الاستعارة
التجربة العقل المتجسد
عرض لمسار الفلسفة التجربية ( 1980-1999)
مع ترجمة لقسم من كتاب "الفلسفة في الجسد"

عبدالله الحراصي (اكاديمي من سلطنة عمان)


في ميدان علوم الانسانيات بدا كتاب "الاستعارات التي نحيا بها" (1) لجورج لاكون ومارك جونسون ثورة حقيقية في رؤية الاستعارة وآليتها ودورها الجوهري في كثير من أمور حياتنا، لكن الذي لم يتوقعه أحد هو أن يقود هذا الكتاب الى توجه فلسفي يقوم على أساس مفهوم التجسد، أي الدور الأساسي للجسد والمادة عموما في تشكيل كثير من رؤانا في جوانب حياتنا البشرية، بل، وهو الأخطر، في تشكيل أنماط التفكير غير المادي، كالفكر الفلسفي الذي هو، كما يرى كثيرون، خلاصة صفاء التفكير البشري. هدفنا في هذا المقال هو تقديم عرض لهذا الطرح الفلسفي الجديد من خلال استعراض لأهم اطروحاته كما قدمت في كتب رائديها لاكون وجونسون، وسنتبع هذا العرض بترجمة لجزء من الفصل الأخير من آخر كتبهما وهو كتاب Philosophy in the Flesh  الفلسفة في الجسد الذي صدر في مطلع هذا العام 1999.

المجاز والاستعارة قبل "الاستعارات التي نحيا بها"

على مر تاريخ التفكير البشري توقف كثير من المفكرين والبلاغيين والنقاد أمام ظاهرة الاستعارة، ورغم الاختلافات البسيطة حول كنه الاستعارة وآلية عملها هنا وهناك الا أن الأسس التي حكمت رؤية الاستعارة تقليديا كانت ثابتة ويمكن تلخيصها فيما يلي:

1- الاستعارة هي أمر من أمور اللغة: بمعنى أن الاستعارة هي0ظاهرة لغوية يتم فيها استخدام لفظ عوضا عن لفظ آخر على أساس التشابه بين طرفيها.

2- يمكن تقسيم الاستعارة بثكل عمومي الى قسمين، أولهما الاستعارة المبدعة وهي التي نجدها في الأدب شعرا ونثرا، ويمكن التدليل عليها بالسطر الأول من المقطع التالي من احدى قصائد سيف الرحبي:

الصباح أرخى قلوعه هو الآخر

تبدأ يومك متطيرا، مرتبكا

تخطو من سريرك نحو الحمام

كأنما تحمل ثقل العالم على كتفك

ملاحقا بالحشود والنميمة (2)

حيث تعتبر الرؤية التقليدية «الصباح أرخي قلوعه» استعارة خلاقة مبدعة، فإرخاء القلوع هو من شأن السفن بينما الصباح في واقع الأمر ليمر سفينة وانما هو فترة من فترات اليوم، والشاعر في هذه الاستعارة شبه وصول الصباح بالسفينة التي ترخي قلوعها.

اضافة الى هذا النوع فإن ثمة نوعا آخر من الاستعارة وهو ما اصطلح عليه باسم الاستعارة الميتة، وهنا فإن شعور الانسان بوجود الاستعارة يفقده كقولنا "غرق أحمد في التفكير" فالفعل "غرق" استعارة ميتة، فرغم معرفتنا أن التفكير ليس بحرا يمكن الغرق فيه إلا أننا لا نتوقف كثيرا عنده ولا يدهشنا كما هو شأن الاستعارات المبدعة، والسبب يكمن، كما ترى الرؤية التقليدية في أن هذه الاستعارات شاعت بين الناس الى أن بلفت حدا اصبح فيه الانسان لا يشعر بوجودها أو بكونها استعارة.

3- كل استعارة تحتوي على تناقض منطقي بوجه من الوجوه، وذلك بسبب عدم مباشرتها وهو عكس الكلام غير الاستعاري الذي يمكن قبوله منطقيا، فقولنا إن «السفينة أرخت قلوعها» أمر مقبول منطقيا، حيث أن للسفينة قلوعا يمكن لها عن طريق ارخائها أن ترسو، أما قول سيف الرحبي "الصباح أرخى قلوعه" فهو، حسب الرؤية التقليدية، يحتوي على تناقض منطقي ذلك أن الصباح لعير سفينة وليس به قلوع يمكن ارخاؤها، اضافة الى أن الزمن ليس بحرا.. الخ، ولحل هذا التناقض المنطقي لابد من رد الأمور الى أصولها المنطقية، ومحاولة رؤية التشبيه المتخفي تحت الاستعارة، وهنا فإن السبيل الوحيد لقبول المنطق للاستعارة هو عن طريق ردها الى ضرب من التشبيه، كقولنا «ان الصباح حيث يأتي يكون مثل السفينة حيث تصل وترخي قلوعها».

أدت هذه الأفكار الأساسية التي سادت الرؤية التقليدية للاستعارة الى نتائج نظرية سادت فتسيدت الى أن اعتبرت حقائق لا يأتيها الباطل، فخارج نطاق الأدب، والشعر تحديدا، أضحت الاستعارة أمرا هامشيا ليسر له دور أساسي في تشكيل العقل البشري وأنماط التفكير، وفي تشكيل الأفكار ذاتها في بناها المختلفة. وان أعطى بعض النقاد والبلاغيين دورا جماليا للاستعارة فقد كان هناك دائما المناطقة الذين سعوا دائما الى «التناسب المنطقي» الذي لا يقبل بأي دور لما يبدو ظاهرة غير منطقية في تشكيل العقل البشري.

الاستعارات التي نحيا بها

يوحي عنوان الكتاب بمضمونه، حيث لا يعتر الكاتبان الاستعارة من ممتلكات الادب و إنما أمر من الأمور التي نحيا بها، كالهواء والماء. و هذا الفهم هو انقلاب تام على التفكير التقليدي الذي أوضحنا أسسه فيما مضى. ويمكن تلخيص النظرية الاستعارية التي طرحها هذا الكتاب فيما يلى من نقاط:

1. الاستعارة أساسا ليست من أمر اللغة و إنما هي ظاهرة ذهنية قبل أن تكون لغوية: حيث طرح الكتاب روية مفادها أن الاستعارة هي عملية ذهنية وليست لغوية و ان ما اصطلح عليه تقليديا بكونه استعارة ليس إلا تجليا لاستعارة الذهنية أو تعبيرا عنها لننظر إلى العبارات التالية:

هذه الفكرة ليست واضحة لدي

سأدافع عن افكارك امام الملأ رغم اني لا أرى ما

تراه

لو فكرت جيدا لرأيت بأم عينك كيف أن أفكاره

ستقودنا جميعا إلى الهاوية

البيان والتبيين

هذه رؤية جديدة لتشكيل المجتمع

في التعبيرات السابقة نجد ان ثمة منظومة تربط التعبيرات السابقة وهي أنها جميعا توحى بان عالم الافكار هو عالم أشياء يمكن رؤيتها. ويمكن ان تكون واضحة أو غامضة تحتاج إلى بيان وتبيين كما هو عنوان كتاب الجاحظ. إن هذه التعابير تشير إلى مستوى اعمق يحكمها جميعا وهو مستوى الاستعارة المفهومية أو التصورية الفهم رؤية ؟ وهذا المستوى لا يحدث في اللغة وإنما في الذهن وفى فهمنا الافكار و عملية التفكير ذاتها. يحدث هذا لأن عالم الأشياء المادية معروف لدينا معرفة جيدة بينما عالم الافكار هو عالم مجرد يستحيل التفكير فيه دون استخدام ما نعرفه عن الأمور المادية، وهنا ياتي دور الاستعارة، حيث ننقل ما نعرف من الظواهر المادية لنشكل ما لا نعرف من الظواهر غير المادية والتجريدية.

2. هذا بالتالى يدل على أن الاستعارة لا تقوم على التشبيه وإنما على التشكيل، ففي الامثلة السابقة لا يوجد في بنية التفكير والأفكار ما يشبه عملية الإبصار والادراك البصري، أي أن نظرية التشابه تسقط هنا، في حين ان هذا يدل على أننا نشكل تصورا وفهما معينا عن ظاهرة التفكير ونشكل بنية هذا التصور من خلال ظاهرة البصر المادية.

3. إن الاستعارة بهذا الفهم ليست حكرا على الأدب وإنما هي من الأمور التي نحيا بها جميعا، فجانب كبير من تصوراتنا وتفكيرنا غير الواعى حول الظواهر غير المادية تحكمه استعارات تصورية، لا نلاحظها عادة، لكنها تحكمنا دون أن ندري مثل الاستعارات التالية:

الحدة حركة من مكان لآخر

كقولنا "هذه خطوة مهمة في حياتك"، "أمامك طريق شاق وطويل"، "لا يمكنك ان تعود إلى ما كنت عليه في السابق"

الجدال معركة

كقولنا "أن حجته ضعيفة"، "هاجم فلانا فلانا"، "ان افكاره سهلة لا يصعب القضاء عليها"

التحلي بالأخلاق الحسنة وجود في مكان عال

مثلما هو في التعبير "أخلاق فلان عالية" أو "سامية"، "انه شخص وضيع"، "انه شخص منحط"، "قاده أصحاب السوء إلى الدرك الأسفل"

الزمن حركة

كقولنا "جاء يوم الامتحان"،  "مضى زمان الصبا إلى غير رجعة"، "اشعر أن الزمن لا يتحرك أبدا

هذه الأمثلة تدل على أن كثيرا من التعبيرات التي لا نتوقف عندها عادة نشير إلى استعارات مفهومية تحكم جانبا كبيرا من تفكيرنا غير الواعي، وتدل أيضا أن الاستعارة أمر يشترك فيه جميع البشر. ولكن إذا كان هذا هو شأن الاستعارة، فلماذا يتوقف الناس عادة أمام الاستعارات الأدبية الخلاقة و لا يتوقفون عند الاستعارات التي يستخدمها عامة الناس. يرد لاكوف وجونسون على هذا السؤال بقولهما أن الشعراء يستخدمون نفس الاستعارات التي يستخدمها غيرهم ولكن إبداعهم يكمن في روية جانب من نفس الاستعارة التصورية لا يستخدمه عامة الناس، ولو طبقنا هذه الفكرة لوجدنا أن قول سيف الرحبي "الصباح أرخى قلوعه" ليس إلا تعبيرا جديدا عن استعارة ذهنية عامة هي الزمن حركة من موقع لآخر التي تحكم جانبا كبيرا من رويتنا للزمن ونتجلى في كثير من التعابير الشائعة مثل "جاء عام ومضى عام وبقى فلان على حاله" حيث أن العام و هو فترة زمنية يعتبر أمرا متحركا يجىء إلى الإنسان ثم يمضي عنه، اما إبداع سيف الرحبي فيكمن في انه استخدم نفس الاستعارة التصورية بشكل جديد وأضاء جانبا جديدا لا يستخدمه العامة من الناس هو تعامله مع الصباح باعتباره سفينة ترخى قلوعها، مع بقاء الاستعارة التصورية ثابتة.

أثار كتاب الاستعارات التي نحيا بها ثورة في روية الاستعارة ومناهج دراستها، وكما هو حال كل جديد فقد رفضه وانتقده المتمسكون بالرؤى التقليدية للاستعارة (نظريات التشبيه والتفاعل)، حتى إن البعض اعتبر لاكوف وجونسون "اعداء متحفين تحت قناع الأصدقاء حيث يقول فوجلينi مثلا:

إن لاكوف وجونسون يتقاسمان الاجحافات الفكرية ضد الاستعارة - الاستعارة الحقيقة - حيث انهما مولعان بعزوها إلى أشياء أخرى، وأظن انه من الجدير أن نشدد على هذه النقاط حيث انه من المهم أن نكشف الأعداء المتخفين تحت قناع الأصدقاء (Fogelin, 1988, p.86)

غير انه رغم الانتقادات فإن تطبيقات هذه النظرية في مجالات حياتية شتى كالسياسة والاقتصاد وغيرهما أوضحت أن جانبا كبيرا من التفكير استعاري في جوهره، وان الاستعارة تحكمنا دون أن ندري في شتى مظاهر حياتنا.

غير أن النظرية تلقته دعما قويا أخر بكتابين ألفهما كل من لاكوف وجونسون في عام 1981، فقد اصدر لاكوف كتابه نساء ونار وأشياء خطرة: ما تكشفه الفئات (أو التصنيفات) حول العقل iiفيما أصدر جونسون كتابا بعنوان الجسد قي العقل: الأسس الجسدية للدلالة، والتخيل والتفكير العقليiii فيما بدا وكأنه تقسيم للأدوار في دعم النظرية الاساسية. فكتاب نساء ونار وأشياء خطرة ركز على جانب واحد من مظاهر الذهن وهي قضية التصنيفات أو الفئات، ولن نتعرض بالتفصيل لهذا الكتاب حيث انه يركز في أغلبه على تجارب تطبيقية تؤكد أطروحة الفلسفة التجربية مما لا يناسب سياق مجلة شفافية عامة كمجلة نزوى. إلا أننا سنقتبس من هذا الكتاب الفترتين التاليتين اللتين يوضح فيهما لاكوف لب الفلسفة التجربة واختلافها عن الفلسفة الموضوعية السائدة:

إن النظرة التجربية مختلفة: إنها تحاول وصف الدلالة على أساس طبيعة وتجربة الأعضاء التي تقوم بالتفكير، ليس طبيعة الأفراد وتجربتهم فقط بل طبيعة وتجربة الأنواع species والمجتمعات. "التجربية" لا تفهم في معناها الضيق الذي يشير إلى الأشياء "التي حدث وان وقعت"  لفرد من الأفراد، بل إن التجربة تفسر في معناها الواسع: المجموع الكلي للتجربة الانسانية وكل ما يلعب دورا فيها- كطبيعة أجسادنا، وقدراتنا التي ورثناها وراثيا، وصيغ فعلنا المادي في العالم، وتنظيمنا الاجتماعي، وهلم جرا. وبتلخيص فإن هذه النظرة التجربية تعتبر جوهريا كثير مما يعتبر غير مهم في التفسير الموضوعي.

إن النظرة التجربية للمعني، في خطوطها الواسعة، تتعارض إذا مع النظرية الموضوعية. ففي حين إن الفلسفة الموضوعية تعرف الدلالة على نحو منفصل عن طبيعة الأشخاص المفكرين وتجربتهم، فإن الواقعية التجربية تفسر المعنى على أساس التجسد. أي على أساس مجموع قدراتنا البيولوجية وتجاربنا المادية والاجتماعية باعتبارنا فاعلين في بيئتنا. (266-267)

أما كتاب الجسد في العقل فقد ركز على جانب اخر من أهم جوانب الفلسفية التجريبية، وهو الدور المحوري للجسد في تشكيل الذهن. وفيما انصبت معالجة الاستعارات التى نحيا بها للاستعارة على أساس تشكيل المجالات الذهنية من خلال التعامل معها وكأنها ظواهر مادية من خلال نقل بنية الظواهر المادية إلى الظواهر المجردة، فإن الجسد في العقل قد قام باستكشاف جوانب أخرى من جوانب محورية أو، الجسد والمادة تمثلت في دور image schemata أو ما يمكن ترجمته "مخططات الصورة" ودورها في عملية الاستعارات التصورية، و هي ما يعرفه جونسون كما يلى:

مخطط الصورة هو نمط ديناميكي متكرر في تفاعلات الادراكية وبرامج حركتنا يخلق لتجربتنا تماسكا وبنية. فمخطط العمودية مثلا ينشأ من سعينا إلى أعمال اتجاهية فوق -تحت في انتقاء البنى الدالة في تجربتنا. ونلاحظ بنية العمودية هذه على نحو متكرر في الآلاف من مدركاتنا وانشطتنا التي نعايشها كل يوم، كإدراك شجرة، أو إدراكنا الشعوري بأننا واقفون، أو من خلال الصعود على سلم، أو من خط تشكيل صورة ذهنية لسارية العلم، أو قياس طول طفل أو من خلال تجربة ارتفاع مستوى الماء في حوض الاستحمام. إن مخطط العمودية هو البنية التجريدية لهذه التجارب والصور والمدركات العمودية. إن إحدى الأفكار المركزية في هذا الكتاب هو إن البنى المتخيلة القائمة على التجربة من هذا النوع من مخططات الصورة هو جزء لا يتجزأ من الدلالة والعقلانية. (Preface, p.xiv)

يجادل كتاب الجسد في العقل بأن تشكيل الدلالات والمعاني وعملية التخيل إضافة إلى عملية التفكير العقلي تقوم كلها على عمليات استعارية تقوم فيها مخططات الصور بدور المجال المصدر. حيث ينتقد جونسون النظريات التقليدية للدلالة) انظرpreface. p.xxii) التي يمكن إجمال اراءها الجوهرية فيما يلي:

1. إن المعنى هو علاقة تجريدية بين رموز معينة كالكلمات أو التصورات الذهنية وبين واقع مادي محسوس، حيث لا يوجد للرموز معنى سواء بارتباطها بأمور مادية كالأشياء المادية وصفاتها والعلاقات فيما بينها.

2. إن المفاهيم هي تمثيلات ذهنية مجردة يتم استخدامها لتحديد الظواهر المادية التي تشير اليها أو سماتها أو علاقاتها، فمفهوم "الكرسي" يشير إلى كل الكراسي الموجودة.

3. إن المفاهيم "غير متجسدة" حيث إنها لا ترتبط بتجربة مادية معينة فيما أن الصور الذهنية قد ترتبط بتجربة مادية، فمفهوم الكرسي مثلا مفهوم عالي التجريد فيما أن صورة الكرسي الذهنية قد تكون مرتبطة بتجربة شخصية.

4. إن وظيفة نظرية الدلالة هي القدرة على شرح قابلية الرموز للدلالة، وذلك عن طريق توضيح الظروف التي تكون فيها تلك الرموز "صحيحة" من خلال ارتباطها بواقع معين.

5. إن أي تحليل للدلالة لا بد من أن يقود أساسا على مفاهيم واقعية وليست مجازية، فالمفاهيم لا يمكن أن تكون مجازية أبدا، فالمفهوم لا بد أن يشير إلى ظاهرة مادية يمكن استكشافها فيما أن المجاز والاستعارة لا يمكن مقارنتهما بواقع محدد يمكن به التثبت من صحتها، فقولنا إن "أرخى العمال قلوع السفينة" يشير إلى دلالة يمكن مقارنتها بالواقع المادي فيما أن استعارة سيف الرحبي "الصباح أرخي قلوعه" لا يمكن مقارنتها بواقع حقيقي، وهذا ما أدى إلى أن النظريات المادية تجعل للاستعارة دورا هامشيا في تشكيل المفاهيم.

أما عن التفكير العقلي فالنظرية الموضوعية تفرم على الأسس التالية:

1. إن التفكير العقلي هو معالجة تحكمها قوانين معينة للارتباطات بين مجموعة معينة من الرموز. بمعنى أن ثمة قوانين منطقية تتحكم في عملية معالجة كيفية ترابط الرموز بعضها ببعض في عملية التفكير العقلي.

2. إن لب عملية التفكر العقلي هو المنطق الشكلاني، وكما يقول جونسون:

يمكن الربط بين المفاهيم لتشكيل أفكار مختلفة الأنواع، وهناك عدد محدد من "الروابط المنطقية" (مثل حروف العطف "أو" "إذا كان – فإن"... الخ) التي تعين العلاقات الممكنة سواء كان فيما بين المفاهيم (مثلما هو الحال في "الأحمر والأزرق "الأحمر أو الأزرق... الخ) آو بين الأفكار (مثلما في "السماء تمطر و الجو بارد"، "إما أن تكون السماء تمطر أو أنها لا تمطر (xxiv).. "

3. إن التفكير العقلاني لا علاقة له بالجسد والمادة، حيث انه يحتوى على علاقات منطقية خالصة التجريد وعمليات مستقلة قائمة بذاتها في ذهن الشخص المفكر ترتبط به كشخص. وهنا فإن بعض ممثلي النظريات الموضوعية قد تحدثوا عن الاستعارة باعتبارها ظاهرة ذهنية خلاقة غير انهم نظروا اليها من خلال علم النفس، ولم يربطوها بالعلاقات المنطقية و التفكير العقلاني. 4. ومثلما هو في نظرتهم للدلالة، فإن حملة هذه النظريات قد اعتقدوا بوجود التفكير المتعالي الذي يمكن لكل البشر أن يصلوا اليه، ذلك التفكير غير المرتبط بأي ظاهرة أو تطور تاريخي. وهو ما يشير إلى ايمانهم بحقيقة ثابتة أو جوهر غير مرتبط بالإنسان وسياقه التاريخي.

كل هذه المبادئ الأساسية لنظرة النظريات التقليدية للدلالة وللتفكير المنطقي قد ترسخت بفعل بقائها تاريخيا لقرون عديدة إلى أن أصبحت عند البعض بمنزلة الحقائق التي لا ياتيها الباطل كما أشرنا سابقا، وهو ما حاول جونسون التشكيك فيه من خلال كشف الدور المركزي الذي تقوم به الظواهر غير-الخبرية nonpropositional المجاز فيما.

يحدد جونسون هدف نظريته في "إعادة الجسد إلى الذهن" (المقدمة) xxxvi ويوضح مفهومه للجسد في الأبعاد غير الخبرية والتجريبية والاستعارية للمعني والدلالة". ويرى أن الجسد أساسي في تحديد هويتنا البشرية وحقيقة أن تفكيرنا البشري يظل مرتبطا بوجودنا المادي وتجاربنا وعلاقتنا بالواقع المادي حولنا، وليس تفكيرا مجردا غير مرتبط بالمادة بشكل من الأشكال. وهذا بالطبع يتناقض مع أساس من أسس النظريات الأخرى التي رأت أن التفكير المجرد هو الذي يميز الإنسان عن بقية اشكل الكائنات الحية، وان هذا التفكير متعال لا يرتبط بالمادة بأي وجه من الوجوه.

ويقوم التحدي الذي يطرحه جونسون كما أشرنا على أساس مفهوم "مخططات الصورة" التي يمكن تعريفها ببساطة انها بنى متكررة في الفهم الإنساني لظواهر حياتية شتى وسابقة على أي عملية تفكير عقلي. من أمثلة هذه المخططات مخطط الحركة، القوة، الاحتواء، العلو والانخفاض. قد يبدو مفهوم مخططات الصورة معقدا لكنه ليس كذلك في واقع الأمر، فلو أخذنا مخطط الحركة لوجدناه يقوم أساسا على تجربتنا المادية بحركة جسدنا من موقع لأخر، وحركة الأشياء المادية الأخرى كالسيارة أو القارب، أو حركة القلم من اليمين إلى اليسار فيما أن مخطط القوة يوجد في كثير من ظواهر حياتنا المادية كقوة الريح أو قوة دفع الباب، أو قوة المتصارعين.. الخ. إن مفهوم مخططات الصورة إذن مفهوم متعال على الظواهر المادية ذاتها لكنه يحكم رؤيتنا لها. إن هذه المخططات تتسم بأنها سابقة للمفاهيم، بمعنى أن وجودها يسبق وجود المفاهيم التي تقوم عليها من خلال الاستعارة.

يناقش جونسون في كتابه اكثر من مخطط من مخططات الصورة، لكننا، لتوضيح النظرية التجربية، سنناقش هنا أحدها فقط وهو مخطط الاحتواء بنية بسيطة جدا كما يوضحها الشكل التالي:  

فالحاوي، الذي قد يكون بيتا أو سيارة أو علبة كبريت أو كوب ماء أو حاوية في سفينة، يتكون من بنية بسيطة كما يلي

1)داخل

2)حدود

3)خارج

إلا إن البنية البسيطة نتبعها أيضا بعض النتائج المرتبطة بها، فأن تكون داخل شيء يعني انك محمي أو مقاوم لقوى الخارج، لكن الاحتواء أيضا يحكم القوى الموجودة فيه وهو ما يعطيها بعض الثبات الجغرافي. ولاحتواء أيضا نتائج منطقية، فإن كنت في الداخل يعني انك لا يمكن إن تكون في الخارج، واذا كان س موجود في ص مثلا فإن كل ما هو في س موجود في ص، فإن قلت إن محفظة نقودك تحتوي على خمسين ريالا عمانيا، وانك وضعت المحفظة في حقيبة يدك، فإن النقود موجودة أيضا داخل حقيبة اليد.

لنرى نتيجة هذه البنية البسيطة ونتائجها المنطقية في تشكيلنا للدلالة وفى تفكيرنا العقلي، ولنركز على جانب واحد فقط من هذه البنية وهو جانب الخروج كما يوضحه السهم في الشكل التالي:  

في الظواهر المادية يمكننا إن نقول:

1. احمد خرج من سيارته

2. أخرج الاسد أنيابه

3. خرج الناس من القلعة

في الأمثلة السابقة نرى "الخروج" في تجليه المادي، حيث نجد ظاهرة مادية حاوية (السيارة، فم الأسد، القلعة) وظاهرة تخرج من داخل الحاوية إلى خارجها (أحمد، أنياب الأسد، الناس). ولكن لننظر إلي الأمثلة التالية:

1)فلان لا يخرج الصدقة

2)خرج الوالي على الخليفة

3)هذا الفعل يعتبر خروجا عن الدين

4) لا تخرج عن الموضوع.