مارتن هايدجر
والعلاقة ما بين الفلسفة والسياسة


سميرة اليوسف(ناقد من فلسطين يقيم في لندن)


لم يخلف الفيلسوف الالماني مارتن هايدجر مبحثا في علم السياسة. غير انه بسبب السياسة نفسها أمسى موضوع جدل لم ينقطع منذ ما يربو على نصف قرن. فهايدجر، وكما لا يخفر، كان نازيا، بل وعلى ولاء النازية لم يتورع بسببه عن الوشاية بزملاء له في الحقل الاكاديمي، وانكار فضل آخرين رعوه في مطلع حياته الفكرية واسبغوا عليه من الاهتمام ما يحتاجه كل ذي موهبة. ولم يكن انكار الهؤلاء او وشايته بأولئك الا لكونهم يهودا او لانهم لم يظهروا من الولاء "للامة الالمانية " ما لم يتوان هو عن  اظهاره.

واذ تسوغ هذا المفارقة امرا فإنها تسوغ النظر الى المسافة الفاصلة ما بين إعراض الفيلسوف عن الكتابة في علم السياسة على غرار ما ذهب اليه عدد كبير من الفلاسفة وما بين انضوائه عضوا في الحزب النازي، كمبعث جملة من الشكوك والتساؤلات لم تبرح تظهر كلما أشير إليه من قريب او بعيد: امن الاحق الربط ام الفصل ما بين الموقف السياسي لهايدجر وما بين فلسفته؟ فهل كان للسياسة موقع في فلسفته؟ وما طبيعتها وعلى اي وجه تكون وما اثرها العام على مشروعه الفلسفي، وهو، على ما يزعم، صاحب مشروع فلسفي راديكالى؟ ولم أعرض الفيلسوف عن وضع مؤلف في السياسة طالما انه لم يتوان عن الالتزام بحزب ساسي؟

سؤال الكون

والحق فإن الفيلسوف الالماني الكبير لم يستنكف من الكتابة في السياسة او في اي من حقول المعرفة الاخرى كتابة مستقلة الا لان في ذلك استباقا للسؤال الاساسي الذي شاء العودة اليه من جديد، أي سؤال معنى الكون، او ما ه معنى ان تكون؟

ولقد رأي هايدجر ان ثمة مفهوما لكون كافة الكائنات يكمن في مجمل ادراكنا للواقع. صير الى نسيانه عن قبل الفلسفة الغربية منذ افلاطون وارسطو والانشغال عنه بما ينشق عنه من اسئلة اخرى.وكان ارسطو قد ميز ما بين معان كثيرة للكون كثرة الكينونات المتوافرة بما اشارع الظن بأن الكون هو ان تكون هيوليا فضلآ على المقولات التسع الاخرى. التي ارسي الفيلسوف اليوناني القديم اسسها، والصفات الملازمة للهيولى. وعلى منوال ارسطو سارت الفلسفة الغربية متناسية البحث عن معنى موحد لكون سائر الكائنات.

وبخلاف الفلسفة الانطولوجية التقليدية التي سلمت بداهة بأن ما يعين او يعرف كون الشيء، او كيانه. هو جوهره الموضوع الثابت، رأى هايدجر ان ثمة تداخلأ ما بين الذات المفكرة والواقع. الموضوعي بما خلص به الى القول ان نظرنا هو الذي يعزو الدلالة الى الموضوع، ولكن شريطة ان يكون الموضوع قابلأ لحمل هذه الدلالة. فعلى هدى فلسفة علم الظهور (الفينومينولوجيا) التي امتاز بها استاذه ادموند هوسيرل.

جادل هايدجر ان الذات هي التي تمدنا بالشروط التي تشترط موضوعات التجربة والنظر. وعلى هذا فإن كون سائر الكائنات انما هو مرهون بالمعنى الذي نجنيه من خلال فعمنا او نظرنا اليها. غير ان هايدجر سرعان ما افترق عن هوسيرل افتراقه عمن سبقوه من الفلاسفة بسبب عزلهم الفلسفة عن التجربة اليومية المعاشة. فالنظر الى الذات، او الأنا، كذات مفارقة، على ما ذهب هوسيرل يغفل او يتناسى دور التجربة الفردية والشروط التاريخية التي تحكم وجود الذات. والمحقق ان هايدجر لم يكن قادرا على تجاهل حقيقة ان الصورة التي نتصورها لانفسنا قد تخضع في كثير من الاحيان لتأثير مصالحنا الشخصية وميولنا، فضلأ عن كونها مشروطة بشروط التاريخ عامة وبما يدل على ان "أنا" خالصة تكمن خلف سائر افعال الوجدان ليست من الحيادية والتعالي المنسوبين اليها من قبل سلفه هوسيرل.

وبما انه من الوارد ان تكون الظاهرة المعاشة مألوفة عندنا، حتى وان لم تكن مفهومة حق الفهم، فلقد اتخذ هايدجر من ميزة الحياة اليومية للكائنات الانسانية نقطة انطلاق فلسفته. ولهذا، وخلافا لبقية اسلافه، فإنه لم يعمد الى القفز فوق الصلات الوثيقة التي تربط البشر بالعالم متحاشيا بذلك تبوء موقع الفيلسوف المطلع على الامور من موقع نظري منفصل. الى ذلك فلقد نظر هايدجر الى التحريفات التي تخترق حياتنا اليومية كموضوع تحليله الظاهراتي (الفينومينولوجي)معتبرا ان مهمة تحليله كشف الظواهر التي يصار ال طمرها او سترها املأ في اطلاقها واظهارها عارية على ما هي عليه.

وان هذا التصور نفسه ليشكل خلفية نظرية الحقيقة بما هي انعدام الخفاء والنظر كوجه من الاحالة والكشف عنده. في غرض الوصف الظاهراتي لحياة كل يوم الآ استجلاء البنية الاساسية الراسخة تحت نظرنا المسبق لما هو فعلي ولما هو موضوع بحث ودراسة مختلف ميادين العلوم. بما ان فقهنا للكون يتم من خلال افشاء سر ما هو كائن، او "دازاين " بحسب المصطلح الهايدجري الشهير، في العالم، فإن تحليلآ لهذا الـ"دازاين " لا مناص من ان يستبق اي ضرب من النظر الانطولوجي الاساسي، او الاصولي.

ولئن قاده هذا الاعتبار الى نبذ مفهوم هوسيرل للذات كأنا مفارقة، فلقد أفضى به في النهاية الى طرح منهج سلفه الداعي الى تعليق العالم الطبيعي في سبيل بلوغ  الحقيقة الراسخة. فهايدجر الرامي الى تحليل صلاتنا بالعالم وببعضنا البعض ككائنات في العالم يخشى مغبة سبيل تجريدي لاختبار "دازاين " للعالم بما يؤدي الى نسف ظاهرة كياننا. فالعالم هو النطاق المعين الذي نلتقي بين تخومه بأنفسنا وبالكائنات الاخري، وانه لمن خلال هذا اللقاء يتحدد جوهر فعمنا لانفسنا وللاشياء الاخري. وما تحليل هايدجر للبنية «الماقبلية " لحيازتنا العالم الا ذاك الذي يتشكل من خلال استعراض الطريقة التي نتعاطي بها مع العالم والكينونات المقيمة فيه على الوجه الذي نلتقي بها في وجودنا الفعلي.

وليس الخلوص الى رؤية جديدة للعالم هو الامل المعقود من إتباع ضرب من التحليل كهذا، وانما اقتفاء السبيل الذي يقيض لنا من خلاله فهم ما نحن بصدد التعامل معه. فأن تكون مفهوما هو ان تكون مفهوما كشيء او كأمر ما، وهذا ما يملي تحقيقا شاملا لسائر اشكال فهمنا المتباينة الكامنة في تعاطينا مع العالم. ولعل هذا ما يدل على اهمية التأويل عند هايدجر. ففي تأويلنا لانشطتنا المختلفة انما نميل الى ادراك ضمني شامل للاشياء من دون ان نكون على دراية تامة بالامر. وبما ان هذا الفهم الضمني لهو السمة العامة التي تسم الفهم البشري عامة فلقد كان من الطبيعي ان يكون هناك فهم غامض لسؤال الكون (اي ما معنى ان تكون) بل وتكاد اهمية مشروع هايدجر الفلسفي ان تقتصر على سعيه الدائب الى تفسير ضمور هذا السؤال ونسيانه.

وبحسب هايدجر فإن نسيان سؤال الكون ليتجلى على وجهين: فهناك اولأ النسيان الكامن في فهم حياة كل يوم من حيث انه ضرب من الفهم لا يسعى المرء معه الى اكتساب أية احاطة اصيلة بالكون وانما ترده يتقبل التأويلات الجاهزة الصنع في بيئته. وهذا على ما يرى هايدجر وجه من النسيان مبرر، ان لم نقل طبيعي طالما انه بمثابة اعراب عن استغراقنا في العالم. غير ان الوجه الآخر هو ذاك الذي لا يبدو طبيعيا او مبررا. وما هذا الأ النسيان الذي ركن اليه الفلاسفة الغربيون منذ افلاطون محجمين عن طرح السؤال المنوط بهم طرحه.

اما ان الامر يستدعي اعادة طرح سؤال الكون، فإن ذلك لا يعني الانكفاء الى اصل او بداية لم يطاولها اثر النسيان، اي انه ليس بسؤال يستدعي العودة الى الايام التي كان فيها السؤال حيا كما لو ان في وسع المرء القفز الى الخلف طاويا التأريخ المنبسط. ولا هو بالامر الذي يستدعي ندب نعيم ايديولوجي وانما الاقرار بالسؤال بما يتعلق بطمر او نسيان سؤال الكون. او للدقة السؤال الذي يستوى على اساس الطمس الذاتي. فليس تاريخ الطمس الذاتي الأ تاريخ  الميتافيزيقيا الغربية، ولذا فإن الالتفات الى هذا السؤال عند هايدغر لا يقتصر فحسب على تأويل معنى الكون من خلال تحليل "دازاين " وانما من خلال "تدمير". او بلغة اليوم «تفكيك " تاريخ الانطولوجيا ايضا. فلا يمكن تفكير السؤال ما لم يصر الى دراسة تاريخية لعملية طمس هذا السؤال.

ويقضي التدمير المنشود تحليلأ يكشف عن لحظات «الانزياح " في تأريخ الانولوجيا التقليدية لاسيما وفق ما تتجلى عليه في فلسفة ارسطو وديكارت وكانط تجليا يبين سطوة انطولوجيا "الحدوث " او "الحضور"، اي اعتبار الكون مثابة حضور الهيولى الازلي او حدوثه المتصل، بما ادى الى نسيان سؤال الكون باعتباره اعم العموميات او البدائه. ولعل من اظهر عواقب سطوة الانطولوجيا التقليدية اختزال حقيقة كون الشيء كائنا الى "واقع " مادي محدد او حتى الى "شيء".

وهذا انما صور العالم بمثابة مجموعة من الكينونات المستقلة عن بعضها البعض والقابلة لان تكون موضوع معرفة الذات المدركة ما امكن لها سبيل إلتقائها. وما كان هذا الا من قبيل الجنوح الى "مركزية ذاتية " مردها الصعوبات المألوفة التي واجهها الفلاسفة المذكورون حيال هذا الضرب من الانطولوجيا حيث لبث السؤال حول امكانية الاتصال ما بين الذات المفكرة والموضوع المدرك ذي الوجود الموضوعي من دون اجابة وافية. ومن ثم فقد صير الى التسليم بأن الهيولى المستقلة والثابتة لهي البنية الاساسية للواقع. وان هذه البنية ما برحت مستقلة عن الذات المدركة.

ولان المستوى النظري هو المستوى الوحيد الذي أعتبر جديرا باهتمام الفيلسوف. فإن اي سبيل آخر لفهم كيان الاشياء، لم يعر أدنى اهتمام. على ان هايدجر يوصي بأن يحمل هذا الضرب من النظر الاشتقاقي من حيث انه يعامل البشر كذوات لا عالم لها رغم قدرتها على تأسيس اتصال بالاجسام المنفصلة، على كونها رؤية خاصة لسبيل اشد جذرية لفهم انفسنا ككائنات ذات عالم ومتميزة بكونها بين او منضوية في عالم متناول اليد.

تحليل دازاين

ولئن اصر هايدجر على ان كيان الكائن انما هو كيان في العالم لا انفصال فيه ما بين ذات مدركة وعالم موضوعي، فإنه لا ينكر صحة الافتراض بأن بحثا نظريا في مسائل مثل موضوعية الوجود او العلاقة ما بين العقل والجسد او غيرهما من المسائل لا يمكن ان يصار الى حلها الأ من خلال افتراض ثنائية من هذا القبيل. بيد ان ما يأخذه على التقليد الفلسفي الغربي هو النظر من منظار الثنائية هذه وكأنه المنظار النهائي. فلا ينكر هايدجر اهمية التساؤل حول اسبقية العقل او موضوعية العالم وامكانية المعرفة وطبيعتها وكل ما يتصل بهذا الشأن، غير انه يرى بأنها مشتقة من السؤال الأعم "ما معنى الكون؟"

واذا ما توخينا تعيين المسألة في سياق حصوي جاز القول ان هايدجر افلح في تجاوز، او لعله من الادق القول في تعليق الجدل في هذه المسائل بأن اتبع مسلك كانط في القول بأن العالم ليس معطى موضوعيا سابقا وانما هو قائم بما يتوافق مع شروط العقل. غير انه سرعان ما انشق عن السبيل الكانطي موقنا بأن العقل ايضا ليس معطى جاهزا، وان نقطة البدء لهي سابقة على اية لحظة تأمل فلسفية تتجلى من خلال التصوير الذاتي في غمرة مشاغلنا اليومية وقبل بلوغ لحظة الدهشة او بالضرورة التساؤل حول اسبقية العقل وطبيعة الوجود.

وان النظر الى العالم كموضوع قائم هناك، أكان ذلك من سبيل العلوم ام الفلسفات ذات المنحى الطبيعي، ام كان من طريق الفلسفة الظاهراتية التي اوصت بتعليق كافة الاحكام الطبيعية النزعة بغية التوصل الى المعرفة الراسخة، انما هو استغراق فيما هو نظري يميز ما بين العالم كموضوع معرفة والذات كعارفة بما يصار الى القفز مباشرة الى ما هو «حاضر الى الذهن " وتجاهل حقيقة ان انهماكنا في الحياة اليومية التي تتسم بكونها "في متناول اليد".

فنحن في حياتنا المعتادة انما نقبل على انشطة ونستخدم ادوات من دون ان نعمد الى تقليب وجوه النظر في كل ما نفعل او نستخدم كما لو انها افعال واشياء منفصلة انفصال موضوعات المعرفة عن الذات العارفة. اما اللحظة التي يحدث فيها امر كهذا، فهي اللحظة التي ينقطع فيها حبل انشغالنا فيما نحن مجدين فيه، وهو ما يسميها هايدجر بكونها "حاضرة الى الذهن ". فإذا ما انقطع مداد القلم الذي اكتب به الآن، على سبيل المثال، فإنه لمن الطبيعي ان انتقل في تعاملي مع هذا من كونه في متناول اليد الى كونه حاضرا الى الذهن، ومن ثم كموضوع تأمل وتفحص نظري.

ولئن بدت الكينونات في متناول اليد غير مستقلة بذاتها، فإن هذا لا يعني بأنها معدومة الهوية او انها غائبة عن وعينا تماما، وانما نحن نعيها في النطاق الاشمل لوجودها، وانها لتصير منفصلة او مستقلة عن النطاق العام في اللحظة التي تمسي حاضرة الى الذهن. ان حقيقة كيان الشيء، اي حقيقة كون الشيء كائنا لهي. على ما سبق واشرنا. العامل المشترك بين سائر الكينونات الكائنة. غير ان هذا العامل ليس بكينونة هو نفسه ولا هو محض صفة من الصفات. وان ما يجعلنا قادرين على الاحاطة بالاشياء وفهمها ليس استجابتها لمقولاتنا العقلية او انها قابلة لان تكون موضوع مداركنا الحسية. وانما لاننا نراها فيما هي كائنة تقدم نفسها الينا.

وكما بسطنا القول فإن هايدجر في هذا النقطة بالذات لهو اكثر راديكالية من هوسيرل من حيث انه لا يكتفي بتعليق الاحكام الطبيعية المسبقة بما يتيح للاشياه تقديم نفسها على ما هي عليه، وانما يرى ايضا الى تحليل دازاين بما هو كينونة كائنة على وجه غير مجرد من واقع الكون وتبعاته. الى ذلك فإنه اذ تظهر الاشياء نفسها الينا، فإن موقفنا منها يكون موقفا تأويليا. اي موقف من يهب معنا الى كل ما هو غاشم. ولذا فلقد كان خلوص هايدجر ان فقه كون الشيء كائنا هو نشاط تأويلي بالضرورة.

وان تكون كيان دازين. عند هايدجر. هو ان تكون في العالم. اذ ليس هناك كينونات منفصلة او متعالية على العالم. سابقة له او ثابتة وحتما ليس ثمة انفصال ما بين ما هو كائن والعالم. وان تكون في العالم لا يعني ان تكون في مكان ما. فالعالم ليس بخشبة مسرح، او ليس بفضاء جغرافي. وعلى هذا فأن تكون في العالم هو ان تكون منضويا فيه بما يوضح مقولة هايدجر، ان تكون هو ان تكون في العالم مع الآخرين او الغير.

وليس كون دازاين محض كون الاشياء في متناول اليد او الحاضرة الى الذهن. فدازين ليس بمنفصل عن انغماسه في العالم او ما قد يصدر وينقب عن انغماس كهذا. انه ليس بجسم منسلخ عن عملية اكتشافه للعالم من خلال الانضواء فيه وما ينطوي ذلك على امكانيات. فلا مجال لوجود العالم من دون وجود دازاين او وجود هذا الاخير من دون الاول، ذلك ان وجود أحدهما يحتم وجود الآخر. لذا فإن دازاين لا يفقه ذاته من خلال الاستبطان الذاتي وانما من خلال معرفة ما هو منهمك فيه، او ما يثير عنايته واكتراثه. ان دازاين لهو العالم الذي ينضوي او يلتزم به.

وان الكون في العالم ليستوي وثق مفاهيم او علاقات مثل "الانضواء" و"الالتزام" و "الاكتراث"، و«الحرص"،..الخ. فمن خلال علاقات كهذه انما يعي،دازاين نفسه في العالم، بل وانه لمن خلالها يظهر هو والعالم. على ما سبق الاشارة. جدير بالتنبيه، ان الحرص او الاكتراث او سواهما، لا يعنيان هنا الحرص على الذات او على الآخرين دفعا للأذية عنهم وغيرة على مصالحهم وسعادتهم، وأنما محض كونك معنيا سواء جاء ذلك على وجه ايجابي ام سلبي.

وفي ضوء ما يقوله هايدجر في هذا الخصوص يمكننا تمييز اكثر من مستوى واحد لانغماس دازاين في العالم انغماس المكترث والحريص. فهناك الانغماس على مستور ما هو في متناول اليد في الحياة اليومية. فحينما يكون دازاين مستغرقأ فيما يفعله فإن  حرصه يكون من قبيل مجاراة او محاذاة ذلك الانهماك اليومي. وحيث ان انهماكنا هذا لا يكون انهمالا مستقلا عما يحيط بنا من شروط وتدابير ومقتضيات وشرائع وعوائد نحيا وفقأ لها وبها،فإن هذا لقرينة على مستوى آخر لوجودنا الفعلي في العالم نستدل عليه من خلال الوضع. الذي نمثله او الحال الذي نكونه. فنحن اذ نحرص. نخشى ونقلق، او نطمئن ونسر لموقعنا في العالم، انما نكتشف اننا في العالم فعلا. غير ان هذين المستويين لا يستوفيان طبيعة وجودنا وبما يرجح الحديث عن مستوى ثالث من الحرص. ويكون هذا المستوى من خلال كوننا سباقين لانفسنا في العالم، اي لكوننا نازعين الى ما سيأتي. ففي انضوائنا في العالم انما نتجه الى الامام، الى ما نتوقع ونتأمل وقوعه او نتهيب حدوثه، الى ما نمني النفس تحققه او تحاشيه.

ونحن، بحسب هايدجر. "مطروحون " في العالم. بيد ان استجابتنا او خضوعنا لهذه الحقيقة. وهي حقيقة انهماكنا فيما يدخل نطاق "متناول اليد"، لا يقتصر على لحظة الآن وانما يتجاوزها الى ما نتطلع اليها من احتمالات وامكانيات متوافرة. والى ما ننشد بلوغه. وعلى هذا الوجه تنكشف لنا الامور.

الى ذلك فإن اوجه الاكتراث الثلاثة هذه، وان بدت مستقلة عن بعضها البعض، الأ ان توافر الواحد منها يملي توافر ما يبقى بحيث نخلص الى انه ان تكون في العالم هو ان تكون في الماضي والحاضر والمستقبل معا. وليس في حال الاكتراث ما يجعلة استثنائيا وحكرا على دازاين وحده، وطالما ان دازاين ليس بذات مستقلة عن الغير، لهدا فإن حال الاكتراث غالبا ما يكون حالا مشتركة مع الأخرين.

ان لمن عواقب سيادة انطولوجيا الحضور او الحدوث، على ما يرى هايدجر، انها حالت دور نشوء انطولوجيا دينامية قد استعاضت عن ذلك بأنطولوجيا الثبات والاستقرار، وهذا بدوره ما حال دون مفهوم للزمن او "الوقتية " من حيث انها بنية اكتراثنا وانضوائنا في العالم، بكلمات اخرى، فلقد قدمت الانطولوجيا التقليدية المكان على الزمان معتبرة العالم فضاء هندسيا بالدرجة الاساس. ولكن حيث ان الاكتراث لهو السمة الابرز لانضوائنا في العالم فإن معنى كوننا في العالم لهو معنى وقتي، او آني مرهون بمحدودية وجودنا المتوزع على ابعاد ثلاثة. الماضي والحاضر والمستقبل. وما يصوغ فهم الكينونات الكائنة انما هو ابعاد وجودها الوقتية هذا. بل ان الوقتية لهي الشرط المفارق لان يكون عالم دازاين عالم كينونات ذات معنى. لذا فإن معنى الكون الذي نؤسسه من خلال فهمنا. انما يرسو على اساس البنية الوقتية الكامنة في هذا الفهم.

بيد ان كون دازاين في العالم طبقا لهذه الاوجه من الاكتراث لا يكفي شأن يكون الكون الاصيل المنشود. فهذا محض وجود كل يوم، وهناك بون شاسع ما بينه وبين الوجود الاصيل. فاستغراق المرء في حياة كل يوم قد يفضي الى ذوبان في الغير يصيره جزءا من ذاتهم. وهذا بحسب هايدجر من ابرز مظاهر انعدام الاصالة. ومثل هذا الذوبان انما يحول دون اتخاذ دازاين من نفسه قضية والسعي الى الاصالة لا يكون ما لم يصنع دازاين قضية من ذاته.

حري بالايضاح ان المسافة الفاصلة ما بين الاصالة وانعدامها ليست بتلك المسافة الفاصلة ما بين الشيء ونقيضه. ففي باديء الامر يكون الاستغراق في سبل الغير. اي انعدام الاصالة، ومن ثم يتخذ دازاين من نفسه قضية بغية اكتسابنا بحيث يكون الانتقال الى الاصالة بمثابة تعديل او تلطيف حالة الاستغراق في مسالك الغير وسبل حياتهم.

وما يكبل يدي دازاين عن الشروع بالتعديل المطلوب نشدانا للاصالة لهو القلق. فهذا الاخير انما يجعل الاشياء تفقد اهميتها وجدواها وتجعل المرء اسير الحس بعدم الانتماء الى العالم.غير انه لفي القلق نفسه يعي المرء احتمالاته وامكاناته بمعزل عن تلك التي  يرسيها الغير ويكرسونها. وبذا فإن القلق يسهم وان على نحو غير مباشر في ايقان المرء لحقيقة فرديته، اي ان كونه هو كيان حر وانه ما يختاره لنفسه. فالقلق بالمعنى الهايدجرتي يضعك على الحد الفاصل ما بين سبل وطرائق الغير وتأويلاتهم، وما بين ما ينكشف لناظريك من امكانيات واردة وحرية موعودة.

ونحن نتبين فرديتنا من خلال تبيننا ان مشاريعنا وامكانياتنا لا تكتمل الأ بالموت. اي اننا نأخذ المنية بالحسبان كحد للاكتمال الذي لا يمكننا بلوغه ما برحنا احياء. بيد ان ما يحضنا على نشدان الاصالة هو ذلك الوجدان. ذلك الصوات الذي يعلمنا بأن وجودنا في العالم وجود لا تتحقق فيه امكانياتنا ولا نكون فيه ممسكين بزمام مصيرنا لهو وجود يجعلنا مذنبين. وانه لمن المفيد الاضافة ان ما يقوله هايدجر هنا لا يضع المرء. أمام خيارين لا ثالث لهما، اي امامه الغير او ضدهم. فخلافا للوجودية التي قال بها سارتر واتباعه. فإن الاصالة في عرف هايدجر لا تعني التمرد على المجموع او الانعزال عنة. فليس من انعدام الاصالة في شيء ان تكون في العالم مع الغير طالما لم يكن وجودك وجودا بين آخرين.

ولكن كيف يكون مثل هذا الامر؟

قلنا ان دازاين واع وعى القلق على تحقق امكانياته واكتمال  ذاته بما يجعله محتسبا امر الموت احتساب المتجه وجهته على الدوام. بيد ان التوجه نحو الموت ليس الوجهة الوحيدة التي يسلكها دازاين، فهناك ايضا وجهة الولادة، اي البداية. فكما ان النزوع الى الموت هو نزوع الى الاكتمال، فإن التوجه نحو الولادة  لهو نزوع، الى البدء، الى الإرث الذي يؤول الينا من اسلافنا. ونحن اذ نتجه الى الماضي انما نفعل ذلك بغية استقاء كل ما يفيدنا، وما يكشف امامنا احتمالات كوننا، في سياق المضي نحو المستقبل.

وبما ان ارث البداية ليس حكرا على دازاين وحده، حتى وإن سلك دازاين سبيله الخاص في العودة الى البدء والنهل من ذلك الارث. فإن هذا ما يجعله على ارض واحدة مع من يشاطرونه هذا الارث. وبهذا لا يكون دازاين فردآ متمردا ومنعزلآ عن المجتمع. وانما مع الغير، وتحديدا مع «جيل " يسعى الى الاصالة.

 والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل يمكننا ان نستشف من تحليل هايدجر لكون دازاين ما ينم عن ملاح رؤية سياسية او ايولوجية بما بين الواعز الفلسفي لمشايعته الحزب النازي؟

لا مكان لاجابة حاسمة هنا. فمن وجه لا يمكن الزعم بأن حال من الاحوال ان فلسفة هايدجر، انطلاقا من احيائه لسؤال الكون، هي ايديولوجية سياسية مقنعة، ومن وجه آخر فإن في موقف هايدجر من الفلسفة التقليدية، وتحديدا ما يسميه بـ"انطولوجيا الحضور"، وموقفه من التقنية ومن الحداثة عموما ما يدل على ان فلسفته غير بريئة من التزامه بالنازية على ما سنحاول ابانته.

التفكير والتقنية والحداثة

معلوم ان هايدجر يتعلم على نهاية الفلسفة. وما النهاية المعنية الا نهاية ذلك التقليد الذي صير الى إتباعه منذ عهد افلاطون آل الى هيمنة ميتافيزيقيا الحضور على التفكير الفلسفي. فعوضا عن الالتفات الى سؤال الكون، انشغل الفلاسفة بمعرفة ما هناك من جوهر او هيولى او في غيرها مما يبرهن على حقائق راسخة او ثابتة مما هو حاضر. في العالم حضورا يكفل استمرايتها وهويتها.

وان تنتهي الفلسفة هو ان يبدأ التفكير بالمعنى الهايدجري للكلمة. اي التفكير الذي يهدم الصرح الفلسفي القائم ولكن من دون ان يحاول بناء صرح.. آخر بديل له.

فليست الفلسفة بما هي تفكير محاولة لسوق اجابات جديدة لاسئلة قديمة، وليست هي ضرب من التفكير حول شيء ما وانما هي تفكير الشيء المعني. فلا يرمي التفكير الهايدجري بلوغ "الحقيقة " التي غابت عن انتباه او فطنة الاسلاف، وانما يسعى الى تمهيد ممرات وتنظيف. أخرى في ما قد تم التفكير به.

واذا ما ساورنا ظن بأن هذا ضرب من النشاط الفكري لا طائل تحته، وهو ما قد يوحي به، فإننا نكون في ذلك ابعد ما نكون عن الحقيقة. ويكفي ان ننبه الى ان انعدام الفرض المعين تعيين مسبقا ليس يعني لزاما بأننا سننتهي الى الجري في متاهة. وما افلاح هايدجر في وضع حد لهيمنة ميتافيزيقيا الحضور في الفلسفة الآ احدى النتائج الحاسمة لمشروع تفكير الفلسفة انطلاقا من التساؤل في معنى الكون.

ان التفكير لأمر ملازم للب الكيان الانساني، على ما يجادل هايدغر. ولذا فإن تفشي الطيش ما هو الأ عاقبة منطقية للفرار من التفكير. غير ان الانسان الحديث لا يفر من التفكير فحسب وانما ينكر حقيقة فراره ايضا. ولكن هل من الصواب الزعم بأن الناس في العصر الحديث فارون من التفكير ومنكر