|
تعتبر
الترجمة حجر الزاوية في
كتابات خورخي لويس بورخيس.
فلم تكن الترجمة مجرد فن
زاوله الكاتب في شطر كبير من
حياته، بل كانت، كذلك من
موضوعاته أو مداراته
الأثيرة، التي شغل نفسه
بالتفكير فيها، كما كانت
الترجمة عنده عنصرا بنيويا
أساسيا في كثير من قصصه. ونريد
أن نتناول في هذه الدراسة
علاقة خورخي لويس بورخيس
بالترجمة، وأهمية الترجمة
في ابداعاته. وسوف نقسم هذه
الدراسة الى أربعة أقسام.
نعرض بالحديث في القسم
الأول منها لمجموع الترجمات
التي أنجزها بورخيس من لغات
أجنبية الى اللغة الاسبانية
شاملين المعروف من هذه
الترجمات على أوسع نطاق
والمهمل منها الذي يكاد
يكون مجهولا. كما سنتطرق
للظروف التي أنجزت فيها تلك
الترجمات ودوافعها. وسنستعرض
في القسم الثاني من هذه
الدراسة آراء بورخيس في
الترجمة وعملية الترجمة،
كما وقفنا على تلك الآراء في
المقالات التي وضعها الكاتب
والحوارات التي أدلى بها. وسوف
نبين في القسم الثالث أن
الترجمة تقوم عنصرا بنيويا
في كتابات بورخيس. ذلك أن
نصوص كاتبنا تلوح كأنها إما
ترجمة، أو ترجمة لترجمة، أو
مستلهمة من ترجمة، ففي كل ما
كتب بورخيس،. كانت نصوصه
تبدو كأنها نظائر من أصول
مبهمة، لا سبيل الى العثور
عليها، أو تظل مجهولة
الكتاب. فيما
سنركز نظرنا في القسم
الرابع والأخير من هذه
الدراسة على الترجمات التي
أنجزها بورخيس لكتاباته هو
نفسه بالاشتراك مع المترجم
نورمان طوماس دي جيوفاني،
وقد كانت آخر ما أنجز بورخيس
من ترجمات، ونحن نجد دي
جيوفاني قد وثق هذه
الترجمات توثيقا جيدا،
وأفاض في وصفها وشرحها، كما
كان لبورخيس نفسه نصيب في
ذلك. إن
تجربة بورخيس في ترجمة
نصوصه لتعتبر تجربة من
الخصوصية والفرادة، بحيث
ينبغي النظر اليها على أنها
ذات علاقة وثيقة بمفهوم هذا
الكاتب للابداع الأدبي. لقد
كان خورخي لويس بورخيس يصدر
عن مرجعية متعددة اللغات
والثقافات، فقد اكتسب اللغة
الانجليزية من جدته ذات
الأصل الانجليزي، ومن
والده، بشكل متزامن مع
اكتسابه للغة الاسبانية من
أمه، بحكم نشأته في مدينة
بوينس أيرس. وعندما استقر
بورخيس بعدئذ، في فرنسا
اكتسب اللغة
الفرنسية،واللغة
الألمانية واللغة
اللاتينية واللغة
الايطالية، ولقد كانت قدرة
بورخيس على تكلم الكثير من
اللغات والقراءة بها، كما
كان إيثاره اللغة
الانجليزية وميله القوي
اليها مما عاد عليه بقسم
كبير من سمعته وصيته
الأدبيين. وتعود
أول ترجمة أنجزها بورخيس
الى سن مبكرة جدا من حياته.
وقد كانت ترجمة لقصة أوسكار
وايلد "الأمير السعيد" The Happy
Princes" " الى اللغة
الاسبانية، نشرها في صحيفة El
Pais ويذكر بورخيس في سيرته
الذاتية "محاولة في السيرة
الذاتية» Autobiographical ,Essay أن
القراء نسبوا هذه الترجمة
خطأ الى والده. وبحكم
معرفة بورخيس الجيدة
باللغات، كان من المألوف أن
تطلب اليه المجلات الأدبية
التي كان ينشر فيها كتاباته
من قبيل , Sur و
Proa ترجمة بعض الأعمال
الأدبية لنشرها على صفحاتها. وكان
بورخيس يستقي نصوص ترجماته
من ثلاثة مجالات أدبية:
المجال الفرنسي، والمجال
البريطاني والمجال
الأمريكي الشمالي، فقد ترجم
من المجال الفرنسي مسرحية "
بيرزيفون " ,Persephone لأندريه
جيد، و "همجي في آسيا" Un Barbare en Asie
,لهنري ميشو،
وقصائد متفرقة لبعض الشعراء
الفرنسيين. وجميع تلك
الترجمات التي أنجزها
بورخيس من اللغة الفرنسية
كانت بطلب من دار النشر Sur.
ولقد أنجز بورخيس ترجمته
لمسرحية جيد في عام 1936،
حيث كان يجري عرضها يومئذ،.
في مدينة بوينس أيرس. وأنجز
ترجمته لكتاب ميشو في عام 1941
وقد كان ميشو، يومئذ، مقيما
في الأرجنتين، حيث أمضى
فترة الحرب العالمية
الثانية. وأما مترجمات
بورخيس من أشعار سوبيرفييل،
وفرانسيس بونج،وايديث
بواسونا فقد نشرها في أعداد
من مجلة. Sur خلال
أعوام 1940و 1947. وترجم
بورخيس من المجال البريطاني
روايتين كاملتين لفرجينيا
وولف، هما: «غرفة المالك
الواحد " ARoom of One's Own و"أورلاندو" Orlando, فقد
نشر ترجمة الرواية الأولى
في أعداد متتالية من مجلة Sur،
على امتداد عامي 1935و1936، ثم جمع
فصول تلك الترجمة، بعدئذ،
بين دفتي كتاب جعل عنوانه Un cuarto
proprio. أما رواية Orlando بورخيس
بترجمتها دفعة واحدة،
ونشرتها دار Sur في عام 1937.
وترجم بورخيس، علاوة على
ذلك، الصفحتين الأخيرتين من
رواية دجيمس دجويس "عوليسس Ulysses ,ونشرها في عام 1935 في مجلة Proa الصادرة
في بوينس أيرس. وأما
المجال الأمريكي الشمالي
فقد كانت له حصة الأسد من
ترجمات بورخيس. ولربما كان
السبب في ذلك أن بورخيس أنجز
تلك الترجمات في وقت أخذ
اهتمام الأرجنتين يتزايد
بالأدباء الأمريكيين، ولقد
أنجز بورخيس ترجماته من أدب
أمريكا الشمالية، النثرية
منها والشعرية، خلال أعوام 1931و1969.
فقد ترجم رواية وليم فولكنر
"النخل المتوحش " The Wild Palms في
عام 1940، ونشرها بعنوان Las Palmas Salvajes عن
دار Sudamericana. وترجم حكاية من
حكايات هيرمان ميلفيل
بعنوان "بارتليبي الكاتب
العمومي" Bartleby the scrivener"” من
مجموعته Piazza Tales The في
عام 1943، ونشرها بعنوان " Bartleby "عن
دار Emece كما صدرت
لبورخيس في عام 1949 عن منشورات Jackson
Editions في مدينة بوينس أيرس،
ترجماته لبعض من مقالات
ايمرسون وكراتيل، وقد جعلها
بورخيس في كتاب بعنوان "الرجال
الممثلون " Hombres representativos. . وفي
مجال الشعر الامريكي
الشمالي ترجم بورخيس قصائد
متفرقة لعدد من الشعراء،
نذكر منهم لانسكتون هاكس،
واي. إلـ ماسترز، وكارل
ساندبورغ، وديلمور شوارتز،
ونشر هذه الترجمات في مجلة , Sur
خلال أعوام 1931 و1944. كما ترجم
مختارات من أشعار بورخيس
لأشعار ويتمان في عام 1969،
وجمعها في كتاب بعنوان: "أوراق
العشب " Hojas de Hierba وتكاد
تكون ترجمة بورخيس لأشعار
ويتمان من الأحلام التي
راودته أمدا طويلا، فقد ظل
يقلب التفكير في مشروع تلك
الترجمة، وهو بعد صغير
السن، لكن لم يأت له تحقيق
هذا المشروع إلا في عام 1969 وهو
مقيم يومئذ في الولايات
المتحدة الأمريكية. وأغلب
الظن أن هذه الترجمة كانت هي
الترجمة الوحيدة التي
أنجزها بورخيس بمحض رغبته،
ومن دون أن تطلبها منه أية
جهة من الجهات. لقد
أتينا على ذكر المجالات
التي كان يمنح منها بورخيس
نصوص ترجماته. ويجدر بنا
الآن، أن ننتقل الى التأمل
في آراء بورخيس النظرية في
الترجمة وعملية الترجمة. إن
لبورخيس رأيا واضحا في
الترجمة، عبر عنه بوضوح في
دراسات، نذكر منها "الترجمات
الهوميرية " Las Versiones homericas" و" ترجمات ألف ليلة
وليلة" Los traductores de1001 noches as" " كما أعرب عنه في مقالات
وحوارات أخرى، بداية من
نصوصه الأولى، وحتى
الحوارات التي أدلى بها الى
دي جيوفاني في سنوات
السبعينات. ومفاد هذا الرأي
أنه لا ينبغي النظر الى
الترجمة وكأنها أقل شأنا من
الابداع الأصلي، كما ينبغي
التخلص من التصور التقليدي،
الذي يترجمه المثل الايطالي
الشهير،والذي يجعل الترجمة
خيانة محتمة للنص الأصلي.
فلا ينبغي أن يجعل المترجم
هدفه الأسس في الترجمة، في
نظر بورخيس، السعي عبثا الى
محاكاة الابداع الأدبي، أو
تقليده، بل أن يسعى بالأحرى
الى الاتيان بنص من ابداعه
وهو ما يعني أن الترجمة
تقوم، في نظر بورخيس،
مرادفا للابداع، فحيث إنه
لا وجود لاستنساخ تام، كما
لا وجود لمحاكاة تامة، وهذا
تصور دائم في أعمال بورخيس،
فلماذا نسعي عبثا الى تحقيق
ذلك الاستنساخ وتلك
المحاكاة في مضمار الابداع
الأدبي؟ ينبغي أن يكون
للمترجمين والمؤلفين نفس
الهدف لما يتعلق الأمر
بالابداع الأدبي. فلا ينبغي
للمترجم أن يحصر نفسه في
الترجمة الحرفية، بل يتعين
عليه أن ينحي الأصل جانبا،
كما كان بورخيس نفسه يحث دي
جيوفاني أن يفعل عندما كانا
يترجمان أعمال الأول. فالنص
لا يعتبر أصليا، في نظر
بورخيس، إلا من حيث كونه
أحدى المسودات الممكنة،
واحدي المراحل الزمنية في
الخلق الأدبي، تعارف الناس
على اعتبارها مرحلة نهائية،
ولا يعتبر النص أصليا بما
يحمل من أفكار وأحاسيس مما
يدخل في تكوين الالهام. إن
النص الأصلي نص قبلي، أي نص
قبل نص، وهو يسمح أن يكون
الابداع مستديما والالهام
متحققا من جديد في نص جديد
مكتوب بأداة لغوية مختلفة. ويميز
بورخيس بين ترجمة الشعر
وترجمة النثر. إذ ينبغي أن
تكون طريقة الترجمة موافقة
لنوع النص الأصلي. ولئن
كان ينبغي تحاشي الحرفية في
جميع الأحوال، فإنها قد
تنفع في ترجمة النثر
أحيانا،. لكن من المرجح
فشلها في ترجمة الشعر. ولما
كانت اللغة الشعرية ذات
طبيعة خاصة، فإن مقدار
الحرية والابداعية الذي
ينبغي للمترجم أن يجيزه
لنفسه عند ترجمته الشعر
ينبغي أن يكون أكبر مما لو
ترجم النثر. وقد تعرض
للمترجم بعض النصوص النثرية
أو الشعرية التي تشكل
ترجمتها تحديا كبيرا له،
وتكون بمثابة تحد قوي له،
بسبب من فرادة اللغة التي
كتبت بها، لا بسبب
الاختلافات اللغوية بين
السنن المترجم منها والسنن
المترجم اليه. فهذا النوع من
النصوص يمتلك خاصيات تضيع،
لا محالة في عملية الترجمة
لأن لغة النص الأصلي لغة
صميمة في ذاتها وان بورخيس
ليدافع عن هذه الفكرة، كما
تدلنا على ذلك ترجمته من
رواية دجيمس دجويس ,Ulysses فهو قد اقتصر على ترجمة
الصفحتين الأخيرتين من هذه
الرواية، لأن هذه الرواية،
بحسب قوله لا يمكن ترجمتها
برمتها. وعندما نقارن بين
ترجمة بورخيس وترجمة سالأس
سوبيرات، الذي ترجم رواية
دجويس بكاملها الى اللغة
الاسبانية، يتبين لنا مقصود
بورخيس من فشل الترجمة
الحرفية. فكثير من المقاطع
في ترجمة سالأس سوبيرات
يتعذر فهمها، رغم موافقتها
الحرفية للنص الأصلي، لأن
الحرفية كانت فيها قاعدة.
وأما بورخيس فقد أفلح في
ترجمته في عكس ابداعية النص
الأصلي وفرادته، بحيث فعل
باللغة الاسبانية فعل دجويس
باللغة الانجليزية. كما ذكر
بورخيس إن ترجمة من
الترجمات قد تفوق الأصل في
بعض الأحيان، وتبدو كأنها
صيغة أخرى منه قد فضلته
وفاقته. فعلى المترجم أن
ينجح في إعادة الامساك
بالالهام الذي يصدر عنه
النص الأصلي، وترجمته في
أسلوب رفيع. وقد يتفق كذلك،
أن يتسع السنن اللغوي الذي
يترجم اليه لإبداعية أكبر
مما اتسع له سنن اللغة
المترجم منها. إن ترجمة "كيخوط
" Quijot الى اللغة
الانجليزية هي، في نظر
بورخيس، أرقي مستوى من هذه
الرواية في أصلها الاسباني،
الذي وضعه سيربانطيس. وكذلك
كان اكتشاف بورخيس لقصائد
ويتمان مترجمة الى اللغة
الألمانية، ولقد كان أول
شغفه بها في صيغتها
المترجمة تلك. كما
عبر بورخيس عن أرائه
النظرية في الترجمة تعبيرا
غير مباشر في قصصه. فنحن نجد
الترجمة والمترجمين يلعبون
في قسم كبير من أعمال بورخيس
دورا أساسيا، يمكن تصنيفه
الى ثلاثة أصناف: الصنف
الأول، يكون فيه السارد
مترجما، يعمل وسيطا بين
القاريء والنص الأصلي، الذي
يكون، في العادة ضائعا أو
مجهولا، وبين أدبين وعالمين.
ولذلك فإن ما يقدمه بورخيس
لقارئه في هذا الصنف من قصصه
إنما هو ترجمة لنص آخر.
وتتغير طبيعة هذا الأصل من
قصة الى أخرى. فنص بورخيس في
قصة "تقرير برودي» "El informe de Brodie" وقصة
" أوندر» Undr" "
ترجمة لنص أصلي فيما يقدم
بورخيس نص "الطائفة
الثلاثون » "La secta de
los teinta" في صورة ترجمة لترجمة
أخرى. وفي
الصنف الثاني من قصص بورخيس
تكون الخاصية الأساسية
للسارد أنه مترجم، يزاول
الترجمة باعتبارها اختيارا
أو باعتبارها احترافا
وتعتبر قصة «لغز فيتزكيرالد» El
enigma de Fitzgerald" " أبرز مثال
لهذا الصنف. وأما
الصنف الثالث من نصوص
بورخيس، فنجد الترجمة فيه
عاملا حافزا للابداع
الأدبي، من حيث كونها مصدرا
لقصة بورخيس. فبعض من نصوص
الكاتب تستشهد بنصوص أخرى
مترجمة، أو تكون تلخيصا لها.
ومن الأمثلة على هذا اللون
من نصوص بورخيس قصته «البحث
عن ابن رشد» La busca de Averroes". ".
ويمكن أن يكون نص بورخيس
مستلهما من نص مترجم،
كالشأن في قصته "تعاويذ
الكيخوطي الناقصة " "Las magias partiales del
Quijote" وفي الانواع
ثلاثتها، تسهم الترجمة، بما
هي عنصر بنيوي في خلق
الازدواجية والغموض اللذين
يعتبران خاصيتين ملازمتين
لنصوص بورخيس. وسواء في
النصوص التي ترجمها بورخيس
أو في النصوص التي استلهمها
من الترجمة، فإن النص
الأصلي يظل دائما نصا مبهما
وغامضا ومهما قدم لنا
بورخيس نصه في صورة كأنه
أصل، فإن هذا النص لا يكون في
الحقيقة إلا نقلا متكررا عن
أصل آخر، أضاع بورخيس
هدايته ونهايته. وربما عثرت
الشخصية المركزية أو السارد
على النص الأصلي بمحض
الصدفة، واذا وجد ذلك الأصل
فهو يكون غفلا، لا يحمل اسم
كاتبه. واذا حمل توقيعا ما
فلا نقف فيه على معلومات
تدلنا عن مؤلفه. وفي جميع
الأحوال تتجلى المسافة
الفيزيقية كبيرة بين النص
الأصلي وترجمته، وهي مسافة
تبرز أهمية النص المترجم
وتؤكدها، وتجعلها فوق أهمية
النص الأصلي، فالترجمة تكون
أكثر واقعية وأكثر تحققا
وملموسية من أصلها. إن كل
إبداع، عند بورخيس، هو
إعادة ابداع، وكل نص هو نص
أصلي. إن الأدب يتولد من
الأدب، فالمؤلف ليس واحدا،
بل كثر، وكذلك هو المترجم. والقسم
الأخير من هذا البحث ننظر
فيه في الترجمات التي
أنجزها بورخيس في أواخر
حياته. إنها ترجمات وضعها
الكاتب لأعماله الى اللغة
الانجليزية، بالاشتراك مع
المترجم دي جيوفاني.إن
وضعية العمى التي عاش فيها
بورخيس معظم سني حياته قد
جعلته يكتب قسما كبيرا من
أعماله بالاشتراك مع أشخاص
آخرين، إما عن اختيار أو عن
اضطرار. وتعتبر ترجمة
المؤلف لأعماله بالاشتراك
مع آخرين مجالا بالغ
الأهمية جم الفائدة. أولا
لأن من النادر أن يترجم
المؤلف أعماله، ومن الأندر
أن يشترك المؤلف مع مترجم
آخر في انجاز هذه الترجمة.
وثانيا، لأن بورخيس، وان
اقتصر على تعليقات خاطفة
على عملية الترجمة، فإن دي
جيوفاني كان يصور عملية
الترجمة تلك، في مقالات
وحوارات كثيرة، مما كان
يسعفه على توثيق تلك
التعليقات. وقد
كان دي جيوفاني أول من بادر
بالتعاون مع بورخيس عندما
التقاه أول مرة في عام 1969، خلال
الزيارة التي قام بها
الكاتب الى الولايات
المتحدة الامريكية. ولقد
اتفق الرجلان على مواصلة
العمل في بوينس ايوس، بعد
عودة بورخيس الى بلاده. وتدخل
ترجمات بورخيس من أعماله
بالاشتراك مع دي جيوفاني في
مجالين اثنين، فلقد بدأ ذلك
المشروع بعد أن ترجم دي
جيوفاني عملا من أعمال
الكاتب جورجي كيلين، لفائدة
مجلة أمريكية. ولما اكتشف دي
جيوفاني بورخيس، لاح له أن
يترجم مختارات من قصائده
الى اللغة الانجليزية. ولم
يسهم بورخيس بصفة مباشرة أو
فعالة في هذا المشروع، ولقد
قام بهذا المشروع فريق من
الشعراء الامريكيين، منهم
من كانت له معرفة باللغة
الاسبانية، ومنهم غير ذلك.
وقد عملوا تحت إشراف دي
جيوفاني. وكان هذا الأخير
يضع ترجمة أولية الى اللغة
الانجليزية لتلك القصائد،
ويعيد ضبطها برفقة بورخيس
مسترشدا بتوضيحاته في شأن
معنى الأصل. ثم يقوم دي
جيوفاني بإرسال مسودة تلك
الترجمة الى فريقه من
الشعراء. فيضع هؤلاء
الترجمة الانجليزية على ضوء
تفسيرات بورخيس التي أمدهم
بها دي جيوفاني. ولئن كان
بورخيس لم يشترك مباشرة في
كتابة النصوص الانجليزية،
فقد استصوب منهجها، وزاد
على ذلك بتشجيعها، وتثمين
نتائجها بحيث لم يتردد في
التصريح، أحيانا أن تلك
الترجمة جاءت أجود من
ابداعاته في هيآتها الأصلية. وأما
ترجمة نصوص بورخيس النثرية
فكان إسهامه فيها أكبر من
اسهامه في ترجمة نصوصه
الشعرية. فقد كان يتدخل في
كثير من مراحل تلك العملية.
ولقد كان التمهيد لتلك
العملية بحوار بين المؤلف
والمترجم. وكان يجري في ذلك
الحوار تفسير لرسالة النص
الأصلي، يفضي إما الى ترجمة
أولية، أو ترجمة نهائية. كما
ساهم بورخيس في كتابة
الترجمة النهائية لتلك
النصوص، أو بالأحرى
إملائها، بما كان يقدم
للمترجم من نصائح وتوصيات
أخيرة لإدخال تغييرات على
الترجمة والتبديل فيها، أو
إعطاء موافقته الكاملة
عليها. وان
هذا العمل ليشكل بطبيعته
الخاصة وتقنيته الفريدة،
وجودة الترجمة التي جعلت
لنصوص بورخيس في اللغة
الانجليزية تجسيدا مثاليا
لعلاقة بورخيس بالترجمة. بل
إن هذا العمل ليكاد يشف لنا
عن بورخيس مترجما، ليس بحكم
الدور الذي لعبه في هذه
الترجمة، وهو دور، وان كان
بطبيعة الحال، أقل فعالية
من دوره في الترجمة التي
أنجزها بمفرده، إلا أنه
يكشف لنا عن وثاقة الصلة
القائمة بين مفهوم بورخيس
للكتابة ومفهومه للترجمة. ولقد
أبان بورخيس في عملية
الترجمة تلك، عن نشاط وحماس
منقطعي النظير. وكان ما أبان
عنه فيها من طاقة ابداعية،
واصرار على التحرر، دي
جيوفاني وهو، من نصوصه
الأصلية، ذا مغزى يفوق في
دلالته أيا من تصريحاته
النظرية في شأن الترجمة.
وبناء على ذلك، يكون بورخيس
كاتب النص الأصلي وكاتب
النص المترجم على حد سواء. لقد
كان بورخيس بحسب ما قال عنه
دي جيوفاني، يرحب
بالتغييرات ويشجع عليها، بل
لقد كان يصر على حذف مقاطع
كاملة من نصه الأصلي في
الترجمة، لأنه لا يجد معنى
لترجمتها الى اللغة
الانجليزية. كما كان يقبل
بإضافة عناصر لم تكن في هذا
الأصل. وكان بورخيس ودي
جيوفاني يصرحان في المقدمات
التي كانا يقدمان بها
ترجماتهما أنهما كانا
يهدفان الى كتابة ترجمة
تتسنى قراءتها وكأنها أصل
يجري مجرى طبيعيا. وكان
بورخيس يبدي رضا واغتباطا
كبيرين وانفعالا في الطور
الأخير، حينما يأخذ دي
جيوفاني في تلاوة نص
الترجمة عليه. إن ترجمة
بورخيس لكتابات بورخيس
لتعتبر أقصى أشكال إعادة
الابداع واعادة الكتابة.
وربما توقع المرء أن يحرص
المؤلف عند ترجمة ابداعاته
حرصا قويا على حماية هذه
الابداعات كما جاءت في
أصولها. وأما بورخيس فقد يجد
في ترجمته لأعماله فرصة
للابداع من جديد في هذه
الأعمال، لكي يتجاوز
بالالهام حدود النص الأصلي
المكتوب باللغة الاسبانية.
فلما كانت اللغة
الانجليزية، وهي _ في نظر
بورخيس أسمى سنن لغوي - أداة
مختلفة، فهي تسمح لذلك،
بالتعبير تعبيرا مختلفا،
بما لا ينبغي قسرها أو
ارغامها على محاكاة اللغة
الاسبانية التي كتب بها
النص الأصلي. إن
معظم نصوص بورخيس تكرر
نفسها، في موضوعاتها أو في
بنياتها. ولما كانت
الازدواجية واعادة الابداع
خاصيتين مميزتين لأعمال هذا
الكاتب كلها. فقد جعل ذلك
الترجمة تبدو قناعا آخر من
أقنعته الابداعية. لقد كانت
أصول كتابات بورخيس لا
نهائية، من حيث كونها تسمح
بإعادة كتابتها الى ما
لانهاية. ومن المرجح أن تكون
ترجمة بورخيس لكتاباته في
أخريات حياته، هي آخر خدعة:
فالمؤلف الأعمى يقرأ لنفسه،
ويصغي لنفسه وهو يقرأ،
ويعيد كتابة نصوصه بيد كاتب
آخر، وفي اللغة التي حلم
دائما أن يكتب بها أكثر من
أية لغة أخرى، إنه سحر
بورخيس الأدبي. إن
الترجمة تقوم أساسا لأعمال
بورخيس ولمفهومه الأوحد
للابداع الأدبي. ونختم هذه
الدراسة بقولة لبورخيس، قد
اشتملت في بضع كلمات، على ما
يمكن بسطه في 0 10 صفحة وزيادة: "إن
التشاؤم من الترجمة بدعوى
نقصانها ودونيتها - المتقيد
أصحابه بالمثل الايطالي
القديم - ليصدر عن تجربة
ناقصة. فليس ثمة نص جيد يظهر
ثابتا لا يقبل التغير،
ونهائيا وقطعيا إن نحن
تعاطيناه عددا كافيا من
المرات ".
المرجع: Borissonas,
E 1974 '"Paisaje crueg"(Buenos Aires) 222- 223. Borges,
J.L. 1970 The Aleph and Other Stories, 1933- 1969. New York E.P.Dutton.286pp. Borges,J.L.1985.
Prosa completa Barcelona:Editorial Brugea T 1.320 pp T.3.288 pp..T.4.192pp. Carlyle,T.1896.
On Heroes and Hero – Worship and the Heroic in History,London:Ward:Lock &Bowden Ltd.Wlll+335 pp Carlyle,
T&R.W. Emerson 1949.Hombres representatives.Bueneos Aires W.M. Hackson lnc.401pp. Giovanni,"At
Work With Borges,",The cardinal Points of Borges, ed by L.Dunhan. and I.Ivask, 647 0 678. Norman:University
of Oklahoma press. Di
Giovanni,N.T.D.Halpern, and F.Mac Shan, eds ,1973 Borges on Writing.New York: E.P Dutton. 173pp. Di
Giovanni,N.T.2969."On Tranlating with Borges". Encounter,(32-34)22-24. Emerson
R.W.1850. Represntative Men.Boston: Phillips,Samson&Co.285.pp. Faulkner,W. 1939. The Wild Palms. London:Chatto & Windus, 315pp. Theare
Paris:Gallimard. 368 pp. Gide,A 1942 Sur
(Buenos Aires) 7 - 33. ""Persephone Gide,A.1939 .
Joyce ,J.1922Ulysses.Pariw Shakespeare & Company. 732 pp. Joyce,J.1925
"La ultima hoja de Ulises"(6)8-9. Joyce,J.1945
Ulises.Buenos Aires: Santiago Rueda.XV+840pp &
Edwords- 431pp The Piazza Tales, New York Dix.1858 H.
Melville Buenos
Aires: Emece. 81pp. Melville,H.1943. Bartleby. Michaux,
H 1933. Un Barbare en Asie. Paris: Gallimard. 241 pp. 1941
Un Barbaro en Asia. Buenos Aires: Sur 200 pp.. Michaux, H Ponge,
F. 1967. Le parti pris des choses, precede de douze petits ecrits
et suivi de poemes. Pris: Gallimard233 Sur
(147-149)235-245. "Orillas de mar ," Det agu" "
Ponge, F.1947. Schwartz,
D. 1978. In Dreams Begin Responsibilities and Other New
York: New Directions publishing Company, Stories. XX
1 +202pp. Suenos
empiezan responsabilidades' Sur Schwartz, D. 1944. "En (113-114)202
212. 1974.
Choix de poemes, Paris: Gallimard.324pp Superville J 1940
Sur (75) 48 - 51.. Supervielle,J Whitman,
W. 1975. Leaves of Grass. New York Penguin Books. Publishing
Compagny 896 pp. Whitman,1969.
Hojas de hierba. Buenos Aires Editorial Juarez. 165
pp. Woolf.
V. 1929 Room of One's Own. London: Hogarth Press. 172 pp. pp..
Woolf,V 1936. Un Cuarto proprio. Buenos Aires:Sur 132. Woolf,1828
Orlando , Biography London: Hogarth Press 249pp. Woolf,
V. 1937. Orlando una biagrafia. Buenos Aires: Sur l937. 323pp العنوان
الأصلي للمقال Jorge
Luis Borges and Translation لصاحبه:
Dr. Dominique M. Louisor المصدر:
Bobel, vol.4l,n- 4, 1995. pp. 209 -215 |
|
|