|
لعل
من بين أفضل
ما انتجته
اختبارات
سعدي يوسف
الشعرية،
قصيدته التي
تسعى الى
تجريد القول
عن زوائده،
محاولة
الاقتراب من
اتجاه يمكن
أن نسميه
مجازا:
الشعرية
الخالصة، أو
الشعر
الصافي، وهو
اصطلاح يقبل
الكثير من
الا
حتمالات،
وسنحاول أن
ننسب اليه
هذه الصفة
بما يمكن أن
يقاربها في
النزعة
التصويرية imagism
التي
أكدت التقشف
والتخلي عن
الزوائد في
القول، فهي
تضع المشهد
الشعري أمام
الناظر كما
لو أنه لوحة
هادئة توميء
الى عوالمها
الباطنية
وتتهرب من
الانفعال
المباشر
برشاقة. وعبر
هذا الميل
استطاع سعدي
يوسف أن
يتفرد
بقصيدة تخلو
قدر طاقتها
من الفصاحة
الشكلانية
والاسلوب
المترفع، أو
الموروث
الشفاهي
الذي يعتمد
على الصوت
الجهوري
والأداء
المسرحي في
جانبه
التطهيري. أي
ذاك الذي
يهدف
التنفيس عن
توتر ويقيس
المسافة
الدرامية
بينه وبين
القاريء بما
يثيره فيه من
امكانية
التجاوب مع
عاطفته
الحماسية.
لأن نجاح
الشعر
العربي عامة
ارتبط بما
يضمره من
عنفوان وقوة
الاناشيد
الحماسية
منذ امريء
القيس حتى
شعر رواد
الحداثة
العربية الى
ما بعد منتصف
هذا القرن.
كما نستطيع
أن نقول إن
الميل الى
التصويرية
في أداء سعدي
يوسف كان
معبره نحو
التخلص من
رومانسية
الشعر
الثوري الذي
كان هو نفسه
أحد أهم
ممثليه. بيد
أن هذه
النزعة لا
تقتصر عند
تشخيصها،
على خلو
القصيدة من
الخطابية
والرومانسية،
بل تتمثل
بأبعاد أخرى
يدفعنا
التصور الى
أنها تتشابه
مع مصدرها
الأصلي الذي
يلتقي بمحض
الصدفة أو
التأثر
بالفروع،
بحداثة
الشعر
الانجلو-امريكي
مطلع هذا
القرن، في
الاتجاه
الذي وضعه
مجموعة من
الشعراء في
المقدمة
منهم عزرا
باوند. النزعة
التصويرية
من حيث هي
توجه أسلوبي
لدى باوند،
كانت تعنيا
لتوكيد على
الصلابة
النحتية في
القصيدة
المشغولة
بدقة
وصرامة، مع
الايجاز
والتكثيف (1)،
وهي تعبر عن
تطلع جيل ما
قبل الحرب
العالمية
الأولى
للتعبير
الشعري وفق
وسائل تخلو
من الانفعال
العاطفي
وتنزع الى أن
تكون أكثر
موضوعية
وتشذيبا، في
رغبة
للابتعاد عن
الرومانسية
وفصاحة
المرحلة
الفيكتورية
المتصنعة
وتأثيراتها
اللاحقة،
أما بصفتها
مدرسة فقد
ظهرت كحركة
حداثة ضمت
مجموعة من
الشعراء
الامريكان
والانجليز،
أعلنوا عن
أنفسهم في
برنامج صدر
في لندن 1912. وفي
خضم
تنظيراتهم
أكدوا أنهم
ورثة مجموعة
من التيارات
والحركات
التي
سبقتهم، وفي
المقدمة
منها اتجاه
توماس ارنست
هولم T.E.Hulme
وكانت
محاضراته
وملاحظاته
التي جمعها
هربرت ريد في
كتابه لاحقا Speculations)
تأملات)
بمثابة
الاعلان عن
تبدل في
الحساسية
الفنية في كل
الميادين
الفنية حيث
أكد اتجاهها
نحو هندسة
الصورة،
وتخليها عن
عاطفية
وحذلقة
الرومانس.
ورأى أن
النزعة
الجديدة
بمثابة
احياء
للكلاسيكية
التي تتميز
بالتواضع
ومعرفة
الشاعر
حدوده حيث
يدرك أن أي
خروج عن هذه
الحدود يولد
انطباعا
بافتقاده
الصدق،
والافتقاد
الى الصدق
يجعله بحاجة
الى الزخارف
والتنميق.
ويعد هولم
أول من انتبه
الى القصيدة
البصرية في
أسلوبيتها
الشرقية. (2) كما
ترى النزعة
التصويرية
أن لها
مشتركات مع
حركات أخرى
تسبقها
ومنها
البارانسية Parassian
في ميلها نحو
الموضوعية،
والكمال
التقني،
ودقة الوصف،
والصرامة،
وذلك كردة
فعل على
النزعة
العاطفية
وانعدام
الدقة في لفظ
المدرسة
الرومانسية،
البارانسية
نمت
بالتوازي مع
الميل نحو
الواقعية في
الدراما
والرواية
التي ميزت
أواخر القرن
التاسع عشر (3).
كما تحدد
النزعة
التصويرية
صلتها
بواقعية
الشعر الحر
التي يمثلها
والت ويتمان
ومنحى
قصيدته في
مقاربة
الواقع
الصلب
المرئي
الملموس. القصيدة
المطلوبة
والحالة هذه
تصبح مركبا
مكثفا تدخل
فيه عناصر من
الرسم
والنحت
والموسيقى
أو الايقاع
في حركته
الخفية،
وسيتحدث
عزرا باوند
في تقصي
تجربته
الشعرية عن
علاقة
قصيدته
بالخطوط
والألوان
والرسم
عموما
متأثرا
بتنظيرات
كاندنسكي في
الرسم.
وسيعرف
الصورة على
أنها: "لب
الشعر الصلب.
هي الشيء
الذي يكشف
بواسطته
الشعر شكله
المتميز
الذي يوازي
الفنون
الأخرى. وفي
الصورة
بالذات يحصل
الشاعر على
الاداة أو
الوسيط
المنتمي
اليه حيث
تتجاوز
الكلمة الى
عوالم أبعد
منها" (4). لعل
أهم منعطف في
تطور مشروع
الحداثة عند
عزرا باوند
ومجموعة
شعراء تلك
الفترة
اكتشافهم
نوعية
الكتابة
الصينية
وقيمتها
البيانية
حيث تميز
الأشياء
مصيرها
الخاص من غير
حاجة الى
التفسير
والشرح. ويميز
كلينث بروكس Brooks
المنظر
الأمريكي
القصيدة
الصينية
واليابانية
بخصيصة
يسميها (سطوة
الصورة
الواحدة
التي تستخدم
في العادة
الايحاء
والتلميح،
متجنبة
بعناية
التصريح) (5). ولعل
الأداء
الشعري لدى
سعدي يوسف
كان يرهص قبل
نضوج
مشروعه،
بذلك الميل
نحو تجنب
الثرثرة في
الشعر
والابتعاد
عن الايقاع
العالي
المصوت
والصور
المبهرة
المتشظية،
فهو أقرب الى
اللطافة في
ملامسة
الأشياء
بدقة ورهافة. وفي
حديث له عن
الشعر
الصافي يرى
أدان بلنا
الحيدري وهو
يحاول هذا
النوع من
الشعر، أدخل
أدوات
وعناصر على
قصيدته
ومنها:
الموسيقى،
التكرار،
الاختصار،
الايماء،
النظر الى
الداخل،
احكام
النسيج،
رهافة
معادلات
عمارته... أن
ما تعلمته من
تجربة
الحيدري
اطلالة
الشاعر على
الفنون
الأخرى:
الرسم
والموسيقى
والفن
المعماري" (6). في
هذه الحالة
علينا أن
نبحث في
قصيدة سعدي
يوسف عما
يمكن أن
نسميه
النزعة
التصويرية
في اتجاهها
الى نقاء
الشعر من
شوائب
الكلام،
خارج اطار
استذكارا ته
التنظيرية.
وما يفيدنا
تتبع خطواته
الأكثر نضجا
في الشعر
العراقي
والعربي
عموما من
خلال مجموعة
من القصائد
التي توخت
معالجة
الموضوع
الشعري
مباشرة دون
زوائد
أسلوبية.
ولعل ذلك
الميل في
شعره يمثل
خلاصة جهد
كان يظهر ضمن
القصيدة
الواحدة
المتكاملة،
أو ضمن مقطع
أو مقاطع من
قصيدته.
ونحسب أن هذه
النزعة تشكل
هوية شعره
المتميز
الأكثر
وضوحا والذي
طمست غزارة
انتاجه بعض
معالمه،
ولاسيما في
السنوات
العشر
الأخيرة.
فعدد كبير من
قصائد
التسعينات
لديه تحاول
الاتجاه
شكليا الى
هذا المنحى:
البساطة،
الاختزال،
الصورة
الواحدة،
التخفف من
الوجد،
والعاطفة
المحتدمة،
ولكنها
تفتقد في
الغالب الى
زخم قصيدته
التي تجسد
تجربة روحية
عميقة. وفي
ايضاح ما
نعنيه من
تصور عن اهم
اتجاه في شعر
سعدي يوسف،
ستفيدنا
قصيدة (البرج)
1973 من ديوانه (تحت
جدارية فائق
حسن) كعمل
يمثل خلاصة
تجريبه
الناضج في
سنوات خصبه
الأولى، فهي
قصيدة صارمة
ومباشرة
ونظيفة حسب
تعبير اصحاب
النزعة
التصويرية
وهي بصرية من
حيث مكونات
نسيجها
اللغوي
ونبرتها
الخفيضة
ووضوح
النزعة
التشكيلية
في صياغتها: "كلما
ضقت بالسهل،
واجهني
عاليا.. كان
صخر الجبال
القريبة
ينمو عليهن
وتنمو على الصخر
أعشابه كان
برجا قديما منه
أبصر حتى
القلاع
موطأة،
والسماء
التي
يحتويها
سديما كان
برجا قديما مائلا
لليسار
قليلا،
ومنهدم
الباب يدخله
الصاعدون ويخرج
منه الذين
يرون النجوم
القريبة. ولقد
يأخذ
السائحون في
حقائبهم بعض
أحجاره..
للمعارض
والكتب والمدن
المستريبة. وهو
يسخر، في
صمته، عليا.. مشرعا
بابه
المنهدم مائلا
لليسار
قليلا مائلا
في المعارض
والكتب
والمدن
المشتريبة
هما مقيما كان
برجا قديما". هذه
القصيدة
تعتمد على
الصورة
المهيمنة
للجماد،
الثابت
المستقر في
المكان. يضع
الشاعر
التخطيطات
الأولى لها
حين ما تكتمل
على هيئة شكل
امامنا.
العناصر
فيها
تشخيصية
تجسد تشكيلا
مكانيا يوحي
باستقراره،
وهو يستدعي
الى ذهننا
العنصر
النحتي فيه،
حيث تحذف
الاضطرابات
الانفعالية
التي تهبط في
العادة
بالمتحرك
الى دوامة
الانشطة
الجزئية في
الاشياء في
حين يقيها
الصقل
الصامت
الساكن في
استمرارية
ثباتها (6). يركز
الشاعر
انتباه
القاريء على
هذه البؤرة (الجماد)
ويجعلها
ساطعة
واضحة، عبر
تكرار الزمن
المستقر (كان
برجا قديما).
في لمسات
قليلة
وموحية يوبأ
حركة هذا
الجماد،
فصخور
الجبال التي
تنمو
متواشجة مع
نمو اعشابه
تواصل
الظاهرة
الزمنية في
ديمومتها
المتواترة.
يحرك الشاعر
الهواء
قليلا حوله (مائلا
لليسار
قليلا،
ومنهدم
الباب) يظهر
من هذه
الحركة
ايقاعها
الداخلي
والهاديء في
حالين لهذا
الشيء -مائل،
منهدم - بيد
ان الزمن عبر
هاتين
الحركتين
يخلو من
طابعه
التوتري، اي
من زمنيته
الواهنة،
ليصبح ذاتيا
او أمنيا او
مطلقا ان
شئنا، لأن
الحركة
الخفيفة
تدخل هذا (الشيء
المرئي) في
موقف نوعي.
انها نتجا به
نحو
الانفعال أي
الرؤية التي
يتحدث عنها
تودروف، تلك
التي تسمح
بوصف
الانتقال من
الخطاب الى
التخيل،
ويدلنا على
هذا الحضور
في
الايقونات،
فالوجه
الرئيسي
موجه نحو
المشاهد، في
حين أنه
ينبغي أن
يكون - حسب
المشهد
المعروض
موجها نحو
المحادث.
الرؤية
حسبما يصفها
تودروف حيلة
التخيل أو
بلاغته (7)،
وحيلة
التخيل في
هذه القصيدة
تعتمد في
فهمها على
قوانين
تختلف قليلا
عن تلك التي
تحكم علاقة
القاريء مع
القصيدة
الوجدانية.
فلدينا هنا
صورة واحدة
تواجه
قارئها حين
تدرك شكل
الشيء
المعروض
لذاته لا
للعاطفة
التي تحف به،
فنحن ننتقص
من هذه
التجربة
الانفعالية
عندما
نؤولها كما
هو متداول،
على أنها
تعني تخيلا،
صيغة قضية
معنوية
مجسدة،
فبعضنا يمكن
أن يسأل
ببساطة كما
هو الطريق
المفني الى
اللغز في
الحكاية
الشعبية: ما
هذا الشيء
الذي يشبه
البرج في
ميلانه
القليل الى
اليسار؟،
وما البرج
الذي (يسخر
في صمته،
عاليا../
مشرعا بابه
المنهدم
قليلا).
وربما نحاول
التنقيب عن
معان فكرية
أو معنوية،
بيد أن جمال
القصيدة
مستمد من لغز
صيرورتها في
زمن خارج
الزمن
العارض
للموا قف
سواء كانت
فكرية أو
سياسية. انها
تتخفف من عبء
المعنى
عندما يكتفي
الشيء
الموصوف
بجماله
الذاتي
مبتعدا عن
قدرته على
محاكاة
الفكرة. كما
أن هذه
الصورة
تكتمل عندما
نستطيع عزل
العناصر
التجريدية
عن التجربة
الذهنية
لنتلمس
واقعيتها.
فعنصر
المفارقة
الشعرية
ينبثق في
لحظة
ادراكنا
البعد
الروحي
للصورة
المجسدة في
التشكيل
سواء كان
نحتا أو رسما
أو صورة
شعرية توازي
الفن
التشكيلي
ولا تحاكيه
لأن الفن
الشعري لا
يحاكي
التشكيل في
كل الأحوال.
أي أننا نكون
قادرين على
أن نحرر هذه
الصورة من
الرمز
والاشارة
التبسيطية
والوجد
الرومانسي،
عندما ندرك
قوة الايماء
فيها أو
اللمحة التي
تمر عابرة في
خاطرنا بما
يشبه
الانخطافة
بعيدا عن
الاحساس
بدراميتها
أو بقدرتنا
على تفسيرها. وفي
قصيدة أخرى
يكون للفعل
أهمية
تصويرية
خارج زمنية
حدوثه. نصه (القنفذ)
1979 يرسم هيئة
حيوان بطيء
الحركة (يكمن
في قارته
القديمة /
منكمشا، بين
تراب الشمس
والعشب
المسائي /
وحيدا، /
بطنه الأبيض
مشدود كجلد
القوس /
والعينان
تشتفان صوت
النمل /
والرجفة في
الماء الذي
يخترق الجذع
/ وتشتفان ما
يلمسه الطفل
إذا جن / وما
تأتي به
الأشجار، أو
تأتيه.. /
والقنفذ /
هذا الكامن
المأخوذ
بالأشياء في
قارته
القديمة /
والمحتبي في
الغفلة
العظمى /
الذي ان ظنه
الأطفال
يوما / كرة
الأسمال
يلهون بها، /
أو حسبته
المرأة
الصخر الذي
يدلك رجليها
/ وأفعى
النخل ان
ظنته فأرا
هامدا / ما حل
من حبوته.
لكنه في أول
الليل / وفي
قارته
القديمة،
يسعى / بطيئا
ضاحك
العينين /
مسرورا بأن
الأرض فيها
هذه الفتنة.) هذا
السرد الذي
تكمن فيه
سخرية خفية،
يبدو فيه ما
يشبه
الاذعان الى
قوانين
النثر في
الكتابة
الشعرية
ونجد
تطبيقاتها
في الكثير من
شعر هذا
الشاعر.
فالنص بما
يقوله لنا عن
طبيعة
فيزيائية
للحيوان،
يثير ملس
الاحساس به،
البصر
يحيلنا الى
المنظر
الواقعي لا
المتخيل أو
الشعري في
حالته، منظر
هذا الكائن
المسحور
بعالمه
الباطني،
فوصفه
التفصيلي
وضع بين
أيدينا
حالتين من
التضاد:
الخشونة
الظاهرية
ونعومة
الباطن. وعبر
تصويره
الصفات
الأولية
التي تدركها
حواسنا:
الحجم
والشكل
والحركة،
أحالنا الى
البؤرة
الشعرية
التي تتمحور
حول المدرك
الحسي في هذه
الحالة. صفات
هذا الكائن
المنظورة
تتحول الى
مواهب في
التخفي تمنح
لصورته
بعدها
الملتبس.
فبتحوله الى
صورة الجماد
يبني حوله
متاريس تمنع
عنه الأذى،
وتلك مفارقة
سردية لا تمت
الى الشعر
بصلة كبيرة،
بل تميل الى
النثر
العقلي في
معرفة طبيعة
الأشياء وفي
كمسها. ما
أدركا
الشاعر من
معنى يبقى
ضائعا
ومفتقدا
لشعريته لأن
احالة
اشاراته في
كل الأحوال
واقعية. غير
أن بمقدورنا
ادراكها تحت
تأثير
مستويين من
الوعي ذاتي
وعام وعندما
يتحقق الأول
تصبح للغة
تقرير
الحقائق أو
اللغة
النثرية في
بعدها
العقلي
وظيفة
شعرية، ربما
ينسبها
الشاعر عند
تفسيره
مضمون
القصيدة الى
صفات الرجل
الذي يتخذ
هيئة القنفذ
(المتقنفذ) (8).
ولكنه في هذه
الحالة ينزع
عنها بداهة
اللحظة
التشكيلية
التي يضع
فيها الشاعر
اللمسات
الأخيرة
للوحته حيث
ينقلب كائنه
المضحك الى
ما هو عليه
من حالة
شعرية سيسل
فيها قائل
النص احساس
الحيوان
الباطني (مسرورا
بأن الأرض
فيها هذه
الفتنة) هذا
هو الانحراف
أو حركة
الالتفاف
التي تحقق
حيلة
التخيل، لا
في طرافة
المفارقة
بين الكائن
وفعله، بل في
ممكنات
السكون
والحركة في
رسم الصورة
المرئية. طقس
الشعر هنا
يحاول أن
يغير بعض
شعائره،
فالأثر
الذاتي
المتحقق عند
المتلقي لا
يعتني
بعاطفية
الرسالة أو
انفعا ليتها
ولكنه يهتم
ببصريتها
وبصوريتها. المخيلة
التصويرية
تتحول من
عالم
الطبيعة
الخارجي الى
نظام
ترميزاته في
قصيدته (الجوهر)
1989 بعد تجريد
بعض
مكوناتها عن
المشخصات
العينية،
وتبقى الصلة
بين الذات
والموضوع
تعكس الرغبة
الحيادية في
نقل المرئي
الى المشاهد.
وهو نص
يذكرنا بشعر
التصوف مع أن
سعدي يوسف لم
يلتجيء الى
تقليد هذا
الضرب من
الشعر أو
التشبه
بمفرداته
الا نادرا
وهي ميزة
تحسب لصالح
هذا الشاعر.
يوقع القائل
هنا بموسيقى
خفيفة على
المعنى من
دون أن
يستخدم
العاطفة: "
بينما كانت
الريح تدخل
في دوحة
الجوز قلت
لها: هل
تبيتين فيها
؟ قالت
الريح: من
كان مثلي
نبيها بات
يسري.. ولكنني،
لحظة،
استريح قلت
هامسا: ومن
كان مثلي يا
ريح؟ ردت:
عدمت
الشبيها." لنرسم
تشكيلا
هندسيا لهذا
النص لكي
نلامس
موضوعه،
ومنجد
أمامنا
دائرة في
متخيل مفترض.
الاطار
العام
للحركة يدفع
تصورنا نحو
هذا الشكل
الدائري.
هناك دوحة
الجوز التي
تدخلها
الريح،
ونستطيع
ادراكها
حسيا. وهناك
سكون متحرك
في ذلك
الحوار بين
الريح وقائل
النص يحرضنا
على تخيل
صيغة
استراحة
الريح، وهو
تخيل روحي
أكثر منه
ماديا لأن
زمنيته
ضائعة توميء
الى عالم
باطني من دون
أن تفصل فيه.
الريح تفلت
من المستقر
بما لها من
صفة اختارها
القائل من
أجلها. فهي
هنا تتردد
ضمن مجاز
عقلي أعم من
الاستعارة.
ولكن أين
التأويل في
هذه الفقرة ؟
لعلنا نجده
في صيغة
الحوار وفي
مضمونه
ودلالته. أي
في توق
القائل الى
التشبه
بالريح تلك
التي تخالف
صفاتها فهي
في الأصل
لاستقر لها،
ولكنها تدخل
الآن في حيز
مكاني يبدو
القائل
عاجزا عن أن
ينسب لنفسا
صفة تبدل
طبعها. الأهم
في هذا
التعبير
الصورة
التشكيلية
التي تجذبنا:
طريقة
نحتها،
اختصارها.
الايماءة
التي تشير
الى العالم
الباطني
والضربة
الأخيرة
فيها. نستطيع
أن نتحدث عن
الوعي مجسدا
في صورة،
صورة تنطوي
على حركة
دينامية
رشيقة
دائرية تلف
النص وتتهرب
من الواقع
الصلب مع
أنها تصفه في
لمسة واحدة. في
النصوص
الثلاثة
نستطيع أن
نمسك
الميزات
التي تشكل
القاسم
المشترك في
تجربة سعدي
يوسف في هذا
الميدان ومن
أبرزها: سطوة
الصورة
الواحدة،
الاختزال،
التهرب من
المعنى
المباشر،
الصيغة
التشكيلية ل
وضع لمسات
قصيدته. انه
يقول: "الشاعر
يكتب بعينيه
وأنامله
ومسمعه. وثمة
آلة عود
خفية،
صغيرة،
كالتي جاء
بها الشاعر
الصيني هان
فوك من ذلك
المنبع قرب
النهر
العظيم. هذا
العود
الخفي، يهب
كل ما ترده
العين،
وتلمسه
الأنامل
وتستقبله
الآذان،
ايقاعه
الخاص
المتفرد" (9). لعل
تجديد سعدي
يوسف وفق هذا
المنحى، كان
من أهم
مشاريعه،
بيد أنه لم
يسع الى
استكماله
عبر محاولة
ايجاد مخرج
للتخلص من
عبء
التفعيلة،
لأن طموح
الشاعر بقي
محصورا في
اطار موسيقى
ما سمي
بالشعر
الحر، في حين
يوفر هذا
المشروع
بتكوينه
التقني لغة
وعوالم،
وامكانات
أرحب
للانطلاق
خارج نظام
الوقفة في
أقل تقدير،
تلك التي
تظهر في
الكثير من
نصوصه
كحواجز
كابحة تعوق
امكانية
تقدمه نحو
قول عصري
يستخدم لغة
طليقة من دون
محددات. الكثير
من قصائد هذا
الشاعر
الجيدة
تعتمد على
بداهة طبع
وعفوية، غير
أنه في الوقت
عينه شديد
الانشغال
بالكيفية
التي يؤلف
فيها تركيبة
قصيدته،
وسنجد في
العديد من
النماذج
التي ترجمها
لمجموعة من
الشعراء ما
يدلنا على
مشتركات بين
شعره وشعرهم.
فهو يختار ما
يترجمه وفق
هوى شعره أو
وفق
استشعارات
وجدانية
وجمالية
تربطه مع
الشعراء
الذين ينقل
عنهم. وفي
معرض حديثه
عن الشاعر
اليوناني
يانيس
ريتسوس الذي
قدمه الى
القاريء
العربي يقول
"وراء
قصيدته جهد
عظيم، وروح
مصفاة،
صافية،
أوصلت قصيدة
الحياة
اليومية
لديه، الى
هذه القطعة
الغريبة من
البلور". (10)
وليس مصادفة
أن نجد في
رصد الاشياء
على نحو
تعبيري وأخر
صوري لدى
ويتسوس ما
يرجح تلك
الميزة التي
تتشابه
وقصيدة سعدي
يوسف، وعلى
وجه الخصوص
تلك التي
تتبع فيها
حالات
الأشياء في
الطبيعة:
الورقة،
الغيم،
الشجرة الى
ما اليه من
صور ساكنة
تتفتح على
علاقة تأمل
وتمعن بين
مركبات
الأشياء في
ذاتها لا في
انتسابها
الى ما هو
خارج عنها.
في حين نجد
الكثير من
قصائده
مشبعة
بالصيغة
التعبيرية
في الافصاح
عن تلك
العلاقة، أي
بما له من
قدرة على
اقامة علاقة
ذاتية
حميمية مع
الأشياء. ان
تجاور
الصيغتين في
شعر سعدي
يوسف يدلنا
على مشهد
واحد من
مشاهد
تجريبه
المنوع،
ولكن هذين
النهجين هما
الأكثر
وضوحا في
شغله. ويظهر
الاختلاف
بينهما في
جانب مهم من
تجربته التي
تشبع
التعبيرية
فيها الصيغة
الرومانسية،
في حين تحاول
التصويرية
التقليل من
قوة حضور
الرومانس في
نصه أي علاقة
الذات
بموضوعها. يكتب
سعدي يوسف في
(الينبوع) 1982: "لكنني
للبحر، هذا
البحر، أرجع احتوي
عدنا بجيب
قميصي
الصيفي المسها
كأني المس
امرأة
السواحل والقباب
البيض والأهل
الذين نأوا... ويهتف
بي دمي أني
الى الأمواج
أرجع أحتوي
عدنا بجيب
قميصي
الصيفي أحملها
كوردة ساحر وأقول
للعشاق: هذه
وردتي فتقدموا
للبحر أن
سميه صدف وأن
شميمه أحمر..." ويكتب
في نصه (الجزائر)
1980 "
في المقهى رائحة
الصوف، وشمس
غاربة والساعة ثابتة
عند الثالثة... القهوة
الباردة. يدخل
شرطي في
المقهى يجلس
في زاوية،
ينظر نحو
الساعة،
جديا ويعدل
ساعته،، يأتيه
النادل
بالقهوة
ساخنة، يشربها ويغادر. أنظر
نحو الساعة
في الحائط :
هل كانت في
الثانية ؟ المقهى
يكتظ / ويمضي
النادل نحو
الباب ويغلق
باب المقهى." القصيدتان تجسدان تجربة ذاتية، بيد أن الإدراك الأدبي للمكان لدى الشاعر يظهر في طريقتين للأداء، فانتساب الفاعل الى المدينة في النص الأول تنتظمه علاقة انصهار، ولفرط المودة التي يستشعرها بتبادل المواقع بينه وبين الشيء المرصود، يكون هو الذي يحتوي المدينة في جيبه، في حين تقتني المحبة في هكذا ظرف أن تضمه هي اليها، المقطع يفيض بذلك السحر الغنائي الذي يقرب الأشياء من بعضها ويربطها بدف ء المشاعر. روما نسيته تتبدى في تناغم الذات مع الطبيعة، الشعور بحلول المثالي في الواقعي على نحو تعبيري، والفاعلية الحاسمة في هذه الصورة تكون للذات الفردية التي تمتزج مع موضوعها. فتغدو عدن - المدينة، مكانا عاطفيا تضفي عليه محبة الشاعر الأوصاف التي تشكل هيئته المجسدة. في حين يستخدم الشاعر في القصيدة الثانية المنطق التصويري لبث اشاراته عن المكان، فالجزائر تختصر بمقهى، في حين كان يرى الى المدينة الأولى على أنها البحر في اتساعه. تمثل أمامنا نسقا من التبدلات الطفيفة في حركة الصورة في القصيدة الثانية التي يقف منها المصور على مبعدة & |