المكان-السرد في مدن الملح


مريم خلفان- الامارات


 عبر التشرف المطروح في النص ، لما يجب أن تستوعبه الرواية ، وكيف تكون صوتا لمجاميع من البشر ينبنى السرد في "مدن الملح " مفسحا المجال لجميع الأطراف ان تقول شهادتها.

ويتدفق السرد ، معريا الأحداث ، لا صانعا لها ، لآن الرواية تعتمد الحدث التاريخي ، ولا تصطنع أحداثا خاصة سوى تلك التي يمكن أن تنجم عن الحدث الأساسي وتتجاوب معه، وقد سبق رصد الحدث الأساسي من خلال مقارنة الزمن الروائي بالزمن التاريخي.

فكل الأحداث هي أحداث تاريخية تتم تعريتها في النص وكشف مختلف جوانبها بالحوار، بالوثيقة بالقصة ، تمهيدا لاعادة الرؤية .

نتوقف عند العنوان ، والعناوين الفرعية ، والبدايات والنهايات ، لنستعين بها في الدخول إلى فضاء السرد.

العنوان الرئيسي "مدن الملح " يستدعى في أذهاننا الهشاشة وسرعة التلاشي أمام أي اختلال طفيف في مقومات وجود هذه المدن .

"فالعنوان يعلو انص ويمنحه النور اللازم لتتبعه " . وتظهر في ثنايا النص إشارات كثيرة الى العنوان الرئيسي . يقول مالك الفريج المستشار المال لخزعل ، عن مدينة فنر المزمع انشاؤها في الصحراء والتي تعكس صورة بقية المدن . "وتقول مدن الملح ترتفع تكبر إذا جاءها الماء فش ولا كأنها قامت " اما العناوين الفرعية فتفنى العنوان الرئيسي . فعنوان الجزء الأول “التيه" تبدأ معه الهشاشه ويبدأ معه الضياع “واتيه المفازة يتاه فيها والجمع اتياه ".

ونجتاز عتبة العنوان “التيه " لنفاجأ بالألفة ألفة وادى العيون ، لنعرف ونخبر طعم الألفة ، وليتسنى لنا كقراء أن نعرفها ، ثم نعرف بعد ذلك حرقة التيه واغترابه ذلك التيه الذي سيبتلع المكان كله، وليس وادى العيون فقط .

في الجزء الثاني "الأخدود" تدخل موران الضيقة، صيغة المبالغة من "مور" بعد الاخدود نجتاز عتبة أخرى “تقاسيم الليل والنهار" وهي عزف من ذاكرة الراوي على كليهما ، عود الى البدايات الأولى ، التداخل الأول مع العالم الخارجي، فشهوة المكان سيطرت على خريبط" سنة بعد أخرى يزداد خريبط قوة ونفوذا ويزداد ع” أولاده وعدد زوجاته ، كما أن البلدان الأخرى المحيطة به تثير شهيته ، وتحرضه على أن يضمها".

ومع التقاء هذا بالمطامع الغريبة ، والسيطرة وظهور النفط في المنطقة ، تنتج عن ذلك كله هشاشه المدن القائمة .

ثم “المنبت “ وهو المقطوع من جذوره ، الزائد غير المرغوب فيه تنويع على العدائية وهي عدائية المنفى ، الذي يتسع كل يوم ويزداد.

بعد ذلك نستقر في آخر الرحلة في “بادية الظلمات“ ورغم كل هذا التحول ظلت ملامح الصحراء ثابتة ، لكنها ليست صحراء فسيحة ومشرقة كما كان حالها ، بل مظلمة بالخراب الذي حل بها ومن خلال الشهادات والأصوات التي يضج بها النص ينفتح الزمن على المستقبل. كتب روبرت يونغ في مذكراته:

“ماذا يفعلون بناطحات السحاب الزجاجية اذا أصبحوا عاجزين عن تأمين التبريد لها ؟ هل يريدون أفرانا اضافية زيادة على الجحيم الذي يعيشون فيه ؟ هل يريدون مزيدا من مصائد الغبار اذا راكموا ذلك الفرش والاثاث المصمم للمناطق الباردة ؟ وماذا يفعلون بهذا الكم الهائل من الاجهزة اذا عجزوا عن اصلاحها؟”.

وثمة إشارات أخرى ، الى جانب العنوان تعني فضاء السرد امامنا الا وهى الأقوال التي تعقب العنوان ، وتشير إلى انفتاح النص على نصوص أخرى، ويتم هذا في "تقاسيم الليل والنهار" وفي المنبت ".

في "تقاسيم الليل والنهار" هناك صفحة كاملة تمتلىء بالأقوال :

-المثل البدوى : ذاك الغيم جاب هذا المطر.

-قول أحد أبطال مسرحية تشيخون "الأخوات الثلاثة ".

كل الأقوال السابقة تشير الى أن ما حدث كان له أسبابه وهاكم الأسباب ، لكن يجب التذكر انه وحتى في هذا الوضع القائم تكمن احتمالات المستقبل التي تريدونها . والسود يقوم باضاءة هذه الاحتمالات ويدفع القارىء ال العمل من أجل حياة قادمة مغايرة لما هو حاصل .

أما الحديث الشريف في المنبت ، فمنه يأخذ الجزء عنوانه ، وهو اشارة الى أن كل مكان منبت ومقطوع عن أصله ومنشئه تماما كما حدث لخزعل .

* البداية والنهاية .

يبدأ السرد في "مدن الملح " من تقديم وادى العيون ، من تقديم المكان ، أو بالأحرى من تهيئته للدور الذي سيلعبه في النص ، بألفته وقسوته ، وحيث يفرد وادى العيون على أول سطر في الرواية :

"إنه وادى العيون ..."

وينتهى بالجزء الخامس ، بمقتل فنر وتعيين مانع حاكما جديدا ، وليس ثمة غير الوعود التي تقدم وتظل مجرد وعود :

-البدء باعداد الدستور.

-تنفيذ عدد كبير من المشاريع .

-وعد بالعفو عن المساجين .

ويختتم بالأقوال ، بحوار هدله الفرحان جاره بيت عمير خال فنر، مع زوجها. وذلك بعد أن خمد صوت رأس الماعز في بيت عمير وبعد أن أخذ كل من في البيت الى السجن .

"شنهوا اللى بلا الناس ، مايشوفون ، ما يسمعون ؟ ما يمشون بين القبور؟ رد حمد الدولعي :

الناس شايفين كل شيء يا هدلة ، بس يلزم غيرهم يشرف ويسمع ويمشى بين القبور حتى يتعلم.

وغرق الاثنان في الصمت والتأمل .

وبدأت موران تتصنت وتتلفت وتترقب .. من جديد.

إن السرد كله عود من تلك النهاية ، مقتل فنر ، إن نهاية السرد تؤثر في كل شيء موجود، إنها والبداية عمودا الحبكة الروائية .

أما البدايات الداخلية للتقسيمات غير المحددة أو المرقمة ، فانها تتابع تقدم انهيار المكان الأول بزمانه الطبيعي ، وترصد تقدم الزمن التاريخي وتحول الشخصيات في ظل الزمن المتحول .

* بنية النص :

تقوم "مدن الملح " على التحام الرواية بالتاريخ ومن خلال تغلفها به . ان التاريخ يأتي الينا بملابس الرواية ، حاملا معه ملامحها متقنعا بها ، ولذلك فان السرد الروائي هو في الاصل سرد تاريخي يكتب التاريخ من خلال الرواية ، يكتب ما لم تحفل به كتب التاريخ الممزوقة والمصقوله ، تاريخ الناس البسطاء في معاناتهم اليومية . إن الرواية تصبح الوجه الآخر للتاريخ الرسمي "تاريخ من لا تاريخ له " تاريخ امة وتاريخ قطاع كبير من البشر.

يتوزع السود في الأجزاء الخمسة للرواية ، حيث ينقسم كل جزء الى فصول صغيرة غير مرقمة ، متقاربة في الحجم تصل الى 258 فصلا ، إن هذا التقسيم اقرب الى تلال الصحراء المتشابهة المتقاربة . يبدأ السرد من التيه ، من الوسط ، ويتقدم الى الامام في الاخدود ثم يعود الى الوراء في "تقاسيم الليل والنهار" والقسم الاول من بادية المظلمات ، ثم يعود الى الزمن القريب بادية المظلمات القسم الثاني والذي ينتهى به النص .

يستمد هذا البناء شكله من المكان حيث ان هذا البناء يشبه خيمه البدوى ويتردد هذا القول كثيرا في النص . يقول متعب الهذال وهو يدعو للوادى "يارب يا صحب الخيمة الزرقاء" وشعر ان في موران يردد نفس الدعاء" يأرب يا صاحب الخيمة الرزقاء".

وخيمة البدوي تشبه الصحراء، واسعة ومفتوحة وغير محددة بدقة ، في نفس الوقت تسمح للاشياه بالعبور من جميع الاتجاهات . إن ذاكرة الراوي تشبه الريح التي تتخلل الخيمة . الريح ذاكرة الراوي التي تهب فتحرك الأشياء والحوادث وذاكرة الراوي لا تترتب زمنيا . وهو اختلاط مقصود تفرضه الرؤية التي ترصد الالفة والعدائية فالسرد يبدأ من الحاضر ليغوص في الماضي . يبدأ من الالفة الصافية من وادى العيون ويتابع الانتقال من الالفة  الى العدائية .

ولنلمس البناء الروائي عن كثب فاننا نعيد تفكيك الحكاية -لنقوم بالقراءة العالمة .

إن الراوي يعيد صياغة الحكاية وهو يبدأ من لحظة قائمة في الحاضر، لينطلق الى الماضي، انها قراءة حذرة محفوفة بأشواك الكذب والتزوير والقصص المختلقة . وهو هنا يدفعنا معه للبحث وسط ركام الأكاذيب .

"يمكن أن نفكر بتحرك سام ، دقيق ومحدد ، فيصبح القارىء مسؤولا عما يحدث في نواة العمل الادبي الذي هو مرآة وضعنا البشري، وذلك بالتأكيد على غير علم منه كما هو الحال في الواقع ".

فاذا ما استجبنا للقراءة العالمة لنفكك وحدات السرد، تنتهي الرواية بمقتل فنر على يد ابن اخيه ضاري بن عمير، ولم يحدد الراوي سبب القتل ، فضاري زوج لابنة الحاكم المخلوع خزعل، كذلك هو عاد قريبا من أمريكا، ويترك الراوي التساؤلات بلا اجوبة .

وقد تم خلع خزعل نتيجة المنافسة الشديدة بينه وبين فنر، هذه المنافسة تعود لأيام خريبط الذي أراد أن تكون له قبيلة من الأبناء والأحفاد ، لذلك كثرت زوجاته ، وكثر اولاده ، ، وقد أراد أن تكون له هذه القبيلة ، لأنه سبق وأن طرد أبوه مرخان من موران ولجأ الى الفراهيد، وقد قام خريبط باستردادها والاستيلاء على حصنها المنيع ، وقد تسنى له ذلك بمساعدة الانجليز، لأنه لجأ اليهم في وقت ظهور مطامعهم للسيطرة على المنطقة ، في حين لجأ منافسه مزهر بن سحيم إلى تركيا ، الدولة الآفلة في ذلك الوقت ، لذلك كان خريبط هو الرابح .

والبنية الروائية تتجه كلها نحو الكشف عن تلك التحولات .

والراوي في النص راو تاريخي يبدو عليما بكل شيء لأنه يعيد قصة خبرها وعرفها من قبل، وعاش بعضا من أحداثها وعالم يعشه بنفسه سمع به على الاقل ، وبعد ذلك يكتشف ان الحكاية كلها زورت وكتبت بشكل آخر فيكتشف اهمية خاصة لاعادة القراءة لذلك يحاول التذكر ، ومن هنا تقوم بنية السرد على ذاكرته التي تحاول ان تستجمع الملامح الهاربة للأمكنة والبشر، في زمن مضى وكاد ينسى إن هذا النسيان هو مايعمل الراوي ضده فهو يحاول انتزاع صور الاشياء ملامحها ويحاول ان يعيد اليها طزاجتها الأولى ، لعل من يقرأ يفهم ما حدث .. يفهم كيف زور التاريخ وشوه الواقع .

"تذوي التفاصيل " تتراجع ثم تغيب وحتى تلك التي لا تزال عالقة بالذاكرة ولدتها الرغبة او ولدها الخيال الجامح ، لأن أية محاولة لاستعادة صور الأشياء والأماكن والملامح تصطدم بالنسيان الذي يتمدد كالهواء الساخن ، يجعل كل ما جرى أقرب الى الحلم ".

والراوي هنا يكتب على طريقة كتاب التاريخ الاسلامي ، وهي إحدى المميزات المرتبطة بالرؤية حيث أن موقع الراوي وهذه المسافة التي تفصله عن الحدث تناسب انبناء النص القائم على تعدد المحكي والسماح لشتى الانواع الحوارية بالدخول الى النص ، فيظهر النص وكأنه سيرة ذاتية للمكان .

"وبعبارة أخرى فان المنطقة التي تحصل فيها الوقائع هي التي تروى ما جرى بلغة منتظمة متزنة هادئة تذكر بالاساليب المشهورة فى روائع الروايات العالمية وتقترب ، ايما اقتراب ، من أسلوب رواة التاريخ الاسلامي، يذكرون الكوارث تعقب الكوارث فلا تثير لهم جارحة ويبقى الكلام على حظه الوافر من الاتزان الموضوعي.

إلا أن هذه الحيادية خادعة ، ذلك أنه من خلال الوصف والذي يبدو هو الاخر في بعض الاحيان حياديا وتقريرا من خلال الوصف المبطن بالسخرية تظهر رؤى الراوي غير الحيادية، والمنحازة أبدا للألفة ، يظهر ذلك وبشكل خاص في وصف الشخصيات .

وقد تمت الاشارة الى ذلك في فصل "المكان / الشخصية " كما أنه يظهر في بداية السرد ، ذلك انه لم ينطلق من بداية الحدث وانما بدأ من انهيار الألفة في وادى العيون .

وترتبط هذه الطريقة في السرد، طريقة الراوي العليم بكل شىء أو الرؤية من خلف كما يسميها النقاد، بضمير الغائب . فالراوي العليم بكل شي ء هو الذي يروى الحكاية "أن أبسط الصيغ الاساسية للراوية هي صيغة الغائب ".

والراوي من هذا الموقع ، موقع العليم بكل شي ء كثيرا ما يغير مواقعه ليستطيع أن يلم بهذه المساحة الشاسعة من الزمان ومع هذا العدد الهائل من الشخصيات .

فأحيانا يقرر الحالة التي ستقع فيما بعد كأن يصف رحلة صويلح الهديب وفواز الهذال الى عجرة حيث يلتقيان بابن الراشد وحيث تتغير الاحداث .

"ان فراقا من نوع ما كان يرفرف فوق الرؤوس ، كان يصرخ في الظلمة في ساعات الليل الأخيرة او في ساعات الفجر، إن هذا المجهول الذي بدآ يفرقان فيه خطوة بعد أخرى ما ابتعدا عن الحدرة، لن يستطيعا النجاة منه ولن يفارقاه حتى النهاية ".

كذلك الاشارة التي جاءت في "الأخدود" الى مصير سلمى ابنة المحملجى ، والتي تكشف في آخر "الاخدود" وفي المنبت ".

لكنه أحيانا يراقب من بعيد، كأن يصف مرور ابن الراشد بهاجم وخاله دون أن يشير إلى أن الذي مر هو ابن الراشد، وانما يشير الى ذلك من خلال الابتسامة الذاهلة على وجه هاجم .

أحيانا يكون الراوي في موقع المراقب فقط ، العين المشهدية المفتوحة على المدى الرحب ، تمر عبرها مختلف التغيرات ، والصور بحيادية مطلقة ، فها هو يصف جهاز الراديو الذي وصل أول مرة الى حران كهدية من حسن رضائي الى الأمير خالد، امير حران .

"كان اثنان منهما يتعاونان على حمل كيس متوسط الحجم ، ويبدو أن عافي الكيس ثقيل وثمين لأن طريقتهما في حمله ، ثم عندما انزلاه على الارض ، أوحت بذلك ، أما الثالث فكان يحمل قطعة مكعبة من حجر أسود يشبه الفحم ".

لم يقل بطارية ولم يسم شيئا ، وانما وصفه بعين ترى الاشياء لأول مرة دون أن تعرف عنها أكثر مما يبدو في مظهرها الخارجي.

أما عثمان الاصقي ، الذي حضر السهرة عند الأمير، ورأى الراديو فقد حاول ان يصفه بعد الحاح الناس في المقهى عليه :

"أما حين حاول، وقد حصل هذا بعد الحاح وانتظار وبعد تردد طويل ، فقد قال إن لدى الامير شيئا عجيبا: صندوق لكن ليس كأي صندوق . مثل سحارة الشاي.

ورغم هذه الهيمنة الواضحة على كل شىء ، فاننا نكتشف كثيرا من الأصوات المتعددة والتي يفسح لها الراوي المجال لتدخل في سرده ولتكون شهادة على عصرها ، أنه يستعين بعدد كبير من الرواه ومدوني الحوادث ، أحيانا باسمائهم ، وأحيانا أخرى، حسب جنسهم أو وظائفهم : قالت النسوة قال المسنون ، قال التجار في السوق .

"إن سيطرة أحادية الراوي العالم بكل شي ء أصبحت غير محتملة في العصر الحديث مع التطور الثقافي العريض للعقل البشري، بينما أصبحت النسبية المتشعبة في النص القصصي اكثر ملاءمة ".

* الحوار :

تكتسب كلمة البطل ، والمتمثلة في الحوار ، اهمية استثنائية في "مدن الملح " ذلك ان هذه الكلمة شهادة على عصرها، شهادة على الانسان "ووظيفة البطل الاساسية هنا ان يتكلم وان يقول : "فما يتصف به الجنس الروائي ويتميز به ليس صورة الانسان بحد ذاته ، بل هي صورة اللغة ولكن على اللغة، كيما تصبح صورة فنية ، أن تصبح كلاما على شفاه متكلمة وتقترن بصورة الانسان المتكلم ".

والراوي كلى الحضور ، يعلق على الحوار بين المتحاورين وينقله بينهم ، لكن رغم ذلك يبقى للشخصية استقلالها الكامل عنه وعن لفته تنطلق من رؤى ومواقف يفرضها دورها وموقفها من التغير.

"كان متعب الهذال في حالة من الغضب والانفعال الى درجة قد يفعل شيئا غير عادى ، أحس هديب بذلك اكثر من الآخرين ، قال في محاولة لان يغير الجو :

-يا أبو ثويني ، أردنا أو لا العفاريت ستصل ديرتنا ، والقضية ما منها حيلة .

رد متعب بعصبية :

"العفاريت وصلت ياهديب .. وصلت .. وصلت ".

وتقوم الرواية على المشاهد الكبرى سواء كان ذلك في تقديم الانسان في مكانه أو في تقديم الأحداث ، لأن الحدث يتم في الفضاء المفتوح أو فضاء «العتبة» ويتم ذلك من خلال الحوار المشهدي.

وهنا يسمح الراوي للغة العلوم ، اللغة الشفهية بالدخول الى الرواية ويستخدم لهجات ورطانات مختلفة ، ويتم في نفس الوقت الكشف عن مواقف الشخصيات من التغير، من الحدث وتعليقها عليه، وعلاقتها به ، خصوصا أن الحدث ، هو حدث عام يهم كل الشخصيات الروائية والذي يخلق الفرق بين شخصية واخري هو موقفها منه .

وتختتم أجزاء الرواية الخمسة بالحوار المشهدي الذي يوضح موقف الشخصيات .

ففي التيه .. ينتهى الجزء بحوار ابن نفاع وخزنة الحسن ، رغم أن كلمة ابن نفاع تنهى السرد تفاءلوا بالخير ... لكن لا أحد يعلم الغيب ".

إلا أن السياق يشى بأنهما لا يتوقعان اي خير.

في الأخدود ينتهى الجزء بزيارة شمران لحماد المطوع مع شداد بخصوص ابنيه نجم وبدر الا ان وزير الداخلية يرفض الافراج عن نجم لأن نجم "سالفة ثانية " ويرفض شمران الافراج عن نمر ويفضل بقاءه مع اخيه في السجن ويقول "كل واحد له حق يصله ، وخلى نمر يونس اخوه يا حماد .. ونشوف ".

وتستمر موران تسمع وتنتظر وتتوقع من ذلك الكثير.

كذلك تنتهي تقاسيم الليل والنهار بأقوال شمران ، وفي المنبت بجوار شايع السحيمى مع زيد الهريدي عن الخيل .

وقد سبقت الاشارة الى نهاية بادية الظلمات في حوار بين هالة الفرحان وزوجها حمد الدولعى.

وتأتى اللهجات ، بما فيها اللهجة المحلية ، أو كلام العوام كما يسميه منيف ، لتكمل السرد وتنفتح عليه ، ان الابطال هنا يدخلون مميزين بلغاتهم والتي تحمل رائحة المكان الذي جاءت منه الشخصية .

ان هذا التعدد في اللجهات ، وهذا الامتزاج ، وبهذه الطريقة الحوارية يعبر عن تعدد الأصوات الكامنه خلف هيمنة الراوي العليم بكل شي ء، ويعبر كذلك عما حل بالمكان من تغير وكيف عبرت اليه أمكنة أخرى ، بواسطة الشخصيات الأخرى، من غير المكان وسواء كانت هذه الشخصية مع التغير ام ضده . إن توزيع الأصوات من خلال كلمات الأبطال ، وتنوع هذه الكلمات بتنوع القائلين ومواقعهم من التغيير ، هو بالضبط ما يهم منيف لكي تكون الرواية شاهدة على عصرها - ص 167- مبلله بالتفاعل ألحى بين الانسان والاحداث التي تغير حياته، وهذه الكلمة مرتبطة اساسا بالحدث الخارجي.

وغالبا ما يميز كلمات الشخصيات حسب العلاقة بالمكان وحسب تطور الزمن وتغير الاحداث ، فالشخصيات المعارضة يتم حديثها في الخارج في فضاء العتبة اما الشخصيات القابلة فان حديثها يتم فى الداخل ، القصر ، الصالة ، جهاز الأمن والسلامة .

كذلك نلاحظ أن الشخصيات المعارضة يتغير حديثها مابين الرواية ونهايتها ففي البداية كان حديث الرفض مع الحيرة ، لكنه في آخر النص يصبح حديث الرفض مع الفهم ومع ذلك فان هذه الشخصيات لا تملك سوى كلماتها ، لا تملك سوى شهادتها "البطل فيه هو الانسان العاجز عن الفعل ، المحكوم عليه بالكلمة المجردة : بالحلم بالوعظ الباطل ، بالاستاذية بالتأمل العقيم الخ ".

وعلاقة السرد بالأجناس المدخلة ، إلى جانب كونها موقفا خاصا من الروائي في معالجة موضوعة تعكس طريقة خاصة في القص ، وفي رؤية الروائي للتراث والاستفادة منه فإنها هنا ومن جانب آخر تعمل كمعادل لعلاقة المكان بأصله وجذوره ، فإذا كان الناس قد اقتطعوا من جذورهم وقذف بهم في تيه مظلم وأصبح مكانهم مشوها ، فإن السرد يعيد الصلة بجذوره سواء كانت جذورا شعبية أو غير ذلك ، وذلك عن طريق استلهام التراث وخلق التواصل معه وبعث القديم من خلال الجديد، ويتم ذلك تبعا لرؤية الروائي وتوظيف التراث في الأعمال العربية الروائية رهين الى حد كبير بوعى الكاتب ، بموقعه التاريخي، وخلع قناع القدسية عنه والتعامل معه كأداة وليس كهدف .

وتنقسم الاجناس المدخلة فى الرواية الى ثلاثة اقسام :

- التراث الشعبي ويشمل : المعتقدات والأساطير ، والأمثال ، والشعر العامي.

- التراث العربي ويشمل : ألف ليلة وليلة ، القصص ، الأهزوجة الشعبية في التراث ، الأقوال المأثورة ، الآيات القرآنية ، الشعر بالاضافة إلى المقال الصحفي ، والكلمة والرسالة ، والخطبة.

وسيتم البدأ بالتراث الشعبي ، لأنه الأقرب إلى الحوار والحوارية في السرد ويمثل التراث الشعبي روح المكان والانسان وتفاعلهما ألحى ، ويأتي كرد على ذلك التحول الهائل الذي يقض مضجع الأشياء ، ويرمى بالانسان في متاهات لا حدود لها ، ولا مخرج منها ، ويأتي هذا التراث وبمختلف أشكاله كرد فعل ، كمقاومة لما يحدث من قطع لجذور الانسان فمن خلال ذلك العدد الهائل من الأمثال والأقوال والمعتقدات والأساطير والأشعار تنشأ علاقة قوية بالمكان بالشخصية المحلية ، والتي بدأت تفقد ملامحها تتشوه ولذلك نجد ان التراث الشعبي يمثل الرصيد الثقافى الاساسي الذي تعتمد عليه الشخصيات الرافضة للتغير والذي باستخدامه طوال الوقت تجد فيه مددا وقوة ويقينا في مواجهة هذه التغيرات التي تخلع الانسان من جذوره ونشوة ملامحه . ومن هنا ، فان التراث الشعبي الذي يرد بكثرة في الرواية وخاصة في اجزاء معينة ، كما يحدث اثناء عمل العمال مع الامريكان في الصحراء وكورواه في مظاهرات العمال في حران وفي موقف موران من اتفاقية السلاح الذي احتفل به الحكيم في فندق الرابية، وفي مواقف مختلفة من الرواية ويلعب التراث دور الحفاظ على الهوية والمكان .

* المعتقدات والأساطير الشعبية :

توظف الأسطورة الشعبية والمعتقدات الخاصة ، والطقوس والعادات لاعطاء خصوصية لملامح المكان وعلاقته بالانسان به وما يميز هذه العلاقة خصوصا في حالة الأماكن النائية المعزولة كحال الناس في الصحراء .. وحيث تظهر علاقة خاصة بالطبيعة وحيث يحفل النص الكثير  من العادات والطقوس والتقاليد التي تميز حياة الناس ، كايلام الولائم في المناسبات السعيدة ،