|
|||||
|
إن
النصاب الفلسفي الذي شغل
شربل داغر في "كتاب العين "
هو المسألة الجمالية أو "مذاهب
الحسن "، وهي مسألة تفجر
أسئلة تتعدد واشكاليات توغل
في البدايات، ومنها: ا
- هل يصح البحث عن علم ناشيء هو
"الجمالية " في متن قديم ؟ 2
- كيف ندرس العلاقات بين
اللغة والفكر والجمال ؟
وكيف نقرأ المعجم ونفحص
مداخله وتعريفاته بما يدلنا
على تعيينات الفكر والجمال
؟ 3-
هل يمكن أن نرى الى مواد
المعجم المتناثرة "كلا
لسانيا واحدا؟ " وهل نوافق "الان
راي" القول بأن المعجم ليس "جردة
مفردات " ولا "قائمة معان "
وانما هو "نص لساني" يخضع لما
يخضع له غيره من مقتضيات
القراءة اللسانية ؟ لأن
الشكل اللغوي ليس شرط تناقل
الأفكار فقط، بل إنه الشرط
اللازم لتحققها. انها
الاشكاليات التي شغلت شربل
داغر في دراسة "كتاب العين "
أو المعاجم العربية قاطبة،
وهو المعجم الموضوع في طور
تاريخي، في النصف الثاني من
القرن الثاني الهجري الذي
يمكن تسميته بالطور
الانتقالي، ذلك أنه لا يمثل
فقط "عصر التدوين "، بل عصر
انبثاق العديد من العلوم
العربية بأنساقها اللغوية
والفقهية. في
هذا السياق لم يتعامل شربل
داغر مع المعجم على أنه "نص
لساني" فقط، وانما أيضا على
أنه "أثر" دال على أشياء
واقعة خارجه، ويشير اليها
بقدر ما يعني حمولاتها :
المعجم بوصفه عاكسا لمجموع
نظرة الى اللغة والعالم. فهو
لا يقع في المعجم على
تعيينات "حيادية "، أو
منتزعة من السياق
الاجتماعي، بل عليها في
حياتها الاستعمالية.
فالمعجم _أي معجم _ لا يوفر
تعريفات مصاغة في صورة "منزهة
"، مهما بلفت درجات التطلب
الدقيق والعلمي في الصياغة،
ذلك أنه نص "موضوع " وان كان
غرضه اللفة نفسها فالخطاب
الناص.وضع المعاجم، يبنيه
ويعينه الخطاب الاجتماعي
الى جانب الخطاب التاريخي. من
هذا التأزم في تحديد
الجمالية، وبلورتها على
أنها فرع من فروع الفلسفة
تنشأ اشكالية الجمال، لأن
الجمال ليس "في ذاته " بل في،"ملاحظته
". وهن هنا السؤال : كيف يمكن أن
نتحقق من الجمالية في "كتاب
العين ":؟ وهل يمكن تعيينها
في "المفردة "؟ أم في "المجموعة
" عند التحقق من وجود مفردات
ومعان ودلالات متقاربة؟ ففي
المعجم علامات نحوية معروفة
مثل "المذكر" و"المصدر" و"
النسبة " مما يمكن ادراجه في
"اللغة الواصفة " الى جانب
علامات أخرى، معينة على
أنها اسم جامع "كالدار" في
علاماته الترتيبية
للمعاني، ومنها العرصة
والبناء والمحلة، أو "العطر"
وهو الاسم الجامع لأشياء
الطيب. واذ أعان الاسم
الجامه شربل داغر في معرفة
شيء من ترتيب المعاني في "كتاب
العين " أدرك بالاضافة الى
الأسماء الجامعة أن عليه أن
يبحث عن سبل أخرى لفرز
الألفاظ وترتيبها، فما هي
هذه السبل وكيف يتم
تعيينها؟ لقد
كان من الوقائع اللغوية
التي استوقفت شربل داغر،
تكرار اللفظ الواحد في غير
نبذة معجمية. مما يؤدي الى
تعيينه بوصفه "نقطة ثقل وجذب
لغيره " أي كونه قطبا دلاليا
كلفظ "البيت " الذي تكرر في "كتاب
العين " ما يزيد على سبعين
مرة، ما يشير الى حضور لافت
له أي الى كونه عنصر استقطاب
دلالي بالضرورة. "
هكذا، وفر "كتاب العين " لأول
مرة في العربية "كلا لغويا"،
على أنه مدونة مفتوحة على
زمانها. بخلاف ما
انتهت اليه المعاجم اللاحقة
عليه. "فكتاب العين " بلغنا
على سبيل المثال عن حديث "العامة
" أو عن نطقها، أو عن
تفسيراتها، في فترة اتسمت
بالتجميع "المفتوح " وليس
بالتصنيف وفق مقولات وأطر
نقه عليها لاحقا في عمل
جامعي اللغة. فالمعجم كما
يرى "ألان راي" يعين ويعرف،
سواء في تفرق موادا أو في ~
اجتماعها، وهو ما تشير اليه
طبيعته التناصية لأن
التداخل النسيجي هو الطبيعة
التناصية للمعجم، ولأن 0 كل
عنصر فيه يتعلق بالمجموع
الاحتمالي لخطاب غير مقروء
بعد. لذا لابد للقراءة
اللسانية من أن تتعزز
وتتأكد بقراءة تاريخية
وهذا ما يفسر لجوء شربل داغر
الى اقامة شبكة من التعالق
بين "المعجمي" و"التاريخي".
وهي قراءة مزدوجة قادته الى
تحديد ستة مجاميع دلالية في
"كتاب العين " هي الدار.
الغناء، الشعر، الشارة،
الدمية والكتابة. .
أما عن اشكاليات الجمال
والفن التي راح يبحث عنها
شربل داغر في "كتاب العين "
وفي الوقوف على شيء
من تاريخها نشأة وتطورا
وأدوات وأنواعا فهي
اشكاليات ليس لها دلالاتها
المخصومة ولا هي تفرق بين "الدخيل
" و"الجديد" وهنا تكمن صعوبة
هذا المشروع المغربي والشاق
إن لم نقل الصعب المنال. فنحن
إذا عدنا ال التراث الغربي
في دراساته المعجمية رأينا
مثلا أن الباحث "جورج ما
توريه " لم يجد صعوبة منهجية
حين تعرض للحقل الدلالي
للفن والفنان بين سنة 1827 وسن 1834
في كتابه "منهج العلم
المعجمي: الميدان الفرنسي "
ذلك أنه استند في عمله هذا
الى ما سبقه اليه واضعو
المعاجم، وهو "تأريخ
الدلالات " : فهو يستطيع
التأكيد بأن لفظ "التميز" Oziginalité))
ظهر في سنة 1690، و"الفردانية " (Individualité)
في سنة 1760، وأن القيمة
الدلالية المكتسبة لمفهوم "العبقرية
" Génie) ) هي
التي تعني أكثر من غيرها
الصفة الجديدة المعينة للفن
في منتصف القرن التاسع عشر،
وهذا ما تفتقر اليه "دلالات "
العربية، التي "لا تاريخ لها"
ولما كان "كتاب العين " أول
المعاجم العربية قاطبة، فهو
مثل المعاجم اللاحقة له في
العربية، لا يتضمن أبدا ما
عرفته غير لغة في العالم مع
معاجمها المتأخرة، وهو
تاريخية المعاني والألفاظ. فالوقوف
على "تاريخية " الألفاظ
يفيدنا في التغيرات الحادثة
في الدلالات نفسها، الى
جانب تغيراتها مع الفعل
الاسلامي الناشيء الذي
تتأكد فيه وتتعدد أشكال "تلقي
" الفعل الجمالي. وحيث
أراد شربل داغر قراءة
المعجم الخليلي في حدود
ابلاغه نفسها، لجأ الى
اشارات المعجم وتعيينات "الاسم
الجامع " فاستوقفه التعريف
التالي : الدار
: وهو كل موضع حل به قوم، فهو
دارهم. وأما الدار فاسم جامع
للعرصة، والبناء والمحلة.
ولكن السؤال : كيف تتم عمليات
"الحلول في الموضع " كما ترد
في "كتاب العين "؟ انها تتم
ابتداء من تعيينات الأرض
ومنها "البيد"، وهو لفظ يدل
على مفازة لا شيء فيها، و"الصحراء"
أو الفضاء الواسع الذي لا
يواريه شيء، و"الجرد" وهو
الفضاء الذي لا نبات فيه. أما
"الجرد" فإذا كان فضاء لا
نبات فيا فإن "القفر" قد يكون
حسب المعجم خاليا من
الأمكنة، وقد يكون فيه كلأ
قليل. هنا نخلص الى تعيين
محورين للمعاني : محور الأرض
الجرداء، ومحور الأرض ذات
المراعي. الى
جانب هذه التعيينات يلحظ
المعجم قسمة جديدة في
المعاني بين الأرض "البراح "
وهي التي لا بناء فيها ولا
عمران، وبين الأرض العامرة
أو المعمورة مما يستتبع
السؤال الآتي : ما المواضع ؟
وما العمران ؟ ان
الموضع يرد في "كتاب العين "
بسياقات مختلفة واستخدامات
متباينة فهناك "الزون " وهو
الموضع الذي تجمع فيه
الأصنام وتزين، وهناك "المسجد"
وهو موضع السجود نفسه،
وهناك "السوق " موضع
البياعات، و"الطراز" أو
الموضع الذي تنسج فيه
الثياب الجياد. أما
اذا كان "الموضع " هو المكان
المبني، فإن هذا البناء
يدعونا الى اجراء قسمة من
نوع آخر بين مواضع "الاقامة
الدائمة " أو "غير الدائمة "
وبين نوعين متمايزين من
الاقامة والبناء وهما : "أهل
البدو" و" أهل الحضر". ثم
أن لفظي "البدو" و"الحضر"
يبدوان كقطبين متناظرين
ومتحالفين في صورة ناجزة.
فالبادية هي الأرض التي لا
حضر فيها، أي لا محلة فيها
دائمة، ولا ديمومة. من هنا
الافتراق بين ميدانين في
العمران : ميدان الحلول
الدائم أو الميدان الحضري،
وميدان الحلول المؤقت أو
الميدان البدوي. أما
البيت البدوي فيتألف من
مواد يمكن نقلها من موضع الى
موضع لنصبها من جديد، أو من
مواد هشة مثل عيدان الشجر،
أو من مواد نسيجية مثل الصوف
والوبر وخلافها غير أن أوسع
الألفاظ والدلالات الخاصة
بمواد البناء الحضري فنجدها
في "الطين " ومتفرعاته
ومشتقاته الى جانب الفخار
أو الطين المطبوخ واللبن
والمرمر والرخام والبلنط
والبلاط. هذه
هي الواد التي يعود اليها
صناع البناء، من البناء،
الى الفعلة الى الطيانين
وأخيرا الى الراز وهو رأس
البنائين. أما المعالجات
البنائية فتقوم في عمليات
التشييد، والتمليس
والتطيين، والتقويض،
والتهديم والتنكيس. الى
هذا فإن المعجم يضم عددا
واسعا من الاستعمالات
اللغوية الدالة على الباب
ومصراعيه وتعليقه وتركيبه.
ولكن ماذا عن "حريم الدار" أو
ما أضيف اليها من حقوقها
ومرافقها؟ وما هي هذه
المرافق ؟ يتحدث
المعجم عنها عندما يشير الى
مرفق الدار من المغتسل
والكنيف، ونعني به
الاستتار، وكأنه كيف في
استر النواحي وفي المعجم
أيضا قائمة من أسماء انوا ضع
غير الخاصة بالاقامة، وتؤدي
وظائف اجتماعية متعددة منها
"السجن " و" الحبس " و"النادي"
وهذا في اشارة تفصيلية ويتعرض
المعجم الى المباني التي
تؤدي وظيفة دينية في
الاسلام كالمسجد الجامع،
والمقصورة، والمحراب، كما
يتعرض الى أمكنة دينية خاصة
بالمسيحيين مثل "صومعة
الراهب " أو "القوس " وهو رأس
الصومعة أو "الكنيسة " و"
البيعة " أو "محاريب " بني
اسرائيل. ولم
يكتف المعجم بالمواد
المتصلة بالميدان البدوي أو
الحضري مرورا بعملياته
البنائية، بل تطرق أيضا الى
زينة البيت أو تحسينه،
فأشار الى الزخارف والصور
المنقوشة على الخيطان
كالفسيفساء، التي كانت
شائعة في زخارف أهل الشام،
مما يحيل الى أصلها في
الفترة البيزنطية. الى جانب
عادات وسلوكات تقوم على نشر
الريح الطيبة في البيت
ومنها البخور. ويفيدنا
المعجم أيضا عن "الصخر" وهو
إناء من خزف، وعن الكوب،
والكوز، والابريق، الى جانب
أمتعة كثيرة منها البسط
والحصر والأرائك والوسائد، والجواليق
والفرش والطنافس. ان
يشير المعجم الى أن البيت "مزخرف
" فإنه يعني صفة، من دون أن
تكون كافية أو لازمة
لتعريفه كضرب من البيوت،
أما ان يشير المعجم الى أن
هذا البيت "حصن " أو "قصر" فهو
يورد نوعه البنائي حصرا.
فماذا عن قائمة ضروب البيوت
؟ وماذا عن قائمة الصفات ؟ الى
جانب الميدانين المتمايزين
من البيوت وهما الميدان
البدوى والميدان
الحضري يمكننا أن نقترح
صورة أوفى عن ضروب الاقامة
وصفاتها هي : 1
- الرحل أو البيت المحمول : وهو
الركب بناسه وحوائجه مثل
الهودج والرجازة والحدج
والمحفة : ومنها الخاصة
بالنساء دون غيرها، ومنها
ما هو أكبر وتدخل فيه الزينة. 2-
البيت الحائل : وهو كل بيت
يتمرن من مكانه، أو يتحول من
موضع الى موضع ومن ضروب بيوت
الأعراب الحائلة : القبة
والمظلة والخباء، والبناء،
والخيمة، والحفش، والخص،
والأولج، والرواق، والثوي،
والردهة، وتفيدنا تعريفات
المعجم أحيانا عن مواد صنع
هذه الابنية كالخشب
والعيدان والفسطاط والأدم،
أو تخبرنا التعريفات شيئا
عما يعني وظائفها: فالثري
للضيف والأولج للنوم. 3-
البيت "القار" : وهو البيت
الحضري أو "بناء القرار"
المقرون بالسكن الذي وجدناه
ملازما في المعجم لـ "الكراء"
الملازم بدوره للاقامة في
البيوت مقابل مبلغ من المال
أي ما يعني في صورة وتلحق
بهذا النوع من البيوت صفات
ناتجة عن عمليات مخصومة مثل
استعمال الآجر وطلاء
الخيطان بالجص وتثبيت
الفسيفساء بالخيطان أو شد
الستور على الخيطان والسقوف.
والصفات هي البيت "المزخرف "
و" المزين " و"المنجد". 4-
البيت المشيد: يحمل مواصفات
البيت "القار" ولكن في صورة
مزيدة ومقززة لأن منه : الحصن
أو الصرح أو القلعة، أو
القصر، أو العقر، وهي أبنية
مطلوبة لمناعتها الشديدة
بقدر ما هي مطلوبة كبيوت
للأسياد والملوك. 5-
بيوت الحرف والأمال : ومنها "بيت
العطارين " وبيوت "النجاد"
في الأسواق. 6-
بيوت العبادة : ومنها الخاص
بعبادة الأصنام مثل (البد) أو
بعبادة المسيحيين مثل "صومعة
الراهب " أو "بيت النصاري"
الذي فيه صليبهم أو "الهيكل "
وهو بيت للنصارى فيه ~ على
حلقة مريم عليها السلام، أو
بيوت العبادة عند اليهود
مثل "محاريب بني اسرائيل " أو
الخاصة بعبادة المسلمين مثل
المسجد أو الجامع أو
المحراب أو الكعبة وحرم مكة. 7-
بيت الميت : ومن ألفاظه القبر
والجنن والضرع والجدث
واللحد والنعش. 8-
بيت الاجتماع : في المعجم
ضروب من البيوت الخاصة
باجتماع الناس مثل : "النادي"
للتشاور، أو "الفندق "
للإقامة في السفر، و"الربض "
لمسكن الجند، أو "ابنية
الحزق " كملجأ لأهل القرية،
و"المشعر" أي موضع المنسك من
مشاعر الحج، ومواسم أسواق
العرب في الجاهلية مثل "عكاظ
" الذي هو اسم سوق كان العرب
يجتمعون فيها كل سنة شهرا
يتناشدون ويتفاخرون ثم
يفترقون، فهدمه الاسلام
وكانت فيه وقائع. 9-
مواضع اجتماعية مستحيزة :
وهي مواضع ذات حدود بينة بل
مرسومة تفيد التنقل بين
البيوت المختلفة مثل أصناف
الطرقات والسكك والدروب،
بالاضافة الى مواضع معينة
للتنزه مثل الحدائق والجنان
والبساتين وخلافها. 10
- بيوت كبرى: مثل الحي والمحلة
للميدان البدوي، والقرية
والكورة والمدينة والمصر
والبلد للميدان الحضري. ثم
صار المسجد هو المكون
المعماري للقوم في
اجتماعاتهم، حيث أن البيوت
باتت تنتظم حواليه، 11-
بيوت الآخرة : يفيدنا المعجم
في مادة قصب : "ولخديجة بيت في
الجنة من قصب، لا وصب فيه ولا
نصب أي لا داء فيه و عناء". كما
نتعرف في مادة "عمد" على وجود
"أخبية من نار ممدودة "، وفي
هذه النبذات حديث عن مساكن
لأهل السماء وأخرى لأهل
النار، مما يعني أن الأرض لم
تعد قائمة بنفسها، وليست هي
منتهى البيوت، بل توجد
غيرها مما لا يصيبها داء، أي
الخالدة، ولا عناء فيها أي
المريحة. ونقع في المعجم في
معرض استشهادا ببعض الأيات
القرانية، على صورة معمارية
ناجزة لاكتمال مبنى السماء
والأرض معا فـ "عمدها جبل
قاق، وهي مثل القبة اطرافها
على ذلك الجبل، والجبل محيط
بالدنيا من زبرجدة خضراء،
وخضرة السماء منه ". 12-
بيوت الحيوان : ومنها "التمراد"
وهو بيت صفير يجعل في بيوت
الحمام لمبيضه، ومنه "المحاضن
" الى جانب البيوت الخاصة
بالغنم ومنها "الزرب " أو "الوطن
". تعرفنا
ؤ هذه القائمة الاثني عشرية
على ضروب البيوت كلها، كما
ترد في "كتاب العين "، غير
أننا بقينا بعيدين عن
انجازات عمرانية معروفة في
زمن الخليل مثل بناء مسجد
الصخرة أو المسجد الأموي،
أو بناء قصور معروفة ؤ زمانه
منها في مدينة البصرة : القصر
الأبيض، والقصر الأحمر،
وقصر النواهق، وقصر
المسيرين، وقصر النعمان،
وقصر أرس، وقصر أنس. من
هذه القائمة ينتقل بنا
الخليل الى التعالق
المعماري الناشيء بين
السماء والأرض، وانكث في
ميدان جديد للسكن هو السماء
أو "دار الحرار" أو "دارالخلود"
التي باتت تحدد السماء
بوصفها "المحل "أي الآخرة لا
"الاتحل " الذي هو الدنيا. الصوت
: ومن
الأسماء الجامعة الى جانب
الدار ننتقل الى الصوت
بضربيه اللغوي من جهة
والغنائي من جهة ثانية. فإذا
كانت الأصوات الأولى مشتركة
بين البشر، فإن الثانية
منها مختلفة تصاغ وفق "معالجات
" مخصومة تقوم على وضع
الأصوات في ألحان تحدث عند
سامعيها حالات من النشوة
والشجي والطرب. فما
نجده للصوت في "كتاب العين "
تعيينات ثلاثة هي : أ
- الدلالة الفيزيائية _اللغوية. ب
- الدلالة الغنائية. ج
- الدلالة الصوتية -الدينية. وهنا
يفرق الخليل بين الحروف
المجرومة والحروف اللينة
التي لا صوت لها ولا جرس وهي
الواو والياء والألف التي
يسميها الحروف "الجوف "
لأنها لا تخرج من الجوف ولا
تقع في مدرجة من مدارج
اللسان، ولا من مدارج الحلق
ولا من مدارج اللهاة. ثم
أن الخليل لا يكتفي بالوقوف
على مسار حدوث الأصوات في
حروف، أي في ذاتها، بل يتعرض
لحدوثها أيضا في ألفاظ
وجمل، فيتوقف
أمام الأعراض التي تصيب
عمليات النطق مثل "التمتمة "
و" التأتأة " و"الثعثعة " و"الخنة
" و"الفنة " لينتهي منها الى
تعيين صفات "الحسن " التي
باتت تلحق وتقترن بالصوت
والقراءة مما أدى الى
التشابك بين الصوت الطبيعي
والصوت اللغوي، وبينهما
وبين الغناء وبين الفناء
والحسن. وقد
عالج الخليل الصوت الطبيعي
في المخاطبة الانسانية فرأى
أن بامكانه أن يكون صوتا "خفيا"
أو "هامسا" أو "رمزا" كمثل
الايماء بالحاجب بلا
كلام،كما عالج الصوت
الصناعي على أنه "الضرب " أو "الطرق
" أو "النقر" على آلة. ولكن
هذا التعريف يبقى مقصرا عما
جاء به الفارابي في كتاب
الموسيقي الكبير، حيث يميز
بين "تجويفات الحلوق وآلات
التصويت الانساني" وبين "الآلات
الصناعية " هذا الى جانب
تمييزه في معرض آخر من
الكتاب بين الألحان الكاملة
المسموعة بالتصويتات
الانسانية والألحان
المسموعة من الآلات
الصناعية وهذه هي
الاستعمالات التي تتعلق بما
"استلذ من صوت الطرب وتطويب
الصوت " من دون أن يكون
ضروريا كحاجة قائمة في
الاجتماع الانساني. واذا
ميزنا بين "الضروري" و"اللذيذ"
عرفنا أن "الضروري" لا يحتاج
الى قواعد موضوعة بعكس "اللذيذ"
وهو ضرب يحتاج الى صناعة
وقواعد موضوعة مما فلقاه في
أصوات الغناء والعزف
والألحان. ومما
يقرره الخليل أن الشعر هو
مادة الفناء الختارة، بل
الوحيدة كما تنقلها الينا
الأخبار الواردة في المظان.
من هنا يأتي السؤال : الا يكون
الفناء في أصل معالجة
مخففة، لا تبتعد كثيرا في
ايقاعها عن ايقاع الأبيات
الشعرية المختارة للغناء،
إن السؤال حول تاريخية
التشارن والتقابل بين
الفناء والشعر يشير الى
اختلاف قديم يرقى الي العصر
العباسي وقد عالجه أبو
الفرج الأصفها ني في موسوعة
"كتاب الأغاني" إذ أفادنا عن
وجهتي نظر في المسألة: -
واحدة لأبي النضير (وكان
مفغيا معروفا في زمن
البرامكة ) يقول فيها أن
الغناء يأتي على تقطيع
العروض. -
وأخرى للموسيقي ابراهيم
الموصلي، الذي كان يخالفه،
ويقول بأن العروض محدث
والفناء قبله بزمان. فماذا
عن الفناء ونشأته ؟ وهل
يمدنا الخليل بواد تغيدظ في
هذا المسعى؟ يمكننا اعتبار "الغناء"
اسما جامعا لضروب من
الأصوات بعينها مثل "السمع "
و"النشيد" و"الترنم " و"
الهزج " و"الزجل " و"الحداء"
وغيرها، ولكن ما حقيقة
الجمع هذه ؟ وهل يعني هذا أن
الشعر هو في الأصل الغناء؟ يشير
المعجم الى أن الشعر يقع في
أساس غناء القوم، كما وأن
نشأة الغناء كانت من
الموضوعات القي تناولها
الكثير من الرواة والنقاد
ومنهم : يونس الكاتب في
كتابيه "كتاب النغم " و"كتاب
القيان "، وابراهيم
الموصللي في كتابيه : "كتاب
القيان " و "كتاب قيان الحجاز"،
و" كتاب الأغاني على حروف
المعجم " لحسن بن موسى
النصيبي الذي د،ذكر فيه من
اسماء المفنين والمغنيات في
الجاهلية والاسلام كل طريف
وغريب "، هذا الى جانب كتابي
ابي أيوب المديني، وأحدهما
عن قيان الحجاز عامة والآخر
عن قيان مكة خاصة.. إلا أن هذه
الكتب -وقد ورد ذكرها في "فهرست
" ابن النديم _
لم تصلنا منها سوى عناوينها.
لهذا اخترنا أن نتوقف مه شر
بل داغر أمام ما خلفته لنا
المصادر من كتابات وأقوال
ابن خرداذبه سواء في كتابه "مختار
من كتاب اللهو والملاهي". أو
فيما نقله عنه المسعودي في "مروج
الذهب " إذ يقول : "كان الحداء
في العرب قبل الغناء" ثم "اشتق
الغناء من الحداء"، ويجمع
غير مصدر من كتاب ابن
خرداذبه ونقول المسعودي عنه
بوجود ثلاثة أجناس متفرعة
أو لاحقة على الحداء وهي:
النصب (أو غناء الركبان
والفتيان ) والسناد (وهو
الفناء الثقيل ذو الترجيع )
والهزج (وهو الغناء الخفيف
الذي يرقص عليه، ويمشي
بالدف والمزمار فيطرب ). ولكن
ما هي الآلات التي كانت
تصاحب أنواع الغناء هذه وهي
"الآلات الصناعية " كما
يسميها الفارابي ومنها: "المعازف
" أو "الملاهي" أو "أدوات
اللعب " وما الذي يعين
أصواتها ؟ إن أصوات الآلات
تتحدد بأفعال محددة خاصة
بها هي "الضرب " "القرع
" و"النقر" و"الزمر" و"
النفخ " وغيرها. ولكن السؤال
كيف ندرج هذه الآلات في "كتاب
العين "؟ وهل أنها تقوم على
القوائم الثلاث التي ذكرها
قدماء العرب ؟ يتحدث
المعجم في معرض تعريفه بـ"الصولجة
" عن وجود آلتين تسميان "الصنج
": واحدة تسمى "لصنج العربي"وتكون
في الدفوف وغديرها والأخرى
دخيلة ولها أوتار،. كما وترد
في "كتاب العين " تعريفات عن
آلات تحدث أصواتا بنقر
الأصابع وهي "الألنجوج " و"اليلنجوج
". وهو العود الجيد، الى جانب
آلات الزمر التي تعتمد على
الفم نفخا وزمرا : "كالمستقة
" و"المزمار" و"الزمخر" و"الكوبة
" و"الناي" وغيرها. أما
الآن وبعد أن فوقفا بين
الأصوات الانسانية التي
تتعين في الفناء وبين
الأصوات الصناعية التي
تتعين في الآلات، فماذا عن
عملية وضع الألحان وماذا عن
صياغتها؟ انه
سؤال لا يسعنا الاجابة عنه
انطلاقا من المعجم بالرغم
من أن الخليل يحدثنا عن
ثلاثة أصوات تصاغ منها "الألحان
"، حتى ولو لم نجد في المعجم
سوى تعريف واحد منها وهو "الصوت
الأجش ". ومن
فقر دلالة الألحان ينقلنا "كتاب
العين " الى ضروب العزف حيث
يميز المعجم بين استعمالين
مختلفين للاسم المشتق من
لفظ "عزف " بين "العزف " ويعني
"اللعب " باحدي الآلات
المحدثة للأصوات الصناعية،
وبين "العزف " ويشير الى "ضرب
من الطنابير يتخذه أهل
اليمن ". غير أن كثيرا من
الأسئلة تبقى معلقة دون
جواب ومنها: كانت
هناك ألحان موضوعة خصيصا
لهذه الآلة أو تلك، أو لغير
آلة في آن ؟ وهل كانت هذه
الألحان _ في حال وجودها
ترافق الغناء أو تصاحبه ؟ أما
عن صناع الغناء، فيشير
المعجم الى "المغنية " و"
المسمعة " و" القينة " و"
الجارية " و" أصحاب الألحان ".
وقد تداخل الغناء بالبغاء
الى أن اختفت "القينة " لصالح
"المغنية "، حين بات مرتبطا
بالطرب وحده، بعد أن انفصل
عن الحانات والشراب
والمواخير. ومن
المفنين والمنفيات ننتقل
الى الصوت - الاستهلال
الموجود في مادة،أهل "
المعجمية، وهو الصوت الديني
اذا جاز القول أو "التهليل "
وهو ضرب يقترح المعجم
تسميته "بالترنم " أو "القراءة"
لأنه يعالج الأصوات
الخاصة بالأعمال الدينية
ومنها "الأوراد" و" الآذان "
و" الترجيع " و"التنحنح "
وغيرها، وقد كان للنبي (صلى
الله عليه وسلم) موقف ايجابي
من الغناء الذي لم يحرمه بل
قال فيه "ما بعث الله نبيا
إلا حسن الصوت " أو كقوله : "زينوا
القرآن بأصواتكم ". وهكذا وجدنا أن "كتاب العين " أشار الى ضروب ومعالجات غنائية سابقة على الاسلام، وترسم في اختلافاتها- بين التنغيم & | |||||