عبدالرحمن السالمي (باحث من سلطنة عمان)


السيرة العمانية كجنس أدبي


تبدي الدراسات الحديثة اهتماها علميا بتقييم مصادر التاريخ العماني والثقافة العمانية (1). ولقد عنيت هذه الدراسات بإبراز المصنفات العمانية من حيث المنهجية والأسلوب والفكر، باعتبار أن ذلك يعد ضروريا لفهم جوانب واسعة من التاريخ العماني. وما إن يبدأ الباحث في دراسة وتقييم المصادر التاريخية العمانية حتى يجد أمامه مجموعة من الكتابات التي دونت من قبل كتاب مختلفين وازمان مختلفة مكونة بذلك مصدرا من المصادر الأولية للتاريخ العماني حيث يطلق عليها "السير العمانية ". ولقد انعكست فيها جوانب شتى عن الحياة السياسية والاجتماعية والأدبية والايديولوجية لدى العمانيين. هذا بدوره أدى الى اهتمام شديد بالجغرافيا السياسية لعمان من حيث الموقع والمكانة.

فاللمحة الأولية للخارطة العمانية تعطي انطباعا في فهم التوزع الديموغرافيا للسكان والطبوغرافيا الجغرافية التي أثرت بدورها في تشكيل أوجه كثيرة في الحياة الثقافية لعمان. في.ج. ويلكنسون يبدي وصفا لطبيعة عمان الجغرافية حيث يقول : ادانها أشبه بجزيرة يحيط البحر بجوانبها الثلاثة من الخليج العربي، وخليج عمان، وبحر العرب والرابع بصحراء عظيمة من الرمال وهي الربع الخالي. إن تركيبة هذه الجزيرة عبارة عن سلسلة من الجبال الطويلة على امتداد 650 كم التي يبلغ ارتفاعها أكثر من ثلاثة آلاف متر في الجبل الأخضر وبعوض 130 كم " (2). إن هذه الطبيعة الجبلية قد تكون أساسية في التكوين السكاني لكنها في الوقت نفسه حافز مهم لاتجاه العمانيين الى التجارة البحرية في المحيط الهندي والخليج، فعمان بهذا التكوين شكلت واسطة الحلقة بين التجارة البحرية والصحراء. هذه المكونات كانت محورا في تكوين الثقافة والشخصية العمانية حيث أعطت لهذا الجزء من الجزيرة العربية تميزه التاريخي الخاص. لذا كان علينا في هذه الدراسة توضيح جوانب هن معالم وأهمية هذه السير كمصدر تاريخي وكرا فد مهم في الدراسات العمانية والاباضية على سواء وكجنس أدبي تفرد به هذا الاقليم في جانبه المعرفي ليشكل بذلك جزءا مهما في الدراسات التاريخية والايديولوجية لعمان.

1- السيرة العمانية التاريخ والمنشأ:

إن كلمة سيرة متسلسل من "المسلك " أو طريقة الحياة اللذين يعدان تطورا طبيعيا للأصل (س. ي. ر)، أي سلك وذهب في الأرض. وبمعنى السنة والهيئة. وكانت تستعمل في تلك الأيام حقا على الحياة بصفه عامه.

فالسير العمانية في كتابتها ومحتوياتها تتضمن مذكرات دينية سياسية قصيرة لا تزيد على 20الى 30 ورقة تعبر عن وجهة نظر شخصية لموضوع معين، وهي بذلك تعتبر من المصادر المهمة للدارسين سواء من الذ حية الفكرية أو التاريخية لمنطقة عمان أو الدراسات الاباضية، فهي يمكن تشبيهها بأرشيف من المذكرات والمراسلات لأزمنة مختلفة وموضوعات متنوعة. ومن خلال العرض الأولي لسير العمانيين يتضح أنها على أربعة أنماط :

أولا: أن تكون متضمنة على فكرة أو رؤية لعالم أو فقيه يعبر من خلالها عن رأيه أو فكرته عن ذلك الموضوع أو الحدث.

ثانيا : أن تكون مراسلات بين أطراف عدة تحمل في محتواها قضية معينة في موضوع معين للمناقشة.

ثالثا : أن تكون كتابات أو ردودا أو لتبادل الرأي فيما بين العلماء لتفسير أو تحليل مسألة أو قضية وهذا النمط ساد في فترة الانقسام ما بين المدرستين الرستاقية والنزوانية.

رابعا : أن تكون عبارة عن تدوين لأحداث وأخبار في عصر ما أو أحيانا تتضمن كتابة عن مشاهير الأئمة والعلماء والفقهاء أي أشبه بما يطلق عليه البين غرا فيا.

هذا النوع من الكتابة الانشائية الذي ازدهر عند العمانيين في الواقع لم يكن عمانيا إنما انتقل الى عمان في القرن الثاني هجري الـ 8 ميلادي بعد أن استخدم في البداية من قبل العلماء الاباضيين في المبصرة والمذاهب الاسلامية الأخرى في المبصرة ثم انتقل بعدها الى عمان ويحتمل أن يكون انتقل الى عمان مع ما يعرف بحملة العلم حيث انتشر (خصوصا) بعد قيام الامامة الأولى في عمان (132، 748) واستقلالية عمان عن الدولة المركزية بالمعنى النهائي وبداية التكوين المعرفي الايديولوجي الجديد لعمان. فالبروفيسور كورن وزيمرمان يبديان توضيحا أدق في نشأة هذا النوع الأدبي: أغلب السير العمانية يمكننا تعريفها بوسائل معبرة عن مواقف دينية وهي أشبه ما تكون ببيانات وعظية (أشبه ما تكون برسائل القديس بولس ) تشرح من خلالها ما يجب أو لا يجب من ايمان وعمل وتقرأ بصوت الداعي للأمي. هذه النوعية تعكس ما تكون في أصلها Sitz im Leban".  لكن حقيقة الأمر أن هذا المصطلح لهذا النوع الأدبي أو ما يشبه السير العمانية يعود استخدامه لأواخر الحكم الأموي عندما استخدمه في المواضع والمواقف الدينية. شاعر المرجئة ثابت قطنة (ت 110/728م ) على ما استخدم المصطلح للتعبير عن ذلك بقوله :

ياهند اني أظن العيش قد نفدا

ولا أرى الأمر إلا مدبرا نكدا

ياهند فاستمعي لي أن سيرتنا

أن نعبد الله لم نشرك به أحدا (4)

وكذلك عندما كان ثائر المرجئة الحارث بن سريج يقاتل ضد نصر بن يسار أمر وزيره جهم بن صفوان بقراءة سيرة الحارث "الحارث كتب سيرته وقد قرئت بصوت مسموع في جامع مرو". فعنونة السيرة على ما يذكر Hinds  بشخص ما وعادة ما تجري السيرة ضمن منحى نمطي معروف "(5) أما وليكنسون فيذكر أسباب بروزها : "برزت عندما صعب الاتصال فيما بينهم (الاباضية ). إذن فعلى مستوى واحد فما عندنا هو عبارة عن اجزاء أو شظايا من رسائل كتبت على المستوى الفردي أو الجماعي وجهت للائمة والعلماء تحمل آراء أو نصائح تخص المجتمع داخليا وخارجيا. وهذه الرسائل يطلق عليها على وجه  العموم مصطلح السير"(6). بينما البروفيسور مايكل كوك حاول أن يعطي لهذه السير في الأدب العربي فالسؤال المطروح : لماذا لا توجد هذه الأدبيات على أهميتها ضمن المصادر الكلاسيكية العربية أو حتى في ضمن الرسائل والكتابات الدينية فيبرر ذلك : "قد يرجع ذلك بسبب أن الاباضية قد تركوا العراق قبل أن يتأثر الأدب العربي تأثرا بالغا بما يمكن وصفه بتوسع الصنعة البديهية. وبالتالي فإن التراث الاباضي بعيد عن هذه الصنعة وعلى هذا فإن غزارة المراسلات عديمة الأهمية من عمر الثاني (بن عبدالعزيز ) الى من جاء بعده.. والتي نجدها في التراث السني من حيث التزييف ليس لها ما يقابلها في السجل الاباضي من التزييف التراثي الفكري، وعلى نفس الوتيرة فإن هذه الوسائل التقليدية لا تزال تحمل الينا قيمتها على المدى... "(7).

ولكي أعطي شرحا أوفى لتوضيح جوانب هذه السير يجب علينا أولا دراسة استخدام المؤرخين العمانيين لمصطلح السير فاستخدام المؤرخين والعلماء العمانيين لمصطلح السير يختلف عن استخدام الكتاب والمؤرخين الاباضيين الآخرين، فعلى سبيل المثال نجد المصادر التاريخية الاباضية في شمال افريقيا، فكتاب "لسير وأخبار الأئمة "المعروف بتاريخ أبي زكريا ليحيى بن أبي بكر الو رجلاني (ت 471هـ/1078م )، طبقات الاباضية للدرجيني (ت 670هـ/ 1271م )، كتاب "الجواهر المنتقدة فيما أخل به كتاب الطبقات " لأبي القاسم البرادي (ت النصف الثاني من القرن 8هـ/14م )، كتاب "السير" لأحمد بن سعيد الشماخي (ت 928هـ/1522م) نجد كل هذه المصنفات تستخدم مصطلح السير بمعنى الترجمة والكتابة الشخصية أي ما يعرف قواميس البيوغرافيا. ولكن البرادي أورد مصطلحا آخر للسير في استخدامه لهذا المصطلح فيشير عليها "كتاب..." للاشارة الى السيرة كنحو ذكره : كتاب عبداته بن أباض لجد الملك بن مروان، كتاب شبيب بن عطية.

فالأمر الجدير اثارته بالتساؤل حقا هو كيفية جمع نصوص السير كجنس أدبي ومن أول من قام بهذا العمل والدواعي التي أدت الى تجميعها في مجموعات اختصت بها وحملت مع مرور الزمن العنوان المتعارف عليه "السير العمانية " فالحارثي في العقود الفضية (8) يشير الى ابي الحسن البسيوي (ق 4/ 10) على أنه صاحب كتاب السير وهى تقترب الى أقدم المحاولات لتجميع هذه السير و مجموعات أدبية. بينما سيدة كاشف (9) تشير الى احتمالية أن يكون أبوبكر الكندي صاحب المصنف على الأرجح أول من قام بتجميعها وذلك أن كتابه "الاهتداء" قد احتوى على بعض السير. فكلاهما _البسيوي والكندي _من علماء وأعمدة المدرسة الرستاقية. رغم عدم وجود الأدلة الواضحة في هذا الشأن إلا أنه يدعونا الى الترجيح بأن البسيوي قد ابتدأ في تجميعها ثم أكمل من  الكندي وذلك في خلال فترة الصدام بين المدرستين الرستاقية والنزوانية حين حاولت كلا المدرستين تجميع نصوص شيوخهما ثم تطرقت ال أبعد من ذلك لتجميع نصوص السير التي دونت في الفترات الأولى عند الاباضية والعمانيين ثم النساخ والمؤرخين ساروا ونهجوا على منوالهما.

قبل المحاولة لتوضيح استخدام معنى السيرة عند العمانيين يجب علينا تحديد الفترة الزمنية التي استمر فيها تدوين كتابة السير ليتضح لنا المفهوم بدقة في التصنيف الكتابي في عمان. وأقدم الكتابات تحديدا أتت تقريبا في القرن 11هـ/17م وذلك بكتابة عبدالله بن خلفان بن قيصر لسيرة الامام ناصر بن مرشد اليعربي (1043- 1059)(1624 -1949) حيث دون الكاتب بعض حياة الامام وحروبه فهي أول سيرة عمانية وصلت حتى الآن حاولت التدوين (في كتاب مستقل لم عن حياة شخص ما. فلهذا يمكننا أن نعتبر أن مصطلح كتابة السيرة بعد هذه الفترة قد شهد تحولا عند المؤرخين العمانيين عما هو متعارف عليه من حيث الشكل والمضمون للسير حيث أعطت معنى آخر في تدوينها، مما يجعلنا أكثر التزاما في التوقف عند التحديد الزمني لهذه الفترة من اعتبارات أخرى.

1- إن أسلوب الكتابة عند المؤرخين والكتاب العمانيين متمهد تغيرا موضوعيا حيث أن أغلب الكتب التاريخية العمانية وصلت الينا بعد هذه الفترة سواء من الازكوي أو ابن رزيق أو السالمي أو غيرهم.

2- إن السير المتعارف مليها قد بدأ يفقد الاهتمام با من قبل الكتاب العمانيين، فالسير التي أتت من بعد كانت محاولة لمسايرة أو تقليد لهذا النمط الكتابي.

3- إن الكتب التي وصلت الينا وهي التي حاولت تجميع السير العمانية أشبه ما تكون بمجموعات مصنفة متكاملة وضع أغلبها فيما بعد القرن 16هـ/17م أي حين بدأ العمانيون تجميعها في مصنفات كنوع أو جنس أدبي أشبه بما يعرف بالمصطلح الأدبي Cenre"".

ومن الجلي في الأمر فإن عملية التدوين للكتابة الأدبية التاريخية بعد ذلك أعطت معنى آخر لمصطلح السيرة عند العمانيين، ففي القرن التاسع عشر الميلادي دون المؤرخ محمد بن حميد المعروف بابن رزيق سيرة عن السلطان سعيد بن سلطان ( 1804- 1856) أسماها " البدر التمام في سيرة السيد الهمام سعيد بن سلطان ". ضمنها كتابه "الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين " الذي قسمه الى ثلاثة أقسام : القسم الأول : عن قبيلة الأزد وأنسابها حتى البو سعيديين، القسم الثاني عن عمان القسم الثالث : عن أخبار البو سعيديين من 1741 الى 1856. لاشك إن ابن رزيق قد أعطى كتابة السيرة نفسا واسعا من حيث تتبع النسب وبالشخصية والأحوال الزمنية المحيطة بها. نورالدين أبو محمد عبدالله بن حميد السالمي (1866- 1913) دون سيرة عن شيخه الشيخ صالح بن علي بعنوان "الحق الجلي في سيرة الشيخ صالح بن علي " لكن هذه السيرة تقترب في مضمونها الى الجانب التقليدي في محاولة منه في الدفاع عن شيخه فيما اتهم به أكثر من محاولة التدوين عن الحياة الشخصية له. كذلك نور الدين السالمي استخدم مصطلح السيرة كأسلوب تعليمي في الكتابة التاريخية في كتابه "تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان ". حيث يقول : فإنه لا يخفى على عاقل أن علم التاريخ مما يعين على الاقتداء بالصالحين ويرشد الى طريقة المتقين..." ثم يذكر : "وحيث كان العدل وسيرة الفضل في عمان أكثر وجودا بعد الصحابة من سائر الأمصار تشوقت نفسي الى كتابة ما أمكنني الوقوف من آثار أئمة الهدى ليعرف سيرتهم الجاهل بهم ليقتدي بها الطالب لأثرهم..." ومصطلح السيرة قد استخدم عند العمانيين في التدوين التاريخي عند المؤرخين القدماء حيث نشير الى كتاب "عقود الجمان في سيرة أهل عمان " لأحمد بن النظر (ق 6هـ/ 61م )، الذي مع الأسف لم يعثر عليه حتى الآن ولا يعرف محتواه. أما أول، عملية تدوين عن أخبار وفيات أئمة وعلماء عمان فقد كانت في بداية القرن 9هـ/ 65م للشيخ محمد بن عبدالله بن مداد وهذه السيرة قد تكون من البدايات الأولية الجديرة بالملاحظة في التدوين التاريخي عن الترجمات الشخصية في عمان.

2- السير ومصدريتها التاريخية :

كل المؤرخين العمانيين سواء القدماء منهم أو المعاصرون اعتمدوا في كتاباتهم التاريخية على السير العمانية، وهو مما دلل على أهميتها وجعلها من المصادر الأولية لكتب التاريخ العماني المعروفة : كتاب الأنساب لأبي المنذر سلمة بن مسلم العوتبي (ق 5هـ/11م) كشف الغمة الجامع لأخبار الأئمة المنسوب لسرحان بن سعيد الازكوي (ق 16هـ/17م ) الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة وعلماء عمان لابن رزيق (ت د187)، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان لنور الدين السالمي (1866- 1913).

أما عند المؤرخين المعاصرين فلقد كانت هناك محاولات عدة في تقييم مصدرية هذه السير سواء من جانب المستشرقين أو العرب وكانت أولى المحاولات من جانب جون ويلكنسون في مقاله "The Omani Manuscript collection at Muscat'  كانت محاولة ويلكنسون مناقشة وعرض محتويات بعض الكتابات الفقهية المحفوظة بمكتبة وزارة التراث القومي والثقافة حيث ألقى الضوء على هذه المخطوطات منذ البداية التاريخية للامامة بعمان حتى القرن 6هـ/ 61م، فكانت محاولة الكاتب عرض مجموعة من السير في مخطوطة محفوظة بمكتبة وزارة التراث القومي والثقافة بمسقط. كذلك ناقشها من حيث تسلسلها التاريخي وموضوعاتها وابدي بعض الملاحظات على السير المعروضة لكن المميز في هذه الدراسة انه قسم السير الى رسائل أو مختصرات في الامامة الأولى،. حول عزل الامام الصلت بن مالك، وحول النقاش بين المدرسة الرستاقية والنزوانية لكنه من جانب آخر ضمها الى الكتابات الفقهية العمانية قد يكون ذلك منه عرضا أو ملاحظات أولية ليس مناقشة ودراسة لهذه المجموعة من السير المعروضة. وبالرغم من هذا فإن هذه الدراسة أولى الدراسات التي حاولت تقييم السير وعرضها وتقسيمها على أسس علمية من حيث المراحل الزمنية والتصنيفية إضافة الى أن ويلكنسون سبقت له دراسات مختصرة حول السير خلال دراسته مصادر التاريخ العماني (11)،كذلك تشير قراءته التحليلية في السير العمانية في مقالته Oman and East Africa. New Light on early Kilwan history from the Omani sources"  حيث حلل نصوصا لبعض السير في الوجود الاباضي والعماني في شرق افريقيا في القرن 6هـ/ 11م.

دراسة الثانية من الدكتور فاروق ممر في كتابه "مقدمة في دراسة التاريخ العماني"(13). التميز الحقيقي لهذه الدراسة انها فصلت ما بين كتابة ونوعية السير العمانية من "كتب النسب العمانية " و"كتب التراجم والسير الأخرى، كذلك تناولت عرض ثلاث سير عمانية : سيرة شبيب بن عطية، سيرة أبي المؤثر الصلت بن خميس وسيرة أبي الحسن البسيوي. لكن الكاتب اهتم في عرض السير أكثر من تحليلها أو تبيين فوعيتها التاريخية. فإشارة التمييز الى هذه النوعية الكتابية الأدبية التاريخية ثم الفصل بينها وبين المصادر التاريخية الأخرى قد تكون أهم النقاط المرتكزة عليها هذه الدراسة.

أما الدراسة الثالثة من الدكتور أحمد عبيدلي في مقدمة دراسته حول المصادر التاريخية ضمن تحقيقه لكتاب "كشف الغمة في اخبار الأئمة"(14). ثم من بعد الدكتور عصام الرواس في  دراسته مصادر التاريخ العماني (15) كلتا الدراستين لديهما محاولة في ابداء تفسير ماهية السير وأهميتها في المصادر التاريخية فالدراسات السابقة عنيت بدراسة السير كمصدر تاريخي من مصادر التاريخ العماني لكن من أهم الدراسات الأدبية في السير بلا شك كانت دراسة مايكل كوك (16) Early Muslim  Dogma' حين درس لنصوص من السير العمانية ومقارنتها لنصوص عربية أخرى في إطار الأدب الديني في القرن الأول الهجري لتقييمها بشكل موحد. وكذلك من المهم الاشارة في هذا المجال الى دراسات المستشرق الألماني (17) Van Ess  .

3- ملاحظات أولية لنصوص السير:

قبل عرض السير من المهم أيضا ابداء بعض الملاحظات الآولية :

1- السير من حيث توزعها وكتاباتها هي عبارة عن مخطوطات موزعة ومبعثرة ضمن المخطوطات العمانية. ذلك انها لم تجمع حتى القرن 11هـ/ 17م عندما شهدت محاولات تجميع السير ضمن مجموعات مصنفة يطلق عليها أحيانا "السير العمانية " وأحيانا أخرى "السير الاباضية " وبالرغم من هذه المحاولات إلا أنه مازال عدد منها ضمن محتويات المخطوطات العمانية.

2- السير التي ضمت أو صنفت هذه المجموعات بشكل عام لا تزال غير مرتبة ترتيبا تاريخيا أو موضوعيا وانما يكون المرتب والمنسق المختار لها هو الناسخ.

3 - بعض السير في هذه المجموعات أو التي تعتبر من السير العمانية في الواقع هي ليست سيرا عمانية أو اباضية إنما هي من الأدبيات العربية الاسلامية على نحو المثال : سيرة النبي تمييع الى العلاء بن الحضرمي أو سيرة أبي بكر الى عمر بن الخطاب ربما تم ضمها لاعتبارات ايديولوجية أو عقائدية.

4- من حيث المحتوى النوعي فإنه عادة ما تكون السيرة تحمل هدفا وفكرة واضحة لما يعرض في المناقشة، وهي بشكل عام أشبة بالمذكرات أو الرسائل العلمية. وأما عناوينها فعادة ما تكون أو تنطوي على ستة أنماط : النمط الأول أن تحمل السيرة عنوان 

كاتبها على سبيل المثال : سيرة سالم بن ذكران (ق 2/8)، سيرة خلف بن زياد البحراني (ق 2/8). النمط الثاني أن تحمل السيرة عنوان الكاتب والمرسل على سبيل المثال : سيرة الامام المهنا بن جيفي (226/ 237) ( 841/851)  الى معاذ بن حرب، سيرة محمد بن محبوب (ت 260/ 874) الى أبي زياد خلف بن عذرة، سيرة محبوب بن الرحيل الى أهل حضر موت. النمط الثالث أن تحمل السيرة عنوان اسم الكاتب وموضوع المناقشة كسيرة أبي المؤثر الصلت بن خميس (ق 3/ 9) في الحدث الواقع بعمان، سيرة السؤال لأبي الحسن علي بن محمد البسيوي (ق 4/ 10). النمط الرابع أن تحمل عنوانا باسم كتاب نحو كتاب الموازنة، الأحداث والصفات. النمط الخامس أن تحمل عنوان المرسل اليه كنحو : الى من كتب الينا من اخواننا من أهل خراسان، سيرة الى أهل حضرموت. النمط السادس أن تحمل عنوانا حول حدث معين نحو سيرة أثرت عن الشيخ أبي الحسن علي بن محمد البسيا ني في حفص بن راشد أيام خروجه على المطهر بن عبدالله وعقده الأول شروط شرطها القاضي أبو محمد بن عيسى السري على راشد بن علي وأصحابه.

5- بعض السير تحتوي أو تتضمن أحيانا مواضيع عدة وهذه المشكلة بسبب اضافات النساخ، ذلك أن بعضهم قد يجد تعليقات وآراء تشير الى الموضوع نفسه مما يسبب في كثير من الأحايين جهدا في موثوقية النص،ومثال على ذلك سيرة أبي المؤثر الصلت  بن خميس (18).

فلتقييم نوعية هذه السير تيسر للباحث جمع مجموعات مخطوطة لسيرة عمانية اضافة الى مخطوطات أخرى تحتوي على بعض السير ضمن مواضيع متنوعة. وأيضا اعتمد على بعض الكتب المنشورة التي تحتوي على سير عمانية المجموعات المخطوطة كالآتي:

1- نسخة وزارة التراث القومي والثقافة بمسقط، هذه النسخة كتبت 1299/ 1881للسططان برغش بن سعيد - سلطان زنجبار - وهي تقع في ثلاثة أجزاء.

2- نسخة مكتبة السالمي بيديه كتبت 1120/ 1780 وهي تقع في مجلد واحد بعنوان كتاب السير.

3- نسخة بمجموعة مخطوطات الشيخ أحمد بن ناصر السيفي بنزوى كتبت 1141/ 1728 تقع في ثلاثة أجزاء مجموعة في مجلد واحد.

4- كتاب التقييد لأبي محمد عبدالله بن بركة (ق 4/ 10) بمكتبة السالمي نسخ في 972/1564.

5- ميكروفيلم لمخطوط للسير العمانية محفوظ بمكتبة جامعة كامبردج تحت رقم 1402. Or تاريخ النسخ غير معروف الكتب المنشورة

1- فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم لسعيد بن أحمد الخراسييني (في بداية القرن 11/17).

2- السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان. تحقيق سيدة كاشف اسماعيل. 1984.

3- تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان لنور الدين عبدالله بن حميد السالمي.

4- اتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان لسيف بن حمود البطاشي. 1992. كما أشير الى مجموعتين تضمان سيرا عمانية لم يتمكن من الحصول عليهما: المخطوطة الأولى محفوظة بجامعة Lowc  ببولندا استخدمت في الدراسات الاستشراقية خصوصا في دائرة المعارف الاسلامية. أما المخطوطة الثانية فمحفوظة عند الشيخ غالب بن علي الهنائي بالدمام.

هذه الدراسة سوف تعني بثلاثة جوانب هي

1- جانب التسلسل التاريخي في ترتيب السير، وهو ما أدى بطبيعة الأمر الى التقسيم المرحلي في عملية التدوين بحسب المؤثرات والمتغيرات السياسية في عمان والتغير النوعي في أسلوبية كتابة السير. أي بمعنى آخر أن كل مرحلة عبرت عن جانبها الفكري والأسلوبي بحسب المؤثرات السياسية في عمان.

2- الجانب الموضوعي أو المغزى المتحدث عنه في كل سيرة اضافة الى ما يتصل بالسيرة من أحداث متداخلة معها.

7- الدراسة قد تبدي كذلك اهتماما بالناحية التوثيقية لكن بالشكل العرضي أي أن الدراسة لا يمكنها دراسة توثيق كل سيرة على حدة في هذا المقال، ولكن ستبدي الرأي في بعضها.

السير العمانية : الموضوعات والتسلسل التاريخي المرحلة الأول. هذه المرحلة تبدأ من بدايات الاسلام الى انهيار الامامة الأولى في عمان ( 280) وهذه المرحلة يمكن تقسيمها الى ثلاث مراحل :

أ - مرحلة المدينة والصحابة حيث أن جميع السير المذكورة أتت من كتاب ليسوا عمانيين فهي تضم بعض المراسلات من النبي (صلى الله عليه وسلم) والصحابة، قد تكون تمت اضافتها من بعض النساخ أومن قبيل الحجج العقائدية، ذلك لأن أغلبها يوجد فقط في نسخة السيفي بنزوى. هذه السير كالآتي:

1- سيرة النبي نجو الى العلاء بن الحضومى (والي النبي في البحرين ) تذكر جميع النسخ إنها كتبت في سنه 4/622(19).

2- سيرة (رسالة الخليفة أبي بكر الى علي بن طالب ).

3- سيرة عبارة عن رسالة من عمر بن الخطاب الى علي بن أبي طالب.

4- سيرة (رسالة ) من علي بن طالب الى أبي عبيدة عامر بن الجراح.

5- سيرة تتضمن خطبة علي بن طالب يوم توف الخليفة أبوبكر.

6- سيرة عبارة عن عهد من أبي بكر الى عمر بن الخطاب.

ب - مرحلة الأحداث التي تلت مقتل الخليفة عثمان بن عفان حيث تفعلي هذه السير في مجملها الأحداث التي وقعت 35-45/656-665.

7- صفة أحداث عثمان هذه السيرة عبارة عن رسالة مختصرة تتحدث في مجملها عن أعمال الخليفة عثمان في الخلافة وكاتبه، مجهول. لكن البرادي.(20) يذكرها من ضمن المصنفات الا`ولى لأباضية المشرق ويتبين كأنها دونت في ق 2هـ/8م. 8- رسالة علي بن أبي طالب لأهل النهروان.

9- رسالة أهل النهروان لعلي بن طالب.

10- سيرة تتضمن الجدال بين أهل النهروان وعبدالله بن عباس.

11- رسال من علي بن أبي طالب الى عبدالله بن عباس حين أخذ مالا من المبصرة ولحق بالحجاز.

12- سيرة تضم رسائل من علي بن أبي طالب الى عبدالله بن عباس.

13- سيرة بعنوان في "الرد على أهل الشك " م