|
|||||
|
-
تتيح غربة الراعي (1)
سيرة إحسان عباس الذاتية
التي صدرت عام 1996، الفرصة
للمقارنة بين حياة صاحبها
من جهة ونتاجه العلمي من جهة
أخرى، وهي مقارنة يمكن أن
تما غ تحت عنوان : البساطة على
مستوى الحياة، والخصب
والثراء على مستوى التفكير
النقدي. فقد كتب احسان عباس
سيرته، بعد حياة علمية
حافلة شكلت فيها توالينه
وترجماته وتحقيقاته، إجابة
على كثير من الأسئلة في
مراحل مفصلية من تاريخ
الأدب العربي ونقده، في
القديم والحديث مثلما أثارت
الكثير من الأسئلة التي
تؤكد في مجملها حيوية
تفكيره النقدي في كل مجال
أسهم بالكتابة فيه، ومن بين
تلك المجالات موضوعة السيرة
الذاتية. يتفرد
احسان عباس، بأنه الوحيد
بين كتاب السيرة الذاتية هن
العرب المعاصرين، الذين
كتبوا سيرتهم الذاتية، بعد
انشغال عميق بهذا الفن،
تمثل في مجموعة من السير
النقدية لشخصيات تراثية
ومعاصرة. لقد
توقف احسان عباس على
المستوى التنظيري عند
موضوعة، السيرة الذاتية عام
1956 في كتابه فن السيرة(2)،أي قبل
اربعين عاما من صدور غربة
الراعي فكان كتابه يرصد ذلك
الفن، وما يتميز به من
تقنيات، وما يتفرد به من
خصوصية على صعيد الخطاب،
إذا قورن بالأجناس الأدبية
الأخرى. فإذا كانت ذات
المبدع، تتموضع خارج نطاق
السيرة الذاتية على نحو
غامض فيما يخص طبيعة
حضورها، ومستوى ذلك الحضور
في تجليات النص. فإن هذه
الذات تبدو أكثر تشخصا في
السيرة وقابلية للتحليل.
ففي حين يلجأ الروائي ال
رواية السيرة الذاتية Autobiographical
Novel، محولا
تجربته الذاتية الى تجربة
روائية، تضيع فيها الحدود
بين الذاتي والموضوعي
والواقع والخيال، هربا من
سطوة القيود المتعددة التي
يجابهها وهو يسعى للكشف عن
الأنا وعالمها فإن كاتب
السيرة، بصرف النظر عن
مقدار ما يتحلى به من
جرأة على البوح والاعتراف
يتعاقد (3) مع القاريء كي يقدم
له أمرين على الأقل : الأول
: أن يبوح بالتجارب
والذكريات الحميمة التي
أسهمت في تشكيله الوجداني
والنفسي والفكري، وأن يقترب
من المناطق الحساسة التي
يسعى المرء للابتعاد عنها،
وعدم لفت الأنظار اليها. الثاني
: أن يسعى بوعي وقصدية، في
أثناء ذلك البوح والاعتراف
الى بناء معالم الذات
وشخصيتها المتفردة ورسم
ملامحها من المنبع الى
المصب. وليس
الوعي والقصدية مناقضين لما
في البوح والاعتراف من
تلقائية وحميمية. فإنهما
يحولان دون التراكم
العشوائي للذكريات، الذي قد
يحول السيرة الذاتية الى
حشد من التفصيلات غير
المترابطة. لقد
تعاقد احسان عباس مع قاريء
غربة الراعي على تقديم سيرة
لحياة بسيطة بأسلوب يتلاءم
مع طبيعة تلك الحياة، رغم
أنه، كما يقول بحق، على
دراية بمختلف الأساليب التي
سلكها الكتاب قبله في كتابة
سيرهم (4)، وبلغة ذاتية بسيطة،
تعتمد قرائنها الداخلية،
ولا تفني الى تشكيل ذات
نرجسية تضخمت فيها الأنا،
على الرغم من النجاحات
والشهرة التي حققها صاحبها،
بل تنتهي الى بناء ذات قادرة
على تأمل تجربتها ومر
اجعتها وتحليلها، دون أن
تكون هذه الذات شخصية
مفتعلة لا تتسم بمعنى
متماسك. 2-
تتدرج غربة الراعي تدريجا
زمنيا منطقيا، فهي تبدأ من
الطفولة وتنتهي لشيخوخة، لذ
فإن لتحو فيها تنبثق من حركة
الزمن الموزع بين لحظتي عجز
قاسيتين في الطفولة وفي
الشيخوخة. فإذا
كانت قدما الطفل تقودانه
الى مزبلة (5)، فإن الشجرة (6)،
وهي جماع لرموز الخصب
المتعددة، تتحول في
الشيخوخة لتغدو تجسيدا
للقسوة والجدب والخيانة. يرسم
احسان عباس ملامح الطفل في
السيرة مستخدما ضمير الغائب
حيث يتداخل صوت السارد مع
صوت الشخصية، ويجيء ذلك من
خلال عنوانين دالين
متعاقبين هما، "رموز الخوف
"(7) و "رموز الطمأنينة » (8). يحتوي
الفصلان على اثني عشر
مشهدا، ترسم المعالم
المتبقية في ذاكرة الطفل
وهي مشاهد تتوزع بين خوف
الطفل من الموت وبين الأرق
الذي تسببه دقات ساعة
مجهولة، مشيرا بذلك الى
التفتح على اللحظة الزمنية
دون القدرة على استيعابها
أو التحكم بها، مثلما تتوق
الى الحياة سواء تمثلة في
ايقاع النغمة القرآنية
الساحرة، أم في نشوة التلقي
الجماعي لتغريبة بني هلال،
أم في استقبال الخصب
والمطر، وما يحمله من بشرى
بفصول جميلة لاحقة. تحتفي
غربة الراعي شأنها شأن
السيرة العربية الحديثة
بلحظة بالذهاب الى المدرسة،
وترى فيها لونا من ألوان
التحول الجذري في العلاقة
مه الحياة، حيث ينطوي
الاختلاف اليومي للمدرسة
على اقتراب حثيث من عالم
الكتاب، هذا الاقتراب الذي
يشي في الكثير من أبعاد.،
ببداية قراءة للواقع
من منظور جديد. يرتبط
هذا الذهاب في "غربة الراعي"
على مستوى السرد. بانتقال
السيرة الى مستوى أسلوبي
مباشر حيث تتلاشى رموز
الخوف والطمأنينة. وبتلاشي
تلك الرموز تبدأ الشخصية
تنطق بصوتها وتتكلم مباشرة
وتعبر عن سعادتها قائلة : "أدخلت
المدرسة الى نفسي ابتهاجا
لم يكن لها به عهد، بما وفرته
من تنوع، فالى جانب حل الغاز
الدروس. وازدياد منسوب
الثقافة، عوضتني عن الالعاب
الريفية الخشنة
ألعابا لم اكن أعرفها.."(9). وإذا
كان الذهاب الى مدرسة
القرية يشكل لحظة البداية
التي تبني السيرة ملامحها،
كي تشكل مدخلا لتحولات أكثر
عمقا في مدارس أخرى، فإن تلك
المرحلة شهدت أمرين، سيظلان
يشكلان معالم بارزة في
مسارات السيرة وفي نهايتها. أما
الأمر الأول فيتمثل في
اقتراح أحد معلمي المدرسة
أن يتعهد كل طالب برعاية
شجرة تضاف الى اسمه، فهو
يرويها بالماء عند حاجتها
اليه، حيث يصف احسان هذا
الأمر بقوله : "وقد
كانت هذه العلاقة من أقوى
العوامل التي حببت الينا
المدرسة، وعندما كنت أعود
الى القرية - من بعد _ كان أول
شيء أقوم به هو الذهاب الى
المدرسة للاطمئنان على
الشجرة التي غرستها. صحيح
أنها أصبحت لشخص آخر، ولكن
حنيني اليها، لم يكن يقل عن
حنيني الى البيت
والأسرة وأصدقاء القرية "(10). لا
تتوقف غربة الراعي عند
نوعية الشجرة، ويبدو أن هذا
الاغفال المتعمد، هو الذي
سيسمح بترميزها، إن على
المستوى الأولي في مرحلة
الطفولة، حيث ستغدو الشجرة
رمزا يعبر عن أشواق احسان
عباس الفتى وحبه لقويته،
وتطلعه العميق الى المرأة،
أو على مستوى أكثر عمقا
وتعقيدا في خاتمة السيرة،
كما يتجلى في قصيدته "حكمة
ختامية - منطق الشجرات
الثلاث " حيث تصبح الشجرة
القاسية قسوة الحياة
والحبيبة مجسدة لأزمة
الشاعر الوجودية والنفسية،
فهذا الشاعرالذي كان سعيدا
في طفولته، وهو يرعى شجرته
ويسقيها، ويحن اليها،
ويتفقدها عندما يعود الى
القرية، سيعاني من انفصال
الشجرة عنه، وستبوء كل
محاولاته للقبض على أبعادها
الجسدية بالفشل، صحيح أن
ترميز الشجرة لتكون تعبيرا
عن الاتصال بأمراة أو
بالحياة، يستند في التراث
الديني، الى "شجرة الخلد" أو
"شجرة المعرفة " ولكن
القصيدة،وهي تجسد الأبعاد
الرمزية لتلك الشجرة لا
تتحرك ضمن إطار المنع
الالهي بعدم الاقتراب منها،
لأن الشجرة نفسها غدت يابسة
وقاسية الأمر الذي عطل
قدرتها على الخلق والانجاب
والحب، وسلب منها ما تحمله
من طاقة كامنة للتواصل مع
الحبيب : إن
التي من أجلها تموت إنسانة
يابسة أو شجرة تصوحت
فيها الغصون اليانعة جف
العطاء في عروق حبها كأنها
قد نسيت كل الليالي الرائعة واحتقرت
قلبك حين لم تعد في قلبها خانتك،
خانت عهد حب كنت
مخطئا حين ظننت أنه ليس يموت (11) إن
بنية القصيدة ولفتها تجعلها
قريبة من لغة الطقوس
الأسطورية، فهي، من جهة
تمتليء بالبكاء والألم على
موت الشجرة، وهي تستهدف من
جهة أخرى، استعادة ذلك
الزمن الذهبي حين كانت
الشجرة تتفجر بالنضارة
والحيوية، ولكنها في
الحالتين تظل مؤمنة بنسبية
القيم والأشياء، لتغدو
مسألة الخلود، مسألة عرضية،
وليموت الحب، بموت الخصوبة،
وانطفاء الشهوة للحب
والحياة. أما الأمر الثاني
الذي بدأ الفتى يكتشفه في
سنيه المدرسية الأولى فهو
إشكالية مريم. ولا شك أن هذا
الاكتشاف يشكل في تلك
المرحلة الوجه النقيض لما
ترمز اليه الشجرة. فإذا كانت
الشجرة تؤشر في تلك المرحلة
على ما تنطوي عليه حياة
الشباب من حب وإقبال على
الحياة، فقد شكلت مريم
حجابا يحول بين الفتى وبين
الحب لأن ماساتها صبغت حياة
القرية "بخطوط سوداء أو
حمراء لا قبل بمحوها أو
طمسها أو التغاضي عنها"(12) من
هنا ستظل شخصية مريم فاعلة
في وجدان احسان عباس، وستظل
تحولات شخصيتها وثيقة الصلة
بتحولات شخصيته، فإذا كان
الذهاب الى حيفا يحمل بداية
التحولات الجذرية في شخصية
صاحب السيرة نظرا لأن هذا
الذهاب سيشكل نقطة البداية
في تطواف طويل يخرجه من عالم
الريف الى عالم أخر، فإن
احسان عباس _ الفتى كان
يذهب الى حيفا وهو يحمل "هدفا
سريا"(13) لم يبح به لأحد. وهذا
الهدف يتمثل في البحث عن
مريم، والتخلص منها. لكي
يريح الأسرة من شعورها
بالحزن والانكسار، صحيح أن
مريم ستتلاشى، وإن كان ذلك
على نحو مؤقت، من ذاكرة
الفتى في خضم المجابهة مع
الحياة في حيفا، ولكن
شخصيتها التي ستستيقظ في
وجدانه عند سماعه لاسمها
يقال على نحو عابر (14)، يشير الى
ان خيط اختيار المغامرة
والجري وراء غوايتها يخضع
في غربة الراعي للكثير من
القيود، وان ظل يدور في
أعماق الشخصية أكثر مما
يتجل في العالم الخارجي. تتجسد
أكثر التحولات أهمية في
شخصية احسان عباس _ الفتى وهو
طالب في مدينة حيفا في بعدين
مهمين يشكلان معا طبيعة ذلك
الفتى المشغول عن اكتشاف
جوانب الحياة في هذه
المدينة، بفضاءات التعليم.
أما البعد الأول فيتمثل في
الحياة البسيطة لاحسان عباس
في بيت الشيخ أحمد السعدي،
وساعدته له في كتابة
الأحجبة والتعاويذ. وقد وصف
احسان عباس هذه التجربة
المثيرة بقوله، "ثابرت على
أداء ما قاله الشيخ بكتابة
السور القصيرة بحروف مقطعة،
ثم خطر لي أن الحجاب قد يلقى
في مكان غير نظيف أو غير
طاهر، واستولى علي هذا
الشعور بقوة، فجعلت أكتب في
الحجاب حروف الأبجدية
الانجليزية أو أكتب بعض
الأغاني الريفية بحروف
مقطعة، دون أن أخبر الشيخ
بالتغير الذي حدث "(15). إذا
كان هذا النوع من الكتابة
يخضع لطقوسية محددة، تنزع
في نهاية المطاف مفزعا
عمليا، فقد خرج الفتى من
براثن تلك الطقوس على نحو
يقي باستقلال الشخصية،
وكانت تغييراته للحروف
المكتوبة في نصوص التعاويذ،
وإن تمت باسم الحرص على
المقدس، ترمز الى تعرية
العملية برمتها وتجريدها من
قداستها المزيفة. ولكن هذه
التجربة التي خلقت نوعا من
الصراع في نفس الفتى، تتحول
في رواية اميل حبيبي "سرايا
بنت الغول " لتصبح امتدادا
لعالم الطقوس الأسطورية،
بصرف النظر عن مدى الاتفاق
في التفصيلات بين الرواية
والسيرة فلم تعد هذه
الحكاية كما ترويها غربة
الراعي تعبر عن حكاية وقعت
في زمن مضى بقدر ما أصبحت
واقعا حيا يتجسد في الحاضر
المستمر، يقول حبيبي: "ما
من رفيق حببني الى لغة أمي
وأبي، كما حببني اليها هذا
الشاب ابن شيخ عين غزال منذ
أن أشركني في كتابة التمائم
الساذجة وطيها في قصاصات
دقيقة، كان والده يطمئن بها
القلوب الواجفة على مصير
أحبابها الغياب.. ومن تلك
التمائم بيتا شعر حفظتهما
منذ ذلك الوقت البعيد وعدت
اليها كلما افتقدت ما أطمئن
به قلوب الصابرين والصابرات
عل فراق الأحبة صبرا جميلا. عسى
الكرب الذي أمسيت فيه يكون
وراءه فرج قريب فيأمن
خائف ويفك عان ويأتي أهله
النائي الغريب فهل
يكون وجه الشبه بقية أمل في
فعل هذه التميمة أو سواها من
تمائم ابن الشيخ ؟ أو يكون
وجه الشبه أنك لم تتمن "التقاء"
بطل من ذاك الزمان،
كما تمنيت التقاءه، ولم
تحقق هذه الأمنيه "(16). فإذا
كانت غربة الراعي تقدم لنا
هذه التجربة من خلال سرد
متجرد من العاطفية، لا أثر
فيه للرومانسية فإن "سرايا
بنت الغول " تنتزع المشهد من
سياقه الزمني المحدد،
لتدخله في سياق فني مرتبط
بآفاق الرواية وتحولاتها،
فلم تعد كتابة التميمة عملا
فرديا سريا، بل صارت ترمز
للعودة الى فلسطين، أو
للفرج بعد الشدة، كما يعبر
بيتا الشعر، وغدت مرتبطة
بإحدى اللحظات النابضة
بالحياة،وإن كانت تغمس
جذورها في لحظات مترعة
بالألم والحزن. أما
البعد الثاني فهو يتصل
بالينابيع الثقافية التي
بدأ الفتى يتصل بها، وتسهم
في تشكيل وعيه وفي إخراجه من
عالمه الضيق لأن طفلا
قرويا، ساذجا مثله لم يكن في
مقدوره أن يوسع الدائرة
التي يتحرك فيها ولعله ليس
من قبيل المصادفه ان
تحتل الرسالة (17) مركز
الصدارة، وأن يكون لكتابها
وشعرائها دور أساسي في
صياغة وجدانه، لأن ذلك
سيشير الى مرحلة مهمة يرتبط
فيها احسان عباس بالقاهرة.
وجامعتها والحركة الثقافية
فيها. 3-
تنتقل غربة الراعي
عل صعيد المكان بين فضاءات
متعددة في فلسطين
وفي بعض عواصم الأقطار
العربية، فهي تبدأ من عين
غزال، وتمر بحيفا وعكة
والقدس وصفد، وتتنقل بين
القاهرة والخرطوم وبيروت
وعمان. وعل الرغم من كون
التحولات الشخصية في السيرة
مرتبطة بالتحولات
المكانية، إلا أنها لا
تنبثق عنها بالضرورة. فقد
سعت غربة الراعي الى تشييد
فضاء متماسك، لأن عنوانها
بما ينطوي عليه من دلالات
فلسفية وشعرية، يوحد مسارات
تلك الأمكنة نحو بؤرة
بعينها، ويجعلها بما تنطوي
عليه من تحولات تشير الى
الحضور القوي لذلك المكان
الغائب الذي تنهي العودة
اليه غربة ذلك الراعي. لقد ظل
انتقاله بين تلك المدن،
يؤكد غربته العميقة التي
يتشاكل فيها مع الشخصيات
التي كتب سيرتها كالتوحيدي
والحسن البصري والشريف
الرضي وبدر شاكر السياب،
مثلما يؤكد تمسكا بشخصية
الشاعر- الراعي التي تعمد أن
يقتل موهبتها فيما بعد، وهي
شخصية رسمت سيرتها الشابة،
ضمن تجربة شعرية تستوحى
الشعر الرعوي الغربي، وتعيد
تشكيل الواقع في إطار
تقاليده، واخيلته ولغته (18)
ومن هنا ظلت التحولات في
شخصيته بمثابة تنويعات
معرفية، لا تغير الايقاع
الرئيسي في تجربته. لا ريب أن
ذهاب احسان عباس الى الكلية
العربية في القدس يشكل أكثر
المراحل أهمية في بناء
شخصيته، فذهابه الى هناك
وخضوعه لتعليم منهجي منظم
وبرامج تعليمية محددة، وفر
له فرصة لقراءات عميقة،
جعلته يكتشف أعماقه ويحدد
سيرته الشعرية والنقدية وإن
ظلت تجربته في الكلية
معزولة عن الحياة العامة في
فلسطين وما كانت تمور به من
تفاعلات. تشكل
إشارة احسان عباس الى هاملت (19)
التي جاءت ابان حديثه عن
سنوات الدراسة في تلك
الكلية (1937 - 1941) مفتاحا لقرا،ة
تحولات مهمة في شخصيته. فهذه
الاشارة تشكل على المستوى
الفني تناما قابلا للإدراك
ينشيء ترابطا في المعنى
داخل السيرة، لأن علاقة
احسان عباس بتلك الشخصية
تتجاوز البعد المعرفي
الخالص، لتغدو علاقة ذات
أبعاد نفسية وفكرية. فقد غدت
شخصية هاملت كما يقول احسان
عباس : "الصديق
المرافق لي في الكلية
وبعدها، قرأتها في الكلية
مرات ومرات وأظنها لونت حياتي
بلون خاص "(20). إن
تأمل أبعاد تلك العلاقة
التي كانت تقوم بين احسان
عباس يوم كان في العشرين من
عمره وبين هاملت يبين أنها
كانت تقوم على علاقة قريبة
من التقمص الوجداني(21)Einfuehlung يشير
التقمص الوجداني الى علافة
جمالية وسيكولوجية مع نص
أدبي معين تقوم على الفهم
الحدسي له، والفهم الحدسي
تال للفهم العقلاني للنص،
ولكنه يختلف عنه في درجة
العلاقة حيث تفنى شخصية
المتأمل في الموضوع
المتأمل، ليغدو كما يقول
شليجل Schlegel قادرا
على أن يدخل في تركيب كائن
أجنبي، ليعرفه كما هو،
وليصغي الى الكيفيه التي
اصبح بها كذلك "(22). لهذا
لا يكتفي احسان عباس
بالاشارة الى المسرحية،
وعمق تأثيرها في بنائه
الوجداني، بل يقتطف منها
مقطعا دالا، يجيء في المشهد
الأول من الفصل الثالث، وهو
حوار مباشر بين هاملت
وأوفيليا يتبلور بعد أن
تتصاعد أزمة هاملت ويكتشف
مقتل أبيه، وخيانة أمه،
وتأمر عمه : هاملت
: ها، ها، أعفيفة أنت ؟ أوفيليا
: سيدي! هاطت
: أجميلة أنت ؟ أقيليا
: ماذا تعني يا سيدي؟ هاملت
: أعني، إن كنت عفيفة، وجميلة
معا، وجب على عفافك
أن يجعل الوصول الى جمالك
محرما. أوفيليا
: وهل للجمال يا سيدي ما
يتعاطاه خير من العفاف ؟ هاملت
: بالضبط للجمال قدرة على
تحويل العفاف الى الفجور،
أشد ما للعفاف من قدرة على
قلب الجمال الى صورته، كان
هذا القول يوما من الأضداد،
ولكن عصرنا هذا
قد مده بالبرهان. كنت أحبك
يوما. أوفيليا
: يقينا يا سيدي لقد حملتني
على اعتقاد ذلك. هاملت
: كان عليك الا تصدقيني
فالفضيلة لا تطعم جذعنا
القديم إلا ويظل فينا شيء من
مذاقه. ما أحببتك قط. أوفيليا
: إذن فقد خدعت. هاملت
: اذهبي الى دير الراهبات
أتريدين أن تلاي الخطاة ؟
أنا نفسي على قدر من العفة،
ولكن بوسعي رغم ذلك أن أتهم
نفسي بأمور هي من الاثم، ما
يجعل أمي تتمنى
لو لم تكن ولدتني. إني شديد
الكبرياء. حقود الثأر عنيد
الطموح. ورهن إشارتي من
الآثام ما يعجز فكري عن
حصره، وخيالي عن تحديد
شكله، ووقتي عن تنفيذه،فما
الذي يترتب على الذين مثلي
أن يفعلوه،إذ يزحفون بين
السماء والأرض ؟ كلنا أنذال
وأوغاد. إياك أن تصدقي واحدا
منا، اذهبي وترهبي. أين أبوك
؟ أوفيليا
: في البيت يا سيدي. هاملت
: فليغلق المصاريع على نفسه،
لكي لا يلعب دور الأبله
المأفون في بيته وداعا. أقيليا
: (جانبا) أعينيه ايتها
السموات الخيرة ! هاملت
: إن كنت ستتزوجينني أعطيتك
مهرا هذا الوباء، لن تنجي من
المذمة ولو كنت مخيفة
كالجليد، نقية كالثلج. اذهبي
الى الدير وترهبي. وداعا. وإن
كان لابد لك من الزواج،
فتزوجي أحد البلهاء. إن
العقلاء ليعلمون تمام العلم
أي بهائم تجعلن أنتن منهم.
الى الدير اذهبي وأسرعي.
وداعا. أوفيليا
: (جانبا) يا قوى السماء أعيديه
الى رشده ! هاملت
: لقد سمعت الكثير عن أصباغكن
وطلائكن وهبكن آت وجها
وتجعلن لكن وجها آخر. ترقصن
وتتكسرن وتلثغن، وتلقين
مخلوقات آلله بأسماء من
عندكن. وتجعلن للخلاعة حجة
من جهلكن. عني بكن. لا أريد
منكن شيئا بعد _ إنه ليجنني.
أتسمعين، فلنمنع الزواج !
أما المتزوجون سابقا، فكلهم
سيبقون على قيد الحياة
إلا واحدا، ويبقى الآخرون
على حالهم عليك بالدير
ادهبي"(23). تحتاج
معرفة العلاقة بين احسان
عباس _ الشاب وهاملت الى قدر
كبير من التحليل. فلا شك أن
اقتطاف احسان عباس لهذا
المشهد الطويل ليس اقتطافا
مجانيا، فهو يشبه على
الصعيد الفني استخدام
القناع في القصيدة، أو
القبول بوساطة جمالية بين
الكاتب والقاريء (24) يبتعد
السارد بوساطتها عن الحديث
بضمير المتكلم، ليقوم
المشهد المقتطف بتدعيم حضور
السارد على مستوى الرؤية،
وان ظلت علاقة السارد
بالمشهد المسرحي، قياسا الى
علاقته ببقية العناصر في
السيرة تقوم على التفاوت،
في حين تقوم العلاقة في
العادة بين السارد وعناصر
سيرته على التزامن على أن
أبعادا كثيرة في غرية
الراعي حملت احسان عباس على
اكتشاف هاملت، ليغدو جزءا
من كينونته الوجدانية، تعود
بعض هذه الأبعاد الى عالم
الطفولة، حيث حكاية مريم،
التي ظلت تجلياتها ترافقه،
ليعيد اكتشاف أبعادها عدة
مرات. ين
للدارس أن يقارن بين مريم
وأوفيليا، من بعض الجوانب
وان كانت مريم تجمع بين بعدي
الاشكالية التي أثارها
هاملت عندما رأى أوفيليا
تصلي وسألها عن عفتها. فمريم
فتاة جميلة، قادرة على
التحدي والاختيار، لا تقيم
كبير وزن للوشائج العائلية،
لهذا تختار قاتل عمها لتهرب
معه وتتزوج منه. وإذا
كان احسان عباس، في المرحلة
السابقة، قد رأى المشكلة من
جانبها الاجتماعي الذي يهتم
بسمعة العائلة وكر امتها،
فإن حضور مريم الخفي في
المشهد المسرحي، يبين أن
مريم بدأت في وجدان احسان
عباس. الشاب _ تتخلص من
أبعادها الاجتماعية
المحددة، لتتجل على مستوى
فلسفي _ إنساني، يطرح علاقة
الحب، في مستوياتها
الوجدانية والفلسفية،
وعلاقة الانسان بها، من
منظور جديد. لذا
شكلت مريم شبحا، ظل كشبح
والد هاملت يظهر ويختفي،
فهو يتذكر حكايتها بمجرد
سماع امرأتين يذكران اسم
مريم، ويكتب الى
أحمد سلامة. قريبه وصديقه.
رسالة تحرك الشرطة (25) فتتلاشى
مريم، وتقبع في اللاوعي،
فيراها في الحلم، فيقوم من
نومه فزعا، ويكتب لها رساله -
يؤنبها فيها بشدة (26). وإذا كان
احسان عباس يتصالح مع شبح
مريم في خاتمة السيرة،
لينطوي موقفه النبيل منها
على "تردد هاملتي"(27 ) صاحبه
قديما كما يقول، فإن هذا
التصالح يجيء وقد اكتسب
احسان عباس رؤيته المتفردة
للانسان والعالم،
هذه الرؤية التي يجري
التعبير عنها ببساطة
متنامية وإن ظلت تنطوي على
عمق مثير. مثلما تجيء بعد أن
استكملت الغربة عناصرها في
حياة الراعي، فقد درس وعلم
وارتحل، وعاش تجارب مملوءة
بالحزن، صبغت رؤيته
بالتشاؤم، وعرف الحب
الخائب، وبرم بالحياة وتعب
من العالم. لهذا يقول بوضوح
آسر، يسمي الأشياء بأسمائها: "وإذا
كان هناك من أحد أتقدم اليه
بالاعتذار، فإني اليك يا
مريم سالم خليل أتوجه بأسفي
واعتذاري. كنت مغمورا بقيم
العائلة، المستمدة من قيم
الريف، حين لم أستطع أن أرى
في موقفك ثورة تقاليد هي
القيود بعينها... إن مجتمعا
وقف كله يرى في قتلك تطهيرا
لشرف العائلة، لم يكن ليقف
عند قتل امرأة واحدة، وإنما
كان مليئا بالحقد على كل فرد.
امرأة كان أو رجلا، يحمل على
وجها ايماءة التحرر. اليوم
وأنا أتطلع الى الماضي
البعيد، أجدك لم تقنعي
بالثورة من أجل الحب، بل
أمنعت في التحدي، حين أحببت
قاتل عمك. كيف غفلت عن كل هذه
الإرادة يوم حققت ذاتها. حين
مشيت في دروب الحياة معطل
الإرادة ممزق النفس بين
رسوم الطاعة وواجب الميان.
اليوم فقط وأنا أتطلع الى
الماضي البعيد سقط عن عيني
حجاب الغفلة الكثيف، لقد
سخر الزمن مني حين امتد بي ال
هذه اللحظة، التي تخطت فيها
جميع البنى المادية
والمعنوية وعجزت عن الوقوف
على اطلالها (28). وإذا كانت قراءة هاملت في تلك المرحلة تنطوي على أبعاد قادمة من تجارب الطفولة في القرية، فإنها تنطوي على أبعاد تنبؤية، ولاسيما في موقفها من الزواج. وستغدو قراءتها بعد زواجه استنطاقية، تتكيء على بعض أبعاد شخصية هاملت، الخصبة الواسعة الآفاق. وبخاصة في علاقته بالمرأة ونظرته لها. ويبدو أن طبيعة تشكيل احسان عباس لصورة المرأة، ونظرته اليها، في سن الشباب، متصلة بالمكونات الثقافية المتعددة، التي أسهمت في رسم صورة سلبية لها، وإن كانت تجربته، كما تحدث عنها بص& | |||||