|
|||||
|
إن
العثور على تعريف للمسرح
يكاد أن يكون اليوم مثلما هو
من قبل عسيرا، اذا لم يكن
مستحيلا، ذلك أن المسرح،
بالمعنى لم لواسع للكلمة،
بمثابه نتمكل من أشكال لم
لتعبير عن المشاعر
والأحاسيس البشرية التي
تلجأ في التعبير عن نفسها
الى فن الكلام وفن الحركة،
مع الاستعانة، بكل تأكيد،
ببعض المؤثرات الأخرى. علما
بانه ليس في هذا القول ما
يمكن أن يحدد أو يعرف
المسرح،.. لأن المسرح بلا ريب.
مثلما يقول "جاق دوفيني" في
كتابه" سوسيولوجية المسرح": (ذلك
الفصل من علم الجمال الذي
أثار أكبر قدر من الجدل وأدى
الى أكبر قدر من الأهواء)(1). إن
هذا المنطق يؤكد استحالة
حصر المسرع في مجال محدد
وتعريف معناه، الأنه في نفس
الوقت يشك تمل على جملة
عناصر جمالية، واجتماعية،
وفلسفية، وأخلاقية،
وانسانية تبحث في علم
الانسان وتطوره وأعرافه
وعاداته ومعتقداته تم إنه،
على الرغم من كل ما كتب عنه
وفيه وحوله حتى الآن- وهو
كثير وفي لغات عدد- وعلى
الرغم هن كل ما يبدو عليه من
بساطة و المفهوم، نكاد لا
نعثر على تعريف دقيق يمكن
الاعتماد عليه بل ولا يوجد
تعريف وأحد لا في المعاجم
ولا في الكتب يمكن الاتفاق
عليه، وان أكثر الأعمال
الموسوعية المتخصصة في
مجال المسرع تتحاشى الخوض
في مسألمة تعريفه وتحديد
معناه بشكل تقريبي يطمئن
اليه، ولقد اكتفت أغلبها
بذكر اتجا!ته واشكاله
وعناصره مستعينة بتجارب هذا
وذلك هن المخرجين والمنظرين
في مجالاته المتعددة
والمختلفة كما هو
شأن، على سبيل المثال (القاموس
المسرحي لميشيل كورفان
ودائرة معارف عالم المسرح) (2).
وما تنوع ألوان الممصرح
وأشكاله الا دليل على غنى
وثراء ظاهرة المسرع، ودليل
قاطع على تعقدها وتعدد
جوانبها في الوقت
ذاته فهو مثلما يصفه رولان
بارت، في كتابه محاولات
نقدية (يشبه الى حد كبيرآلة
علمية تعمل على توجيه
وارسال عدة أخبار ورسائل
الى عنوان بيتك (...) بنشاط ووفقا
لايقاعات مختلمة بحيث تستلم
وأنت في مكانك في وقت واحد
أكثر من ستة أو سبع معلومات
مصدرها الديكور، الملأبس،
الأنارة، مكان الممثلين
حركاتهم البانتوميم الذي
يقومون فيه والحوإرات التي
يطلقونها) (3) اذن المسرح. يحتوي
على أصوات ولغات واشارات
مختلفة الوظاف بمجرد ما أن
تجتمع حتى تقدم ما يعزز
التجربة الجمعية على
المستوى الروحي والجمالي،
ولهذا يمكن أن نعزو ظاهرة
تعتر المعاجم المسرحية
وتلكؤها ازاء مسألة تعريف
المسرح الى شمولية هذا
الأخير واحتوائه على مجموعة
من المتناقضات والمختلفات
التي تتجانس في قمة
ارتطاماتها لكي تصنع في
زمان ومكان غير محدد كتلة
واحدد أو بالأحركما عدد كتل
ورسائل تصل المتفرج
بغية أن تعزز بشكل شعوري
ولا شعوري تجربته الفردية
مع التجربة الجماعية،
يذهب القاموس ألمسرحي (4)
الجديد الذي وضعه "باتريسر
بافيس " أستاذ مادة المسرح
في جامعة صنصيه في باريس/ على
لشيل المثال، الى اضاءة بعض
المفاهيم النقدية المشوشة،
مستعينا ببعض الطرق
والمسالك التي غيرت
اتجاهاتها، معتمدا في ذلك،
على رؤف انعكاسية لبعضر
التطبيقات المهـرحية
التحليلية لفن الاخراج
ومفرداته على الخلق
المسرحي بمعناه المجرد.
بالاصافة الى أنه يبحث في
علم اشتقاقات الكلمات
واصطلاحاتها ومدى صعوبة
تحديد معناها، مثلما يهتم
أيضا بفن العرض المسرحي
الحي الذي يكون الفعل فيه
هوجها بدقة نحو خلق احساس
عميق ومنسؤ في الدراما،
مثيرا مسألة توجه العرض
لغريزة السمع والبصر
ومخاطبته للفعل بشكل مباشر
وغير مباشر، كما هو الشأن في
مسرحية (هاملت) لوليم
شسمبير، تحم يستنطق، أهمية
استجابة الجمبهـور لما يقدم
إليه مق كوميديا أو
تراجيديا أو أي نوع مسرحي
آخر، ريرى بافيس في استجابة
الجمهور عنصرا ألساسيا
للحكم عى قيمة العمل
وجودته، موليا اهتماما
ثانويا للنمر الأدبي اذا ما
قيسى بالجانب التنفيذي، لأن
التأثير الفعال على الجمهور
يأتي أولا وأخيرا من
التمثيل وما قد يصاحبه من
هقومات أخرى، غناء، رقص،
مناظر مسرحية، مؤثرات
موسيقية وضوئية الى آخره من
المكملات، مشيرا الى أن هذا
الطرع لا يهزن من شأن النصر
أو يقلل من قيمته الأدبية
التي كثيرا ما تحظى باهتمام
النقاد معتبرا النص عنصرا
من مجموعة عناصر أخرى
تتفاعل جميعا لكي تكون دن
العرضر المسرحي. علما بأن
ممارسة المسرح لا تقتصر على
درالسة النص وان كان هذا
الأخير ينتمي الى العناصر
المرئية وغير المرئية
للمسرح، في آن واحد (5) والتي
تشمل الاخراج ومختلف تصورات
العرض المسرحي الذي يجد
المتفرع نفسه فيها معنيا
بشكل مباشر وغير مباشر. ومتى
ما وجد الثمل الفني جمهره،
أفلت من يد مؤلفه، وأصبح منه
على بعد لا متنا،، لان
التمتيل المسرحي متلما يقول
دوفينيو (يحرك معتقدات
وأهواء تقابل
النبضات التي تتكون منها
حياة الرهوط والمجتمعات وان
الفن يصل هنا الى تلك الدرجة
من الشمول التي تتجاوز إطار
الأدب المكتوب. ذلك لأن
الشيء الجمالي معه يصبح معه
عملا اجتماعيا)(6). إن
عملية انصهار الجمالي
بالاجتماعي هذه، لا تتم أو
تتحقق ما لم ننظر الى المسرح
على أساس ظاهرة شمولية تجمع
في طياتها مجموعة عناصر
تتفاعل بينها لكي تعطينا في
النهاية ما نسميه بالمسرح
دون أن ننسى أو نغفل الجمهور
من حيث هو عنصر فعال من غير
مشاركته لا تكتمل التجليات
المسرحية، فهو مثلما تقول
آن أوبوزفيلد (المعنى
بالخطاب المسرحي منكما هو
المتلقي الذي يستلم جميع
الرسائل والأخبار في عملية
الاتصال، لأنه في الحقيقة
ملك الحفل وسيده الأوحد)(7)> والسؤال
الذي يمكن طرحه في صدد تعريف
المسرح وتحديد نشأته الأولى
يكاد أن يكون اليوم شبه
مستحيل، لأنه من غير الممكن
أن تجعل بداية المسرح تنحصر
بمسألة العثور على نص أو
مخطوط مثلما حصل في واقع
الحال عندما عزا أغلب
الكتاب والمؤرقين الطفولة
الأولى للمسرح الى الا غريق
معتمدين في ذلك على أقدم نص
مسرحي عثر عليا في حوالي سنة 490ق.م
والسؤال الملح هو: هل يحق لنا
نحن كباحثين وكتاب بعد أن
أطلعنا وعرفنا وخبرنا
المسرح وشموليته عن بعد
وقرب أن نعتبر الا غريق هم
أول من عرف ظاهرة المسرح
ونفض الطرف عن جميع
التعريفات والشروحات
المقدمة من قبل المختصين
بالمسر يم والتي مجملها
تكاد أن تكون عاجزة تقريبا
أو غير قاطعة وأحيانا غامضة
مبهمة ؟ ثم هل يحق لنا أن ننكر
على الشعوب التي سبقت الا
غريق معرفتها بالمسرح ونقصر
وجوده على الشعوب التي
أحرزت تقدما حضاريا أكثر من
غيرها أم نتعامل معه على
أساس أنه ظاهرة جمالية،
فلسفية، اجتماعية، أخلاقية
وانسانية بدائية ولدت ونشأت
وتطورت مع الانسان بصرف
النظر عن زمانه ومكانه ومدى
التطور الذي أحرزه على
الانسان الآخر
الذي سبقه أو أتى من بعده ؟ إن
الاجابة على هذا النوع من
الأسئلة تعود بنا بالتأكيد
الى الماضي البعيد مثلما
تدعونا للبحث عن وفي وحول
الظاهرة المسرحية الرسمية
وغير الرسمية والمقصود هنا
بالرسمية : الفترة والتاريخ
الذي مثلت فيه أقدم مسرحية (الضارعات
) لاسخيلوس في حوالي سنة 490ق.م
أمام الجمهور الاثيني. وسوف
نبدأ اجابتنا على جميع
الاشكاليات المطروحة أعلاه
بأسئلة تحمل اجاباتها معها
بشكل ضمني نبدأها: -
من يستطيع أن يؤكد لنا بشكل
قطعي وحازم عل أن الاحتفال
أو التسلية المسرحية لم يكن
لها وجود أو أثر قبل هذا
التاريخ المذكور، وان
اسخيلوس وقدامي كتاب المسرح
اليوناني مثل سو فوطيس
ويوربيدس لم يكونوا مدينين
في موضوعاتهم واشكالها
المسرحية الى رجال الدين
الذين كانوا يقومون بأداء
طقوسهم الدينية وفقا
لتقاليد مسرحية عندما كان
الكاهن يتولى كتابة النص،
والاخراج وتوزيع الأدوار
كما كان يقوم أيضا بأداء
الأدوار الرئيسية بنفسه ؟
بالاضافة الى أن كتاب
اليونان القداس لم يخترعوا
المأساة اختراعا وانما هم
توارثوها عن تقاليد وعادات
كانت سائدة نمت وترعرعت
شيئا فشيئا حتى أثمرت
المسرح الذي نعرفه اليوم،
وذلك لأن ازدهار
الدراما لدى الا غريق لا
يعني أن نشأتها الاولى كانت
اغريقية، لأن المسرح وفقا
للكثير من الآراء الغربية
والعربية، قد وجد في
الحضارات القديمة التي سبقت
الحضارة الاغريقية، ولكن
بأشكال مغايرة أقل تطورا
وأكثر بساطة، وانه من
المستبعد جدا أن تكون
الانسانية بكل اتساعاتها
وتعدد ميادينها الثقافية
كانت عاجزة عن اكتشاف
الظاهرة المسرحية، وان
البشرية قد عاشت بدون
المسرح حتى جاء القرن
الخامس قبل الميلاد الذي
عرف فيه الا غريق ما لم تترف
عليه باقي الشعوب خلال الاف
السنين. لسنا
هنا بصدد بحث النشأة الأولى
للمسرح بقدر ما يهمنا أن
نتبع الخطوط العريضة
للظاهرة المسرحية قبل وبعد
تاريخها المدون في القرن
الخامس ق.م من أجل التمهيد
لموضوع بحثنا الذي يتكيء
على الكثير من جوانبها،
ولهذا لابد لنا من أن نشير
الى الفعالية المسرحية التي
وجدت مه وجود الانسان عندما
قام بمحاكاة الطبيعة،
والفعالية مثلما يقول ارنست
فيشر في كتابه المعنون "ضرورة
الفن " (هي أقدم من البحث عن
غاية وبالاحري اليد، لا
الدماغ هي التي توغلت في
عالم الاكتشاف ). ولقد أثبتت
الدراسات الأثرية من خلال
النقوش التي حفرت على جدران
الكهوف، ان الانسان بدأ يحاكي
الحيوانات ويتقمص أشكالها
ويؤدر حركاتها في محاولة
منه لاقتناصها، كان التقمص
وسيلة من وسائل تحقيق
التجانس المظهري معها،وفرض
السيطرة عليها، ولقد تميزت
طقوس القنص واقتربت من فن
التمثيل بدرجة كبيرة بحيث
يصور هذا الطقس عند زنوج
الكونجو، مثلا كيف يخرج
الرجال للقنص في طقس
واحتفال تمتزج فيه الحركات
المعبرة مع الموسيقى في شكل
دراما موسيقية تتتابع فيها
التعبيرات بشكل هارسوني
وتتسارع وفقا لايقاعات
تدريجية تتزايد شيئا فشيئا
حتى تنتهي بتمجيد أفعال
القانصين، والاحتفال بهم ان
الانسان البدائي قد أفر،
أشكالا ايمائية وحركية من
خلال لفة الجسد كراود فعل
لتحديات الطبيعة، وهذا
يعتبر بحد ذاته خطوة أولى في
مضمار الرقص. هذا من ناحية
ومن ناحية أخرى أن هنالك
مشابهات ومقاربات كثيرة
تجمع الحياة الاجتماعية
بالممارسة المسرحية. تجمع
ما بين الفعاليات وفن
التمثيل الدرامي. إن
العثور على هذا النوع من
المقاربات والهيئات
المسرحية ليس بالمستحيل أو
المتعذر خصوصا عندما نلقي
نظرة على حياة مجتمعات ما
قبل التاريخ التي كانت
تستمد قناعاتها بوجودها من
هذا النوع التمثيلي شبه
الخرافي،. لقد اعتادت هز«
الجماعات على محاكاة قصة
خلق العالم وتكوينه بالرقص
والغناء وفن الحكاية وبعض
الممارسات البهلوانية التي
يمتزج فيها الواقع بالخيال،
الاجتماعي بالمسرحي فتعطي
جملة رموز واشارات تشخيصية
تعبر عن انصهار الفرد
بالجماعة والجماعة بالفرد. ان
الانسان البدائي مثلما يروي
وولترتيري في كتابه "الرقص
في امريكا": (استطاع بغريزته
أن يتوصل الى الرقص وذلك
بدوافع عديدة منها افراغ
شحنة الطاقة وتجسيد بطولته
والاحتفال بالقنص، وكذلك
الرقصات البدائية للانسان
الأول كانت تتضمن حيوية
الرقص دون أن يكون لها طابع
الفن ) (9). ولهذا
نجد اختلاطا في العناصر
والمغردات داخل طقوس الشعوب
البدائية التي كانت تضم الى
جانب المحتوى الدرامي
الموسيقي للمشاهد
الاحتفالية فنونا أخرى
كالرقص الذي يعتبر وسيلة
ايضاحية في تحقيق التفاهم
بعدها أصبح الانسان مشروطا
بحياة الجماعة، وهذا في
الحقيقة ما يفسر تنوعه
فهناك الرقص النابع من
الغريزة، والرقص المتأسس
على فكرة والرقص الذي يريد
التعبير عن فكرة يود
ايصالها، اضافة الى ذلك
وجود الفن التشكيلي المتمثل
في الأقنعة المنحوتة على
الخشب، لقد كانت تحتوي أغلب
الطقوس عن أبعاد شعائرية
احتفالية ذات وظائف سحرية
واجتماعية تحمل دلالات
ورموزا تترجم عادات وتقاليد
هذه الرهوط والجماعات في
خروجها الى الحرب، دعواتها
في استنزال المطر، الانتصار
والابتهاج وفي ضوء ذلك يذكر
" شلدون تشيني " في كتابه
الموسوم،،المسرح في ثلاثة
آلاف عام"(
ان أحد الأشخاص البدائيين
اذا رقص لطوطمه أو ابتهج
بمعركة كسبها، وكان صادرا
في رقصه عن مجرد الغريزة، لم
يكن رقصه ذلك من الرقص
المسرحي حتى في شيء ولكنه
اذا يرقص معبرا برقصه عن
انتصاره في المعركة، مبينا
لنا كيف تلصص حتى رأى عدوه ثم
كيف قتله وفصل رأسه عن جسمه
كان رقصه ذلك شديد القرب من
المسرحية الصميمية ) (10). ان قرب
هذه الفعالية من المسرحية
الصميمية يعود في الحقيقة
الى قربها من التعريف الذي
يقدمه "أرسطو" في كتابه "فن
الشعر" لفنون التقليد
الثلاثة : الملحمة، المأساة
والرواية الهزلية أن هذه
الفنون الثلاثة لا تقدم
شخصياتها الا في حالا الفعل
مثلما لو أنها تعمل ومن هنا
نشأت الدراما وذلك لأنها
تقلد شخصيات تعمل ولكنه
تقليد بالمعنى المجازي
للكلمة ( المأساة لا تقلد
للناس بل تقلد الفعل
والحياة )(11) بالاضافة او أن مكان اقامة
التسلية يتحول بفعل مشاركة
أفراد القبيلة وانسجامها
بالحدث المروي الى مكان زي
جاذبية خاصة يفصل ما بين
المقدس وغير المقدس ما بين
المواقف التي تنتجها الحياة
والمواقف التي تخلقها
التسلية، ذلك أن اجتماع
الناس في مكان عرض منظم يعطي
ويضيف للحين تجربة خاصة، ان
الجمهور في كل أشكاله هو
الذي يصنع المعجزة أو يؤلف
العملية السحرية لأن المؤدي
من أفراد القبيلة يقدم لهذه
المجاميع الأشكال التي
ستؤولها وتتممها وفقا
للتجربة الخاصة المعاشة.
لكل فرد منهم. وعلى
هذا الاساس يمكننا أن نقول
إن المسرح في أبسط أشكاله
اعتمد على الدراما
الانسانية الناجمة عن
مواجهة الانسان البدائي
لقوى الطبيعة التي لم يكن
يفهمها في بداية الأمر وأن
ظروف الحياة الشاقة التي
عاشها قد جعلته يتحد
ويتعاون مع أفراد قبيلته من
أجل الحصول على موارد
مشتركة للغذاء، وللدفاع عن
النفس ولذا صنفت القبائل
حسب أسلوبها في انتاج
الطعام باعتباره القاسم
المشترك في الصراع من أجل
البقاء وبذلك أصبع لكل
قبيلة تقاليدها وشعائرها
الدينية وممارساتها
الطقوسية التي تضمنت على
بعض الملامح والعناصر
المسرحية المتفردة. يصف
"السير جيمس فريزيي" في
كتابه الغصن الذهبي مخاض
امرأة من قبائل Dayaks يورنيو
قائلا (حين يأتي المرأة
المخاض تستدعي أحد السحرة
لمساعدتها على الوضع وهذه
عملية مقبولة عقلا إلا أنه
في الوقت ذاته يقف ساحر آخر
خارج الحجرة، ويقوم بأداء
بعض الحركات التي تهدف هي
أيضا الى نفس الغاية دون أن
تكون لها صلة مقبولة بعملية
الوضع ذاتها فيربط حجرا
كبيرا ادر بطنه بقطعة من
القماش يلفها حول جسمه
لتمثيل الطفل داخل الرحم ثم
يقوم مسترشدا بالتعليمات
التي يصدرها زميله من داخل
الحجرة بتحريك الطفل
المتوهم في جسمه مقلدا
حركات الطفل الحقيقي حتى
الولادة ). وهكذا تنتقل
الرموز والدلالات من الكاهن
ال الشعب الذي بدوره يحيل
اشاراته ودعواته الى حقيقة
من خلال مقابلته اياها
بالتصديق والتشجيع يقول "انتوان
أرتو" في هذا الصدد : (ان جمهور
المسرح يعيد خلق القبيلة
البدائية هذه وأن جمهور.
المتفرجين يبادل الاشارات
التي تقدم اليه بالمعنى أو
الدلالة والتصديق اللذين
يسقطهما باتجاه الجموع
الاخرى، ان دوره يقوم على
اطالة واتمام الايحاء
المقترح عليه من قبل مجموعة
الأشخاص القابعين في الحيز
المسرحي). ومهما
يكن من أمر، فإن محاكاة
أشكال الحيوانات بغية
القنص، أو النزوع للتشبيه
والتقليد في تكريس السحر
وممارسة الرقص الايمائي في
تصوير الطوطم والقيام طقوس
الصلوات والأدعية وتقديم
القرابين بكيفية العرض
الديني وسواء كان ذلك
فعالية طقوسية أو نزعة
غريزية فإنها في النهاية
تقربنا من فن المسرح بمنحها
ايانا شكلا أوليا لمظاهر
شبه مسرحية. زائدا الى أن
التطور الأدواتي الذي رافق
مسيرة العمل لدى الانسان
البدائي دفعه لأن يخلق
وسائل و طرقا اتصالية
تتماشى مع طبيعة وظرف العمل
الجماعي الجديد، ولهذا لم
يتوقف الانسان البدائي عند
الايماءة والاشارة وتصوير
الشي ء بالحركة وانما راح
يبحث عن وسائل ومقومات أخرى
تمد وتوسع حجم جسور التفاهم
فيما بينهم، فاكتشف اللفة
المتطورة من وعلى تلك
الايماءات والحركات
التشبيهية الصامتة، وبما أن
الضرورة أم الاختراع
استطاعت هذه الجماعات
المتآزرة والمتلاحمة روحيا
ومعنويا أثناء ساعات العمل
أن تؤلف وتنشد الأغاني
احتفالا بالعمل وضرورته في
استمرار الحياة. وبهذه
الكيفية انطلقت الجماعية
وتكونت في انصهار مشاعر
الفرد في مشاعر القبيلة
التي لم تكن آنذاك مجتمعا
كبيرا بحصر المعنى وهذا مما
جعل اليوميات الحياتية
للأفراد تتشابه بحكم الظرف
الواحد المحيط بهم. ويعتبر
هذا التشابه واحدا من
العوامل التي ساعدت على
تضاؤل الشعور بالاستقلالية
وتفوق وطغيان الشعور
الجماعي الذي جعل من
الأغنية الجماعية أكثر
انتشارا ورواجا بين تلك
المجتمعات. ولقد كان يرافق
هذه الأغاني التي يؤديها
أفراد القبيلة رقصات وحركات
تترجم في شكلها ومضمونها
معاني الكلمات المستعملة في
الأغنية مثلما تحاكي الواقع
الحياتي وفق تصورات اختلط
فيها الأمل بالخوف والجنوح
بالخيال وكانت تحتوي
الأغنية البدائية مثلما
يقول س.م. يورا (على كلمات فيها
فن حقيقي ونغم وشاعرية
تختلف جدا عن الكلمات
المستعملة في حياته اليومية
وممارساته الكلامية
الاعتيادية ورغم أن تلك
الكلمات المنفعة ليست راقية
جدا في تكوينها اللغوي الا
أنها صالحة تماما للتعبير
عن المحيط الذي يعيش فيه
الرجل البدائي)(14) ان هذه
الكلمات غير الراقية والنغم
المصحوب بالرقص وشتي صفوف
المحاكاة الحياتية
الدنيوية والدينية بكيفيات
مختلفة تعتبر بالنسبة
للشعوب البدائية بمثابة
دراما، ذات مشاهد تمثيلية
واقعية وان الغناء مثلما
يذهب اليه بعض الكتاب
والباحثين كان أصل الشعر في
جميع الأداب القديمة وخصوصا
السامية منها.. فالشعر بموجب
"طه باقر" يعني، تقريبا
الفناء والنشيد مثل "شيرو"
البابلية و"شير" العبرية و"شور"
الارامية وكأن هز. الكلمات
الثلاث قد فقدت حرف العين
المتوسط الذي لو افترضنا
وجود. لأصبحت الكلمات وفقا
لتسلسلها : شيرو = شهيرو وشير =
شعير وشور = شعور بالاضافة
الى أن المصطلح العبراني
شيرهشيريم الذي يعني نشيد
الانشاد المنسوب الى سليمان
في التوراة. ولو
تجاوزنا مرحلة المجتمعات
البدائية وانتقلنا الى
مرحلة قيام الحضارات الأولى
وازدهارها لطالعتنا
الحضارة العراقية والمصرية
القديمة بشواهد واثباتات
تؤكد عن وجود طقوس دينية
واحتفالية كانت تقام في
المعابد والشوارع والساحات
العامة. فلقد انتجت هذه
الحضارات نصوصا دراسية
وطقوسا دينية اعتمدت في
مجملها عل لفة الشعر المرسل
الذي لم يكن يختلف عن شعر
باقي الأمم، فهو مثلما يذكر
"طه باقر" في مقدمته لمشحمة
جلجامش : (يخضع الشعر لفن خاص
من النظم والتأليف فهو
يتألف من أبيات قوام كل بيت
من مصراعين (الصدر
والعجز) وكان موزونا ولكنه
غير مقفى، فهو بذلك مثل
الشعر العبراني واليوناني
والروماني)(15). ويغلب
على أوزان شعر الملحمة أن
السطو الواحد فيها يتألف من
أربعة أوتاد كما الأسطر
الآتية المأخوذة من خطاب
صاحبة ألحانه الى جلجامش
مبينة له عبث نشد ان الخلود: صاحبة
الحانة الى
أين تسعى ياجلجامش فالحياة
التي تبغي لن تجد حينما
خلقت الالهة البشرية وتمسكت
في الحياة بأيديها ولكن
على الرغم من شهرة هذه
الملحمة دراميا وقدمها
واحتوائها على هيئات ومظاهر
مسرحية حوارية ومناجاة
تراجيدية طويلة مشابهة
ومقاربة للمناجاة
الاغريقية في نصوص اسخيلوس
وسوفوكليس، مثلا مشهد موت
انكيدو وبكاء جلجامش عليه : جلجامش
يخاطب شيوخ أوروك اسمعوني
أيها الشيبة وأصغوا إلي من
أجل انكيدو، خلى وصاحبي،
أبكي وأنواح الثكلى انه
الفأس التي في جنبي وقوة
ساعدي والخنجر
الذي في حزامي والمجن الذي
بدأعيني وفرحتي
وبهجتي وكسوة عيدي(16) الى
آخره : وعلى الرغم من
معالجاتها الانسانية
الشمولية لشتى المشاكل
وتطرقها لأصعب العقد، مثل
مشكلة الحياة والموت، وما
بعد الموت والخلود،
وانشغالها في موضوع حتمية
الموت على البشر، وعلى
بطلها جلجامش الذي ثلثاه من
مادة الالهة الخالدة وثلثه
الباقي من مادة البشر
الفانية، وعلى الرغم من
فريق مؤرقي الأدب الذي
اعتبرها (أطول وأكمل ملحمة
عرفتها حضارات العالم
القديم وليس ما يقرن بها أو
يضاهيها من أدب
الحضارات القديمة قبل
الالياذة والأوديسة في
الأدب اليوناني ) (17). فان شواهد
قليلة ومحدودة اعتبرتها أو
اشارت الى كونها مادة
دراسية يرجه تاريخ تدوينها
الى ما قبل الالف الرابع قبل
الميلاد. ولقد كشفت الاختام
الأسوانية وفن النحت البارز
ونصوص تلك الفترة عن مشاهد
تمثيلية تصور أجزاء من
الملحمة ففي أختام عصر فجر
السلالات ( 2800 - 2400ق.م ) نشاهد تمثيل
بطل وهو يصارع الحيوانات
المفترسة وقد عين هذا البطل
انه جلجامش. وختم آخر نقش
عليه صورة بطل يصارع أسدا
وفيه كتابة باسم أور جلجامش (أي،
خادم أو صاحب جلجامش ). مثلما
أصبحت أعماله ومغامراته
مادة لملاحم وقصص سومرية
وبابلية عديدة. وان اسما ورد
مه اسماء الملوك السومريين
من سلالة مدينة الوركاء
الأولى حيث يأتي ترتيب حكمه
في سلالة الوركاء الأول
خامس علك من ملوك تلك
السلالة. وبموجب نص طه باقر،
ان سلالة مدينة الوركاء
الأولى تعتبر السلالة
الثانية التي حكمت بعد
الطوفان ولقد سبقتها في
الحكم سلالة كيش، هذا
بالاضافة الى أن شخصية
جلجامش انتقلت الى معظم
الأداب القديمة أو أن
أفعاله وما جاء به من
انجازات نسبت الى أبطال
الأمم الأخرى مثل : هرقل أخيل
والأسكندر زي القرنين
والبطل أوديسيوس في
الأوديسة والسؤال الذي يمكن
طرحه في ضوء انتشار وشيوع
الملحمة ومغامراتها
الكثيرة هو : هل صادف وان مثلت
هذه الملحمة ذائعة الميت
على الملأ ؟ وهل خضعت الى
تعاليم والى اشارات اخراجية
مثلما خضعت باقي النصوص
القديمة الأخرى مثل : رثاء
أور، ونزول عشتار الى
العالم السفلي وهوت بعل
مردوخ... الخ إن الجواب الذي
يمكن أن نستخلصه لدراستنا
لهذا الأمر هو أن الملحمة
ظلت في كثير من الأحيان
حبيسة أسلوبها السردي
القصصي الذي يشبا الى حد
كبير طريقة سرد القصص في "ألف
ليلة وليلة " وهذا مما جعل
بعض أجزائها تقرأ بكيفية
حكواتية في الأعياد
والمناسبات أمام
الجمهور.(18) أما الجزء
الاخر الذي اعتمد في
مشهديته على الفعل
والمغامرة والقتال، مثل
مشهد سنازلة جلجامش وصديقه
انكيدالي الثور السماوي،
ومشهد قضائهم على الرمش
المرأة "خمبابا" الى أخره من
الأحداث انحصرت في النقوش
والأختام والبار وليفات
النحتية البارزة، وما عدا
ذلك فإن حضارة وادي
الرافدين اقتصرت في مظاهرها
وهيئاتها المسرحية على كل
ما هو ديني يتعلق بقصص
الآلهة واشتراطاتها عل
البشر. وهذا مما دعا أغلب
الكتاب والمؤرخين
والمختصين في مجال الدراما
أن يعتبروا الحضارة
العراقية القديمة حضارة
خالية من الأثر المسرحي
المتكامل. وان وجد هذا الأثر
أو تلك الاثار فإنها لا تؤدي
الى وظائف دراسية بالمعنى
الغربي الافريقي، وفي
اعتقادنا أن هذه الآراء قد
تأسست في شكلها ومضمونها عل
كون النشاط الدرامي في
الحضارة العراقية القديمة
كان مرتبطا ارتباطا وثيقا
بالعقيدة الدينية التي لم
تحاول يوما الخروج أو
التمرد عليها واستنطاق ما
هو دنيوي بدلا من الديني
مثلما فعل الا غريق. ولكن هذا
لا يمنع في نفس الوقت. من أن
نلقي نظرة شبه تأملية لبعض
مظاهرها الدرامية علنا نصل
الى شيء. اذ ليس من الممكن أن
يكون العراقيون القدماء بما
يمتلكونه من طقوس واشارات
دينية ونصوص دراسية قد
جهلوا وتجاهلوا حقيقة هذا
النوع من الفن. لقد
سجلت لنا الطقوس الدينية
مظاهر دراسية احتفالية كانت
تمارس، في العادة
بالمناسبات والأعياد
الكبرى، ومن أهم هذه
المظاهر: -
قصة الخليقة. -
رأس السنة البابلية -
الزواج المقدس. -
موت وقيام مردوخ. -
هبوت عشتار الى العالم
السفلي لقد كشف الايمان بأسطورة التكوي عند البابليين عن السبب الذي أدى ال تكرار الاحتفال بأعياد رأس السنة البابلية ا | |||||