كتاب
اللاطمانينة

نص : فرناندو بيسوا
ترجمة وتقديم : المهدي أخريف
(شاعر  ومترجم من المغرب)


لاشك في أن ظهور "كتاب اللاطمأنينة" لفرناندو بيسوا في طبعته الكاملة للمرة الأولى في لغته البرتغالية الأصيلة في لشبونة عام 1982، قد سد شفرة أساسية (1) في معرفتنا بواحد من أكبر شعراء العالم في هذا القرن وفي كل العصور. قبل هذه الطبعة كانت معرفتنا بهذا الكتاب النثري الفريد جزئيا لا تتجاوز بعض النصوص والشذرات، وحتى الطبعة المشهورة من الكتاب قبل هذا التاريخ، وهي طبعة أبورطو التي ظهرت 1961 تحت عنوان "صفحات مختارة " لم تحو سوى مقاطع محدودة لا تشكل من المجموع الأصلي للكتاب سوى نسبة ضئيلة، ومع ذلك فعليها تم الاعتماد في كافة الترجمات التي أنجزت الى اللغات الأوروبية من الستينات حتى مطلع الثمانمنات من" كتاب اللاطمأنينة ".

معروف أن بيسوا (1888- 1935) كان قد نشر في مجلة AAguia  نصا نثريا معنونا بـ"في أريكة الانخطاف" سيقال بأنه يكون جزءا من "كتاب اللاطمأنينة " الذي كان قيد الانجاز. حينئذ كان بيسوا كاتبا شابا معروفا على نطاق محدود، ولم يكن قد نشر وقتها غير سلسة مقالات في مجلة AAguia  حول الشعر البرتغالي. وقبل عام من ظهور المقال المشار اليه. كان بيسوا قد صرح باحتمال كتابته لسلسلة قصائد باسم شاعر مختلق يدعى ريكاردو رييس، الذي سيغدو أكبر من مجرد اسم مستعار ليبسوا. سيغدو أنا آخر فيه ونديدا له، أي شخصية تمثل دورها داخل مسرح من الشخوص بدلا من مسرح الوقائع أو الفصول، شخصية مستقلة في تفكيرها ومزاجها عن خالقها نفسه،. لكن في عام 1914 لن يكتفي بيسوا بإخراج ريكاردورييس وحده الى حيز الوجود الأدبي بل سيخلق معه والى جانبه وباستقلال عنه شاعرين نديدين مختلفين عنه أوضح ما يكون الاختلاف في الشخصية والأسلوب الشعري، هما البيرطو كاييرو والبارودي كامبوس، ولسوف يجد نفسه مقودا، بالقوة الرمزية الفعلية لهذه الشخصيات في داخله، الى إدارة لعبة ظهور أنداده الشعريين هؤلاء على مسرح الابداع الشعري والأدبي، مطورا ومعمقا مساره ومساراتهم في نفس الوقت الذي حافظ فيه على لعبة توليد وتعديد أشباهه وأقنعته وتوارياته المدوخة خلف عشرات الأسماء المستعارة.

وفي تلك السنة بالذات، سنة ظهور الأنداد الثلاثة الكبار، ظل بيسوا يعتبر "كتاب اللاطمأنينة " كتابه الخاص هو كفرناندو بيسوا، يتضح ذلك من خلال رسائله الى الشاعر Azoriano ,Armando Cortes  الدالة على وضعه النفسي المأزوم والكاشفة عن الكيفية المتقطعة التي كان بيسوا يشتغل بها بسبب ما أسماه «الوضع الراهن للاكينونة » ذلك الوضع الذي أجبره على الاشتغال كثيرا وبدون رغبة على. الكتاب، " لكن كل شيء كان عبارة عن مقاطع، مقاطع، مقاطع" حسب قوله.

ومنذ ذلك التاريخ لم يتوقف بيسوا قط عن كتابة الشذرات والمقاطع تلو الأخرى من كتابه المدهش وان بطريقة متقطعة جدا. ويبدو أن سنة 1929، حسب Angel Crespo  أنخيل كريسبا وآخرين، ولو أن القرائن المقدمة غير كافية. كانت السنة التي استعاد فيها بيسوا حماسه لمواصلة الكتابة بإيقاع أكثر كثافة وغزارة وفيها أيضا اختلق شخصية برنارد سوارش الذي تسبب له في مشاكل وتعقيدات عديدة فيما يخص نوعية العلاقة القائمة بينهما، هل هو أنا آخر له، نديد أم نصف نديد، أم مجرد شخصية أدبية، وكذلك فيما يتعلق بالأسلوب وطريقة الكتابة والمنهاج المتبع في الكتاب.

إن الصعوبات التي واجهت بيسوا في سبيل تحويل مؤلف الكتاب "برنارد سوارش " الى نديد له، تتمثل، بدون أدنى شك، في شكل اليوميات المتقطعة الحميمة الذي ميز كافة شذرات اكأب تقريبا، ولعل من شأن الفحص الدقيق لهذه الشذرات أن يظهر. يقول أنخيل كريسبو. أن شخصية سوارش إنما تم اختراعها لاحقا، فالا شارات والشذرات المتصلة بمبنى شارع Los Doradores  او بالموظف برنارد سوارش تبدو مكتوبة بالأسلوب الأنضج والأكثر تطورا لهذا العمل، مما يسمح بالتفكير، بدون أي تحرج من الوقوع في الخطأ، بأنها قد كتبت خلال العقد الأخير من حياة بيسوا.

لا أريد التطرق الى الصعوبات المتعددة الأوجه التي واجهها محققو "كتاب اللاطمأنينة » ومخرجوه الى الوجود في نصه المكتمل. فلذلك قصة طويلة تبدأ مع نهاية الأربعينات ولها أبطالها وشهودها وفصولها التي لم تنته حتى بعد وصول الكتاب الى القراء. حسبي أن أشير الى أن الجانب الأبرز من هذه الصعوبات يتمثل في افتقار مخطوط الكتاب الذي وجدت أوراقه موزعة على تسعة أغلفة، الى أي نوع من التنظيم والترتيب، وفي غموض الخط وسريته وحميميته في الكثير من الشذرات التي خلا أغلبها من التواريخ مما دفع المحققين الثلاثة للكتاب الأصلي الى اخضاع مقاطعه الى ترتيب موضوعاتي متدرج وعاد يحافظ على "غفلية " المادة ويترك الباب مفتوحا لاجتهادات. القاريء وتعدد قراءاته وتأويلاته.

إن "كتاب اللاطمأنينة" ليس بيوميات باطنة تسجل أدق وأعمق الخلجات لكائن متفرد وحسب بل هي أسفار وحفريات في مجاهيل المعلوم ولا واقعية الواقع وهي أيضا تقليب غريب عجيب للمفهومات والمنظورات والمواقع داخل الذات /الذوات، من خارج المنطق المألوف وضرورات الفكر والواقع، الخ وفي تناقض وتنابذ لا علاج له مع الخارج / الآخر، ومع الأنوات الأخرى المقيمة في الداخل كذلك.. لا مهادنة ولا ساكنة ولا يقين ولا حنين لا صمت ولا صراخ.. اللاطمأنينة إذن أو الكينونة في مستوى الة كينونة بعباراته هو.

اشارات

- على أن أقدم امتناني للأستاذة كارمن روبيو مينينديث للمجهود في الذي بذلته وتبذله معي بدافع العشق البيسوي في مقارنة الترجمة الاسبانية بالنص الأصلي في لغة البرتغالية.

- أفدت في هذا التقديم من المقدمة التي من وضعها أنخيل كريسبو للترجمة الاسبانينة.

- بدل الترقيمات التي اختارها المترجم الاسباني لتمييز وتعلم اشذرآت فضلت وضع عناوين مستوحاة من الجو الدلالي للمقاطع والشذرات.

- الهوامش الواردة في هذه المختارات هي من وضع المترجم الاسباني الذي استقى أغلبها من الهوامش التي وضعها محققو النص الأصلي في لغته البرتغالية.

- الهوامش المضافة من جانبي تم التنصيص فيها جميعا للتمييز على " المترجم العربي".

انجزت الترجمة عن الاسبانية من:

Fernando Pessoa    

Libro del Desasosiego 

Tradiceion del portuges

Organizacion, Introducion y notas de Angel Crespo

Seix Barral, Biblioteca Breve. Barcelona1984

توطئة

يوجد في لشبونة نوع من المطاعم أو بيوت الأكل الواقعة في طابق أول، فوق دكان له شكل حانة محتشمة. ذي ملامح منزلية ثقيلة لمطعم منزو في مدينة صغيرة لا يصلها قطار. في ذلك الطابق، أو الطوابق القليلة الرواد، باستثناء أيام الآحاد من المتواتر اللقاء بنماذج مستطلعة بوجوه لا تقف عندها العين، من النمط العائش على هامش الحياة.

خلال فترة معينة من حياتي, قادتني الرغبة في الهدوء والاسعار الملائمة الى ان أغدو  واحدا من زبائن تلك المحلات. وقد اعتدت اثناء تناولي وجبة عشائي في السابعة، القاء بشخص أضحي مصدر اهتمامي شيئا فشيئا بعد ان لم أعره أي اهتمام في البداية.

في الثلاثين من العمر كان يبدو نحيلا،أقرب الى الطول منه الى القصر. يبدو محدبا جدا في حال جلوسه اكثر مما في حال وقوفه. ثمة ما يوحي بعدم اكتراث نسبي لديه بهندامه. على وجهه الشاحب الخالي من أي ملامح مثيرة إمارة معاناة لم تضف عليه اي طابع مميز، إذ بدا من الصعب تعيين نوع المعاناة الذي تنبيء عنه تلك الامارة، ربما كانت دالة على صنوف من الحرمان والقلق وعلى تلك المعاناة المتولدة من اللامبالاة الناجمة عن التمرس الطويل بشتي صفوف المعاناة.

كان دائما يكتفي من عشانه بالقليل، وينهيه بتدخين لفافة من تبغ مليف. كان يراقب الاشخاص الموجودين حواليه بطريقة عجيبة غير مريبة وباهتمام خاص. لم يكن يدقق النظر فيهم، وانما يراقبهم بدون أن يمعن النظر في ملامحهم او يتفحص محللا تعبيرات أمزجتهم، كان هذا الجانب الاستطلاعي الفضولي لديه هو أول ما أثار اهتمامي به.

اصبحت اراه بصورة أفضل. تنبهت الى وجود سمة من ذكاء تزكى بكيفية ملتبسة اساريره. بيد ان خمود المهمة والغم الفاتر ظلا يخفيان حقيقة مظهره الذي يصعب أن يستشف منا اي ملمح مميز.

علمت بالصدفة بواسطة أحد نادلي المطعم، انه كان يعمل مستخدما تجاريا في ضيعة قريبة من هناك.

ذات يوم جرت اسفل النوافذ مشهد ملاكمة بين شخصين. كل من مكان موجودا فوق، اسرع الى النوافذ، وانا بدوري فعلت الشيء نفسه وكذلك الشخص الذي احدثكم عنه. تبادلت معه جملة عرضية، وأجابني بنفس النبرة. صوته كان مبحوحا ومرتجفا، هو صوت اولئك الذين لا يتوقعون شيئا لأنه من غير المجدي توقع شيء. لكن ما كان من المعقول، بفعل الصدفة إيلاء اهتمام خاص برفيقي المسائي في المطعم.

لا أدري لماذا بدأنا نتبادل التحية منذ ذاك اليوم، وذات يوم وبفضل لقائنا الصدفوي على طاولة العشاء في وقت متأخر من حوالي التاسعة والنصف، انخرطنا في محادثة عفوية. وعند مستوى معين من الحديث سألني ان كنت امارس الكتابة. أجبت بالايجاب. حدثته عن مجلة "أورفي " (2) التي لم يكن قد مضى وقت طويل على صدورها. اثني عليها، كثيرا مما دفعني الى مصارحته باندهاشي لأن الأدب المكتوب في "أورفي " موجه للقلة فقط. وأضاف معلقا بان ذلك الأدب ينطوي على حسب رأيه على جدة حقيقية ؛ وبخجل قال إنه اعتاد – لكونه لا يعرف أين يتجه ولا ماذا يعمل، ولانعدام أصدقاء،يزورهم، وقلة اهتمام بقراءة الكتب - اعتاد أن يستهلك لياليه في غرفته المكتراة في الكتابة أيضا.

فصل أول عندما جاء الجيل الذي انتمى اليه الى الوجود لم يجد أي سند عقلي أو روحي، ذلك أن العمل الهدام الذي قامت به الأجيال السابقة لنا. جعل العالم الذي ولدنا فيه مفتقرا الى الأمان الديني. والى الدعم الأخلاقي، والى الاستقرار السياسي، لقد ولدنا.إذن في أوج القلق الميتافيزيقي. في أوج القلق الروحي، وفي أوج اللاطمأنينة السياسية. الأجيال التي سبقتنا لجأت متخمة بالصيغ الخارجية وبالمسائل البحتة للعقل والعلم، الى الاطاحة بكافة أسس الأيمان المسيحي, لأن نقدها للكتاب المقدس، بانتقاله من نقد النصوص الى النقد الميثولوجي، حول الاناجيل والعهد القديم لليهود الى ركام مشكوك فيه من الأساطير والخرافات ومن الأدب المحض،أما نقدها العلمي فقد دل بالتدرج على الأخطاء وعلى السذاجات الهمجية لـ" العلم " البدائي للأناجيل، وفي الوقت نفسه فإن حرية الجدل التي أخرجت الى النقاش العلني سائر المعضلات الميتافيزيقية، سحبت معها أيضا´ كل القضايا والمشكلات الدينية المنتمية الى الميتافيزيقا. لقد انتقدت تلك الأجيال، ثملة ومتيمة بما أسمته«الوضعية " كافة الأخلاقيات، وقلبت كافة قواعد الحياة. ومن صدمة تلك المعتقدات لم يبق سوق يقين زوالها بالكامل. إن مجتمعا مقوضا في نظامه وأسسه الثقافية لم يكن بقادر على أن يكور شيئا آخر بالطبع، سور ضحية للانظامية شك، وكذلك جرت الأمور كما لو أننا أيقظنا عالما متعطشا الى الجديد الاجتماعي. سيمضي ذلك الجيل مبتهجا بتحقيق حرية لم يعرف كنهها، وتقدم لم يتمكن قط من تحديد ماهيته.

لكن إذا كان النقد الابتذالي لآبائنا قد أورثنا استحالة أن نكون مسيحيين، في فإنه لم يورثنا بالمقابل، الرضا بذلك، إذا كان قد أورثنا عدم الايمان بالصيغ الاخلاقية المتحققة، فإنه لم يورثنا اللامبالاة تجاه الأخلاق وتجاه قواعد العيش الانساني، إذا كان قد ترك المشكل السياسي بدور حل. فهو لم يدع روحنا لامبالية إزاء كيفية حل ذلك المشكل.

لقد قوض آباؤنا ما قوضوا بفرح.لأنهم عاشوا في لحظة كانت ما تزال محتفظة بانعكاسات من صلابة الماضي الذي أطاحوا منه بما يهب المجتمع القوة حتى يتمكنوا من الهدم بدون أن يشعروا بتشققات البناء. نحن إنما ورثنا الهدم ومخلفاته.

عالم اليوم هو عالم البلهاء وعديمي الاحساس والمهيجين. الحق في العيش وفي النجاح يتم اليوم بنفس المبررات التي يتم بها الحجز في مصحات الأمراض العقلية.

سلالة النهاية

انتمي الى جيل ورث الارتياب تجاه الايمان المسيحي خالقا في ذاته الكفر بكل أنواع الايمان. آباؤنا مازالوا يمتلكون الباعث الايماني الذي نقلوه من المسيحية الى أشكار أخرى من الوهم. بعضهم كان من المتحمسين للمساواة الاجتماعية. بعض منهم اقتصر على عشق الجمال لذاته. بعض آخر أودع ايمانه في العلم ومنافعه، وثمة آخرون، أكثر مسيحية. مضوا يبحثون في مشارق الأرض ومغاربها عن أشكال تدينية أخرى لتلهية الوعي الذي سيغدو مجوفا بدونها في تجربة العيش الخالص. هذا كله فقدناه نحن، ومن كل هذه التعزيات والبلاسم ولدنا يتامى. كل حضارة تتبع الخط الخاص للدين الذي يمثلها: الانتقال الى أديان أخرى يؤدي الى اضاعة هذا الدين، والى اضاعة الأديان كلها في النهاية.

أما نحن فقد فقدنا هذا الدين منذ البداية وانتهينا الى الاستسلام لذواتنا الفردية، داخل وحشية الاحساس بالحياة. إن المركب، أي مركب هوأداة هدفها الابحار. بيد أن الغاية الفعلية ليست هي الابحار. وإنما الوصول الى ميناء. نحن وجدنا أنفسنا مبحرين. فاقدين لفكرة الميناء الذي علينا أن نرسو فيه. وهكذا أنجبنا، داخل الجنس الانساني الموجوع، الوصفة المغامرة للأبطال الأسطوريين، الابحار ضرورة، العيش لا.

بلا أوهام نعيش بالكاد من الحلم الذي هو وهم من لا قدرة له على امتلاك الأوهام. وباقتياتنا من ذواتنا نزداد ضالة، لأن الانسان الكامل هو الانسان المتجاهل، وبافتقادنا للايمان أصبحنا نعيش بدون أمل. ويفقداننا الامل لم تعد حياتنا نحن هذه التي نحياها. ومع افتقارنا لأي فكرة عن المستقبل أصبحنا فاقدين لأي فكرة عن الحاضر، شأن الحاضر بالنسبة الى رجل الفعل ليس سوى مدخل للمستقبل. معنا ميتة ولد طاقة الكفاح، لأننا ولدنا محرومين من حماسة الصراع. البعض منا

سجنوا أنفسهم في مجرد امتلاك ما هو يومي، مبتذلين صغار يلهثون وراء خبز كل يوم، راغبين في الحصول عليه بدون فعل محسوس، بدون الوعي بالمجهود المبذول. بدون نبالة ما ينال. آخرون من طينة أفضل: انسحبوا أو لنقل انسحبنا من الانشغال بالشأن العمومي. بدون أن نرغب في شيء ولا أن نطمح الى شيء. محاولين حمل صليب وجودنا الى جلجلة النسيان، مجهود لا طائل وراءه بالنسبة الى من لا يملك مثل حامل الصليب، محركا إلاهيا داخل وعيه.

آخرون استسلموا بانشغالهم بما يقع خارج الروح، للصخب والفوضى، يحسبون أنهم يحيون إذ يتبادلون الانصات. ويحسبون أنهم يجربون الحب عندما يقعون في قشوره. يؤلمنا العيش لأننا نعلم أننا نعيش، الموت لا يخيفنا لأننا فقدنا المفهوم المعتاد عن الموت.

غير أن آخرين من سلالة النهاية، الحد الروحي للساعة الميتة، لم يمتلكوا قسمة الرفض ولا الملاذ في ذواتهم، ما عاشوا في النفي والانكار والغم، لكننا عشناه ه في الداخل، بلا اشارات منبهة محبوسين دائما، على الأقل فيما يتطور بنوع الحياة، بين الجدران الأربعة للغرفة والجدران الأربعة لانعدام المعرفة بالفعل.

إرادة ميتة يهدهدها التأمل

أحسد - لكن لا أعرف إن كنت أحسد حقا - أولئك الذين يمكن أن نكتب عنهم بيوغرافيات، أو بإمكانهم هم كتابة سروهم الخاصة، في هذه الخواطر المفتقرة الى الترابط والى الرغبة في أي ترابط، أسرد بلا اكتراث سيرتي الخالية من الأفعال، تاريخي الذي بلا حياة، إنها اعترفاتي الخاصة. وإذا لم أقل فيها شيئا ذا قيمة فلأنه ليس لدي ما أقول. ما قيمة اعترافاتنا وما جدواها؟ ما حدث لنا. وما يحدث للجميع أو لنا وحدنا فحسب هو مجرد حدث عرضي، وليس بشيء جديد، كما أنه ليس مما يقبل الفهم، إذا كنت أكتب ما أحس فلأنني بفعل هذا الكتابة أخفض من حمى الاحساس. ما أحكيه لا يكتسي أي أهمية. إذ ما من أهمية لشيء. إزاء ما أحسه أخلق مشاهد عديدة، أجعل من الأحاسيس احتفالات خاصة. بفضل المرارة وحدها أتفهم جيدا النساء المشتغلات بالتطريز، اللاتي يصنعن غرزات التطريز تلو الغرزات لأن الحياة موجودة. خالتي العجوز تتسلى بلعبة الورق المنفردة الى ما لانهاية للسهرة هذا الاعترافات الاحساسية هي ألعاب الورق المنفرد الخاصة بي، وأنا لا أدونها كمن يقرأ حظه من خلال ورق اللعب، لأن الأوراق في لعبة الورق المنفردة لا قيمة لها بذاتها، ألقي بنفسي على الطاولة مثل كبة غزل متعددة الألوان، أو أصنع مني أصنافا من خيوط تشبه تلك التي تحاك بين الأصابع الممدودة لتنتقل من مجموعة أطفال الى مجموعة أخرى، منشغل أنا فحسب بالا يخبل إبهامي العقدة الخيطية المتصلة به. بعد ذلك أسحب يدي، فيغدو المشهد مختلفا، وأعود لأبدأ من جديد.

أن تعيش معناه أن تضع الغرزة تلو الغرزة بنفس قصدية الغير، لكنك، ما إن تنهمك في وضعها حتى يغدو الفكر حرا، وكل الأمراء السعداء يمكنهم التفسح في حدائقهم وسط غررات الابرة العاجية للمنقار المعكوس.. تطريزة الابرة المعقوفة للأشياء.. فاصل.. لاشيء.

بالنسة الي ما تبقى

ما الذي بإمكاني الاعتداد به ؟.. أحاسيس مروعة، إدراك عميق بما أحس، مع توقد ذهني حاد موجه لتدمير الذات.. ثمة طاقة حلم رغبتها في تعزيتي تزداد شراهة.. ثمة ارادة ميتة يهدهدها التأمل، بين الغرزة والغرزة، مثل طفل حي.. أجل، غرزة ابرة معقوفة.

لو كان العالم ملك يدي

رابط الجأش، أواجه حبسي الدائم لحياتي في شارعLos Doradores   (3) هذا، في نفس هذا المكتب بين هؤلاء الناس حيث أعيش بالقليل المتاح لي، وحيث المحدود من الفضاء الحر المتاح في الزمن لي كيما أحلم، أكتب - أنام -، وما الذي بإمكاني أن ألتمسه أنا من الآلهة أو أتوقعه من القدر؟

كانت لدي طموحات كبيرة وأحلام واسعة، لكن الحمال ومتعلمة الخياطة كذلك كانت لديهما نفس الأحلام، لأن الأحلام مشاع للجميع: ما يجعلنا متمايزين هو القدرة على تحقيقها أو قدرة تحققها فينا، في الحلم نحن سواء متعلمة الخياطة والحمال وأنا، ما يميزني عنهما هو معرفتي بالكتابة التي هي فعل خاص بي، على مستوى الروح نحن سواء حسنا أعرف أن هناك جزرا في الجنوب وعشقيات كونية كبيرة و(...) (4).

لو كان العالم ملك يدي لغيرته،وأنا متيقن مقابل تذكرة Los  Doradores.

ربما كان مقيضا لي أن أظل محاسبا الى الأبد. أما الأدب والشعر فهما بمثابة فراشة كلما كانت أجمل وأبهي بدوت أكثر إثارة للسخرية بفعل حومانها فوق راسي.

سأحس بكل اشتياقي Moriera,  (5). لكن ما الذي تعنيه الاشتياقات أمام المعارج الكبرى؟

أعلم جيدا أن اليوم الذي سأغدو فيه محاسبا(6) في إدارة فاسكيز سيكون من الأيام المجيدة في حياتي، أعلم ذلك بتكهن استباقي مرير وتهكمي لكنني أعلمه بالامتياز العقلي لليقين.

الباطرون فاسكيز

الباطرون فاسكيز،أشعر، أحيانا كثيرة، على نحو غير قابل للتفسير بالنوم المغناطيسي للباطرون فاسكيز. ماذا يمثل ذلك الرجل بالنسبة الي عدا كونه المتحكم في أوقاتي، يعاملني بصورة جيدة، أثناء فترات نهارية معينة. يحادثني بلطف باستثناء لحظات مفاجئة من قلق مجهول يعتريه وحينئذ لا يحادث أحدا بلطف. أجل. لكن لماذا يهمني أمره ؟ أهو رمز أهو باعث، ما هو؟

الباطرون فاسكيز، سأتذكره جيدا في المستقبل بالحنين الذي أعلم أن علي أن أحسه حينئذ، سأكون مطمئنا في منزل صغير في ضواحي مكان ما، مستمتعا بالطمأنينة التي لن أقوم خلالها بالعمل الذي لا أقوم به الآن، ولسوف أبحث، لكي أواصل عدم قيامي به، عن التبريرات المختلفة التي اتفادي بها مواجهة ذاتي نفسها اليوم. وإلا فسأكون محتجزا في مأوى للمتسولين، سعيدا بالفشل التام، مختلطا بشاكلة من توهموا أنفسهم عباقرة وما كانوا بأكثر من شحاذين ذوي أحلام، مع ذلك الحشد الغفل ممن لم يمتلكوا القدرة على النجاح ولا التناول الأريحي للنجاح المعكوس. كائنا حيثما كنت سأتذكر الباطرون فاسكيز بنوسطالجية، سأتذكر مكتب شارع Los Doradores  ورتابة الحياة اليومية ستغدو بالنسبة الي كما لو كانت ذكرى غراميات لم أحظ بها أو نجاحات لا ينبغي أن أحظى بها.

الباطرون فاسكز، من هنآك أراه اليوم، كما أراه من هنا بالذات - قامة متوسطة، ربعة عاد متزن وعاطفي، صريح ومراوغ، لطيف وفظ - إنه الرئيس - بصرف النظر عن ماله، بيديه المشعرتين والمتمهلتين بأوردته المعلمة كعضلات صغيرة ملونة، بالرقبة الممتلئة لكن غير الغليظة، والخدين الملونين الصافيين في الآن ذاته، تحت الذقن الحليقة دائما في الوقت المناسب.

إنني أراه، أرى عينيه، عيني المتسكع النشيط، العينان اللتان تتأملان أشياء الخارج نحو الداخل، أتلقى بلبلة مصادفته،هنا، بدون رغبة فتبتهج روحي لابتسامته، ابتسامة واسعة وانسانية مثل تصفيق جمهور.

ذلك يحدث ربما لأنه لا وجود لوجه أهم من وجه الباطرون فاسكيز بجانبي، مما جعل هذا الوجه العادي وحتى المبتذل يوقعني في حبائله مرارا، ويلهيني عن نفسي ذاتها. أعتقد أن في الامر رمزا أكيدا. هذا الرجل مثل في حياتي شيئا أهم مما هو علية اليوم.

الزهو اللامجدي

أحيانا عندما أرفع الرأس الأرعن عن الكتب التي أدون فيها حسابات الغير، مدونا غياب الحياة نفسها، أشعر بغثيان فيزيقي، قد يكون ناجما عن طول انحنائي، لكنه غثيان يفوح بالأرقام وانجلاء الأوهام، تقرفني الحياة مثل دواء لا نفع فيه، أحس حينئذ من ظلال رؤى بالغة الوضوح كم سيكون سهلا أن أبتعد عن هذا الضجر لو كنت أمتلك ببساطة قوة الرغبة في الابتعاد عنه بالفعل.

بفضل الفعل نحيا نحن، أي بفضل الإرادة والعجز يؤاخينا مع من لا نعرف كيف نحب، عباقرة كنا أم شحاذين. ماذا سيفيدني أن أدعي عبقريا إن كنت مجرد مساعد حسابات ؟ عندما عمل ثيساريوفيردي(7) على أن يطلقوا على الطبيب الذي كان لا السيد فيردي المستخدم التجاري، وانما الشاعر ثيساريو فيردي، فقد استخدم لفظة من ألفاظ الزهو اللامجدي التي تنضح برائحة الغطرسة. المسكين الذي ظل مسكينا على الدوام هو السيد فيردي، المستخدم التجاري، أما الشاعر فقد ولد بعد موته لأن التقدير الخاص بالشاعر إنما ولد بعد موته.

الذكاء الحقيقي ينحقق في الفعل. سأكون ما أرغب في أن أكون، لكن علي أن أرغب أولا، علي أن أريد أي شيء. النجاح يكون بتحقيق النجاح وليس بامتلاك مؤهلات لتحقيق النجاح. بإمكان أي كان في أرض الله الواسعة أن يمتلك مؤهلات الحصول على قصر. لكن أين يوجد القصر إن لم يتم تشييده هناك ؟

حديث النثر

أفضل النثر على الشعر، كشكل من أشكال الفن لسببين الأول شخصي خاص وهو أنني غير قادر على الاختيار، وإذن فأنا عاجز عن كتابة الشعر، السبب الثاني عام، وهو ليس - أعتقد ذلك حقا - ظلا أو قناعا، إنه يمس المفهوم الخاص لقيمة الفن بكاملها.

أعتبر الشعر شيئا وسيطا خطوة من الموسيقى باتجاه النثر. الشعر، مثل الموسيقى، محكوم بقوانين ايقاعية محددة، وحتى لو لم تكن من نمط القوانين الصارمة للشعر المنظوم، فهي قائمة، مع ذلك كدفاعات، كإكراهات كأجهزة أوتوماتيكية للضغط والعقاب. في النثر نحن نتحدث أحرارا، بإمكاننا أن نضمن ايقاعات شعرية، وأن نوجد خارجها، مع ذلك، إن تسرب ايقاع شعري معين بصفة عرضية الى النثر لا يعوق النثر، لكن تسرب ايقاع نثري عرضا الى الشعر يعوق الشعر.

الفن كله متضمن في النثر، من جهة لأنه في الكلمة، الكلمة الحرة يتركز العال