خالدة سعيد:
الحركة المسرحية في لبنان
التجارب والأبعاد

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

حوار: هدى ابراهيم (كاتبة لبنانية تقيم في باريس)


يعتبر كتاب "الحركة المسرحية في لبنان، تجارب وأبعاد" لخالدة سعيد الصادر حديثا عن لجنة مهرجانات بعلبك في بيروت، فيما يزيد على 700 صفحة، موسوعة للمسرح اللبناني برجالاته وتياراته ما بين 1960 و 1970. وقد أمضت خالدة سعيد خمس سنوات في وضع هذا الكتاب ليكون أول مرجع بحثي ونقدي في لبنان من هذا النوع وخالدة سعيد واكبت حركة الحداثة الشعرية والأدبية العربية من قريب ووضعت عددا من المؤلفات التي تعني بهذه الحركة وتواكبها وغني عن القول إنها من أهم النقاد العرب في هذا المجال. هنا مقابلة مع المؤلفة وكلام عن الحركة المسرحية في لبنان والصفات التي تميزت بها.

* خالدة سعيد، تتكلمين في كتابك محلى انطلاقة المسرح في لبنان الستينات، هل يمكن اعتبارها الانطلاقة الفعلية للمسرح اللبناني؟

- لم يبدأ المسرح اللبناني في الستينات: بدأ هذا المسرح في أواسط القرن الماضي، وكان مارون النقاش أول مسرحي عربي وفق هذا الشكل الغربي. مع ذلك لم يكن تقديمه لمسرحيته الأولى "البخيل" (1848) نقلا أو اقتباسا عاديا لمسرحية موليير. لقد أخذ الهيكل وبناه بناء محليا وبحسب الذوق المحلي. كانت الأدوار كلها غنائية، حشد في المسرحية تسعين لحنا شائعا وضمنها المقامات الموسيقية المعروفة. كان هذا الشكل جديدا على العربية، يتلاقى فيا نص يسمح بنقل رسالة أو أمثولة اجتماعية أو أخلاقية مع شكل احتفالي محلي هو تطوير لمجالس الغناء.

* لكن ما الذي حدث منذ بداية النقاش وحتى العشرينات وما تلاها؟ ولماذا يدور الحديث دائما على الستينات لدى الكلام على انطلاقة المسرح؟ أهو انقطاع؟

- في مقدمة كتابي أبين أن المسرح اللبناني قد عانى من الانقطاعات. فالمسرح العربي (أو المسرح اللبناني)، لم يولد في حضن التقاليد الاحتفالية أو يتحدر من الطقوس الدينية ولم يدخل في دورة الحياة اليومية المعاشة دخولا آليا. المسرح العربي نشأ في حضن الأفكار والحركات الفكرية وان كان قد نما على ضفاف هذا المسرح الفكري، مسرح شعبي وترفيهي. والمتأمل في مسيرة المسرح العربي يبين أن هذا المسرح ينشط باستمرار حين تكون هناك يوتوبيات عامة تتبلور وترتسم أو حركات تحمل رسالة معينة. التأليف المسرحي والأعمال المسرحية كما نلاحظ، نشطت حول حركة النهضة العربية، بين أواخر القرن الماضي والعشرينات من هذا القرن. يومذاك كانت أفكار النهضة وتطلعاتها مطروحة في المسرح بوضوح. وتيار النهضة زود المسرح بشخصيات واحداث وقيم من التاريخ فأخرجها المسرح من حصرية زمنها الماضي وجعلها قادرة أن تثبت دلالات متجددة. كذلك نشط المسرح والتأليف المسرحي حول حركة الحداثة وما مثلته من آمال ومن تطلعات، وأيضا من نظرات نقدية ومن انشقاق واعتراض في النظر الى الشخصية العربية والحاضر العربي وكذلك التاريخ العربي أو في النظر الى الآخر.

هاتان الحركتان، النهضة والحداثة، كانتا محطتين كثيفتين تميزت كل منهما بانتاج كثيف للمعاني، بل بانتاج غزير في كافة المجالات، وحين نقول "نهضة" أو "حداثة" فإن كل كلمة منهما تعارضهما تختصر كما هائلا من الكتابات، من الروايات والدراسات من الدفوع والاعتراضات والسجالات وصراع الأفكار.

* لكن بين أواخر النهضة ونهاية الخمسينات ~بداية الستينات، مر زمن من الانقطاع ما الذي حدث خلاله ولم كان؟

- مع تراجع الحلم النهضوي، تراجعت المسرحيات التاريخية بشكل خاص وفقد المسرح خطابه التعليمي، والتأليف للمسرح الذي كان وثيق الارتباط بالأدب في ذلك الوقت، لم يستطع أن ينشط مع الموجة الواقعية. فضلا عن 0العوامل السياسية والاقتصادية وبشكل أخص التي نتجت عن الحرب العالمية الثانية وما بعدها. وفي تلك المرحلة نفسها، كان فن السينما يحتل واجهة النشاط المشهدي الخيالي والترفيهي، مدعوما بقدرات اقتصادية وتسهيلات تراجع أمامها المسرح. ولن يعود المسرح الى وثبته قبل أن يعيد اكتشاف خطابه ويلتقي مجددا بوظيفته الاجتماعية الثقافية وذلك مع حركة الحداثة العربية.

* إذن يعود المسرح الى الانطلاق في لبنان مع نهاية الخمسينات ومطلع الستينات متواقتا مع حركة الحداثة؟

- ارهاصات الحركة المسرحية الجديدة بدأت حوالي عامي 1958-1959 وكانت حركة الحداثة تتضح وتنطلق سكة بمجموعة من التظاهرات الثقافية في لبنان، بدءا من النشاط الموسيقي الى الفن التشكيلي وصدور "مجلة شعر". والحداثة هي أيضا مرحلة فوران أفكار ومجالات واعادة نظر وتصورات جديدة. بينها اعادة النظر في العلاقة بين الأفكار والواقع بين الثقافة الفنية والسياسية، بين الثقافة الوطنية وثقافات العالم. الحداثة مرحلة صعود أفكار وقيم وسقوط تصورات، مرحلة صراع ومواجهة للمجهول. والمسرح اللبناني - شأن المسرح العربي - الذي تغذى بحركة الأفكار سيجد في الحداثة، مناخه وخطابه. ولعل هذا المناخ الخصب هو ما عوض المسرح عن تراكم الخبرات الذي افتقر اليه بسبب الانقطاع والطفرات الفجائية.

* الحداثة هي التي أتت بهذا المسرح الجديد؟

- الحداثة ليست مجرد تجمعات للشعر أو غيره من الفنون. انها حالة ثقافية فكرية تتميز بحضور أسئلة جديدة وحاجات جديدة وتتولد عبر هذه الحالة معان وتصورات جديدة وانقلابات معيارية. والحالة الثقافية الجديدة التي عرفت باسم الحداثة العربية، تميزت بانزلاق القيم والمعاني من المقدس المطلق في اتجاه الانساني، ومن الماضي المكتمل المعصوم، في اتجاه الحاضر المجروح والناقص، ومن الموروث الثابت الى التجربة المفتوحة والمتغيرة ومن الأشكال المكتملة الى البحث المستمر.

هذه الحداثة، ليس لها تعبير مخصوص أو مجال محدد. واذا كان الشعر أبرز المجالات التي ظهرت فيها الحداثة، فلأن الشعر كان التعبير الممتاز ؤ الثقافة العربية. ولم يكن ممكنا للمسرح وغيره أن يبقى معزولا وعلى العكس فإنه في هذا المناخ نما المسرح من جديد، طرح أسئلة وبلور أشكاله.

* كيف بدأ هذا المسرح وفي أي الأوساط؟

- الحركة الحديثة المتجددة بدأت باللفة العربية. إذ أنشأت لجنة مهرجانات بعلبك الدولية معهدا للمسرح الحديث عام 1960 والى جانبه "فرقة المسرح الحديث". واستنادا الى هذا التاريخ يتم التأريخ لانطلاقة المسرح الجديد. كان على رأس المعهد منير أبو دبس العائد من فرنسا. وكان هو المدرب والموجه والمخرج على مدى عشر سنوات قبل توقف المؤسستين. قدم خلال هذه المدة أربع عشرة مسرحية، ودرب عددا من أفضل الممثلين في تاريخ المسرح اللبناني، وبعضهم مستمر حتى اليوم. وطرحت بمناسبة عروضه قضايا المسرح ودارت مجالات واسعة. لكن أيضا واجه اعتراضات كثيرة وانتقادات وشكلت أعماله أول اخراج جديد وتمثلت فيها مفهومات جديدة للخشبة والسينوغرافيا وطبيعة العرض.

غير أن هذا التجمع قد شهد انشقاقا منذ السنة الثانية. فانفصل عنه انطوان ملتقى الذي كان الممثل الأول وأهم لاعب للأدوار الشكسبيرية، ومعه زوجته الممثلة يومذاك، لطيفة ملتقى. وأسس الزوجان ملتقى عام 1962 تجمعا جديدا باسم "حلقة المسرح اللبناني" ومعهما النحات ميشال بصبوص والناقد الذي سيكتب للمسرح، ادوار أمين البستاني. هذا التجمع قد أسس هو أيضا محترفا لتأهيل الممثلين، وأسس حتى بداية الحرب الأهلية ثلاثة مسارح. وقد تحولت لطيفة ملتقى الى الاخراج ولمعت فيه. وأصبح انطوان ملتقى منذ عام 1965 أول رئيس لقسم المسرح في الجامعة اللبنانية.

لكن قبل عام 1960 كان هناك نشاط مسرحي متقطع وكلاسيكي باللغات الأربع المعروفة في لبنان: العربية والأرمنية والفرنسية والانجليزية.

المسرح العربي كان متقطعا يتحرك في المدارس، لاسيما مدرستي "الحكمة" و "المقاصد الخيرية الاسلامية"، وفي الجامعة الامريكية بين وقت وآخر. اضافة الى أعمال كان يقدمها الثنائي الكوميدي "شامل ومرعي" على مسرح "وست هول" في الجامعة الامريكية. المسرح الأرمني كان مستمرا منذ أواسط الثلاثينات في نطاق الأندية والجمعيات الخيرية الأرمنية. وكان مسرحا كلاسيكيا يواصل تقاليد القرن التاسع عشر كما برز فيها المسرحيون الأرمن. ولم يكن هاجس التجديد حاضرا فيه. بل هاجس الحفاظ على اللغة الواحدة وعلى التراث الثقافي للأرمن. أهم الشخصيات المؤسسة للتقاليد المسرحية الأرمنية في لبنان كان، جورج سركيسيان (توفي عام 1982). هذا المسرح الأرمني، لم يبدأ حداثته وانطلاقته الا في الستينات على أيدي مسرحيين ثلاثة سيتعاونون مع مسارح اللغات الأخرى وأولهم برج فازليان (Fazelian) الذي انتقل نهائيا منذ مطلع السبعينات الى مسرح اللغة العربية، ثم فاروجان (Varoujan) حدشيان وكيركور ساتفيان.

المسرح باللغة الفرنسية كان حاضرا قبل عام 1960، لكن في إطار المدارس والجامعات، كذلك في الأندية والجمعيات الخيرية. والمسرح باللغة الفرنسية، شأن المسرح باللغة الانجليزية، كان شديد التأثر بالبرامج التعليمية الكلاسيكية.

وفي عام 1961 تأسس في نطاق المدرسة العليا للآداب L'école supérieur des Lettres وهي كلية جامعية فرنسية، تجمع يحمل اسم "المركز الجامعي للدراسات المسرحية". Le Centre Universitaire d'Etudes Dramatiques Mettra,  أشرف على هذا التجمع ثلاث شخصيات، الشاعر المسرحي اللبناني - الفرانكوفوني جورج شحادة وجاك مترا Mettra مدير الكلية المذكورة وآن ماري ديهاي Anne - Marie Deshayes في هذه الكلية، هذه الأستاذة أخرجت بنفسها أربع مسرحيات. تحرك أعضاء هذا المركز واتجهوا ضد الكلاسيكية، وكانت لهم أهداف تلتقي بأفكار الحداثة وتوجهاتها، لكن من منطلق فني محض في البداية. وقد شكل هذا المركز بؤرة creuset لتوليد الأفكار والتصورات ومقاربة القضايا الواهنة، وصار قطبا مقابلا لمعهد التمثيل الحديث وفرقة المسرح الحديث التابعين للجنة مهرجانات بعلبك الدولية.

ولابد من القول أن أول لجنة طلابية مشرفة على هذا المركز كان بينها المسرحيون الآتية أسماؤهم: شريف الخازندار، جلال خوري، روجيه عساف، ايف تركية والكاتب والصحفي اندريه بركون. ثم انضم اليهم في سنوات مقبلة جوزيف طواب وماري كلود وجان ماري مشاقة وجيرار افديسيان وبول مطر وجيرار خاتشاريان.

لقد كان المسرح بالنسبة لهؤلاء، كما أوضحت منذ البداية آن ماري ديهاري، ممارسة تحررية وطريقا للبحث والاكتشاف، كانوا أصدقاء ثم ذهب كل منهم في طريق، لم يتشابهوا ولم يجمع بينهم غير خط البحث.

مسرح اللغة الانجليزية تمركز في الجامعة الامريكية ومحيطها، وظل في معظمها مسرحا طلابيا لكنه مسرح متقدم عالي المستوى، يحمل آثار ممثل بريطاني اسمه Christopher Scaif بدأ بداية لامعة في انجلترا ثم جاء الى الجامعة الامريكية زائرا فاستقر هناك وعلم مدة ربع قرن. وأسس أكثر من فرقة مسرحية ودرب الطلاب. وقد عرف هذا المسرح انطلاقته الجديدة مع ثلاثة مسرحيين، كريكور ساتاميان وديفيا كوراني وبيتر شبيعة. مع ذلك يبقى مسرح الجامعة الامريكية مرتبطا بالدراسة والكتاب والنصوص الأدبية، ولا ينطبق هذا على الفرق التي مثلت باللغة الانجليزية وأسسها أفراد انغلوفون من محيط الجامعة الامريكية بين أساتذة وموظفين ودبلوماسيين. أشهر هذه الفرق A.R.T وهو الاسم المختصر لـ American  Repertory Theatre (Théâtre de répertoir Américain)  ويمكن اعتبارها فرقة متعددة الجنسيات تمثل باللغة الانجليزية. تعاونت مع مخرجين عرب منهم ميشيل غريب وشكيب خوري.

ثم في عام 1965 ستبدأ ظاهرة الممثل الكوميدي الشعبي شوشو (حسن علاء الدين). إذ يؤسس في السنة المذكورة المسرح الوطني وهو أول مسرح يومي في تاريخ المسرح اللبناني، ويجعله خاصا بعروضه. في اطار هذا المسرح يجمع شوشو حوله بين المسرحيين الذين فشأوا وعملوا في الأربعينات والذين تدربوا في التليفزيون. ومع أن معظم المسرحيات التي انتجها كانت من مسرح البولفار الفرنسي، الا أنها اكتسبت طابعا محليا، وتدرجت في اتجاه معالجة القضايا السياسية العاهة. وبدءا من السبعينات تعاون معه بعض من كبار المخرجين اللبنانيين المجددين مثل برج فازليان وروجيه عساف. ولاشك أن أهم ما قدمه هذا المسرح هو شوشو نفسه الممثل الساخر، وهو كذلك ذلك الجمهور المذهل في تنوعه وفي مثابرته وحضوره.

* كيف التقت هذه المراكز المسرحية بعضها ببعض في تلك المرحلة وكيف أخذها تيار الحداثة، هل كان هناك خطة، أم أن المسألة جاءت عفوية؟

- لم تكن هناك خطة، لكن لم يكن الأمر مجرد مصادفة. كانت في الجو حساسية عامة تنفر من التقعر اللغوي وتخشى من ثقل اللغة العربية الفصحى على المسرح وعلى الحيوية المشهدية. وكان رعيل الأدباء الذين بلغوا نضجهم وشهرتهم بين الأربعينات والخمسينات يعتمد لغة رومانسية مفرطة في البلاغة والتأنق، لذلك تم تجاهلهم ودعي للترجمة شاعران من الحركة الحديثة لا يكتبان بالعامية لكن لغة كل منهما تتميز بالحيوية والتوتر والمرونة الموسيقية، مع البعد عن التقعر وكذلك عن الزخرفية. هذان الشاعران، كانا من أقطاب مجلة "شعر" طليعة الحركة الحديثة في لبنان وهما أدونيس وأنسي الحاج.

وفي مجال الديكور كان لابد من التعاون مع فنانين من الحركة الحديثة. اذ كان مبدأ الديكور الذي يحاكي الطبيعة والواقع قد سقط. وبات المطلوب من الديكور أن يسهم في خلق الجو، أن يكون لغة وعنصرا يشارك في حركة العمل المسرحي. هكذا دعي فنانون من الحركة التشكيلية الحديثة وتحديدا من جمعية الفنانين التي تزعمها أصحاب الاتجاه الحديث، أمثال ميشال بصبوص وعارف الريس وبول غيراغسيان وألفرد بصبوص. وقام بين هؤلاء الفنانين والمسرحيين الجدد تعاون استمر سنوات، وانضم اليهم النحات الألماني الذي استوطن في لبنان الفرنسي فيليبس.

إضافة الى هذا نجد اثنين من شعراء مجلة "شعر" يتحولان الى الكتابة للمسرح ويلمعان فيها وهما عصام محفوظ ومحمد الماغوط، كما أن نقاد المسرح الحديث كانوا من أوساط الشعر الحديث. ويوسف الخال نفسه، وهو صاحب المشروع والمبادرة في تأسيس مجلة شعر، كان يعطي رأيه، وأحيانا يتدخل في الترجمة. والسجالات والمناقشات كانت تدور في محيط جماعة الشعر الحديث. فضلا عن علاقات الصداقة بين المسرحيين الجدد وجماعة الشبر الحديث والفن الحديث. اضافة الى هذا فإن تيار الأدب الملتزم الذي نما في أوساط مثقفي الأحزاب. لم يكن بعيدا بل على العكس كان عدد من المسرحيين ينتمون الى الأحزاب اليسارية وعلى صلة وثيقة بالأدباء الملتزمين. وكان المشترك بين جماعة الالتزام، وهم في النهاية شركاء في تيار الحداثة وبين جماعة الحداثة الذين يريدون أن يغيروا العالم بالفن والشعر، كان المشترك هو اللغة الجديدة النضرة، النزقة المتخففة من البلاغة والزخارف الاسلوبية. وقد غذى جماعة الالتزام الحركة المسرحية بواحد من أهم عناصرها، أي البعد السياسي وتناول الموضوعات من التجربة والحياة المعاشة.

* ما هي مميزات هدا المسرح؟

- السنوات الخمس الأولى ( 1960-1965) لحانت سنوات تأسيس وفق التصورات الجديدة: المخرج يتحكم بالعرض. نصوص من المسرح اليوناني ومن المسرح الفرنسي الوجودي ومسرح العبث وكذلك دورنمات. لم يكن التأليف الجديد للمسرح قد بدأ فعلا. كان يغلب على التمثيل مذهب ستانسلافسكي. مع تأثر بغوردون كريغ وانطونان أرتو ولم يبدأ تأثير بريشت الا عام 1964. تحول مفهوم السينوغرافيا تحولا كبيرا وتخففت الخشبة من صورة الواقع وباتت خشبة رمزية إشارية. ظلت اللغة المعتمدة في المسرح العربي هي الفصحى، لكنها كانت فصحى مبسطة قريبة من الشفوي والمحكي. ومنذ عام 1965 بدأت الترجمة الى اللبنانية المحكية.

* كيف تطور هذا المسرح بعد محام 1965؟

- كان الهاجس وحتى العام 1965 هو الاتقان والمستوى. المقياس كان المسرح الغربي المعاصر. بعد 1965 ولاسيما منذ 1968 ستبدأ مسيرة البحث، البحث عن أشكال جديدة، الانفتاح على أشكال التعبير والتقاليد الاحتفالية المحلية، تطور مفهوم الممثل، تطور اللعب على الخشبة والبحث في المكان المسرحي وعلاقته بالجمهور، تطور العلاقة بين مساحة اللعب ومساحة الحضور. كما بدأ الانفتاح على الراهن التاريخي (actualités histhoriques).

ولا سيما الواقع السياسي وبات اعتماد اللغة المحكية شبه كامل، وهذا البحث المتعدد الجوانب أوصل المسرحي ولاسيما المخرج الى النتيجة الطبيعية وهي التأليف. وبدأت منذ 1968 ظاهرة المخرج المؤلف. والى جانب هذه الظاهرة عاشت فترة قصيرة ظاهرة التأليف الجماعي أو الارتجال.

ومع هذه الظاهرة الحمل الانشقاق بين المسرح والأدب. وبات التأليف هو قبل كل شيء تأليفا للعرض بكامل عناصره أو معظم عناصره.

* هل تعني مرحلة البحث أن المراجع الأوروبية التي كانت حاضرة قبل 1965 قد تراجعت أو غابت؟

- لم تتراجع المراجع الأوروبية. وكان عدد كبير من الممثلين وكذلك المخرجون قد أنهى تخصصه في العواصم الأوروبية وعاد الى لبنان. بل يمكن القول إن المراجع المسرحية الأوروبية قد اتسعت في مرحلة البحث وباتت الحاجة اليها أكبر. ستانسلافسكي كان لا يزال يحتفظ بمكانته لاسيما على صعيد تأهيل الممثل. وخشبة جوردون كريج ظلت حاضرة لدى بعض المسرحيين وفي مقدمتهم أبو دبس وكذلك حول الضوء محل الديكور كما عند Appia.

وفي بحوث الزوجين ملتقى حول المكان المسرحي لم يكن جان فيلار غائبا. وبات لبريشت حضور واسع وان لم يتبعه بشكل منهجي الا جلال خوري في أعماله الأولى. والميل الى المسرح السياسي هو الذي استدعى حضور بريشت. وقد ترك مرور جروتوفسكس أضواء وتأثيرات طفيفة لم تتحول الى مرجع حقيقي. ولم يكن انطونان أرتو غائبا وان ظل مثالا يصعب بلوغه. حتى التعبيرية  Expressionismeالألمانية لم تكن غائبة بل في بعض أعمال شكيب خوري. وكانت أسماء مثل جون ليتلوود، وبيتر فايس وفاختان غوف حاضرة بشكل ما.

لكن هنا ينبغي التحفظ كثيرا. لأن مرحلة البحث المسرحي في لبنان لم تكن مرحلة نقل. وحضور المراجع جزء من حالة البحث. على كل حال نعرف ان المسرح، لاسيما المسرح العربي في القرن العشرين هو مسرح متعدد المراجع. وان آباء المذاهب المسرحية الكبرى قد بحثوا عن الالهام بعيدا عن موطنهم الأصلي. وان الشرق الأقصى خاصة كان مرجعا لمسرحيين كبار في أوروبا، وان أوروبا كانت بدورها مرجعا لحركات مسرحية أمريكية.

* هل يمكن أخيرا أخذ فكرة عن أهم الاتجاهات المسرحية في لبنان في المرحلة المذكورة؟

- أوسع الاتجاهات لحان اتجاه المسرح السياسي، لكن داخل هذا الاتجاه كانت هناك اختلافات وفروقات أساسية. جلال خوري برشتي أساسيا. يعقوب الشدراوي اليساري لم يكن مقيدا لا ببرشت ولا بأي مذهب، توجهه الفكرة والمضمون مع ميل الى الواقعية. تجمع "محترف بيروت للمسرح" (1968-1972) الذي أسسه روجيه عساف ونضال الأشقر كان منفتحا على ثلاثة مستويات. منفتح على القضايا السياسية الراهنة بل الملتهبة المتحركة في الحاضر، ومنفتح على أشكال التعبير والاحتفال المحلية. واضافة الى ذلك كان يتيح لكافة المسرحيين العاملين في إطاره المشاركة في خلق العمل المسرحي، على الأقل في مراحل أولى. ويمكن القول إن معظم المسرحيين قد وسعوا في أعمالهم مجالا لتعبير سياسي. الذي كان يتجه نحو مسرح طقوسي يذكر في بعض جوانبه بالتعبيرية الألمانية لم يخل مسرحه من البعد السياسي.

وكان هناك اتجاه يميل الى الطقوسية،.. وليس بين ممثليه أي تشابه. طقوسية منير أبو دبس تقوم على الاستبطان والاتجاه ببعد ديني أو ماورائي للمسرح والاستعانة بالظلال وبقوة التعبير و الحضور لدى الممثلين, وكذلك على اختيار الموضوعات الطقوسية لاسيما بعد 1970. وطقوسية شكيب خوري تقوم على العنف والتوتر الجسدي وتصوير ذلك كنوع من ذبيحة. ولم يخل مسرح شكيب خوري من قرابة من التعبيرية الألمانية.

مسرح ريمون جبارة شعري مبطن بالسخرية والتمرد السياسي ويصعب ربطه بمرجع واضح. أما جيرار افيديسيان فقد حاول أن يلعب لعبة الفرد جاري إزاء المقدسات اللبنانية التقليدية في سائر الأعمال التي ألفها باللغة العربية.

الزوجان ملتقى و "حلقة المسرح اللبناني" برزوا في مجال البحث حول المكان المسرحي وتحويل العرض الى "قداس مدني". فاروجان حدستيان تميز مثل سائر المسرحيين الأرمن، بالاتقان العالي لكنه أختار أعماله من مسرح متمرد حديث لاسيما بيتر فايس وهارولد بينتر وآرثر ميللر.

أما برج فازليان فهو معلم مسرحي، معلم صنعه بالمعنى النبيل، يتكيف بحسب النص ويؤمن ان دور المخرج هو خدمة النص واظهار أفضل ما فيه.

جان - ماري مشاقة لمع في أعمال بالفرنسية من مسرح البولفار. أما مسرح الجامعة الأمريكية فلم يبتعد كثيرا عن التقاليد المسرحية الانجليزية.

* في هذه الحالة وفي ضوء ما تقدم، هل يمكن اعتبار المسرح اللبناني مسرحا عربيا؟

- هو بالتأكيد مسرح عربي، عربي في مشكلاته وفي تطلعاته. وهو داخل الأفكار والتيارات العربية. وان كان سلك طريقه الخاص في البحث، أو استضاء ببحوث مسرحية غربية. واذا استثنينا بعض مسارح الشرق الأقصى والمسارح التي ولدت في قلب الطقوس، فإنه لا وجود لمسرح حديث محصور داخل حدود قومية مغلقة. التثاقف حالة عامة في المسرح العالمي.