقا - يفسر الانطباع الذي تخلقه لدمنا أحدث المؤلفات الموسيقية اليهودية.

انصتوا الى كلام اليهودي يذهلكم فيه على نحو كريه افتقاره الى أي شيء أنساني، انه نوع من الهذر المبارد المليء باللامبالاة. وليس فيه ما يسمو الى حد القلق الرفيع والشبوب الذي يشعل القلب.

وإذا ما أكثرنا من توجيه كلامنا الحار الى يهودي أثناء الحديث معه، فإنه سيتحاشانا دائما تحاشيه عدواء لأنه لن يجد في نفسه ردا بذلك القدر من الحرارة.

وحين يتجاذب اليهودي أطرافا الحديث معنا لا يغضب أبدا، اللهم إلا إذا مس الأمر مصالحه الشخصية، لذا فإن قلقه ليس إلا أنانية ضيقة تعبر عن نفسها في شكل قبيح من الكلام اليهودي وأنانية مضحكة وقادرة على إيقاظ أي شعور إلا شعور العطف على المتكلم.

وينتضي الانصاف أن نفترض أن اليهود في أمورهم اليهودية المحضة وفي الحياة العائلية يعربون حتما عن مشاعر انسانية غيرية، إلا أننا لا نستطيع أخذ ذلك بعين الاعتبار، نظرا لأننا مضطرون لأن نستمع الى اليهود الذين يخاطبوننا نحن بالذات في الحياة والفن.

إن خصائص الكلام اليهودي المشار اليها أعلاه، تجعل اليهودي _ كما نرى - عاجزا عن التعبير بالقول الفني عن أفكاره ومشاعره. وينعكس عجزه هذا على نحو صارخ حين يتطلب الموقف التعبير عن انفعال رفيع... إننا نتكلم عن الغناء فالغناء كلام انفعالي الى درجة التوهج، والموسيقى هي لغة التوهج ويوسع اليهودي أن يبلغ نوعا معينا من الترهج المضحك في تأثيره، وليس التوهج الرائع الحميم، وعندئذ لا يطاق إجمالا، بصوف النظر عن الغناء. إن كل ما في مظهر اليهودي وكلامه من صفات تعافها أنفسنا الى أقصى حد، يؤثر علينا في غناء اليهودي تأثيرا منفرا تماما. اللهم إلا عندما نتوقف لدقيقة نحنا الجوانب المضحكة في الظاهرة.

لذلك فبديهي أن يكون عجز اليهودي الطبيعي عن مكابدة الالهام محسوسا بقوة قسوى في الغناء بوصفه التعبير الأكثر حياة وصدقا عن حالات الروح.

ولعله ينبغي الافتراض بأن اليهود ة قادرون أيضا على تعاطي الفنون الأخرى، إن لم يكونوا قادرين على الغناء:

إلا أن موهبة التأمل العاقلة لم تكن يوما كبيرة لدى اليهود بالقدر الذي يجعل بيئتهم تتكشف عن فنانين عظماء. ومنذ أقدم العصور كان اهتمامهم موجها دائما الى أمور ذات مضمون عملي أكثر ملموسية من الجمال والمضمون الروحي لظواهر العالم الواقعي غير المادية.

إننا لا نعرف حتى الآن معماريا يهوديا واحدا أو نحاتا يهوديا..

ونترك لأهل الخبرة والاختصاص أن يحكموا على ما يصنعه المر سام اليهودي في مجال الرسم. ولكن يبدو أن الرسامين اليهود يحتلون في الفن الابداعي نفس المكانة التي يحتلها أحدث الموسيقيين اليهود في الموسيقى.

وأيا كانت الغرابة فلابد من الاقرار بأن اليهود المميزين بانعدام الموهبة تماما في مجال التعبير عن كيانهم، سواء في الكلام أو الغناء، قد هيمنوا على الذوق الاجتماعي وعلى قيادته في الموسيقى أكثر أنواع الفن الحديث انتشارا.

فلنتفحص إذن، قبل كل شيء، كيف أتيح لليهودي أن لقد حدث في تاريخ تطورنا الاجتماعي منعطف أدى الى اعتراف شامل برفع المال الى مرتبة المبدأ الرائد. ومذ ذاك فإن اليهود الذين كانت ممارسة الربا مهنة وحيدة لديهم تضمن لهم أرباحا هائلة دون بذل جهد مكافيء منحوا حق أن يكونوا الأوائل في مجتمع على ذلك المقدر من الجشع الى المال، سيما وأن اليهود أنفسهم جاءوا بهذا الحق معهم.

لقد تبين أن التعليم المعاصر، المتيسر للطبقات الغنية وحدها متاح لليهود بالدرجة الأول، وبذلك تحول التعليم على نحو مهين الى موضوع للترف.

ومنذ تلك اللحظة تنفتح أبواب حياتنا الاجتماعية أمام اليهودي المتعلم، ويتعين علينا أن نأخذا بعين الاعتباي خلافا لليهودي غير المتعلم. وقد بذل اليهودي المتعلم جهودا خارقة للتخلص من الملامح البارزة التي يتصف بها أبناء لجلدته. بل كان في كثير من الحالات يقر بأن من الحكمة اعتناق المسيحية لغاية واحدة هي التخلص من آثار أصله برمتها. غير أن هذا المسعى لم يعطه أبدا امكانية كاملة للوصول الى النتائج المرجوة. ولم يكن يؤدي به إلا الى البقاء في عزلة تامة جعلته إنسانا عديم القلب، الأمر الذي كان يرغم على التخلي حتى عن تعاطفنا السابق مع المصير المأساوي لقومه. وعوضا عن العلاقة التي تعمد قطعها مع أبناء قومه لم يستطع اليهودي كسب علاقة أخرى أكثر رفعة مع المجتمع الذي كان ينريد الارتقاء بنفسه الى مستواه. إذ حتى اليهودي المتعلم ك فت علاقته تنحصر بمن هو محتاج الى ماله إلا أن لم يكن يوما بقدر تماما على أن يقيم بين الناس علاقة ناجحة. لذلك يكون اليهودي غريبا ولا مباليا في مجتمع عصي على فهمه أبدا. فهو لا يشعر بأي تعاطف مع فيول ذلك المجتمع وتطلعا ته، ولا يعنيه تاريخه وتطوره، وقد رأينا المفكرين اليهود في هذا الوضع بالضبط، إذ , المفكر اليهودي شاعر ينظر الى الوراء، في حين أن الشاعر الحقيقي نبي يقرأ المستقبل. غير أن هذا الابداع التنبؤي متعذر إلا بوجود أعمق أنواع التعاطف المفعم بالصدق التعاطف مع قوة الجماعة، القوة العظيمة التي يحس بها الشاعرون وعي. ولا كان اليهودي منبوذا من هذه الجماعة الطبيعية بسبب أصله، ومنقطعا عن العيش مرقوسه، فإنه مهما كأن ذكيا، لا يستطيع إلا أن ينظر الى ثقافته بوصفها مجرد ترفء لأنه في نهاية المطاف لا يعرف ماذا يفعل بها، وقد أصبحت الفنون الجميلة جزءا من هذا التعليم العالي، ولاسيما الموسيقى التي من السهل تعلمها دائما خلافا للفنون الأخرى.

فالموسيقي وحتى الموسيقى المنفصلة عن الفنون الأخرى بلغت أسمى درجات القدرة التعبيرية بفضل جهود أعظم العباقرة. ولكنها بالمقارنة مع تلك الفنون، ليست قادرة على التعبير أحيانا إلا عما هو تافه ومبتذل.

إن ما أراد اليهودي المتعلم. المطلع على الفن أن يعبر عنه ي محاولاته لخلق أعمال فنية، كان من المتعذر أن يكون إلا تافها ومبتذلا، لأن الفن نفسه كان بالنسبة له مجرد هادة للترف.

ثم إن المزاج الذي يلهم اليهودي في فنه مزاج يقه خارج الفن، إذ أن اليهودي لا مبال بمضمون الأعمال الفنية ولم يمد يعنيه شيء إلا الشكل.

فاليهودي لا يهمه ماذا يقول في العمل المفني، وتبقى لديه قضية هي كيف يقول، وهذه القضية في رأيه. هي الوحيدة الجديرة باهتمامه.

إلا أنه ما من فن غير الموسيقى يفتح هذا الفضاء الواسع للابداع خارج صور محددة ويكون بذلك عديم المضمون تماما.

لقد عبر عظماء العباقرة بفنهم عن كل ما كان بالامكان التعبير عنه في الموسيقى، بوصفها فنا منعزلا، واستنفدوه.

لم يبق بعدهم إلا التقليد. ولمكن يمكن أن يكون التقليد ن جحد وصائبا كما تفعل الببغاوات في تقليدها كلام البشر. إلا أن التقليد في الفن عاجز عن التعبير وعديم الحس، شأنه شأن تقليد تلك الطيور التهريجية.

ذلك ما يمكن أن يقال بخصوص التقليد، وبما هو جدير بالقرود من محاكاة لأساليب الابداع الموسيقي عل أيدي يهودنا "صناع الموسيقى" الذين لم يقدموا للموسيقى إلا لكنتهم الخاصة، هذا إذا كأنوا قد قدموا أي شيء مميز.

هذه اللكنة اليهودية صفة لهم جميعا لا تنسحب فقط على بسطاء اليهود الذين ظلوا أوفياء لقومهم، بل تسعي جاهدة للبقاء أيضا عند اليهودي المتعلم، أيا كانت محاولته للخلاص منها.

تلك هي قسمة اليهودي المتعلم البائسة، وقد تكونت أيضا بفعل خصوصيات وضعه الاجتماعي نفسها.

وأيا كانت المهدمات خيالنا الابداعي عفوية ومجردة فإنها تظل أبدا ذات صلة بالأرض الطبيعية ويروح الشعب الذى تنتمي اليه تلك الالمهامات على الدوام.

إن الشاعر الحقيقي أيا كان نوع الفن الذي يبدع فيه، يجد دائما محرضات وبواعث فنية لابداعه في حياة شعبه الطبيعية التي يلاحظها ويدرسها بكامل المحب. فأين لليهودي استعلم أن يجد هذا الشعب ؟ إيستعيض عنه بمجتمع يلعب هو فيه دور مبدع للأعمال الفنية : حتى ولو افترضنا أن للفنان اليهودي أي نوع من الصلات مع هذا المجتمع، فإن ذلك ليس صلة بالمشعب، بل هو فرع منه بعيد عن الجذع المعافى، ولكن هذه الصلة خالية من الحب خلوا يتجلى لليهودي بألم إذا ما دقق النظر في هذا المجتمع، وعندئذ ليس المجتمع بالذات هو وحده الذي يصبح بالنسبة له غريبا وغامضا، بل وسيواجهه المجتمع هنا بنفور لا إرادي مهين في جلائه، فيدرك عندئذ أن جميع حسابات الفئات الأغنى في المجتمع وإمكانياتها عاجزة عن تدمير هذا النفور أو إضعافه، ولما كان مصدودا صدا جارحا للغاية عن مشاركة الشعب حياته، وعاجزا في جميع الأحوال عن فهم روح هذا الشعب، يرى اليهودي المتعلم نفسه من جديد مشدودا الى جذور قومه حيث ما من شك في وجود قدر أكبر من التفاهم على الأقل. ويكون عليه، شاء أم أبى ,أن يمتح من هذا النبع، غير أن النبع قد نضب، لأن حياة شعبه فقدت مضمونها التاريخي. إن اليهود الذين لم يكن لديهم فنهم لم يكن لديهم كذلك حياة ذات مضمون فني أبدا. لذلك لم يكن حتى الفنان الثاقب النظر بقادر على أن يستخلص من تلك الحياة إلا شكلا للأعمال الفنية. وليس أمام الموسيقار اليهودي , إلا أن يتعبد يهوه خاشعا، بوصفه التعبير الموسيقي الوحيد عن شعبه. إن الصومعة هي المصدر الوحيد الذي يستطيع اليهودي أن يستقي منه مواضيع شعبية يفهمها فإذا ما رغبنا بأن نتصور هذه العبادة الموسيقية فائقة النبل والسمو في صفائها الأول، كان أحرى بنا أن نعي أن هذا الصفاء وصل الينا عكرا أبشع ما يكون العكر. إذ أن قوى اليهود الحياتية الداخلية لم تعرف على امتداد آلاف السنين أي نمو متواصل، وإنما تجمد كل شيء في مضمون واحد وشكل وأحد، شأن اليهودية إجمالا. وهذا الشكل الذي لا ينعشه تجدد المضمون أبدا يغدو باليا. ولما كانت المشاعر البائدة الميتة في مضمونه كان الشكل عديم المعنى. أثمة من لم يقتنه بذلك وهو يستمع الى الأناشيد الدينية في أي صومعة ؟ وهل هناك من لم يتملكه أبشع شعور ممزوج بالرعب والرغبة بالضحك لدى سماع تلسع الحشرجات التي تشوش الشعور والعقل، ذلك الأنين، تلك الثرثرة. ما من رسم كاريكاتوري يستطيع أن يصور بمزيد من القبح ما ينشدونه منا بصرامة ساذجة ولكنها تامة. ويلاحظ مؤخرا سعي حثيث الى الاصلاح يحاول أن يعيد الى الانشاد صفاءه القديم، إلا أن كل ما يمكن القيام به من جانب خيرة المثقفين اليهود في هذا الاتجاه سيكون عقيما. إذ أن اصلاحاتهم لن تصل بجذورها الى جماهير الشعب. ولذلك لن يتمكن المثقف اليهودي أبدا من أن يجد في شعبه ينبوعا للفن الابداعي. إن الشعب يبحث عما يمكن عما يعيش به، عما هو حقيقي بالنسبة له، وليس على صورة الشيء  أو عن شيء تم إصلاحه... وما ذلك الشيء الحقيقي بالمنسبة لليهود إلا ماضيهم المشوه.

إي هذا السعي باتجاه المنابع الشعبية، سواء من قبل الفنان اليهودي أو أي فنان آخر، يكون محسوسا وظاهرا بوصفه ضرورة لا واعية. فالانطباعات التي تكونت بالقرب من هذه الينابيع أقوى من آرائه بالفنون المعاصرة، وتنعكس في جميع مؤلفاته. هذه الألحان والايقاعات البائسة في أناشيد الصوامع تسيطر على الخيال الموسيقي لدى الموسيقار اليهودي، تماما كما كانت الغنائية المباشرة في أغنيتنا الشعبية ورسم إيقاعها والرقص الشعبي قوة خلاقة في إبداع ممثلي موسيقانا وغنائنا المغني.

لذلك فإن قدرة المثقف اليهودي على الاستيعاب الموسيقي تعجز عن فهم كثير مما في دائرة غنائنا الشعبي التأملي الواسعة، إنه لا يفهم إلا ما يخيل اليه خطأ أنه متشابه مع الخصوص&