السيرة في اطار الشعر
قراة في "لماذا تركت الحصان وحيدا ؟"


خليل الشيخ(ناقد وأستاذ جامعي من الأردن)


قبل أن يكتب محمود درويش (1941)  ديوانه "لماذا تركت الحصان  وحيدا" الذي يجسد مشروعه لكتابة سيرة ذاتية، عبر مجموعة من القصائد، مكتوبة على نسق فني، يتطابق فيها صوت الشاعر، والشخصية المحورية في السيرة، وصوت السارد، كان من الطبيعي أن تتناثر بعضو ملامح سيرة درويش في قصائده، ويمكن للدارس أن يشير الى أسماء بعض تلك القصائد:

" الى أمي" و"أبي" و« ريتا والبندقية " و" جندي يحلم بالزنابق البيضاء" و"ريتا أحبيني" و" كتابة على ضوء بندقية "(1).

غير أن تحليل تلك القصائد من منظور ارتباطها بالسيرة الذاتية لصاحبها يفضي الى أمرين:

أولا:

ولادة تلك النصوص من افاق اللحظة الحاضرة، وما ظل يرتبط بتلك اللحظة من اشكالات. فقد كان درويش انذاك يعيش داخل فلسطين شابا، في مقتبل العمر. وكانت افاق الذات عنده مسكونة بهاجس الصراع مع الآخر، الذي يحتل المكان ويتحكم فيه. لهذا كان من الطبيعي أن تتوزع الأفعال في تلك القصائد - ولنأخذ "الى أمي" مثلا - تلك القصيدة التي كتبها درويش في سجن الرملة عام 1965 على علبة سجائر، أقول تتوزع الأفعال بين الفعل المضارع الذي يجسد مشاعر فتى في الخامسة عشرة من عمره، يحلم بفضاء حر،وحياة مطلقة:

أحن، تكبر، أعشق، أخجل، يلوح، أشارك، وبين فعل الأمر الذي يخاطب من خلاله أمه: خذيني، غطي، شدي، ضعيني، ردي، وهي أفعال تسعي، وظيفيا، لتغييب علاقات ما قبل السجن مع أمه ومحوها لهذا تكثر في القصيدة جمل شرطية مثل:

اذا عدت، إذا مت، إذا ما رجعت، إذا ما لمست، لتأكيد ذلك التحول المنتظر.

اذا  كانت "الى أمي" تتميز بالغنائية الحزينة، والبساطة واللهجة الأليفة فإن "جندي يحلم بالزنابق البيضاء" و" كتابة على ضوء بندقية " تجسدان علاقة أكثر تعقيدا مع اللحظة الواهنة. في ضوء متغيرات الصراع، لهذا تسير الأفعال فيهما من السلب الى الايجاب، ومن الغياب الى الحضور، ومن الواقع الى التاريخ ومن الغناء الى الحوار.

ثانيا: ولادة هذه النصوص في خضم الصراع العربي _ الاسرائيلي، وما يفرضه هذا الصراع من تحديات تستنفر ذات الشاعر، وهويته، وتشحنه بالرغبة العارمة في التحدي والمواجهة، الأمر الذي يضفي على تلك النصوص المتواشجة مع السيرة أبعادا رمزية، تمزج الأبعاد الذاتية بالجمعية، وتوحد بين المرأة والأرض.

إن قراءة "الى أمي" من هذا المنظور تبين الفرق بين واقع التجربة وآفاق التعبير عنها على المستوى الجمال. حيث تتخذ الأم رغم مرجعيتها الواقعية أبعادا رمزية(2).

بعد خروج درويش من فلسطين المحتلة عام 1971. بدأ باستخدام الفعل الماضي، وهو يرسم بعض الملامح المتعلقة بسيرته وهو استخدام يؤشر على ثنائية الاتصال والانفصال، وسيقود درويش تدريجيا الى تشكيل ما يعرف في عالم السراة الذاتية بـ"أسطورة الذكرت الأولى " التي تتمحور حول الولادة والأم والأب والبيت والكلام، والحيوانات المنزلية والموت والجنس ونهايات الطفولة. ففي قصيدة "الأرض" يقول درويش

وفي شهر آذار قبل ثلاثين عام وخمس حروب

ولدت على كومة من قبور الحشيش المضيء

أبي كان في قبضة الانجليز، وأمي تربي جديلتها

واحملها في جيوبي، فتذبل عند الظهيرة. (3)

في هذا المقطع تمتزج الأبعاد التاريخية (فقد ولد درويش في الثالث عشر من آذار، وكان في الخامسة والثلاثين يوم كتب هذا القصيدة) بالأبعاد الأسطورية التي تنقل الحديث من نسق. الى آخر، هذه الأبعاد التي تضفي على المولود ملامح تموزية، فتربط  ولادته. بجدل الصراع بين الحشيش ر المضيء (الذي م يشير الى تفتح  الربيع) وبين الموت المتجسد في القبور، مثلما تربطها بالذكورة الحبيسة في قبضة المستعمر الانجليزي، وبالأنوثة التي تنتظر من يجيء لتحريرها، فتدلي. ضفائرها ليصعد الناس الى القلعة الحصينة. لهذا كان من الطبيعي أن يتحول مولد الشاعر الى ميلاد جماعي، يتمثل في يوم الأرض، وتغدو عبارة في شهر آذار التي تتكرر، في القصيدة تسع عشر ة مرة، صلة الوصل بين الحياة ونقائضها، فترتبط حركة الحياة ودورة الخصب، والبث بمقدم هذا الشهر. وفي إطار هذا الدلالات التي تتكيء على التكرار المطرد لأنساق أسلوبية يقوم درويش بتحوير مقطع إليوت Eliot الذي يفتتح به الأرض البياب:

" نيسان أقسى الشهور"(4)، وهو مرتبه مناك بتصورات دينية مسيحية ليصبح عند درويش:

" وفي شهر آذار رائحة النباتات، هذا زواج العناصر آذار أقسى الشهور"، وأكثرها شبقا"(5).

واذا كان الحديث عن تلك الجوانب المزرعة في شعر درويش يحتاج الى دراسة أخرى، فإن من الملاحظ أن درويش هل يمزج الكثير من الأبعاد المستمدة من اليومي بظلال الحدث العام، فتتجلى بعض أبعاد سيرته، لتعبر عن كائن نعرفه ولا نكاد نلمسه في

  الواقع، فيأتلف في هذا المزيج البعد الذاتي، مع أبعاد تشكيلية قد تسهم في ترميزه، فمن خلال توحده مع الأم قد يتحول الى كائن آخر، ومن خلال آذار وعناصره المملوءة بالخصب يعود للامتزاج بالأرض، للذهاب في رحلة خصب لا تكاد تنتهي.

لقد بدأ ايقاع السيرة الذاتية، منذ أن كتب درويش "سرحان يشرب القهوة في الكافتيرياء" يأخذ طابعا مختلفا. فقد كانت هذه القصيدة في نظر دارسيه تشكل خطا فاصلا بين القصيدة الغنائية ذات الصوت المغرد، والقصيدة المركبة التي تحوي آفاقا متشعبة، فقد انتقل درويش الى رسم معالم حياة شخصيات (سرحان،أحمد الزعتر...الخ) وهي شخصيات تبدأ من عالم الواقع وتنتهي في عالم الأسطورة، وتجمع في إهابها بين البطولة والمأساة. وتجسد مأساة الفلسطيني وذاكرته الجمعية. ثم انتقل درويش بعد ذلك الى مرحلة شعرية أخرى تميزت بالاتكاء على الموروث واستخدام تقنيات فنية متعددة في توظيفه، لينقب نصوصا ذات أبنية حيوية، تتوالد في فضاء نصوص أخرى، وتتشكل في الوقت نفسه على نحو مستقل. فقد استلهم درويش حكاية النبي يوسف (6) . وجسدها لحظه غنائيه مترعه بالحزن، قادرة على الجمع بين الخاص والعام، وان كانت حركة الأنا فيها تصعد لتظل محكومة بسقف السورة القرآنية التي تجيء مؤشرا على علاقة خلاقة بين الواقع والحلم.

يعود درويش في «أحد عشر كوكبا" ليستلهم القصة نفسها على نحو مغاير حيث تخبو الحكاية، وينطفيء الحلم.ولا تصبح القصة قناعا يشي بالتميز، بل تشكل خلفية لمشهد حزين. ويكون امتزاجها بالبعد الأندلسي. مؤشرا على لحظتين متغايرتين تماما.

يوم نشر درويش «لماذا تركت الحصان وحيدا؟" عام 1995م. لم يكن تحوله نحو موضوعة السيرة مفاجئا. فقد أوضح درويش في إحدى رسائله الى سميح القاسم (22/ 9/ 1986) أن انشغاله بها يعود الى أوائل الثمانينات يقول:

« وسأبدأ في هذا الخريف بكتابة الكتاب الذي يلاحقني هاجسه منذ أربع سنوات، كتاب البيوت، التي عشت فيها في الوطن والمنفى، من البيت الأول الى الآن، وهو شيء من سيرة البيوت الذاتية(7) ولكن المفاجأة تتمثل في عنوان المجموعة، وتبرز في الجملة الاستفهامية التي لم تشكل عند درويش من قبل - وربما عند غير من الشعراء - عنوانا، مثلما تتجلى في المشهد الحواري الذي يحدد علاقة الأبن - الأب في إحدى تجلياتها المنبثقة من عالم الطفولة، ومغادرة البيت عام 1948، أما بروز الحصان في العنوان. فسيكون لونا من ألوان تغليب الموضوعي على الذاتي في بناء المشهد. إضافة الى دلالات كثيرة يفجرها ترك الحصان الذي يشكل في القصيدة العربية، عادة، رمزا قادرا على الجمع بين الحيوية في أوقات السلم، والاستعداد لدرء الخطر في أوقات الحرب.

لهذا يغلب على قصائد ذلك الديوان الطابع التأملي، الذي يحفر في الذاكرة، ويستدعي تضاريس الماضي. ويمزج بين الغناء والقص.

يقسم محمود درويش ديوانه الى ستة أقسام مرتبطة ارتباطا وثيقا بالزمان والمكان، حيث يبدأ المكان فضاء مفتوحا وينتهي مغلقا، ويبدأ الزمان بالطفولة وينطلق منها الى آفاق مختلفة.

أما قصيدة "أرى شبحي قادما من بعيد" فلا تندرج تحت تلك الأقسام فهي بمثابة برولوغ Proloque   يروي بضمير المتكلم، ويتكرر فيه مقطع شعري، يجيء بمثابة اللازمة: أطل كشرفة يبت على ما أريد (8)

يتكرر هذا المقطع أربع مرات في ثنايا القصيدة، أما الفعل أطل فيتكرر ثلاثا وعشرين مرة. أما عنوان القصيدة فيتغير داخل النص حيث تحل كلمة أطل محل كلمة أرى، وتجيء خاتمة المشهد رغبة واضحة في استدعاء ملامح السريرة الذاتية وسياقاتها:

 أطل على شبحي

قادما

من

بعيد(9)

يتطلب الفرق بين العنوان والخاتمة المقارنة بين هذه القصيدة وقصيدة "رباعيات "(10) في ديوان درويش "أرى ما أريد" يقترن الفعل أرى في "رباعيات " بعبارة "ما أريد" ويتكرر في النص خمس عشرة مرة كاشفا عن منظور فلسفي يغوص في باطن الأشياء التي يردها ليعيد تشكيلها وإعادة انتاجها. أما في قصيدة "أرى شبحي قادما من بعيد" فتتخذ الرؤية منظورا آخر، وإن كانت تلتقي مع منظور الرباعيات في عملية الانتقاء. فالرؤية التي تصبح هنا إطلالة لاتعيد التفسير. ولا ترغب في إعادة تشكيل الأشياء، بل تقوم باستقراء عام لمفردات السيرة الذاتية وعناصرها، لتعيد التبشير بها في الافتتاحية، مقدمة بذلك الملامح الكبرى لسيرة شاعر متورط في تجربة العصر، دون أن يغدو أسيرا لها، كما أن شبه الجملة المعترضة - كشرفة بيت - تشير الى لون من الرؤية لا ترغب وربما لا تملك القدرة على التقدير، وان لم تحرم القدرة على الاستشراف. كما أن كلمة شبحي أساسية في تشكيل المعنى الخاص ببناء السيرة لأن هذا الكائن الذي يحاول الشاعر تشكيله وبعثه من عالم الماضي لا يستطيع صياغة ذلك الماضي بدقة، بقدر ما يهدف الى تقديم صورة موازية له، قد تكافئه ولكنها لا تطابقه.

تحتوي قصيدة "أرى شبحي قادما من بعيد" على مجموعة من العناصر التي تشكل الحياة وما فيها من صراعات، ولو جرت عملية تصنيف لتلك العناصر لتشكلت منها مجموعة من الدوائر تبدأ بالذات وتمر بالآخر وبالطبيعة. طيورها، وحيواناتها وما وراء الطبيعة وبالفن والتاريخ والفكر وبعدا من الشخصيات الفاعلة.

ستحظى هذا العناصر بقدر متفاوت من الأهمية في الديوان، وسكون التركيز عليها ضمن دلالتين مركزيتين في العلاقة بين الذات والآخر، أما الأولى فهي استعادة الزمان الخاص بالذات وأما الثانية فهي تدمير المكان المرتبط بالذات ومحوه، لنتأمل هذا المقطع الشعري:

أطل على نورس وعلى شاحنات الجنود

تغير أشجار هذا المكان

أطل على كل جاري المهاجر

من كندا، منذ عام ونصف (11)

فالنورس المرتبط بالبحر يجسد الثبات، في حين تحاول شاحنات الجنود أن تصنع مكانا جديدا يناسب القادمين من كندا الى فلسطين، فيكون النورس دالا على حضور الذات الدينامي لكي ترتبط بمرجعياتها المكانية، في حين تشكل الشاحنات النقيض الذي يحاول تدمير تلك المرجعيات. وعندما يقول:

 أطل على صورتي وهي تهرب من نفسها

الى السلم الحجري، وتحمل منديل أمي

وتخفق في الريح: ماذا سيحدث لو عدت

طفلا وعدت اليك وعلى  الي. (12)

فإن درويش يشير الى اشكالية مهمة في تشكيل السيرة الذاتية، تتمثل بعلاقة المرء بماضيه، أو بطفولته على وجه التحديد. فاستعادة ذكرياتها عملية صعبة (لأن المرء كما يقال لا يستطيع أن يستحم في مياه النهر مرتين) واستعادة اللحظة الزمنية عملية مستحيلة، لذا تغدو كتابة السيرة تعويضا عن زمن هارب، وتعويذة من موت داهم.

1-2

يتوقف درويش في القصائد التي يسميها "أيقونات من بلور المكان " عند طفولته ويسعى جاهدا كي يبلور ملامحها، من أجل استعادة فضاء جغرافي تلاشى وتلاشت معه طفولة الشاعر.

يتحدث درويش عن ولادة ذلك الطفل مستخدما ضمير الغائب. وان ظل السارد الذي يتحدث عن ذلك الطفل لا يستطيع أن يمنع نفسه من التدخلات التي تضيء جوانب الحدث، وتسهم في ربطه بالجغرافيا، واطلاقه في الوقت نفسه في فضاء الأسطورة، ففي قصيدة "في يدي غيمة " يعلن السارد ميلاد ذلك الطفل:

 يولد الآن طفل

وصرخته

في شقوق المكان (13)

ولكن هذه الطفولة لم تكد تبدأ حتى انتهت فقد افتتح السارد القصيدة المشار اليها بمقطع شعري يتكرر في النص أربع مرات بتجليات مختلفة ويجيء تكراره مؤشرا على تفتح الطفولة في لحظة من لحظات الانهيارات الكبرى:

أسرجوا الخيل

لا يعرفون لماذا

ولكنهم أسرجوا الخيل في السهل (14)

يرسم السارد بعد ذلك آفاق المكان والزمان اللذين ولد فيهما الطفل، ويبدو أن تغييب قريته البروة، الذي أشار له درويش في رسائله (15)، جعل تلك القرية تنبثق من حواف الأسطورة، حيث ربطها درويش بأيقونات ثلاث هي: الريحان، والزيتون والدخان اللازوردي

كان المكان معدا لمولده: تلة

من رياحين أجداده تتلفت شرقا وغربا

وزيتونة، قرب زيتونة في المصاحف تعلي سطوح اللغة

 ودخانا من اللازورد يؤثث هذا النهار لمسألة

 لا تخص سوى الله (16)

إن هذا الربط قرآني في دلالاته الباطنية، لأنه يكاد يعطي المكان استاطيقا الفردوس، فالرياحين عابقة، تتلفت شرقا وغربا، أما الزيتونة فهي قرآنية: لا شرقية ولا غربية، لذا كان من الطبيعي أن يختتم درويش المشهد بالتجلي الالهي،

أما الزمان فهو شهر آذار، الشهر الذي ولد فيه درويش. وقد أضفى عليه درويش طابعا يتلاءم مع رقة المشهد المكاني. فإذا كان درويش يعطي لهذا الشهر طابعا إليوتيا في قصيدة الأرض، ويعطي لميلاده طابعا تموزيا، فإنه يعيد تشكيل الزمان على نحو بالغ الرقة:

... أذار طفل الشهور المدلل

آذار يندف قطنا على شجر

اللوز، آذار يولم خبيزة لفناء الكنيسة

آذار أرض لليل السنونو، ولا مرأة

تتعد لصرختها في البراري.. رتمتد في

شجر السنديان. (17)

واذا كانت لحظة الميلاد بالغة الرقة، فإن تفصلات اللحظة الزمانية المغرقة في الدنيوية تشكل طبيعة المشهد وتوضح الفرق بين السماوي والأرضي.

يتلو مشهد الولادة مجموعة من المشاهد تبين بعض تجليات الطفولة التي تستلهم قصة النبي يوسف، عليه السلام، فعندما يتساءل الشاعر (على لسان الطفل المتكلم) رادا على رواة مجهولين:

هل أسأت الى اخوتي

عندما قلت إني رأيت ملائكة يلعبون مع الذئب

في باحة الدار؟ (18)

فإن درويش يعيد صياغة السؤال الذي كان قد طرحه من قبل في قصيدة "أنا يوسف ". غير أن إعادة السؤال في هذا النص كانت تسعي في واقع الأمر للفرار من لحظتي الصعود والتميز، لتتخذ الرؤيا هنا أبعادا واقعية، تكسر الحدود النمطية المتعارف عليها بين الخير والشر. أما استعارة درويش لبعض عناصر تلك القصة مثل: القمر، وسبع سنابل، والبئر فهي تعميق لعملية المزج المشار اليها بين الدنيوي والمقدس.

واذا كانت قصيدة "في يدي غيمة " تؤسس لاستاطيقا الفردوس فإن بقية قصائد "أيقونات من بلور المكان " سترسم بعدين أساسيين ظل درويش يلح عليهما في شعره وفي كتاباته الأخرى وبخاصة في " يوميات الحزن العادي". أما البعد الأول فيتمثل في الخروج من المكان "البروة " الذي يجيء على شاكلة خروج آدم من الفردوس:

نحن أيضا صعدنا الى الشاحنات، يسامرنا

لمعان الزمرد في ليل زيتوننا ونباح

كلاب على قمر عابر فوق برج الكنيسة

لكننا لم نكن خائفين، لأن طفولتنا لم

تجيء معنا، واكتفينا بأغنية. سوف نرجع

عما قليل الى بيتنا، عندما تفرغ الشاحنات حمولتها

الزائدة (19)

أما البعد الثاني الذي يبرز في خاتمة المقطع، فهو الوثوق من حتمية العودة الى ذلك الفردوس، هذه الحتمية التي تهبط فجأة دون أن تنبثق من مجموعة علاقات تبشر بها أو تقود اليها.

لقد دأب درويش على الحديث عن تلك اللحظة، وكان تكرارها دالا على تجذرها العميق في ذاته، لأن هذا اللحظة من لحظات نفي الطفولة وتدمير مكانها الأول الذي شهد تجلياتها. ففي "يوميات الحزن العادي"

يقول درويش في حوار بينه وبين أبيه

- حين كنت صغيرا، كنت تخاف من القمر.

- لولاه لكنت يتيما قبل أواني. لم يكن قد سقط في البئر. كان أعلى من جبيني وأقرب من شجرة التوت التي توسطت دار جدي. وكان الكلب ينبح عندما يقترب. وحين دوت أول رصاصة دهشت لحفلة زفاف تحدث في المساء. وحين ساقوني الى القافلة الطويلة رافقنا القمر الى طريق عرفت فيما بعد أنها طريق المنفر".(20)

واذا كان درويش يحرص على تقديم لوحة الخروج. بوصفها انتزاعا للطفل من المطلق، فإنه وهو يقدم لوحة العودة، يربطها بالكثير من الخلفيات التاريخية، فيشير الى الهزيمة العسكرية، وهدنة رودس. أما على المستوى الفني، فتكف القصيدة عن التأمل، لتستخدم أسلوب التحقيق الصحفي في طرح الأسئلة، كما تلجأ الى أدبيات الرحلة، فيقوم السارد - الطفل بدور الوسيط بين القاريء والمغامرة التي يرويها. وقد كان من أبطال الرحلة قبل أن يصب ساردا لها.

لا يقتصر الحوار على قصيدة واحدة، بل يمتد الى القصائد الثلاث: "أبد الصبار" و"كم مرة ينتهي أمرنا" و" الى أخرى والى آخرة " التي ترسم مشاهد فاجعة للحظتي الخروج والعودة،تتخللها لحظات من الكوميديا السوداء للغزاة الذين جاءوا الى فلسطين، وخرجوا منها في نهاية المطاف، ففي حين خلدت معجزات السيد المسيح، وتعاليمه، اندثرت القلاع الصليبية:

هنا مر سيدنا ذات يوم. هنا جعل

الماء خمرا، وقال كلاما كثيرا عن الحب،

يا ابني تذكر غدا، وتذكر قلاعا صليبية

قضمتها حشائش نيسان بعد رحيل الجنود (21)

2-2

لم يعد درويش الى قريته، بعد أن رجع متسللا الى فلسطين مع أمه، لأن قريته محيت تماما. ولكن غياب المكان. أسهم في بعثه وحضوره. وأضفى عليه طابع القداسة، فصار مزيجا من الذاكرة والأسطورة ولم يعد الحديث عنه لونا من سرد التاريخ الشخصي للشاعر، بقدر ما صار لونا من ألوان استرجاع الحلم.

لهذا كان من الطبيعي أن يشكل البيت المحور الذي تدور حوله لحظات الخروج ولحظات العودة وأن يبث غيابه على اعادة تشكيله، ليكون كالعنقاء التي تنهض من الرماد.

لقد حدد درويش إطلالته، بأنها كشرفة بيت، واذا كانت تلك العبارة قد جاءت جملة معترضة، فإن أهميتها تتمثل من منظور الموقع في القوة التي تمنحها الشرفة لصاحبها. فالبيت على حد تعبير غاستون باشلار: "يستثير بطولة ذات أبعاد كونية. إذ هو اداة نواجه بها الكون " (22).

بعد ذلك لا ترد كلمة البيت غير معرفة، بل تبدأ بالتشكل بوصفها تجسيدا لعذابات الطفولة. ففي لحظة الرحيل يسأل الطفل أباه:

- ومن يسكن البيت من بعدنا

يا أبي؟

- سيبقى على حاله مثلما كان

يا ولدي (22).

وفي لحظة أخرى يسأل الطفل أباه:

- لماذا تركت الحصان ومحيدا؟

-  لكي يؤنس البيت يا ولدي

فالبيوت تموت إذا غاصب سكانها (23).

ان السارد يحرص على أن يفصح البيت عن ملامحه وهويته، وأولى سماته أنه قادر على المقاومة، بمعنى أنه لا يتيح للآخرين السكني فيه، ولكنه يظل كائنا حيا يموت بالعزلة ويتلاشى. من هنا كان بزوغ الحصان مؤشرا على طبيعة المنزل، جماليا ومعماريا،. هذا البيت الذي سيقوم درويش برسم معالمه وأبعاده.

أما البئر فتشكل القاسم المشترك بين العناصر الأخرى التي تحدد جمالية البيت. واذا كان درويش يبرز الحصان ويضعه في الصدر، فإنه يحتفي بالبئر ويخفيها في تجليات القصيدة.

لقد رافق رمز البئر درويش منذ "يوميات الحزن العادي" ففي فصل بعنوان "القمر لم يسقط في البئر" يتحدث درويش عن طفولته المبكرة يوم كان في الخامسة من عمره، وذهب ليبحث عن أمه التي سافرت الى عكا. ولم تأخذه معها. رجع الى البيت متأخرا، ليجد أن أمه وأهل البيت والجيران، يبحثون عنه في كل آبار القرية حين يضيع الطفل فلابد أن يكون قد سقط في بئر، بكت أمي وبكيت معها،".(24)

يقوم درويش بإعادة انتاج تلك الحادثة في فضاء محمل بالدلالات والرموز، حيث ترتبط البئر برموز دينية وحضارية متعددة:

وقلت للذكرى: سلاما ياكلام الجدة العفوي

ياخذنا الى أيامنا البيضاء تحت نعاسها

واسمي يرن كليرة الذهب القديمة عند باب البئر،

أسمع وحشة الأسلاف بين الميم والواو السحيقة،

مثل واد غير ذي زرع، وأخ&