بوخيس الذي يحتاج الى مئة عام لكي يموت
لا تبكي من أجله.... أرجنتينا

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

مرام المصري(شاعرة ومترجمة من سوريا تقيم في باريس)


ليس الموت أقل صعوبة على الفهم ولا أقل روعة من الحياة كما يحتفل بميلاد رجل على قيد الحياة احتفلت عاصمة الأرجنتين بونس ايريس بمرور 0 10 عام على ميلاد طفلها وأحد الألغاز الأدبية في القرن العشرين, خورخي لويس بورخيس.

ولا غرابة في ذلك, فبورخيس حي وأكثر حياة من ذي قبل لقد ترجم الى عشرات اللغات, واستلهم في عشرات اللغات, وشرف في العالم بأسره, وعلى الرغم من إصراره على نفي الصفة الكوزموبوليتية عن نفسه, فقد ظل مثالا للعجينة الكونية, غرف من الثقافات وحولها وجعل منها خلاصة حيوية خاصة به وحده, خلق في بوينس ايريس وتربي في سويسرا, ونشأ على الأدب الانجليزي منذ طفولته, ثم واصل الترحال في الثقافات والعقائد والفلسفات, في أنواع الأدب في الشعر والنثر وفي أشكال التعبير التي صنعت فرادته العالمية سنة بعد أخرى. 16/8/1999

بدعوة من "جمعية بورخيس » سافرت في هذا اليوم الى بوينس ايريس, للمشاركة في مئوية بورخيس, دعي نحو 40 أديبا وشاعرا (كان بينهم البرتغالي خوسيه ساراماغو حامل نوبل للآداب عام 1998)، لاحياء أسبوع ثقافي في العاصمة الارجنتينية, مسقط رأس الشاعر ومصدر إلهامه, والمدينة التي ارتبطت بعمله بشكل وثيق كما لو أنها نبع شرب منه عوالمه الخاصة, خالقا أساطيره وشخصياته وحكاياته. وكنت أتأبط كتاب الشاعر اللبناني عيسى مخلوف "الأحلام المشرقية أو بورخيس في متاهات ألف ليلة ».

وصلت بعد قضاء نصف ليلة وليلة في طرقات السماء المعبأة برفقة الشاعر الفرنسي ليونيل ري. مرهقة من هذه الليلة الطويلة, ها أنني أمام مفاجأة أولى: صلاحية جواز سفري انتهت منذ يومين ! علمت هذا بعد انتظار مقلق, لعدم تمكني من التفاهم مع الموظف الذي لا يعرف لغة غير لغته.

تعبة وحائرة. تعبة وخائفة. كان علي أن أختار واحدا من اثنين: إما العودة من حيث أتيت, أو دفع غرامة مالية ليس معي.منها حتى النصف.

أحسست بمهانة من يطرق بابا ولا يلقى مجيبا.. صامتة على مقعد خشبي.. غريبة كما لم أشعر من قبل... أمام حائط من الموظفين فسبقتني, كالعادة دموعي.

واذا بصوت من داخلي يغني Don't cry for me, Argentina  ! لا تبكي لأجلي... أرجنتينا! غنيت الأغنية لنفسي. غنيتها لي بصوت منخفض كتنويمة أم, لأحاول تخفيف الاحساس بالغضب والخوف ثم بدأت أبدل الكلمات مبتسمة: (لن أبكي لأجلك.. أرجنتينا).

17/8

خرجت الى النور بعد دفع الغرامة. كان الباص بانتظاري مع الشعراء الأسبان وبينهم الشاعر ألفاريس, وجدت ذلك رائعا، فلقد ضحوا براحتهم من أجلي.

عندما صعدت الى الباص صفقوا لي جميعا وكأنني ربحت حربا، فعلاوة على مشكلة جواز السفر ضاعت حقيبة سفري التي تحتوي كل ملابسي. لن أبكي لأجلك يا أرجنتينا.

ها أنا أخيرا في الأرجنتين, في صباح بارد ومشمس.. ها أنا في بوينس ايريس.. سأمشي على نفس الطرقات والأرصفة التي مشى عليها بورخيس وسأستنشق نفس الهواء. سأفتح عيني وكل حواسي كمن يضم اليه حبيبا، لأسجل في ذاكرتي هذا العبور..العبور القصير كإسراء. فأنا شاهدة لحدث لن يتكرر، لا أحمل آلة تصوير سوى عيني وأحاسيس جندتها لأقصها على التاريخ من خلال منظاري.

وصلنا الى فندق "ماي فلور» استقبلتني غرفة رحبة ورغبة عارمة في النوم على السرير الواسع ! إلا أن رغبة التجول في مدينة بورخيس كانت أقوى، بوينس ايريس التي يصورها حميمة, غامضة مدينة ذكريات الطفولة: "طرقات بوينس ايريس / مثل امعاء روحي».

وفي اكتشاف هذه المدينة لابد أنني سأتعرف على بورخيس أكثر من أي كتاب قرأته عنه, كما لو أنني سأدخل روحه وأمعاء».

وفي كل حال كان علي الخروج لتمديد جواز سفري، ولحسن الحظ كانت السفارة قريبة من الفندق. إلا أننا ذهبنا في الطريق المعاكس مما جعلنا نمشي حوالي الساعة والنصف في متاهة تشبه المتاهات البورخسية (المتاهة تقتبس دائما في الحديث عن أدب بورخيس, لدرجة أن مترجميه الانجليز والفرنسيين أطلقوا الاسم على مجموعة كاملة من القصص التي تحمل عنوانا آخر في الأصل الاسباني، فضلا عن أن بورخيس نفسه لم يعنون أيا من كتبه بهذه الكلمة, وان كانت صورة المتاهة تختصر روح عمله).

كنا حقا في متاهة بدأت أفقد الأمل في الوصول, تقودنا خريطة لا نعرف قراءتها، وأرجنتينيون لا يعبأون بالتحدث بغير الاسبانية. وتعب ضرير مثل بورخيس يجرنا. حتى وقعنا على زوجين شعرا بورطتنا, فسألناهما يائسين فيما إذا كانا يتحدثان الفرنسية أو الانجليزية, فإذا بهما يردان بحماس مدهش بأن ابنتهما تتحدث الفرنسية جيدا! وبما أن ابنتهما تتحدث الفرنسية جيدا فقد أشرت بأصبعي الى المكان المقصود على الخريطة. سمعنا كلمة "باص » ثم بدآ يبحثان في جيوبهما وأخرجا بيزوسا ونصف, ثمن تذكرة الباص, استنكرنا, بفرح حاجتنا الى المال, لكنهما أصرا بشدة, كان من المستحيل الرفض, وكيف لي أن أرفض كرما تلقائيا كهذا... نبيلا كهذا؟

نظرت الى مرافقي متسائلة: الهذه الدرجة تبدو علينا الحاجة الى المال ؟

طبعا لم نستقل الباص, وادخرنا ضاحكين سعر البطاقة لاستعمالها في غرض آخر.

آه.. لن أبكي لأجلك... أرجنتينا!

18/8

يوم الافتتاح, في الصالة الوطنية للفنون الجميلة, الواقعة في شارع Del Libertador.  رقم 1473ترأست الحفل ماريا كوداما، أرملة بورخيس وحاملة ميراثه. لم تكن له ذرية, ما عدا كتبه, أتساءل لماذا؟ لم أجد مرجعا في هذا الموضوع. كان الاعلام حاضرا. ووجوه العاصمة مثل أبناء الشعب. كان الاحتفال قد ترافق مع حملة تعليمية في المدارس والجامعات. للتعريف بأعمال بورخيس.

في مدخل صالة العرض تتوسط الحائط لوحة رمادية لبورخيس, بعيون صفراء هابطة تشعرك بألمه ومعاناته. ولكنه, كما بدا لي لم يكن بحاجة الى العينين. عالمه كان خارج حدود الرؤية. عالم نحن فيه العميان وهو المبصر.

ثم تبدأ الرحلة في حياة الكاتب, منذ طفولته وحتى مماته, الحياة معلبة داخل فترينات زجاجية مضاءة, أشياؤه ملابسه, لوحاته المفضلة مسودات كتبه مخطوطة "ألف » بخطه الغريب: نحيل وصغير كالنمل, ولكنه واضح مصفوف بترتيب لا أثر للتردد فيه حول احتمالات عديدة, كيف ازداد نحولا،وكيف تضاءل عندما بدأ يفقد بصره وغمرته العتمة في الخمسين من عمره. رسومه على دفاتره, صوره وهو صغير (ولد قبل الأوان, في الشهر الثامن, وكان وسيما). صوره وهو في فتى, ورجل وشيخ هرم, دون بيل Don Bell  يصفه: كان أمامي رجل صغير هش يلبس بدلة رمادية تعطيه مظهرا محافظا وأنيقا, كل ما ننتظره من أمريكي - لاتيني ذي جذور أوروبية, بدا لي ذا طبيعة محببة وساحرة, وفي الحقيقة في كل الصور التي رأيتها أحسست بأناقته وارستقراطية حركاته. صور عائلته جدته وجده. أخته نورا. ثم صوره مع أمه التي كان على علاقة غريبة بها. لم أجد له صورا مع نساء أخريات عدا صوره مع زوجته الصغيرة ماريا كوداها التي تزوجها قبل موته بقليل, تساءلت: ألم يكن لديه عشيقات ؟ أين صورهن ؟ علمت بأن ماريا قد ألفت كل النساء اللواتي عرفهن قبلها، إن كيدهن عظيم ! قلت ضاحكة, ويبدو أن الموضوع متأزم جدا، اذ توجد جمعية أخرى اسمها " بورخسينا» تعادي ماريا وتنفي شرعية المستندات. إلا أن القافلة تسير.

لابد أن هناك أمورا عائلية وشخصية على التاريخ أن يسدل ستارا من الغموض والنسيان عليها، حتى لو أنني أعتقد بأنه لا يحق لأحد أن يمحو فترة من حياة الآخر. كان بودي التحدث بشكل خاص مع ماريا البالغة الأناقة واللطف في تعاملها مع الجميع أحيانا تخص كلا منا بسؤال شخصي تشعره بانه من المقربين سأكتب عنها لاحقا. شخصية غامضة وسرية. انتهى المساء بحفلة عشاء.

19/8

تجولت صباحا في المدينة الشاسعة والمجهولة التي أثرت كثيرا على أدب بورخيس,وإذا كان الانسان نتيجة بيئته, فإن بورخيس مثال حي على ذلك, العلاقة الغريبة بينه وبينها تسمح بتخيل أنهما خلقا ليكمل أحدهما الآخر، وكما تختلف وجوه بورخيس كذلك توجد وجوه مختلفة لبوينس ايريس:

"لا أظن أن بوينس ايريس

قد ابتدأت

إنها خالدة كالماء وكالهواء".

ولد في منتصف شارع توكمين, ترعرع في شارع سيرانو في الشمال البعيد من باليرمو، وباليرمو هذه منطقة موبوءة وخطيرة, تسكنها المافيا الايطالية والخارجون عن القانون. "لسنوات طويلة ظننت بأنني تربيت في المنطقة الصعبة من بوينس ايريس, جيرانها, شوارعها العشوائية المغطاة بالغبار. الحقيقة أنني تربيت في حديقة ".

ذلك لأن الفتى خورخي كان نادر الخروج من منزله. والنزهة الوحيدة هي الى حديقة الحيوانات حيث ينتظره النمر الملكي البنغالي, الذي كان يبعث فيه الحماس, بألوانه, بهدوئه وشراسته الدقيقة والقاضية العطشى للدماء والجميلة !

" حتى ساعة الغروب

كم مرة كان بإمكاني

رؤية نمر البنغال القدير

يروح ويجيء على طريقه المحتوم.

نحلف قضبان الحديد

سجنه

ولابد أنه سجنه

...............

...............

الآن مع توالي السنين

هجرتني الألوان الجميلة الأخرى

بقي لي الضوء الغامض

الظل المبهم

ذهب البداية....

آه أيها النمر

يا ألق الأسطورة والوهم

أيها الذهب التحفة

فروتك ما ترغب هذه الأيادي.

(من كتاب "الأحلام المشرقية »)

متعة خورخي في سنوات التعلم الأولى كانت أقاصيص وحكاية صديقي ابيه ماسيدانيو فرنانديز وكاريفو، وكان هو الشاهد الأبكم على ما يدور: يختزن ويخترع, تربى في مكتبة والده حيث كانت مطالعاته الأولى ألف ليلة وليلة, روايات شارلز ديكنز ومارك توين, أقاصيص هــ.ج. ولز، ستفنسن, وكيبلنغ, يقول في سيرة ايفاريستو كاريفو: «الشخصيات التي تزورني كل صباح, وأسدلت على ليالي خوفا لذيذا، هم القرصان الأعمى. في رواية ستفنسن, يحتضر تحت صهوة الجواد. الخائن الذي يتخلى عن صديقه في القمر. المسافر في الوقت الذي يحضر معه من المستقبل زهرة ذابلة. الجني السجين. غطاء الرأس الخراساني الذي يخفي مرض البرص ».

يا له من عالم وديع لطفل, أي روح مسكونة هي روحه وأي قدر قدره ؟ قدر عبقري، رجل غير عادي من حاملي النار المقدسة من المعذبين السعداء.

كان علي الذهاب الى المتحف الوطني للفنون الجميلة لكون معظم القراءات والمحاضرات موزعة بين مقر الجمعية والمتحف. كنت قلقة بعض الشيء، فموعد قراءتي حدد في ساعة متأخرة من الليل. حضرت قصيدة "السبت » لألقيها باللغة العربية بناء على طلب الشاعر ألفاريس. حمدت الله على أنهم لا يفهمون العربية في حال أنني أخطأت بالضمة والفتحة ولكني نجحت في الا أخطي، احتراما لجهلهم واحتراما للقصيدة.

عدت الى الفندق مشيا على الأقدام, لتتذكر الطرقات وقع أقدامي.. الطرقات الطويلة المليئة بالمارة. كما يمتليء جسد فتي بالدماء. لاحظت شبههم بالايطاليين, أناقة مدروسة وعضلات تعب على صقلها. خليط بشري أوروبي الملامح, إذ نادرا ما قابلت هنودا حمرا ("أورغاي» كما يسمونهم) سيارات تتنفس الدخان, صفراء كالرمل, تأتيك من كل حدب وصوب, سائقوها يلتزمون الصمت. ولا عجب فلم أكن قادرة على محادثتهم فمن عادتي أيضا الثرثرة مع سائقي التاكسي، لهم ثقافة خاصة ويعرفون أشياء كثيرة, ثم إن الحديث خاصة انسانية, ودليل على احترام الآخر وأخذه بعين الاعتبار، لابد وأن أتعلم الاسبانية, لابد.

قرأت بعد عشاء أنيق مع الشاعر الاسباني وشاعر أرجنتيني.

"لا حب عندك

لكن جمالك يغمر بأعجوبته الزمن

فيك السعادة

كما الربيع في الورقة النضرة..

ولامتلائي بذلك الجمال كان بودي أن أصمت وأنا أقرأ القصيدة بلغة لم تكتب بها ولكنها جعلت منها قصيدة جميلة لا تقل جمالا عن الأصلية.

"في القاعة الصعبة تبحث

عزلتنا الواحدة عن الأخرى كالعميان

بعد المساء

يبقى بياض جسدك البهي

ثمة عناء في حبنا

يشبه النفس ".

(من كتاب "الأحلام المشرقية »)

وكنا جميعا في عزلتنا تنسجنا هذه القصيدة بخيط من الوصل, وكأننا روح واحدة, أم ربما لأننا روح واحدة ؟ (لن أبكي لأجلك.. أرجنتينا!).

19/8

في جمعية بورخيس الواقعة في شارع أنشوريناAnchorina   رقم 1660ألقت البروفيسورة سوزانا ويغمرني من جامعة فينيسيا محاضرة أعقبها فرناندو ردوريغيز من معهد سيرفانتيس في اسبانيا. بعدهما حان وقت الغذاء الجسدي. وكان في مطعم داخل مكتبة. أحب ساعة الأكل حين نجتمع جميعا. لا شيء مهما عدا الحاجة الحياتية الأحاديث الجانبية, النظرات الضائعة والمتلاقية, مسكة السكين لهذا أو لتلك, انحناءة الظهر.. كل هذا يجعل الوقت ثمينا، وكأنه طقس من طقوس العبادة.

تجولت في المدينة عقب غداء نباتي، مع أنني في مدينة اللحم. فاللحم الارجنتيني ذو سمعة لا تضاهيها سمعة لحم آخر. مررت بشارع قرطبة, وشارع فلوريدا، وكان تجوالي يقودني دائما الى العمود الأبيض الطويل الذي يفتخر به سكان بوينس ايريس, والذي لا يشبه من قريب أو بعيد المسلة الفرعونية في باريس ولا عمود سمعان في حلب. ولا عمود جوبيتر في بعلبك, كأنه مصنوع من كرتون ليس له علاقة بالمكان, ولكنه منتصب وشامخ. يا لها من رغبة ملحة وخالدة في اختراق السماء.

هذا المنظر أو ذاك,. هذه الرائحة. هذه الوجوه, لابد وأن تكون قد مكثت في ذاكرة بورخيس عندما ذهب الى أوروبا. فذاكرة بورخيس متيقظة وحافظة لدرجة مدهشة, وهذا ما كان يأمل أن يجده عندما عاد اليها في العشرينات. (كان يبحث بقلق ولكن ببقايا شك يطفو في رؤيته. كان عليه أن يلقي نظرة على أوروبا وأخرى على بوينس ايريس, كمدينة أمريكية مختلفة عن باريس ومدريد, بوصفها مدنا غير قابلة للتغيير أصبح وحيدا يدور في حناياها وساحاتها، طرقاتها وبيوتها، في تجوال عشوائي)(رودريغيز) "أحب بورخيس دائما بوينس ايريس القديمة, تلك التي كانت في القرن التاسع عشر، والتي ظلت مسمرة ومثبتة في لوحات أخته نورا»، (مونيفال).

وعدا عن مدينته التي تسكن أعماله كانت المرأيا، المتاهة, النهر, النمر، السيف هي الرموز المتكررة والمضادة أحيانا. والتي أصبح سجينا لها: "لقد سئمت من المتاهات والمرأيا والنمور وكل ما تبقى".

لكنني لم أسأم من تجوالي في شوارع المدينة, داخلة حاناتها متخيلة أن يورخيس يجلس مقابل الجميع. رجل واحد هو كل الرجال, وهذه واحدة من خصائص فكره, إذ نعثر في أمكنة كثيرة من أعماله على رفض الشخصية الفردية.

وفي قصة "شكل السيف " يقول على لسان شخصيته جون فينستانمون: "ما يفعله رجل واحد هو بالضبط ما يفعله كل الرجال, وشوبنهاور على حق حين يقول: أنا الآخرون, وأي رجل هو كل الرجال ".

كلما تعرفت على بورخيس تعرفت أكثر على الأقنعة والوجوه المتعددة التي كان يستعملها أو ينتحلها، مؤمنا أن الأدب ليس سوى لعبة, فنلعب معه بجد حتى تصبح اللعبة الحقيقة كاملة.

و.... لن أبكي لأجلك.. أر جنتينا!.

20/8

استيقاظ صعب, لم أحلم بالقرصان الأعمى, ولم أنقلب الى فراشة, ولم أصبح شهرزاد.

فطور طيب حيث ألتقي بنصف الشعراء, لأن النصف الآخر ينام في فندق آخر (هو متحف البوليس !). وكم يبدو عجيبا أن يتجمع شعراء في مكان كهذا، فمن ينسى الفترة الدكتاتورية التي مرت بها الأرجنتين, والحكم البوليسي الذي عانت منه ؟ مكان بارد، ديكور بني يلائم الذوق العسكري ولابد.

يقول مونيفال:«لقد عانى بورخيس كثيرا أثناء الفترة, إذ كان يكره بيرون. كان يمشي بخطوات عصبية. يقطع الشوارع المزينة بصورة الدكتاتور وزوجته الشقراء. كان يرى مدينته مهانة تحت وطأة الحاكم ». وأطوار معاناته هذه مسجلة في أعماله «الموت والبوصلة "، «الانتظار"، ثم "عيد الوحش » التي كتبها مع كازاريس. هذه العلاقة السيئة مع الحاكم أجبرته على أن يترك المكتبة الوطنية ليصبح مدير مزرعة للدجاج والأرانب.

والبروفيسور دوتورو لديه تفسير آخر لمواقف بورخيس السياسية: "الغريب في بورخيس هو ذلك الحس الانساني الذي يطبع كتاباته, رغم أنه كان يمينيا أكثر منه يساريا، لقد كتب يمدح بينوشيه, ولم يخف اعجابه بهتلر". ولقد كتب ذات يوم:«لقد عوملت ألمانيا بشكل سييء من قبل أعدائها. هذا السبب يعطيها الحق في أن تحرق وتدمر، وأن تغزو كل أمم أوروبا، والعالم كله ربما».

هذه التناقضات تجعل من بورخيس موضوعا للجدل والنقاش, ويوم وقع في يدي كتاب عن بورخيس واسرائيل صدمت نوعا ما، وحاولت أن أسأل فيما اذا كان من مؤيدي اسرائيل, وهل كانت مواقفه غامضة وازدواجية هذا أيضا، وللأسف لم أستطع الاطلاع على الكتاب لأنه باللغة الاسبانية قيل لي بأنه كتب قصيدتين عن اسرائيل: «اسرائيل الموجودة في الكتاب المقدس ربما».

خرجت من الفندق ومررت بالقرب من مبنى في غاية الجمال. زهري الحجارة وذي هندسة رائعة,هو مبنى "شركة المياه " أظنه من أجمل ما رأيت, ثم وجدت نفسي أمام المكتبة التي فيها قضى بورخيس حياته محاطا بأرواح الكتب... بأنفاسها... برائحتها خياله المبصر يتجول في رفوفها بدون تعب أو ملل.

حل موعد العشاء بعد المحاضرات التي لم أكن أفهم منها حرفا، والتي كنت أذهب لسماعها احتراما للجهد الذي يبذله الباحث من أجل كتابتها، واحترامي للدعوة التي وجهت الي بأن أشاركهم هذا المهرجان كان العشاء في مقر اتحاد الكتاب في شارع "مكسيكو" رقم 524. في منطقة شعبية وعلى ما يبدو أنه يشبه بيت بورخيس, وعندما شربت الماء فيه تذكرت مقطعا مضحكا قرأته ذات مرة عن طفولة بورخيس.

يقول, في رد على سؤال س.ف.مورينو: «قالت لي أمي: عندما نستأجر أو نشتري بيتا علينا أن نسأل إذا كانت هناك سلحفاة يردون علينا: طبعا أيها السيد اطمئن توجد سلحفاة, ذلك لأننا كنا نعتقد بأن السلحفاة كانت نوعا من المصفاة التي تأكل الحشرات. ولكن لم أتأخر حتى عرفت أن السلحفاة لا تنقي الماء بل توسخه بدورها. في مونتيفيديو كنا نسأل: هل هناك ضفدعة ؟ السلحفاة والضفدع كانتا هناك, أمي وأنا. شربنا ماء السلحفاة خلال سنوات طويلة. ولم نكن نقرف ».

هنا أيضا في هذا البيت يوجد متحف صغير لبورخيس, صوره وكتبه. كنا نقول بحسرة بأن الأهمية المعطاة لبورخيس في وطنه والعالم هي حلم كل مبدع, بل كل إنسان. ونادرا ما وجدت أحدا لا يسعى الى ذلك الحلم بطريقة أو أخرى. كأننا نريد أن نشبه أو نسرق خاصة من خصائص الآلهة: الخلود. تذكرت قصيدة للشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا، تأثرت بها كثيرا:

 مرت العربة في الشارع ثم غابت

والشارع لم يجد نفسه لا أكثر جمالا ولا حتى أكثر قبحا

 هكذا هو كل صنيع البشر في رحابة العالم

لا نأخذ شيئا.... ولا نضيف شيئا. إننا نعبر

وننسى

والشمس دوما في موعدها المحدد كل صباح

وعلى الرغم من قوله: "أعبر أيها العصفور / أعبر وعلمني العبور» إلا أن بيسوا أصبح خالدا... مثل بورخيس مثل أبي العلاء المعري، قررت أن أحتفظ بمسوداتي بأقلامي, بـ... فمن يدري؟!

21/8

صباح السبت م رحلة الى مدينة الـ"تيغر» Tiger  تشبه, كما قيل لي بفخر، مدينة فينيسا في ايطاليا, يحيط بها نهر، يتشعب فيها كالعروق, طقس بارد بل قارس يوم يشبه آخر يوم من شتاء رمادي مشمس. هواء يدخل العظم. تحدثوا عن شعر بورخيس, وعن أهمية نثره التي تفوق شعره, فتذكرت قول مونيفال بأن أفضل شعر بورخيس ذاتي بشكل مطلق, في صوره عن عالمه اليومي: "كل ما هو شعر حقيقي ينطلق عنده من تجاربه الذاتية حتى لو اتخذت أقنعة واستعارات ومقولات وعبارات أدبية سابقة "، ذلك كله على الرغم من أن بورخيس كان يردد: «ليس لي الادعاء بأنني شاعر. لست سوى رجل أدب. رجل يتحدث وليس رجلا يغني».

كان بوده أن يكتب شعرا مثل شعر شكسبير وويتمان, عودته الى الشعر سنة 1956 لم تغير هذا الموقف. وغزارة كتاباته الشعرية لم تجعله يعتبر نفسه شاعرا أكثر منه ناثرا، على العكس, إذ صرح في حوار مع ر. ليما: الجزء الأقل تلفا من نتاجي الأدبي هو الحكاية». هذا الرأي يشاطره به معظم قرائه وعندما سألني التليفزيون الأرجنتيني أي عمل أعرفه وأحبه من أعماله, وقلت شعره. بدا على محدثي أنه دهش كثيرا.

توقفنا بعد الغداء أمام نهر Ia Paita Riodel  الذي يفصل الأوروجواي عن الأرجنتين. عريض لدرجة لا تسمح برؤية الضفة الأخرى، لا يشبه بردى ولا أي نهر آخر. عندما وقفت على ضفافه شعرت أنني أسجد أمام قوة هائلة. الطبيعة لا يضاهيها التخييل إلا عند بورخيس. تابعنا المسير لزيارة متحف آثار خصصت أحدى غرفه الكبيرة للاقنعة, مجموعة غريبة, وكأنه لا يكفي قناع واحد لنسكن في إهاب أشخاص آخرين, كأنها كانت تتفحصنا, نحن الذين كنا نتفحصها. يقول مونيفال: «مثل مالارميه وويتمان خلق بورخيس كيانا موازيا لعمله الأدبي: شخصية الكاتب خورخي لويس بورخيس, خلفه يتخفى الممثل اللاتيني, مثله مثل الممثل اليوناني، يستخدم القناع من أجل اعطاء ملامح أوضح للشخصية. ذلك ما نراه في كتاب "بورخيس وأنا» الأكثر غرابة: "حياتي هروب, وأنني أضيع كل شيء وكل شيء يذهب الى النسيان أو الى الآخر. لا أعرف من منهما يكتب هذه الصفحة ». هذا القناع المزدوج الذي خلقه الكات