السر أو اللغز والمعنى في الإبداع الصوتي

ميثم الجناني  (مفكر عربي مقيم في موسكو)


إذا كان بناء الكل الباطني لدى الصوفي هو الصيغة الفردية لتمثل الكل الثقافي في الطريق، فإن استظهار هذا الكل الباطني في القول والفعل هو أسلوب الابداع الخاص لديه. وهو الأمر الذي يجعل من أقواله وأفعاله محلا للمعاني وللألغاز. ويصبح هو نفسه فلك دورانها الدائم. كما عبر الحلاج عن ذلك مرة في شعره :

لأنوار نور النور في الخلق أنوار

وللسرد في سر المسرين أسرار

ذلك يمني أن للمطلق تجلياته في الكل الثقافي أو لأنواره أنوار في الابداعات التي هي ذاتها الأسرار القائمة في سر المبدعين (المسرين )، فالسر في نهاية المطاف ها هو إلا الحقيقة. وبهذا المعنى يمكن الاستخلاص من قوله أن للحقيقة المطللقة تجليات في ابدا ء المبدعين وأسرارهم. فهي تتجلى في المقول والفعل والمصير. والكل سر لأنه يحوي في ذاته مكنون الأقوال وغاية الافعال وخاتمة المصير. وعلى قدر أسرار المبدعين أو حقيقة ابداعهم تتوقف معاني أقوالهم وأفعائهم ولغز مصيرهم ولهذا بإمكان الحلاج أن يهيم في أسراره نحو تلك المعاني بالشكل الذي جعله يقول :

سرائر سري ترجمان الى سري  إذا ما التقى سري وسرك في السر

وما أمر سر السر مني وأنما         أهيم بسر السر منه الى سري

أي بالقدر الذي يصبح هو محلا للمعاني وللألفاظ، يتحول أيضا الى فلك دورانها الدائم، إذ ايقني الهيام بسر السر منه الى سره سوى البقاء في الحقيقة المطلقة أو معاييرها الذائبة في ذاته. وهذا بدوره ليس إلا التمثل الدائم للسر، أو الحقيقة والبقاء في إشكالياتها وألغازها اللامتناهية، باعتبارها العملية الدائمة للجمع والفرق أو (الوحدة والافتراق ) أو المعنى والغز، التي عبر عنها الحلاج في أحدى مناجاته قائلا:

قد تحققتك في سر    ي فناجاك لساني

فاجتمهنا لمعان       وافترقنا لمعاني

فالاجتماع في الممنى هو الاجتماع بالحقيقة، والحقيقة سر لأنها ذات الأشياء

والظواهر والأقوال والأفعال. وهو الأمر الذي يجعلها محلا ومحكا لتجلي الأسرار. ففي القول كان يمكنه التعبير :

ما تراني أصغي إليك بسـري             كي أعي ما يقول من الكلمات

كلمات من غير شكل ولا خاطر        ولامثل نغمة الأصوات

إن الدوران في فلك المعاني والألغاز هو النتيجة المترتبة على بقاء الصوفي في الكل الثقافي ومواجهته إياه بمعايير المطلق. فبلوغ الصوفية تعظيم السر أو تحويله الى غاية كمالهم يعكس أولا وقبل كل شيء بلوغ الروح المبدع تحسس وادراك معاناته المتسامية بمعايير المطلق. فهو الأسلوب الذي يحدد حكمة ابداعه في لغزه ومعناه. واذا كان السر يتعارض في مظاهره مع الحقيقة، فإن حقيقته هي التمثل والتمثيل الأمثل لها. لأن الحقيقة في جوهرها سر. والسر يعريها من كل لباس ويكشفها أمام أنظار المشاهدة باعتبارها "أنا" نيتنا نحن فيما ننوي ونريد قوله وفعله ولهذا قالوا "السر هو ما لك عليه إشراف ". أي ذاك الذي يشكل حقيقة المعاناة المتراكمة في مجرى تحت كيان الأنا المبدعة. لأن كيان الأنا المبدعة هو صيرورة ارادتها. فإذا كان السر في ظاهره يتعارض مسه كل ظاهر فليس ذلك إلا لعدم صيرورته بمعايير المطلق وعندما يقول الصوفي بأن "صدور الأحرار قبور الأسرار" فانهم لم يقصدوا بذلك الاستخفاف بقيم الشجاعة والمواجهة والتحدي وما شابه ذلك، بل نفيها التام بمعايير الارادة المتسامية. أي تلك التي تصل من خلال تربية السر (أو الارادة ) الى أنه لاسر بمعنى تحريرها من كل عبودية باستثناء "عبوديتها" للحق والحقيقة، ولهذا قالوا "ان أسرارهم معتقة عن رق الأغيار". وليس الأغيار (أو الغير) سوى ذاك الذي يترامى فيما وراء كيان الارادة الصوفية أو صيرورتها المتحررة في كيان الحقيقة.

فالسر الحقيقي هو الوجدان المشحون بقيم المطلق. ومن هنا قول الصوفية "السر يطق على ما يكون مكتوبا مصونا ما بين العبد والحق في الأحوال ". وليس المكتوب ما بين الانسان والخلق (آتو أو المطلق ) في الأحوال، الا لحظات الابداع الخالص المتقلبة في كيان الحقيقة والتي أطق الصوفية عليها عبارة "تقلب القلب بين أصابع الرحمن ". ولا يعني ذلك سوى ما دعيته بمبدأ الثبات في التغير. وذلك لأن تقلب القلب بين أصابع الرحمن هو ثباته على التغير بمعايير الحق. أما تجليات هذا التغير (أو المبدأ) فمتنوعة. فهي تتخذ صيغة تربية الإرادة وتسويتها في قطع المقامات أو نفيها التام في بناء الروح المبدع، وفي ميدان المعرفة تتخذ هيئة قطع أشواطها المترامية ما بين المعرفة والمشاهدة. أي تجسيد المساعي الدائبة صوب المجهول باعتبارها قدر اليقين الباحث عن يقين أو بلوغ السر سر السر. وهذا بدوره ليس إلا تجسيدا ما أسميته بمبدأ الغير في الثبات أو البقاء في الحقيقة واستظهارها في القول والفعل.

وقد وضعت الصوفية مبدأ التغير في الثبات باعتباره القوة السارية لتنقية القلب في ثلاثية المعرفة والمحبة والمشاهدة أو ثلاثية القلب والروح والسر، وطابقت بينها بالشكل الذي جعل من وحدتها (الثلاثية ) أسلوب وحدة السر (أو الحقيقة ). فالقلب هو المعرفة والروح هو المحبة، والسر هو المشاهدة. وفي تقلبا يتدرج الى الروح، وفي ارتقائه يرتقي الى السر. أو أن تقلب القلب بين أصابع الرحمن يؤدي به الى معرفة الوجود ومحبة كل ما فيا عل أنه تجل للحق. ويكشف بدوره عن مشاهدة السر أو المعنى في جزيئا ته اللامتناهية. وهذه العملية تضع الصوفي على الدوام أعاد مهمة تذليل الخلافات بين الروح والجسد. والظاهر والباطن، وتوليفهما في إدراك أسرار المتضادات ووحدتها على أنها أكوان لامتناهية. وهو الإدراك الذي جعل الصوفية تتكلم عن الأكران بوصفها حجبا، ومن ثم ليس الكون إلا حجبا لا هتناهية هي صيرورة كل ما فيه. بل إن الحجاب واحد إلا أن الأسباب التي تقع بها الحجب متنوعة، كما يقول النفري. لهذا وجد في نفس المرء وني علمه ومعر فته وأسمائه حجبا تحجبه عن المطلق. ومع ذلك حصر هذه الحجب في خمسة هي حجاب الأعيان (الدنيا والآخرة وما فيهما من خلق لأن كلا منها حجاب لنفسا ولغيره ) وحجاب العلوم (باعتبارها حجاب نفسها وغيرها) وحجاب الحروف (وهو حجاب الحكم وكل ما يقع وراء العم ) وحجاب الأسماء، وأخيرا حجاب الجهل (الذي أسماه النفري أيضا بحجاب الحجب. انطلاقا من أنا ليس بعد الجهل حجاب ).

وليس الحجاب هنا سوى الحد الفاصل الذي يقف عنده المرء في مساعيه صوب الحقيقة. لأن الحقيقة تفترض في منطقها ومعاناتها باعتبارها خلاصة الابداع أو الاخلاص فيه انعدام الوقوف. انها تستلزم الخروج والتحدي والمجاهدة لأن كل ما في الأعيان حجب ينبغي تجاوزها، كما أن كل علم هو حد في الجهل. وأن لكل علم حدودا، بين كل حدين جهل. وبهذا المعنى، فإن "الجهل حجاب الرؤية والعلم حجاب الرؤية " كما يقول النفري. ومن هناك استنتاجه القائل : أدمن عرف الحجاب أشرف على الكشف " وبهذا المعنى أيضا قال الكتاني "رؤية الثواب حجاب عن الحجاب ورؤية الحجاب حجاب عن الاعجاب وهو الاستنتاج الذي بلوره النفري عن ضرورة اخراج كل ما في القلب ورميه من أجل رؤية الحق. وذلك في موقفه القائل :

اخرج من الحجاب تخرج من البعد

اخرج من البعد تخرج من القرب

أخرج من القرب تر الله!

وهو المطلب الذي يتلألأ في أحد مواقفه القائلة :

"ذا رأيتني استوى الكشف والحجاب ".

ولا يعني استواء الكشف والحجاب سوى الخلاص من بقايا الرواسب المتطايرة في روح الاخلاص للحقيقة. فكون الأكران كلها حجبا يعني أيضا ضرورة تذليل تجلياتها التي لا حصر لها في العلائق والعوائق (الظاهرة والباطنة، والمادية والروحية ) من أجل بلوغ وحدة الذات أو حقيقتها على مثال الواحد الحق. ولهذا كان السري السقطي يقول : "يا الهي مهما عذبتني فلا تعذبني بذل الحجاب ". وبهذا الصدد أيضا يمكن القول بأن الابداع نفسه حجاب ما لم يبلغ حقيقة السر. أي ما لم يبلغ درجة كسر قناعاته المستعلية في النفس والآفاق، أو الأنا والعالم. ولهذا قال التستري "اغلظ حجاب بين الانسان والله - الدعوى". ومن هنا تكلم المتصوفة عما أسموه بالمكر الالهي. أي ذاك الذي يشكل في "سريته " اختبارا أبديا للمرء في مساعيه الحثيثة صوب اليقين. فاليقين هو المجهول أيضا. وتذليل المجهول هو تذليل أحد حجبه لا غير. وهي العملية التي تستلزم تذليل القناعة التامة في انجازات المبدعين. والبقاء في الهيام المسحور بسر السر. واذا كان سر السر هو ما لا اطلاع عليه لغير الحق، فإن مضمونه في العلم (المعرفة ) هو الحيرة، وفي الوجد ( الحال ) هو الدهشة. وهي النتيجة المترتبة على سكون الحق قلب العارف في صحبته كل ما هو موجود، وجده إياه على أنه معنى الحكمة ولغزها الخالد. وذلك لأن إزالة الحجب أو غشاوة القلب هي التي تجعل منه في نهاية المطاف مرآة الوجود ومستودع الأسرار. أو ما أسميته بمحل المعاني ومحك الالغاز وفلك دورانهما الدائم فيه.

إن تحول قلب الصوفي ال مستودع للأسرار يلازمه تنقيتها الدائمة وذلك لأن كل تصفية للقلب هي تصفية للأسرار. ولا يعني ذلك سوى تنقية وتصفية الحقيقة ببلوغ سرها الخالص الذي يوصل الصوفي الى حال الفناء في المشاهدة. فإذا سكن الحق السريرة، كما يقول الخلاج، ضوعفت ثلاثة أحوال لأهل البصائر:

فحال يبيد السر عن كنه وصفه               ويحضره للوجد في  حال حائر

وحال به زمت ذري السر فانثنت               الى منظر أفناه عن كل ناظر

فإبادة السر ثم الحيرة فالفناء هي الأحوال الثلاثة المترتبة على سكون الحق سريرة العارف. بمعنى تنقية السر بابادته أمام مهمة استكناه المعنى، ثم البقاء في دهشة الفناء في الحق. أي كل ما يوصله الى المشاهدة بقواعد الوجدان لا المنطق. وبقوا عد الذوق لا العقل. والتعبير عنها بكلمات السر أو الحقيقة الخالصة.

ان التعبير عن معاناة الحقيقة الخالصة هو الحيرة ذاتها. وبالتالي فإن وقوعا في فلك الحيرة هو "إجباره " على خوض المعرفة الخالدة للغز والمعنى. لأن حيرة الصوفي (أو الروح المبدع ) ليست حيرة الحائرين بل حيرة العارفين. ولهذا فإنه لا دليل فيها، لأنها نفسها دليل. فالأبداع الحقيقي حيرة دائمة لأنه لغز. وهو لغز لأنه حقيقة وحقيقة لأنه سر. وسر لأنه إسراء لا ينتهي صوب المجهول. والمجهول هو فلك الصوفي في بحثا عن اليقين وهو الأمر الذي يضع أسرار الصوفي في سرير ته (ابداعه ) الدائم صوب سماواته ( عوالمه) (1).

واستنطق الصوفية في اسرائهم صوب الحق الروح الثقافة، وحولوه الى سر من أسرارهم العميقة. ولهذا وقفوا في ابداعهم مندهشين منبهرين متحيرين فيا فقد لفوا حيرتهم بوجدان الدهشة، وأبدعوا في هجراها حقائق متسامية في الأقوال والأفعال. وبهذا المعنى فإن إبداع كل منهم تعبير عن السر (الحقيقة ) في نماذجه المثل ولقد تذوقوا في كل ما أرادوا قوله وفعله معنى الحق. وليس تجارب شيوخهم سوى التجسيد المتنوع للنماذج المثل في تاريخ الروح المبدع، باعتباره اللفن والمعنى أو الحيرة والاندهاش أمام حقائق المطلق (2).

التستري : استنطاق السر في الاخلاص(3)

ان استنطاق السر الصوفي هو استنطاق الحق فيه. وهو الاستنطاق الذي يمنى بحد ذاته التجسيد الفردي لما أسميته بالنماذج المثلى في تاريخ الروح ابدع. واذا كان تاريغ الروع المبدع في التصوف هو تاريخ تجارب الفناء في الحق والبقاء في الحقيقة. فإن استنطاق أسراره يتطابق مع فردانية الانا المتصيرة فيه. أما تصيرها فهو إسراؤها صوب الحق في الكل الثقافي. ولهذا أجاب التستري مرة على سؤال وجهوه اليه عن شر النفى قائلا : "للنفس سر! ما ظهر ذلك السر عي أحد من خلقه إلا علي فرعون فقال (أنا ربكم الاعلى ). ولها سبع حجب سماوية وسبع حجب أرضية. فكلما يدفن العبد نفسه أرضا. سما قلبه مساء. فإذا دفنت النفس تحت الثرى وصلت بالقلب الى العرش »!

فالاسراء صوب الحق هو الصيغة العامة لاسراء الروح المبدع صوب سماواته أو عوالمه المثلى. وهو ما يستلزم في كل فعل تذليل مقدماته باعتباره شرطا لسموه الدائم. ففي ميدان النفس يعني بلوغ حقيقة الربوبية لأنها الدرجة التي تتمثل في إمكانياتها تجسيد النموذج الأمني والواقعي للواحد الحق. وليس فرعون هنا سوى الرمز الممثل للأنا المتعالية باعتبارها ربا. أما حقيقتها ففي إسرائها صوب الحق بوصفه تذليلا لحجب الإرادة في أرضها وسماواتها (أو الروح والجسد، والظاهر والباطن، أو العقل والوجدان ). أي في كل المكونات الجوهرية للأنا من أجل بلوغ عرشها أو تمامها. فعلى مقدار تجانس الاسراء في مكوناته تترقى النفس. وهو التجانس الذي وضعه التستري فيما أسماه بدفن النفس في أراضيها مقابل ارتقائها في سماواتها. وسواء أعانت السبعة استجابة رمزية لما في تصورات القدماء والقرآن عن السماوات السبع. أو تعبيرا عن جميع الاحساسات الظاهرة (الخمس ) والعقل وما وراء العقل او الحدس ( الباطنه )، أو  المقامات (4)، فإن مضمونها الخاص في الاسراء الروحي يكمن في استلهام الحقيقة القائلة، بأن بلوغ القلب العرش ليس ممكنا الا في حال تذليله الدائم للعوائق.

وليست وحدة الأرضي والسماوي في الاسراء الروحي سوى وحدة الأنا في تاريخ صيرورتها. واذا كان من الصعب تحليل بداية الأنا المبدعة. فلأن مقوماتها الأول تختبيء وراء حجب الأزل أما الممكن الوحيد هنا فيقوم في تتبع صيرورة روحها المبدع، لأن في "خاتمة " الصيرورة مفتاح تاريخها المعقول (الروح المبدع ). وبما أن معقولية التاريخ في البداية، أصبح تصنيف الأحداث وترتيبها الأساس الطبيعي لرسم المسيرة الشخصية. أما في الواقع فإن الطبيعي فيها هو وجودها فقط. وما عدا ذلك فهو معاناة الإرادة في بناء ذاتها ما بين مجهولين (الأزل والأبد).

فقد تراكمت معاناة الأنا التسترية في بناء ارادتها وذاتها وروحها المبدع منذ اللحظات الأول لاستماعها معنى الاخلاص في الأنفاس والهواجس والخواطر. وليس اعتباطا أن ينظر ابن عربي الى التستري بوصفه "ممن ولد محفوظا قبل التكلف، فلم يرزأه الله في عهده الذي أخذه عليه وهو في صلب أبيه أدم بشيء. فبقي عهده على أصله خالصا". أي أنه أخرجه من فحدودية التاريخ الشخصية وأدرجه في "البداية الأزلية " للوجود. وهي المفارقة الكبرى للابداع، بفعل احتضانها الحنون للحيرة في اليقين، إذ لا يعني حفظه قبل التكليف سوى إخلاصا الأزلي. ولا يعني عدم رزئه في عهده الذي أخذ عليه منذ الأزل سوى إخلاصه الأبدي. وهما المجهولان المتناغمان في رعد الوجود التاريخي للتستري عندما التقطت أذنا، للمرة الأول، وهو ابن ثلاث سنين دعوة خاله بأن يقول في قلبه عند تقلبا في ثيابه ليلا ثلاث مرات من غير أن يحرك لسانه : "الله معي ! الله ناظر إلي ! الله شاهدي!". وهي الثلاثية الرمزية للمعية والمراقبة والمشاهدة التي أنتجت بعد عشر سنين من ترسخها في أعماله رؤية "سجود القلب "(5).

إن ترسخ اليقين في أعماقه هو ما أثار حيرة المعنى فيه. وعندما تجول في بحثه عن معنى سجود القلب، لم يعثر عليه إلا عند الشيخ العباداني في اجابته حين سأله التستري: أيها الشيخ ! أيسجد القلب ؟ فقال : الى الأبد! وهي الأبدية الكامنة للحيرة في بحثها عن اليقين واليقين الباحث عن تجل له في الاخلاص لها فقد أوصلته تجربة الفناء في الحق والبقاء في الحقيقة الى أن السر القائم ما بين الأزل والأبد هو سر الاخلاص لا غير. والاخلاص بدوره ليسر إلاشكالية الكبرى للمعني. ومن هنا لغزه في العرفان واثارته في الوجدان. فقد وضعه هذا السر أمام تجلياته الكبرى المترامية ما بين العرش والثرى أو ما بين الطبيعي والماورا طبيعي، بحيث جعله يقول في أحد استنتاجاته القصية على التأويل المباشر.

للالوهية سر لو ظهر لبطلت الالوهية

وللربوبية سر لو ظهر لبطلت الربوبية

وللربوبية سر لو ظهر لبطلت النبوة

وللنبوة سر لو ظهر لبطلت العلم

وللعلم سر لو ظهر لبطلت الاحكام(6)

فهي الأسرار التي يؤدي اكتشافها ال زوالها وذلك لأن انكشاف السر هو زوال حجابه. ومن ثم ادراكه بمعايير المشاهدة المتجددة. فانكشاف سر الالوهية هو زوالها كألوهية. وينطبق هذا على الربوبية والنبوة والعلم والأحكام. بمعنى زوالها كأسرار (مجهولة ) وظهور حقائقها باعتبارها مشاهدات متجددة للروح المبدع. وهو أمر يترتب عليه تخلص الرؤية العادية والتقليدية والمحجوبة بالمصالح مما هو "متعال " في مفاهيم الالوهية الربوبية والنبوة والعلم والأحكام وغيرها. آنذاك تضمحل حقيقة هذه المفاهيم في ابداع الروح المبدع وتزول أو تكف عن أن تكون كيانات قائمة بحد ذاتها متحدية للأنا أو مستعبدة إياها أو متكهنة بما فيها أو متوعدة إياها. انها تزول أو تكف عن أن تكون وسائط مستقلة وتذوب في فعل الروح الساعي الى ازالتها باعتبارها حجبا. عندئذ لا تعد الألوهية ألوهية العوام ولا ربو بيتها ربوبية السيطرة والاخضاع، ولا النبوة واسطة الوجود المتعال بين الأزل والأبد، ولا العلم محصورا في النصوص أيا كانت، ولا الأحكام ما تحويه كتب المتفقهين واجتهادات المجتهدين، لأنها أحكام الأجزاء والضرورة والمصلحة، لأن الحقيقة هي الابداع المتلألي ء بمعايير الاخلاص للمطلق ! وبهذا المعنى يمكن فهم "السر" القائم وراء قناعة التستري الأولى، بأن معنى سجود قلبا هو سجود الأبدي.

ولا يعني السجود الأبدي سوى الديمومة الخالدة للحيرة في الاخلاص. وهي الحيرة التي توصل الصوفي الى أن للاخلاص سرا فيه، هو الاخلاص للاخلاص، وهي الحصيلة التي ضمنها التستري في قوله :

الدنيا كلها جهل إلا ما كان منه العلم

والعلم كله حجة إلا ما كان به العمل

والعمل كله هباء إلا موضع الاخلاص فيه

وأهل الاخلاص على خطر عظيم

وليس هذا الخطر سوى قوة التهذيب الدائم للس في القول والفعل. ولهذا اعتبر التستري النية هي سر الاخلاص بها يثبت حكم الظاهر بالفعل، وبها يثبت حكم السر (الباطن ) بالنية.

ان مطابقة النية مع السر ومطابقة كليهما مع الاخلاص تعكس جوهرية الاخلاص في بناء واستنطاق الروح المبدع في تجربة التستري ولهذا وضع الاخلاص في أساس الشريعة والطريقة والحقيقة، أو في الكل الصوفي، حيث أسس له ووضعه في مباديء الشريعة باعتباره بؤرة فاعليتها في كل ما تسعي اليه،. ففي موقفه من الفرائض، على سبيل المثال اعتبر ان "الايمان بها فرض والعمل بها فرض، والاخلاص بها فرض ". وفي موقفه من السنن كفريضة، اعتبر أن "الايمان بها سنة وعلمها سنة، والعمل بها سنة، والاخلاص بها فرض ". ذلك يعني أن الجامع الجوهري في الايمان بالفريضة وبالسنة هو الاخلاص. وأن الاخلاص فقط هو الفرض التام والبؤرة الجوهرية القائمة في أعماق (أو ما وراء) العلم والعمل والايمان، وينطبق هذا بالقدر نفسه على الطريقة. فالطريقة في آدابها ومقاماتها هي أسلوب تجلي الاخلاص. ولهذا اعتبر من د،قهر نفسه بالأدب فهو يعبد الله بالاخلاص ". وهو الأدب الملازم للاستعانة بالحق على أمور بالصبر عليه. ففي أحد تجلياته (الأدب ) الظاهرة أن يترك سبعة أمور هي الزندقة والشرك والكفر والنفاق والبدعة والرياء والوعيد، وفي الباطن الا يمازح بره بالهوى. وفي السلوك أن يكون في التدبير كأهل القبور. ولا يعني ذلك رفع الخمول الى ذروة الكمال، بل استنهاض الكمال في الذات بالشكل الذي تتساوى في أفعالها قيمة الوسائل والغايات. ولهذا طالب اتباعه قائلا: أدان الناس دخلوا

الجنة بالعمل، فاجتهدوا أن تدخلوها بترك العمل "! أي بذاك الذي لا يخالطه شيء. أي العمل الخالص بمعايير الحق والحقيقة.

وهو المبدأ الذي طبقه وجسده عل نفسه في مقامات الطريق واستنطقه في أحواله. ففي التوبة وجد أنه "لا شيء من الأشياء أوجب على المرء منها ولا عقوبة أشد عليه من فقدها" لأن التائب "يكون قلبه متعلقا بالعرش حتى يفارق النفس ". وفي الزهد لا يتم له إلا بزهده في كل شيء، ولا يناله إلا بالخوف. ولا يصح له الخوف "حتى يخاف من الحسنات كما يخاف من السيئات ". وأعلى الخوف أن يخاف سابق علم الله فيه ويبقى في جموح الروح الساعي صوب الحق. ولهذا أجاب على سؤال : "متى تستريح ؟" بعبارة :"إذا لم ير لنفسه غير الوقت الذي هو فيه !". بمعنى المرابطة في صبره الدائم على مقاساة معاني الحق. لأن الصبر، كما يقول التستري، "مقدس تقدس به الأشياء" وفي التوكل ان "يسترسل بين يدي الله،" لأنه:

"ليس للتوكل حد ولا غاية تنتهي اليه ". فهو "قلب عاش مع الله بلا علاقة ". وهو الكل الذي يؤدي به الى مفارقة العيش واللاعيش. فالعيش بفعل المحبة واللاعيش بفعل أن من أحب فلا عيش له.

وهوا لأمر الذي يصقل في الأحوال، أو أسرار الروح المبدع حقائق إخلاصه للحق. ومن هنا قول التستري : "لا يشم رائحة الصدق عبد داهن نفسه أو غيره ". وأن "اول خيانة الصديقين حديثهم مع أنفسهم " وأن "أول الأنس أن تأنس النفس والجوارح بالعقل، ويأنس العقل والنفس بالشرع، ويأنس العقل والنفس والجوارح بالعمل لله خالصا، فيأنس العبد بالله ". وهي السلسلة التي تخلق ما يمكن دعوته بـ "قلب الاخلاص ". فإذا كان فقدان التوبة هو فقدان القلب، فإن قلب التائب متعلق بالعرش، كما يقول التستري، واذا كان الخوف ينتهي بالخوف من حكم الأزل، فليس ذلك الا لأن بقاءه الأبدي مرهون بسجود القلب في إخلاصه للحق. ولهذا أجاب على استفسار قوم عن معنى كلامه "من المؤمنين من له من الخوف ما يعادل الجبل، ومع ذلك فإنهم يأكلون وينامون وينكحون " بعبارة "يفعلون ذلك والمشاهدة لا تفارقهم والمأوى يظلهم " وعندما سألوه فأين الخوف ؟ أجاب : "يحمله حجاب القدرة بلطيف الحكمة ويستر القلب في التصريف بصفات البشرية ".

أن حمل القدرة للخوف بالحكمة وإسدالها حجبها على القلب لا يعني تخبئته وراء أمتاره بقدر ما يعني شعاعه في ألوانها. فهو ككل ابداع حقيقي يكشف في أنواره وألوانه وأحجامه وأشكاله عن أنوار وألوان وأحجام وأشكال المعاناة المتكاملة للروح المبدع فيما أراد قوله وفعله. وبالتالي ليس خوف الخائفين هنا سوى تجلية المتسامي في ذاته، لأن نور الايمان في القلب نور عظيم لو ظهر لأحرق الجسم وما حوله. كما تقول الصوفية. وليس هذا الاحراق في ومزيته سوى شعاع قلبه الخالص. فقلب التائب والخائف كقلب المتوكل في عيشه مع الله بلا علاقة. وفي عيشه بالمحبة يعيش ولا يعيش. أي استواء حرارة اليقين وقلق الحيرة الدائمة في الاخلاص للحق والحقيقة. فالعيش بلا علاقة هو التحرر اللامتناهي في المتناميات. والعيش في المحبة بلا عيش هي المفارقة العميقة لتجلي هذه العلاقة في القلب الخالص.

ذلك ما يجعل الحقيقة الكبرى للقلب تقوم في سجوده الأبدي للحق. ولا يعني سجوده هنا سوى صمته ونطقه وحركته وسكونه في محراب معاناته. أما هذه المعاناة فهي كله المبدع وتهذيبه الدائم. وليس اعتباطا أن نعثر عند التستري على تدقيقات في "تصنيف " الصابرين والخائفين والعلماء وغيرهم. لقد استنطق هو هنا درجاتهم في درجات تجارب الاخلاص في الاخلاص للحق. مثل قوله :

الصالحون في المؤمنين قليل

والصادقون في الصالحين قليل

والصابرون في الصادقين قليل

أو