|
نطمح
هنا الى دراسة الشاعر
المعاصر أدونيس وما له من
علائق بالشاعر العباسي
المتنبي. ومن خلال ذلك نطمح
الى إبراز فهم أدونيس
للمتنبي من ناحية ومفهومه
للحداثة من ناحية أخرى. ومن
ثم نأمل في عرض المباديء
الأساسية لماهية الشعرية
العربية في رأي أدونيس. يقول
أدونيس في معرض حديثا عن
نشأته والتأثيرات الباكرة
عليها إن طفولته الأولى في
القرية انجبلت بالشعر
العربي القديم، وذلك بتوجيه
أبيه وسهره على تربيته، إذ "كان
قارئا محبا للشعر وبصيرا في
اللغة العربية وأسرارها.»
ويضيف «على يديه قرأت بشكل
خاص، المتنبي وأبا تمام
والشريف الرضي والبحتري،
والمعري، وعشرات آخرين، في
دواوينهم أو في مجاميع
شعرية - وبخاصة " الحماسة »
لأبي تمام" (أدونيس 1993، ص 26-27). فلما
التحق بجامعة دمشق حيث درس
الفلسفة، لم يجد في نفسا
رغبة لكي يقرأ من جديد ما كان
قد قرأه من الشعر بل إنه وجد
الجامعة مكانا يقتل الشعر
والذائقة الشعرية. (أدونيس 1997،
ص 27). غير أنه نظم الشعر منذ
أواسط الأربعينات ليعبر عن
تجاربه في الحياة على ضوء
قراءته للشعر العربي القديم
وما كان يصله من الشعر
العربي المعاصر قبل تخرجه
في الجامعة عام 1954، ويخص
بالذكر منه شعر نزار قباني
وبدوي الجبل وعمر أبي ريشة
ومحمد نديم وسعيد عقل (أدونيس
1993، ص 24- 26)، وعلى الرغم من أنه لم
يكن قد درس اللغة الفرنسية
في المدرسة أكثر من سنة ونصف
السنة في طرطوس في منتصف
الأربعينات، إلا أنه تجرأ
على أن يقرأ بهذه اللغة «أزهار
الشر" لبودلير بكثير من
المعاناة، وقرأ بعد ذلك
ريلكه في ترجمته الفرنسية.
ثم عرضت له قراءة رينيه شار،
وهنري ميشو، وماكس جاكوب
عام 1955 وهو في خدمة العلم في
حلب (أدونيس 1993، ص 28- 29). وانفتحت
أمامه فيما بعد آفاق كثيرين
غيرهم من شعراء الغرب عبر
اللغة الفرنسية وكان أن
أصبح له أسلوب جديد في كتابة
الشعر العربي منذ أواسط
الخمسينات شارك به مع غيره
من الشعراء العرب الشباب
آنذاك في تأسيس حركة
الحداثة في الشعر العربي
المعاصر. وقد
تعرضت حركة الحداثة هذه
لمهاجمة شديدة شرسة، غير
أنها صمدت وترسخت على مدى
الأيام حتى أصبح لنتاجها
الشعري اليوم شأن يذكر. وفيه
يقول ادونيس: "إنه، على
الصعيد العربي، أعظم إنجاز
شعري، بعد انجاز الكوكبة
الفريدة: ابي نواس، وأبي
تمام، والمتنبي والمعري،
وعلى الصعيد العالمي واحد
من أهم الانجازات الشعرية
في تاريخ الابداع الحديث ». (أدونيس
1993، ص 151). المتنبي
إذن من «الكوكبة الفريدة » في
رأي أدونيس، وشعره جزء من
أعظم انجاز شعري عرفه العرب.
وهو مواز في أهميته لانجاز
حركة الحداثة الشعرية
العربية التي هي بدورها من
أهم الانجازات الشعرية في
تاريخ الابداع الحديث. وليس
هناك جديد في اعتراف أدونيس
بعظمة شعر المتنبي، لكن
الجديد أنه يقرنه بالحداثه
الشعرية العربية ومن خلالها
بالابداع العالمي الحديث. في
الخمسينات وجد أدونيس نفسه
يقف على مفصل حاسم للشعر
العربي ولاسيما بعد مشاركته
يوسف الخال في تأسيس مجلة «شعر»
وتحريرها في بيروت بدءا من
شتاء 1957. ولم يكن قبل تخرجه في
الجامعة قد قرأ شوقي ولم يكن
يعرف شعر الجواهري وكان
بعيدا عن جبران، على حد قوله (أدونيس
1993، ص 26). لذلك وجد نفسه أمام
مسؤولية شخصية كبيرة
للاطلاع على نتاج الشعر
العربي المعاصر وأن يأخذ
نفسه بشيء من الشدة وحسب،
ولكن في التراث العربي
الاسلامي بأسره فضلا عن
التراث الغربي والعالمي.
فعكف على مطالعات واسعة
لأكل الاتجاهات. وكان
من حصاد ذلك أن تكونت في ذهنه
صورة كبيرة موحدة عن مسيرة
الشعر العربي منذ الجاهلية
حتى العصر الحديث، وعن نموه
في نظام معرفي محدد تحت
تأثيرات معاشية معينة ساعدت
على تكوين تضاريسه
واتجاهاته. ووجد من واجبه أن
يعيد النظر في كثير من
المباديء النقدية لتقييمه،
لكي يصله بما ينتجه الناس من
شعر في العالم الحديث. فكان
أن جمع اختياراته من الشعر
العربي على ضوء ذلك كله فيما
أسماه «ديوان الشعر العربي»
وذلك في ثلاثة أجزاء أصدرها
بين عامي 1964و1968. وكان من ذلك أيضا
أن التحق بالجامعة اليسوعية
في بيروت لدراسة التراث
العربي الاسلامي بعمق
ونظام، وكتب رسالة دكتوراة
في هذا الموضوع نشرها بعد
تخرجه سنة 1973 بعنوان "الثابت
والمتحول » (1974-1978) مضيفا الى
جزءيها الأصليين جزءا ثالثا
عن الحداثة. بعد
هذين العملين الكبيرين أي "ديوان
الشعر العربي» و«الثابت
والمتحول »، يمكن أن يقال إن
أدونيس كان قد استأنس لما
اختطه لنفسه من طريق في قول
الشعر والتنظير له منذ
قصيدته «الفراغ » (أدونيس 1959، ص 31-47).
التي نشرها سنة 1954 وتخطى فيها
أسلوبه السابق. وهي قصيدة
غاضبة ترفض الراهن العربي
الفارغ وتفتح امكانية بناء
حياة عربية جديدة، ويخرج
ايقاعها الجديد على نظام
الشطرين والقافية ولا يتبع
نسقا موحدا من التفعيلات من
حيث انتظام العدد والتوزيع
على الأشطر بل يسير بحرية
موازيا لهيب الغضب وتموجات
الفكر في القصيدة.وكان
أدونيس كذلك قد ارتاح لما
توصل اليه من فهم جديد
للتراث العربي الاسلامي،
الأدبي منه والحضاري.
وللموازين والمعايير التي
بها تم له الحكم على قيمه،
السالف المنصرم منها
والراهن الحي. يقول
أدونيس وهو يتكلم على سيرته
نحو الحداثة: "أحب هنا أن
أعترف بأنني كنت بين من
أخذوا بثقافة الغرب. غير
أنني كنت، كذلك بين الأوائل
الذين ما لبثوا أن تجاوزوا
ذلك، وقد تسلحوا بوعي
ومفهومات تمكنهم من أن
يعيدوا قراءة موروثهم بنظرة
جديدة، وأن يحققوا
استقلالهم الثقافي الذاتي،
وفي هذا الاطار، أحب أن
أعترف أيضا أنني لم أتعرف
على الحداثه الشعرية
العربية، من داخل النظام
الثقافي العربي السائد،
وأجهزته المعرفية، فقراءة
بودلير هي التي غيرت معرفتي
بأبي نواس، وكشفت لي عن
شعريته وحداثته، وقراءة
مالارميه هي التي أوضحت لي
أسرار اللغة الشعرية
وأبعادها الحديثة عند أبي
تمام، وقراءة رامبو ونرفال
وبريتون هي التي قادتني الى
اكتشاف التجربة الصوفية -
بفرادتها وبهائها. وقراءة
النقد الفرنسي الحديث هي
التي دلتني على حداثة النظر
النقدي عند الجرجاني، خصوصا
في كل ما يتعلق بالشعرية
وخاصيتها اللغوية -
التعبيرية (أدونيس 1985، ص 86- 87). بعد
عمليه الكبيرين "ديوان
الشعر العربي» و«الثابت
والمتحول »، كان باستطاعة
أدونيس أن يدحض قول كل من
يتهمه بمعاداته للتراث
العربي والدعوة للأخذ
بثقافة الغرب كان يرى نفسه
شاعرا يصدر عن أعز ما في
التراث الشعري العربي
ومفكرا يدعو لأعز ما فيه من
قيم، وهي في رأيه قيم
التساؤل والتجاوز والابداع
المتجدد، والايمان
بالانسان وحريته وسيادته
وقدراته الفكرية والروحية
لفهم العالم وامكان العمل
على الخلق والتجريب والتغير
والبناء الجديد. وهي القيم
التي ينسبها أدونيس الى
الحداثه بغض النظر عن العصر
الذي يتبناها أو البشر
الذين يعملون بها. يبدأ
أدونيس مقدمة الجزء الثاني
من "ديوان الشعر العربي»
فيقول في التحول الكبير
الذي حل بالشعر العربي في
العصر العباسي: "من القبول
الى التساؤل: هذا هو الخط
الذي ترسمه الحساسية
الشعرية العربية بين امريء
القيس وأبي العلاء المعري". (أدونيس
1986 / 2، ص 5). ثم يشرع في تفصيل القول
مبينا ما أدى اليه التساؤل
من جديد في شعر من سماهم
نقادهم "المولدين » أو «المحدثين
" لما عرف عن شعرهم من توليد
للمعاني واحداث في الصور
والألفاظ والتراكيب خرجا
بشعرهم على ما سماه النقاد
عمود الشعر. يذكر أدونيس ذلك
الخروج على شعر السلف
معترفا أنه مخالف للطريقة
العربية في كتابة الشعر
آنذاك، ولكنه يؤكد أنه «ليس
خروجا على الروح الشعرية
العربية، بل إنه أفق آخر
يتفجر منها ويغنيها. »(أدونيس
1986/ 2، ص 5). فهو يؤمن أن أصولية
الشعر العربي ليست عادة
وتقريرا، كما فهمها النقاد
القائلون بعمود الشعر،
ولكنها تتصل بالطاقة
الروحية في الشعب وتعبر عن
ذاتها بأشكال مختلفة لأنها
نابعة من حالات ومواقف
كثيرة ومتنوعة (أدونيس 1986/ 2، ص 5). يتضح
من هذا أن أدونيس ينظر
بمنظار جديد الى الأصول
الأولى للشعر العربي كما
تجلت في العصر الجاهلي،
ويردها ذات كثرة وتنوع،
ويرى أن اللاحقين من شعراء
العصور التالية غير مضطرين
الى نظم شعرهم متبعين أصلا
واحدا منها، بل لهم أن
يختاروا وعليهم أن يبدعوا
ولا يكرروا، لأن التكرار
موت للروح الشعرية، ولأن
الابداع حياة متجددة لها.
وقيمة كل شاعر ما في شعره من
استحداث وابتكار متأصلين في
هذه الروح. فإذا كان الشاعر
ينطلق في شعره من تجربته في
عصره، وهي بلا شك مختلفة عن
تجارب غيره في عصره والعصور
السابقة، فإنه لا محالة
قائل شعرا مغايرا، وهو
بالتالي شعر حديث إن كان فيه
طاقة فنية للتطلع والتخطي
والابداع. نظرة
أدونيس هذه الى الأصول
الشعرية العربية وحاجة
الشعراء في العصور الطالعة
الى تخطيها موازية لنظرته
الى الأصول الاسلامية في
التراث الحضاري العربي
وحاجة الناس في العصور
الطالقة الى تجاوزها. (أدونيس
1977، ص 203- 207). وفي كلا الحالين يكون
التخطي أو التجاوز منطلقا
من الأصول، متجذرا فيها. ذلك
لأن الافلات التام منها غير
مستطاع بتاتا لأن في الأصول
بدء الحياة والتاريخ،
وبدونها لا حياة ولا تاريخ.
ومن ناحية أخرى، فإن الأصول
تؤول الى الضمور والموت
والاندثار إن لم يتعهدها
الناس بالتخطي، إذ في
التخطي الحياة والتاريخ،
وهو نسغ الاستمرار بلا
تكرار لأنه خلق جديد.الثابت
في الأصول يتحول بالتخطي،
وفي المتحول تجدد للاصول
واستمرار لحياتها وبقائها. ينظر
أدونيس في شعر المتنبي
ويختار منه مقاطع وأبياتا
لـ"ديوان الشعر العربي»
راقت له. (أدونيس 1989/ 2، ص 342- 368) وهو في
اختياره يتبع المذهب ذاته
الذي سار عليه منذ أخذ على
عاتقه مهمة إعادة النظر في
الشعر العربي على ضوء
حساسية حديثة وقيم نقدية
جديدة،. فاختياره اختيار
شخصي على حد تعبيره وان حاول
فيه الافادة من قيم جمالية
فنية خالصة تتجاوز حدود
الزمان والمكان، وتتخطى
الاعتبارات التاريخية
والاجتماعية ولكن دون نفي
أهميتها ودورها (أدونيس 1986/ 1، ص 13).
ليس الشعر في رأيه وثيقة
اجتماعية أو تاريخية، وليس
قيمته بموضوع معين يتناوله،
إنما هو ذو قيمة بنفسه
وبالقدر الذي يرتقي فيه
الشاعر من الجزئي الى الكلي:
يحتفظ بحرارة التجربة
الجزئية ولكن يستشرف عمق
الحقيقة الكلية، يعاني
اللحظة الآنية ولكن يتعالى
فوقها بإبداعه. لذلك اهتم
أدونيس بهموم الشاعر
وأفراحه وآلامه وبمواقفه من
الحياة والدنيا والناس
والطبيعة، ولكن لم يعر
اهتمامه لما يتصل بالمجتمع
أو التاريخ من شعر المدح
والهجاء وما اليهما لأنه
جزء من التاريخ السياسي
الاجتماعي لا من تاريخ
الابداع الشعري. ومع
هذا، يختار أدونيس من شعر
المتنبي أبياتا من ميميته
في مدح سيف الدولة (أدونيس 1986/ 2،
ص 356- 358). وأبياتا من ميميته في
رثاء جدته لأمه (أدونيس 1986 / 2، ص360- 363). وأبياتا من يائيته في مدح
كافور الاخشيدي (أدونيس 1986/2، ص368) وأبياتا
من داليته في هجائه (أدونيس 1986/2,ص
348-349). وغير ذلك من شعر المناسبات.
لكن اختياره يقع على
الأبيات التي يعلو فيها
المتنبي على المناسبة في كل
من هذه القصائد ليستصفي
منها تجربته للحياة والناس،
وليعبر عن عواطف إنسانية
تجيش في نفسه وتظهر شخصيته
بحميمية وعمق، ويتجلى فيها
وفي غيرها من الاختيارات
حسن القول في التركيب وزخم
الابداع في التصوير وغنى
المعنى في التجربة - حتى في
تلك الاختيارات التي كانت
بيتا واحدا أو بيتين أو
ثلاثة فقط. يبدو
المتنبي في هذه الاختيارات
وقيما كتبا عنه أدونيس
شاعرا عملاقا، واثقا من
نفسه، تياها على عصره
ومعاصريه، ويبدو أيضا
انسانا يشعر في عمق أعماقه
بأن الدهر خؤون، ولكنه لا
يرضى أن يهادنه بل إنه يترفع
عليه ويحتفظ بالكرامة ولا
يقلل من عزمه وطموحه. يقول
أدونيس: "المتنبي يفرز نفسه
ويعرضها عالما فسيحا من
اليقين والثقة والتعالي في
وجه الأخرين وضدهم ». (أدونيس 1986/ 2،
ص 19). ثم يضيف: "إن شعره كتاب في
عظمة الشخص الانسانية،
يسيره جدل اللانهاية
والمحدودية، الطموح الذي لا
يعرف غاية ينتهي عندها،
والعالم الهرم الذي لا يقدر
أن يتحرك ويساير هذا الطموح. (أدونيس
1986/ 2، ص 19- 20). هل
يعني هذا أن التعاظم
والاعتداد والتكبر على
الآخرين من مميزات الحداثة؟ لا،
بكل تأكيد. ولكن هذه من صفات
المتنبي المميزة ويجدر
ذكرها في الصدارة لفهم
الرجل وشعره. أما ما هو من
مميزات الحداثة فيه فهو هذا
التساؤل في دخيلاء النفس
الذي ينفرز على قول الشاعر
في جدل كؤود بين محدودية
الانسان ولانهائية طموحه،
وهو الجدل الذي يدل على وعي
بعظمة الانسان وما يكمن فيه
من الامكانات وضروب التحقق.
فإذا لم تتيسر هذه له لأن
العالم لا يقدر أن يساير هذا
الوعي أصيب الانسان بشعور
بأن امكاناته هدرت. فإذا كان
الناس هم سبب هذا الاحباط
زاد ذلك في شعوره بهدر قيمة
الانسان، وقد يدعوه هذا
الشعور الى الثورة على
الناس والتعالي عليهم. وما
أكثر ما فعل المتنبي ذلك ! لكنه
لا ييأس أبدا وان لم يبلغ
غايته، ذلك أنه يقدر
باستمرار أن الحياة «شروع
دائم " كما يعبر أدونيس. ينظر
دوما الى المستقبل ليحقق
ذاته لأن الوقوف عند الحاضر
الآسن هو العجز الأعظم،
وحياته وشعره تطلع دائم الى
ما وراء الأفق، الى ما يمكن
في الامكان، الى ما يغير
الواقع. هذا هو طموحا، وما
شعره إلا أغنيات لهذا
الطموح. واذا
كان هذا الطموح الجامح يؤدي
بصاحبه الى التفرد، بل الى
الانفراد والوحدة، فليكن. «كذا
أنا يا دنيا» يقول المتنبي.
ولكنه لا يهادن، ولا يقبل
بالمسكنة والسكون، ولا يرضى
بالفسولة. قد يتألم في
وحدته، لكن ألمه ألم النفس
الكبيرة يجابه بها العالم
وهو راض. قد يسخر من العالم
ومن أناسه صغار النفوس،
ولكن سخريته سخرية الرفض
للواقع الذي يريد هو أن
يتخطاه ويتجاوز كل ما فيه
مما يتنافى مع مثله ورؤاه
للمستقبل هذه الوحدة وحدة
غاضبة لا يرضيها شيء، كما
يقول أدونيس. ويضيف: هي «وحدة
التعالي والمطالب الكبرى
والاتصال بينابيع القوة
والسيطرة على العالم
وتغييره. إنها الوطن الأرحب ». (أدونيس
1986/ 2،ص21). وأكبر
ظني أنها الوطن الأرحب
لأدونيس أيضا، ومن هنا
اعتباره المتنبي شاعرا من
شعراء الحداثة. ومن أجمل ما
قاله في هذا الصدد ما ختم به
حديثه عن المتنبي في مقدمة
الجزء الثاني من "ديوان
الشعر العربي» إذ قال: «إنسان
المتنبي موجة لا شاطيء لها -
دائما في حركة. إنه أول شاعر
عربي يكسر طوق الاكتفاء
والقناعة، ويحول المحدودية
الى أفق لا يحد. شعره للحركة،
للحرارة، للطموح، للتجاوز،
إنه جمرة الثورة في شعرنا،
جمرة تتوهج بلا انطفاء. إنه
طوفان بشري من هدير
الأعماق، والموت هو أول شيء
يموت في هذا الطوفان ». أدونيس
1986/2 ,ص 22). ولأدونيس
اختيارات أخرى من شعر
المتنبي أوسع مدى من
اختياراته في «ديوان الشعر
العربي» وهي التي نشرها في
ملحق من اثنتين وثلاثين
صفحة لمجموعة من الصحف
العربية وزع مجانا في صيف 1997 في
مشروع «كتاب في جريدة "، وهو
عمل ثقافي عربي شاركت فيه
منظمة اليونيسكو و«كتاب
الشيخ زايد العربي»، ويهدف
الى الاندماج الثقافي في
الوطن العربي وتعميم
القراءة والتواصل مع الآداب
والفنون عبر العصور
المختلفة. وقد سمى أدونيس
عمله هذا «الدهر المنشد.
المتنبي - مقتطفات " وقدم له
بمقدمة قصيرة، وزينه الفنان
العراقي ضياء العزاوي
بالرسوم. ومن الصحف العربية
الاثنتين والعشرين
المشاركة في توزيع هذا
الملحق وأمثاله: «الأهرام » و«النهار»
و«القدس ». في
«الدهر المنشد" مختارات من
قصائد وأبيات للمتنبي وردت
في «ديوان الشعر العربي»
وتكاد مباديء الاختيار في
الكتابين تكون هي نفسها،
إلا أن أدونيس في «الدهر
المنشد» قلل من اختيار ما راه
يتصادى أو يتقاطع في معانيه
مع شعر آخرين وان كانت
صياغته أجمل وأغنى، وحرص
على اختيار ما راه يتصادى مع
مشكلات العرب وهمومهم
وتطلعاتهم الواهنة، ولا
يحتاج بالضرورة الى شرح
معجمي. وعلى الرغم من ادخاله
كمية أكبر من قصائد
المناسبات في المدح والهجاء
والرثاء وغيرها، إلا أنه
اختار منها ما يمثل رؤية
انسانية فيها تجربة شخصية
ذات عمق وحرارة تعلو على
المناسبات المحدودة. ويقول
أدونيس في المتنبي: «إن شعره،
كمثل حياته، بوتقة إبداعية
فذة، ينصهر فيها الشخص
والجماعي، الفني
والانساني، الأصل
والصيرورة، ويتآلف فيها هذا
كله، على الرغم من
تناقضاته، وربما بفضلها". (أدونيس
1997، ص 5). وهو قول يؤيد ما سبق أن
قاله فيه، ويؤكد أهمية
الابداع وتخطي الأصل
بالصيرورة المستمرة،
وضرورة الصدور عن التجربة
الشخصية واقتناص المعاني
الانسانية التي تهم الجماعة
- وكل ذلك في تآلف وفن يصهران
التناقضات. أضف اليه إيمان
أدونيس أن في شعر المتنبي
المكتوب قبل أكثر من ألف عام
ما يتمادى مع مشكلات العرب
وهمومهم وتطلعاتهم اليوم،
وكأنا يؤمن بالالتزام
والتحام الشاعر بأمته
ومجتمعا إذا كان هذا
الالتزام وهذا الالتحام
نابعين من نفس الشاعر عن
تجربة شخصية صادقة، لا
مفروضين عليه من سلطة
حكومية أو حزبية أو عقائدية
تفسد عليه الشعر. أحس
أدونيس بضرورة استحضار
المتنبي الى العرب
المعاصرين لتجاوب شعره مع
أحوالهم الواهنة ولكنه لم
يكتف بالمقتطفات مما نشر من
هذا الشعر، لذلك عمد الى
حيلة أدبية فيها الخلق
والابداع فضلا عن المعرفة
بالتراث. فتقمص شخصية
المتنبي وكبس ظروف عصره
وأخرج عملا جديدا عنوانه "الكتاب:
أمس المكان الآن. مخطوطة
تنسب الى المتنبي يحققها
وينشرها أدونيس، (أدونيس 1995/ 1).
وهو عمل فريد في فكرته، طريف
في طريقته، ولابد أن أدونيس
وجد فيه ما يربط عصره بعصر
المتنبي » شخصيته بشخصيته،
لما تبين له في كليهما من
وشائج الحداثة المشتركة. في
الكتاب فصول عشرة مرقمة،
تحتوي السبعة الأولى منها
على شعر حر منسوب الى
المتنبي، وكل فصل من هذه
الفصول السبعة يحتوي على
ثمانية وعشرين مقطعا، كل
منها مطبوع على صفحة في إطار
مستطيل مرقم بحرف من حروف
الأبجدية ومختوم بحاشية
شعرية في أسفله. ويلي كل فصل (ما
عدا السابع) قسم عنوانه "هوامش
» فيه عشرة مقاطع شعرية، كل
منها مطبوع على صفحة في إطار
مستطيل وهو منسوب الى
المتنبي، وفيه يستوحي شاعرا
عربيا من التراث ويناجيه أو
يحاوره، ويسبق هذه «الهوامش »
في كل من الفصل الثاني
والرابع والسادس مقطوعة
طويلة عنوانها «فاصلة
استباق" أما الفصول الثلاثة
الأخيرة من الكتاب، فالثامن
منه عنوانه "أوراق (أوراق
عثر عليها في أوقات
متباعدة، ألحقت بالمخطوطة)"،
الورقة الأولى منها غير
مرقمة والخمسون التالية
مرقمة. والفصل التاسع
عنوانه «الفوات في ما سبق من
الصفحات " وفيه أربعة
وثلاثون فواتا. والفصل
العاشر عنوانه "توقيعات"
وفيه ثلاثة توقيعات، الأول
اسمه مفرد والثاني ثلاثي
والثالث متعدد. بالاضافة
الى ذلك، لكل صفحة من صفحات
الفصول السبعة الأولى ذات
المقاطع المؤطرة المرقمة
بالأبجدية هامشان عريضان،
أيمن وأيسر، في الأيمن ما
يرويه الراوي من تاريخ
الاسلام من السنة الحادية
عشرة الهجرية الى السنة الـ160
الهجرية مسحوبا على الفصول
السبعة كلها بتسلسل، وفي
الأيسر إشارات محقق الكتاب
وتعليقاته على قول الراوي
أو أحيانا على نص المقطع. أما
الفصول الثلاثة الأخيرة فلا
يظهر فيها الراوي، لكن
للمحقق اشارات وتعليقات في
الفصل التاسع منها فقط. وينتهي
الكتاب على الصفحة 180 وهي
مؤرقة في باريس،آذار1995. إن
فهم بنية الكتاب تساعد على
فهم محتوياته، وقد يبدو
للقاريء أن المقاطع المؤطرة
في الفصول السبعة الأولى هي
نواته الفكرية والفنية.
لكنها على أهميتها البالغة
يجب أن تقرأ على ضوء ما يقوله
الراوي ويجب أن يؤخذ معها في
الاعتبار ما جاء في حواشيها
وفي "الهوامش " و "فواصل
الاستباق " و" الأوراق » و"
الفوات " و "التوقيعات". ولا
يقل عنها أهمية ما يقدمه
المحقق من إشارات وفوائد. قد
لا نميل الى اعتبار الراوي
محايدا وهو القائل: للمتنبي
ذاكرة لهب يتغغل في
التاريخ وجرح يتدفق في جرح, وانا
قبس منه، (أدرنيس
1995، ص26) ولكننا
ندرك أن كثرة روايته
لأحاديث الشقاق والخلاف
والقتل واستبداد أصحاب
السلطة في تاريخ الاسلام
بين سنة 11هـ وسنة 160 هـ غايتها
التمهيد لفهم روح التمرد
التي عرفت عن المتنبي
ودعوته لاحقاق الحق. ولعله
يتوسل بمعرفته للمتنبي
لتقديم صورة قاتمة لفوضى
الحكم وبؤس الضعفاء وبطش
ذوي السلطة بالمطالبين
بالعدل والمساواة في
المجتمع الاسلامي منذ يوم
السقيفة حتى خلافة المهدي،
كما يتوسل أدونيس بالنقل
عنه لتقديمها للعرب
المعاصرين صورة رمزية عن
المجتمع العربي المعاصر.
وغاية كليهما أخذ العبرة
بما مضى وتحسين الحال. يقول
الراوي في مطلع روايته: إن
المتنبي عاش ولكن في ما يشبه
تابوتا سافر
,لكن في ما يشبه مقبرة في
طقس لا تخلو سنة منه, في
طقس للقتل (وقد لا يخلو يوم) (أدونيس
1995/ 1, ص 9). ويضيف
في ما بعد: لا
نعرف من نحن الآن،
ومن سنكون , إذا
لم نعرف من كنا. ولذا سأقص
عليكم من
كنا - (أدونيس
1995/ 1، ص 10) ثم
يسرد مشاهد وحوادث تاريخية
بدءا من يوم سقيفة بني
ساعدة، ويمر بما قاساه علي بن أبي
طالب وذريته وشيعته من
فواجع على يد أصحاب السلطة،
ثم ما لاقاه الخوارج وغيرهم
من تقتيل وتمثيل من أجل
العقيدة، ويذكر الصراع بين
المتسلطين أنفسهم وأعمال
العنف والغدر والكيد التي
ارتكبوها لنيل الحكم أو
للمحافظة عليه والاستبداد
به. ويعود بين الفينة
والفينة ليتحدث على المتنبي
وما هاله من هذه الأخبار
وكيف كونت ما انبجس منه من
فيض الشعر. ويقف من حين الى
آخر ليعلق على سير التاريخ
الدامي. يقول مرة: ألفكرة
قتل أو مقتل: تلكم
مائدة الماضى أتراها
مائدة المستقبل) (أدونيس
1995/ 1، ص 107) ويقول
مرة أخرى: أترى
أرضنا لغة في الأثر لا
يترجم أسرارها غير
قتل البشر؟؛ (أدونيس
1995/ 1، ص 188) ويتعجب
من المتنبي كيف يفيض بحر
التاريخ عليه وكيف يكتب
الشعر: وأتعجب
, لا بالريشة يكتب
, لا بيديه , بل
بالكون، وبدءا من
كل حصاة فيه, من
كل عذاب، من
كل عماء, من
كل ضياء, بدءا
من كل جنين. كلا
,لن تفهم ما
أرويه , لن
تفهم شيئا من تاريخك
, لن تتفهم
سر الحاضر إن
لم تفهم هذا الشاعر (ادونيس
1995/ 1،ص297). وإن نحن قرأ |