مجتمع الف ليلة وليلة
الطعام في الحياة الاجتماعية وفي تكنولوجيا السرد

محسن جاسم الموسوي (ناقد واستاذ جامعي من العراق ويقيم في تونس)


 لم يتبادر لمستشرق كتب في ألف ليلة وليلة، أو لمستعرب أو لعربي باحث شغفه المحكي، ان الطعام لا يظهر في الحكايات مكونا حياتيا اعتياديا. كما أنه لا يظهر فيها من مواصفات الحياة الواقعية فحسب : أي أنه ليس اللذة بمعناها الاجتماعي، على الرغم من مثل هذا الحضور. وانما يشتغل في أصول تكويناتها بصفته الدافع المسردي في أغلب الأحيان، فهو عندما ظهر اعتباطا في الحياة اليومية يجوز فيه ما قيل وما يقال، لكنه عندما يدخل في أصل الدوافع والأفعال يكون بنية سردية، تشتغل بطاقة ليست اعتيادية تقرب نتائجها من الموت. وكلما احتدم حضوره بطاقته الكبيرة اكتسب صفة الانساق. لكنه في حضوره الأوسع يشتغل في ألف ليلة وليلة بأكثر من دافع ووجه.

ولربما تفوت بعض قراء حكايات ألف ليلة وليلة طبيعة العناية بالأطعمة، والتي تتكرر في كل حكاية فيها المجالسة واللقاء فعلى الرغم من الدلالة الاجتماعية لمثل هذا التكرار، ثمة أعراف خاصة تشتد في عصر ما بخصوص الطعام وأدابه مرهونة بـ(الترف ). أي أن الرواة الشعبيين يشبعون مستمعيهم بما يعرفون من طعام ويغذون فيهم هذه الرغبة من بين الرغبات الأخرى في الجنس والشهوة والمال فيقدمون لهم في الكلام تعويضا عما يحرفون منه وينظرون اليه أو يتشوقون من بعيد له على أنه من (مزايد المجتمع الخاص )؟ لكنهم أي الرواة يستعينون على ذلك بما يسمعون أيضا أو يقرأ ون عنه على أنه من (آداب ) ذلك المجتمع وحياته وسلوكه. ولهذا كان كشاجم المتوفى في ( 360 هـ) يخصص الكثير لباب الطعام والمنادمة في أدب النديم بينما تجتمع معلومات مفصلة عن ذلك في كتاب الطبيخ للبغدادي محمد بن الحسن المكتوب سنه  (623هـ) (1). وبينما تعمر الموائد وتكثر وتتعدد وتأخذ عن المجتمعات الأخرى كتلك التي حال ذكرها دون اقدام الحجاج على ولائم في زواج ابنه لم يسمع بها ولم تجر لأحد قبله، كان المأمون حريصا على (صحة ) الأكل لا تنوعه. وعندما تفدي عنده بعض الفقهاء كان يقول في كل

لون من الطعام هذا يصلح لهذا، ومن عنده (بلغم ورطوبة ) مثلا فليتجنب كذا. أي أن مجتمع الخاصة شهد الاسراف من جانب والمعرفة الدقيقة بالطعام من جانب آخر في اتجاهين مختلفين يؤكدان شدة الترف.

ويورد ابن النديم في الفهرست وكذلك المسعودي في مروج الذهب وأخبار الزمان أسماء مؤلفات وكتابات كثيرة في أدب النديم والمسامرة والطبيخ : وإذا كان الوراق قد أفرد كتابا للطبيخ والأغذية، وذكرت كتابات أخرى ليوسف بن ابراهيم الكاتب وللخليفة ابراهيم بن المهدي ولجحظة البر مكي وغيرهم، فإن مثل هذه الاهتمامات تعرض لترف آخر يرافق الحياة الحضرية وتعقيداتها وشفف المعنيين بتفاصيلها اليومية وبما يدور في المجالس بشأنها، وإذا كانت آداب ان يم والطعام تفرد ما هو خاص بطرائق الأكل وآدابه ومستوياته وعلاقة ذلك بالقائمين عليه والداعين له، فإن تفاصيل الأطعمة ومحاسنها ومضارها ليست قليلة هي الأخرى.

وكان البغدادي محمد بن الحسن بن محمد بن الكريم البغدادي قد أفاد من هذه في كتابه الطبيخ (623هـ)، فكان معنيا بآداب المائدة وبأنواع الأطعمة مستعيدا في بعضها ماجاء عند الوراق وكشاجم. ومن الواضح أن المجتمعين الخاص والعام كانا يتسابقان في تكوين آداب المائدة وأنواعها، واذا كانت الخاصة تستعين بالقديم والجديد والآتي من الأمم الأخرى افرادا وجماعات في تكوين مفاهيمها وعاداتها وأنواع طعامها، فإن العامة كانوا يتوقون أيضا الى الصعود والتخلق بما درجت عليه الخاصة. ولهذا كانت الجواري والقيان ينفردن بعناية خاصة بالطعام وأماكن إعداده. والأهم من ذلك أن الانهماك في الطعام كان يجاري ترفا خاصا واسعا من جانب الخاصة، كما أنه كان يعبر عن قلق هائل يجري التعويض عنه وحرفة بالطعام الذي شغل مساحة واسعة من اهتمامات الناس.

واذا كان الناس على دين ملوكهم يشاكلون ازمانهم، فإن البهجة في الطعام والشراب أصبحت عند بني العباس غاية لذاتها، حتى كان الأدب غارقا فيها، يتجسد فيها المأكول والمشروب والمشموم والمحبوب، إذ تجتمع هذه جميعا بين المنادمة والجماع، ويروى عن الرشيد انه مر بدير مران فاستحسنه وأعجبه اشرافه على بساتين حسنة، ورياض مؤنقة بهجة، فنزله وأمر أن يؤتى بطعام خفيف، فأكل وشرب، ودعا بالندماء والمغنين وخرج اليه صاحب الدير،وكان شيخا كبيرا هرما، فوقف بين يديه ودعا له، واستأذنه أن يأتيه بطعام الدير، فأذن له في ذلك فاتاه بأطعمة لطيفة مختصرة في أنية نظيفة، فكان ذلك في نهاية الحسن والطيب، فأكل منها كثيرا واستطابها، وأمر الشيخ بالجلوس فجلس بين يديه. فأقبل عليه الرشيد بوجهه وسأله فحدثه، واستظرف حديثه، ثم قال هل نزل بك في هذا الدير أحد من بني أمية قال. نعم أصلح آتو مولاي أمير المؤمنين، قد نزل بي ها هنا الوليد بن يزيد ومعه أخوه الغمر، فجلسا في هذا الموضع الذي جلس فيه مولاي أمير المؤمنين، فقدمت اليهما طعاما، فأكلا وشربا وغنيا وطربا، فلما أخذ الشراب منهما، وثب الوليد ال ذلك الحوض، وكان مملوءا شرابا، فكرع فيه، وفعل مثل ذلك أخوه الغمر، حتى سكرا وناما مكانهما، فلما أفاق الوليد من سكره أمر بالحوض فمليء لي دراهم (2) أما تعليق الرشيد فهو هاجس الحكم عندما ينبني وجاهة على المقارنة بما سلف، إذ قال.

 (أبى بنو أمية إلا أن يسبقونا الى اللذات سبقا لا يجاوزهم فيه أحد).

لكن الخلفاء الذين جاءوا بعده سعوا لمثل هذا التجاوز، حتى فاضت الكتب بمظاهر الترف ونشدان اللذة كما فاضت له ولسابقيهم بنشد ان تثبيت أركان الحكم وتصفية الخصوم الفعليين والمحتملين حسب ما يرد من سعايات(3).

ويشتغل الطعام في ألف ليلة وليلة على أنه من دلائل العيشة الرغيدة، فهو يسبق الشراب والجماع في بعض الحالات، إذ تقول الصبية البغدادية في ليلة زواجها في حكاية الحمال والثلاث بنات (فأخذت صحبته بمجامع قلبي وقدموا لنا السماط فأكلنا وشربنا حتى اكتفينا ودخل علينا الليل فأخذني ونام معي على الفراش وبتنا في عناق الى الصباح _ الليلة 17، ص 48).

وعندما تصف الليلة 24 الخياط في بلاد الصين وهو (مبسوط الرزق يحب اللهو والطرب.. ويخرج هو وزوجته - ص 73) فإن واحدة من علامات (انبساطه ) هو الطعام (فاشترى سمكا مقليا وخبزا وليمونا وحلاوة ).

وهذا الشاب التاجر (الليلة 29، ص 78) لم يمكث طويلا عند لقاء العشيقة الصبية حتى (قدمت له سفرة من أفخر الألوان من محمر ومرقق ودجاج محشي )، ولم يتحقق الاضطجاع الا بعد الطعام والمدام (فاذا هي حضرة كاملة فشربنا الى نصف الليل ).

لكن الطعام في مجالس اختبار العشق يختلف عما هو عليه في مجلس الجماع ولهذا كانت ابنة دليلة في حكاية عزيز وعزيزة مثلا (الليلة 112، ص 241) تضع له الطعام في البستان وتراقبه عن بعد لمعرفة أيهما يشغله صعدته أم قلبه : (فلما وصلت الى ذلك المكان واطمأنت نفسي بالوصال فاشتهت نفسي الأكل فتقدمت الى السفرة وكشفت الغطاء فوجدت في وسطها طبقا من الصيني وفيه أربع دجاجات محمرة ومتبلة بالبهارات وحول ذلك الطبق أربع زبادي واحدة حلوى والاخرى حب رمان والثالثة بتلاوة والرابعة قطائف ).

وانتبه عدد من قراء ألف ليلة وليلة ودارسيها من الغربيين الى انهماك الرواة في وصف الأكل، ولربما لحان صحيحا أن المستمعين يحرصون على مثل هذا الوصف لما فيه من تعويض لشهيتهم التي تتوق الى ما خلف الجدران والأسرار حيث هناك ما يتصورونه من الحياة الأخرى المترفة الفنية الباذخة. وهكذا كلما وصف الراوي مشهدا بالغ في تعداد الأكلات وأنواع ما يدخل في تكوينها. وحتى عندما لا يكون بصدد جلسة الطعام نفسها يبالغ في مثل هذا الوصف، فثمة عالمان، فقير مدقع وغريب شأن عالم العبد الأسود في حكاية الملك المسحور، وآخر غني مترف جميل وغامض هو الآخر شأن عالم البنات في قصة الحمال والصبايا الثلاث : ففي القصة الأولى كانت الأكلة لا تعدو (بقية عظام فيران مطجن )، أما في الثانية فإنها اشتملت على ما يلي

1- مروقة زيتونية.

2- فاكهة، كالتفاح والسفرجل والخوخ والياسمين

والخيار والليموني و(اترنج) وعرسين وريحان وتمر حنا واقحوان و(منتور وسوسان ) وزنبق وشقايق النعمان، وبنفسج وبهار ونرجس وجلنار، مع أنواع من كل صنف.

3- لحم ضأن.

4 - (الة السكريات) عصفور مالح وزيتون مفشوخ وزيتون مكلس وطرخون وقنبريس وجبن شامي ومخللات مملاة وغير مملاة.

5 - قلب فستق وزبيب وقلب لوز وقصب عراقي وملبن بعلبكي وقلب بندق وحمص.

6- حلوى قاهرية ومشبك بيلقانية وقطا يف بالمسك محشية ودلالات أم صالح (سرخية ) و(سكب عثمانية) ومقرضة وصابونية وأقراص ومأمونية وأمشاط العنبر وأصابع (بانيد) وخبز الأرامل وبسندود ولقيمات القاضي و(كل واشكر) و(قميعات الظرفا وكشيكات الهوى).

7- عطاريات : ماء نوفر (ابلوجين سكر) وماء ورد ومسك (وحصا لبان ) وعود وقطع عنبر

وفانوسيات شمع وطوافات ( 4).

ومثل هذه (تتكامل ) جميعا لايجاد مجلس طعام لا ينسى الراوي أن يعززه بما لذ وطاب من الأكل والشراب المتوافر في مثل هذه البيوت.

صنعة الطبيخ هوية في المحكي:

ولم تكن (زبدية حب الرمان ) التي يقدمها حسن بدرا لدين في سوق دمشق لابنه عجيب وخادمه أكلة غريبة، مادام الوراق وغيره قد أفردوا أبوابا للحماضيات والرمانيات أي الأطعمة التي يساق فيها ماء الرمان مثلا فتكتسب طعمها الخاص الذي جعلها تقترن بأسماء بعض الخلفاء ورغباتهم كالمأمون (الباب 58 عند الوراق )(5).

لكن مثل هذه الوصفة قد تصبح خاصة جدا لدرجة الامتياز، وهو ما كان متداولا في حينه ازاء بعض الأكلات، فكما عرفت بدعة خادم ابراهيم بن المهدي بالسكباج يمكن أن تعرف أم حسن بدر الدين بالرمانيات، والأهم في الحكاية المذكورة (الليلة 23، ص 67) هو أن عجيبا يرى ما تناوله من طعام أحسن بكثير مما تعده له جدته. ولما كانت وحدها صاحبة السر والصنعة عرفت انه لا يوازيها غير ابنها في ذلك. أي أن الأكلة المذكورة أصبحت حافزا في الفعل، ولأنها كذلك ساقت الفاعلين نحو الحدث، وحققت مشهد التعارف الذي لربما يبقى بعيد المنال جراء تباعد الأمكنة بين مصر والبصرة ودمشق. ومثل هذا الحافز، أي الأكلة الموصوفة المقرونة باسم دون غيره، لا تكتسب قيمتها السردية بصفتها حافزا دون مثل هذا الوعي بفضاءات الطعام والعناية به في العصر الوسيط. وقد تبدو بدون ذلك مجرد حافز مصطنع، لكنها في سياقها التاريخي تكون أكثر فاعلية.

وتظهر أكلة حب الرمان في الحكاية المذكورة باللوز والسكر (ص 67)، وتصحب بشراب فيه الثلج والسكر أيضا فتنافس طبيخ جدة عجيب وتتقدم عليها، حتى انها عندما أرسلت الخادم للمجيء بزبدية رمان جاءتها مختومة (بالمسك وماء الورد) ~(ذاقتها ونظرت حسن طعمها وجودته فعرفت طباخها فصرخت ثم وقعت مفشيا عليها – ص70).

وبينما يظهر الطعام في الف ليلة وليلة من مواصفات العناية والاكرام والجاه ومن شروط الراحة ومستلزماتها، فإن الكتب الكثيرة المكتوبة فيه طيلة المرحلة العباسية والقصائد التي قيلت بحقه تدعو المرء الى التأمل، فهذا مجتمع مترف يرى في التفنن ضرورة، وله من الوقت وراحة البال ما يتيح مثل هذا التفنن الكثير. ولهذا يقول البغدادي بعدما ينتقد سابقيه ممن كتبوا في الطبيخ (ان ملاذ الدنيا تنقسم ستة أقسام وهي المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح والمشموم والمسموح. وأفضل هذه الأقسام وأهمها المأكول. إذ كان هو قوام الأبدان ومادة الحياة ) (6). وبينما كان الواثق معروفا بالعناية بالأكل، فإن الخلفاء كافة كانوا يحرصون على انتقاء الطباخين ومعرفة الأكلات المفضلة ومتابعة ما لدى الأمم الأخرى في هذا الباب. واذا كان المأمون حريصا على التدقيق فيما يناسب الصحة والبدن من الطعام، فإن الآخرين يتباينون في الرغبات،.و كان الرشيد يتابع نظافة المطبخ بنفسه، والتصقت بعض التسميات والاهتمامات بالخلفاء العباسيين، كما يذكر الوراق، ويعود سبب ذلك اما الى شيوعها في حينه، أو لرغبتهم فيها، أو لوجود طباخين لديهم يتقنونها دون غيرها، فهذه بدعة طباخة ابراهيم بن المهدي تتقن السكباج (من اللحم البقري والغنمي والدجاج ) بنسب دقيقة جدا بعدما كانت هذه أكلة كسرى أنوشروان المفضلة، كما يقول الوراق في الباب 49. وكان ابن المعتز يبالغ في وصف الكوامح ويتلذذ بذلك كثيرا، بينما أعدت أرزية ساذجة للواثق وأخرى باللبن للمتوكل (الباب 51).

ولابراهيم بن المهدي ولع بالطعام، وهو موصوف بهذا الولع حتى كانت سمنته مثار تندر المأمون الذي يرده بعيدا عن العشق وهو عل هذه الحال. فهو يتقن ( المضلية ) من لحم الحمل (الباب 70)، وله في المدققات الكثير الذي تفرد له الصفحات. وهناك ما أعد للمعتصم في اللوز ينج (الباب 99). والمهلبيات للمهدي، وللمكتفي أكلة خبيص بالجوز(96)، وسميت أكلة فالوذج بأكلة الخلفاء ( 93) حسب ما ورد في ترصيفها. وعرفت طريقة شي الحملان في التنور ليحيى بن خالد (الباب 87)، فتميزت وشاعت. بينما أعدت (الطباهجة ) له أيضا، وكذلك بطريقة أخرى من قبل طباخة الواثق (86). وهناك قلايا من اللحوم والالبان أعدت للمعتما ( 84)، ومقلوبات ومدققات من اللحوم أورد صفتها اسحق بن الكندي (78). ولا سحق بن ابراهيم الموصلي شأنه في هذا الميدان، فله في صناعة السوادج والمخللات الكثير ( 74)، وله أيضا نباطية بلحم الدجاج، ونارباجة (67). وعملت للمأمون حماضيات ورمانيات (58)، وعملت له زيرباجه من فروج وصفت باسهاب وأناة. وهناك مشروبات كمشروب التفاح الذي خص به المتوكل ( 124)(7).

ولا يمكن أن تبدو المكانة الكبيرة للطعام في حكايات ألف ليلة وليلة محض ردة فعلى على الجوع فعلى الرغم من صدق ذلك، إلا أن الانهماك في الطعام يتجاوز هذا الحد فيصبح ولعا لحاله، وبينما يعرض المغربي لجودو بن عمر المصري أن يختار له ما يشاء من أدوات السحر العديدة كالمكحلة والخاتم والسيف والخرج وغير ذلك، كان جوار يتذكر أمه في تلك اللحظة، مرمية على قارعة الطريق تستجدي،. فيطلب الخرج المسحور الذي تتلقف الكف الداخلة فيه كل ما تشتهيه الأنفس. وهكذا كان المغربي يقول له (مسكين هذا ما يفيديك بغير الأكل )، الليلة 615، ص 95ج 2، لكن جوار يصر على ذلك حسب، فكان أن عبث قليلا بطلبات أمه البسيطة ليريها كيف تأتيها الأطباق الشهية المختلفة.

تقول الأم : يا ولدي أريد عيشا ساخنا وقطعة جبن.

فيجيبها : أنت من مقامك اللحم المحمر والفراخ المحمرة والأرز المفلفل ومن مقامك المنبار المحشي والقرع المحشي والخروف المحشي، والضلع المحشي والكنانة بالمكسرات وعسل النحل والقطائف والبقلاوة.

أي أن الخيار يصبح مناسبة للتلذذ بذكر الأطعمة والحلوى التي يشتاق اليها الحكاة والمستمعون.

أكلات العرب

أي أننا بإزاء واقع متمدن جديد يتنفس لذاته في المشروب والمأكول والمشموم والمحبوب. كما يكتب السري الرفاه في كتابه قبل وفاته (362هـ)، فيحقق له الجاه هذه الرغبة وتأتيه الثروة بهذا الاسراف، بينما يطل الرواة على الواقع المترف فينقلون ويضيفون ويبتكرون لتغذية ذهن العامة والامر طري وجديد مقاربة بما عرفته العرب في القديم.

فأطعمة العرب معدودة، قليلة الكوين، فهناك :

الرشيقة من اللحم (اغلاءة )

الصفيق (القديد)

الربيكة (بر وتمر مطبوخ )

البسيسة (المخلوط بغيره وبالسمن أو الزيت )

العبيثة (مطبوخ مخلوط فيه جراد)

البغيث والغليث (طعام مخلوط بالشعير)

البكيلة (دقيق مخلوط بالسويق مبلول بماء أو سمن )

الفريقة (من اللبن)

المضيرة (مطبوخة باللبن الماضر الحامض)

الهريسة (الطعام المهروس )

العصيدة (طعام معصود من الدقيق والسمن )

الرعدة (اللبن الحليب المغلي المخلوط بالدقيق )

الحريرة (الحساء من الدسم والدقيق )

السخيفة (حساء)

العكيس (دقيق عليه ماء)

الفالوذج (البر والعسل والسمن )

المصوص (لحم منقوع في الخل ومطبوخ )

وهناك ما كثر وتلون وتنوع من السمك والطيور(8) لكن اختلاط العرب بغيرهم قاد الى تنوع المائدة وكثرة صفوفها، وهو ما يرد في ألف ليلة وليلة. وعندما قيل لشويح القاضي (أيهما أطيب اللوز ينق أو الجوز ينق : فقال. لا أحكم على غائب ). فإنه لم يكن يشير الى ما يريد في تلك الأثناء فحسب. فالنادرة تشير أصلا الى غرابة هذه الأكلة وجدتها وندرتها، كما هو شأن أنواع عديدة من الحلوى والمطبوخات. ومثله سؤال بن شاهك عن طبخ الكر لحي، فقال الحجام : سكباجا، والسكباج طبخة من اللحم والخل والتوابل كانت شائعة ومعروفة في بغداد في العصر العباسي.

ولم يكن الحكي في ألف ليلة وليلة يتخل عن انساقه في ذكر الطعام، اذ تمتد هذه في مكونات كلام العامة، مختلطا بغيره مرويا أو منقولا أو متخيلا، ولهذا تجيء القرائن مكتنزة وضاجة بالحياة وبكل ما تتشكل منه هذه في حياة العامة. وكان الطقطقي من بين المتأخرين الذين يرون انشغال الملك بمثل هذه التفاصيل شائنا، اذ يقول في الفخري (ومما لا يليق بالملك الكامل، الافاضة في مجلسه في وصف الطعام والنساء لئلا يشارك بذلك العامة، لأن العامة قد قنعوا من عيشهم باليسير واقتصروا عليه وتركوا الأمور الكبار، فإذا أرادوا أن يفيضوا في حديث لم يكن لهم الا وصف أنواع الأطعمة ووصف اصناف النساء(9). وللعامه كلام يتجنبه الخاصة، ولهذا كان الفضل بن يحيى سريعا في رد الأصمعي عندما قال للرشيد (سقطت على الخبر يا أمير المؤمنين ). "أسقط الله أنفك وعينيك، ما هكذا يخاطب الخلفاء"(10).

قصف الخليفة: من (لهو ولذات):

لكن الخلفاء كانوا يشاغلون أنفسهم بذكر الطعام والنساء، كما يروي المسعودي، وكانوا يتمددون في الاستماع والاصغاء كلما انتهوا من مهمة ما. بينما كان آخرون منهم كالمستكفي يطلبون من الندماء وصف الطعام شعرا، ويتبارى آخرون أمام الأمير في وصف الجواري والغلمان، وتنتعش في أيام المتوكل ضروب الغزل بالغلمان والجواري والمحظيات، لكن الطعام ازداد حضورا في الحياة، كما هو الكلام، كما تدل الكتب والقصائد المؤلفة التي يرد ذكرها في كتاب السري الرفاه وغيره، بحيث لا تبدو انهماكات القلندري الثاني في وصف الطعام غريبة أو طارئة على الرغم من أن المأكولات الواردة فيها (والبقول والفراخ) هي من اهتمامات العامة. ولا تقترن بحياة البلاط ضرورة. يقول في القصيدة التي أوردتها طبعة (لايدن، برل، الليلة 49، ص 173).

عج بالغرانيق في ربع المسكابيجي

واندب لفقد القلايا والطباهيج

واندب بنات القطا مازلت أندبها

مع الفراخ المطجن والفراريج

يالهف قلبي على لونين من سمك

على رغيفين من خبز المعاريج

وقد تقلت عيون البيض من كمد

على المقالي بتصريم وتوهيج

لله در انشوا ما كهن أطيبه

والبقل يغمس في خل السكاريج

ما هزني الجوع الا بت معتكفا

على الهريسة في ضو الدماليج

يا نفس صبرا فإن الزهر ذو غير

إن ضاق يوما غدا يأتي بتفريج

لكن تحفظات مؤلف الفخري لم تكن تسندها حياة البلاط على الرغم من أن الترف الشديد أوجد آدابا خاصة معروفة نقلت عنها كتب التاريخ ودعها كتب التهذيب وآداب الطعام والشراب والمائدة. اذ كانت هناك قصائد في وصف الطعام لابراهيم بن المهدي، الخليفة المغني ولغيره. ويمكن أن تؤخذ هذه في سياق نقده لبني العباس، انهماكهم في الدنيا والملذات، وما يعنيه ذلك من تحولات في اللغة. كما يمكن أن تؤخذ هذه في سياق ثان، عندما نعرف عنهم سعيهم لبلوغ أفكار العامة وحياتها، بطرا مرة وتفننا سياسيا مرة أخرى، وصهرا كان الأمر فإن لابراهيم المهدي قصائد عديدة في الطبيخ، يصف في أدناه منها طبيخا سماه النرجسية:

يا سايلي عن أطيب المآكل

سألت عنه اليوم غير جاهل

خذ ياخليلي أضلعا من لحم

ولحم فخذ بعده وشحم

فاقطع من اللحم السمين الرطب

واغسله بالماء القراح العذب

واطرحه في الطابق فوقا النار

ثم أقله بالرب والابزار

حتى اذا ما صار فيه احمرا

قطع عليه بصلا مدورا

وبصلا رطبا طريا أخضرا

والق عليه سذبا وكزبرا

واسقه مريا وزنجبيلا

وفلفلا من بعده قليلا

وأضف عليه بعده هليونا

وافقص عليه بيضه عيونا

مثل نجوم الفلك المنيرة

وزهرة النرجس مستديرة

وأدر عليه قطع السذاب

وبعضه قد قام بانتصاب (11)

ولم تغب عن الرواة أوضاع الترف والتوتر السياسي في آن واحد، فالأخير يولد القلق، ويدفع الى التسلية والترفيه المؤقت، فيكون الانهماك في مظاهر الترف مبالغا فيه، فتكثر هذه وتصبح واقعا في (العالم الخاص) الذي لا علاقة له بعالم العامة ضرورة.

وينقل المسعودي في مروج الذهب مثلا عن أبى اسحق ابراهيم بن اسحق المعروف بابن الوكيل (13). كان المستكفي في سائر أوقاته فازعا وجلا من المطيع  يلي الخلافة، ويسهـما إليه فيحكم فيه بما يريد، فكان صدره يضيق لذلك، فيشكو ذلك قي بعض الأوقات الى من ذكرنا ممن كان يألفه من ندمائه فيشجعونه ويهونون عليه أمر المطيع، الى أن قال لهم في بعض الأيام. قد اشتهيت أن نجتمع في يوم كذا كذا فتتذاكر أنواع الأطعمة وما قال الناس في ذلك منظوما، فاتفق معهم على ذلك، فلما كان في اليوم الذي حضروا أقبل المستكفي