خطاب ما بعد الحداثة
انحلال الحتمي واغراء المختلف


محمد حافظ  دياب(أستاذ جامعي من مصر)


قد يبد واستهلال الكلام عن الحداثة مدخلا ملائما لمقاربة خطاب ما بعد الحداثة، فامة وأن أزمة الحداثة ونقدها في الغرب شكلا أساس مولد هذا الخطاب.

والأمر حول الحداثة يتعلق بمشروع حضاري، ارتدى عبر سيرته أصباغا متنوعة وأشكالا متعددة : فمع بداية القرن السادس عشر، انتشر في أوروبا كمعارضة للنمط التقليدي الاقطاعي، ومثل انعطافة تاريخية أثناء القرن الثامن عشر، حين حمل قوى اجتماعية جديدة بمفاهيمها وقيمها التي ترجمتها عقلانية عصرا لتنوير وفلسفة الحقوق البورجوازية والعلمانية والتصنيع وتقدم العلوم واستغلال الطبيعة، والايمان بتقدم خطي. واستحال في طور آخر نهاية القرن التاسع عشر، الى مفاهيم جمالية وأساليب فنية عارضت الواقعية والكلاسيكية والرومانسية، وانفتحت على الابتكار والتجريب. وتبلور عقب الحرب العالمية الثانية في الولايات المتحدة، كي يلائم الظروف الموضوعية التي حققت نجاح التوسع الرأسمال، ليضحى رديفا لتخفيف احتدام الصراعات الاجتماعية، وتعجيل التحضر، وتوسيع قاعدة الفئات الوسطى، ليغز وأوروبا بهذه الكيفية بعد ذلك، ويلهم مشاريع التحديث في عالم الجنوب، مع انهيارا لحكم الاستعماري في معظم بلدانه، حيث تركز الاهتمام في اكتشاف الطرق والوسائل التي تساعد على تحديثها طبقا للنمط الغربي،وان تبدى في الفترة المبكرة لحركة مناهضة الاستعمار لدى هذه البلدان، تفاؤل بعثورهم في الاشتراكية على بديل لهذا النمط. وقام الغرب بتشجيع ورعاية هذا التحديث، في إطار استراتيجيته لتطويق وعزل الاتحاد السوفييتي وبلدان الكتلة الاشتراكية.

نقد الحداثة :

بيد أن انجازات مشروع الحداثة، بكل مراحلها وتضاريسها وتبايناتها، بدأت تفرز تداعياتها في طغيان العقل وتراجع الروح وحيرة الكائن وعجزه ومصادرة امكاناته، لتغدو هذه الانجازات موضع تساؤل منذ الخمسينات، مع اندلاع حرب فيتنام، وانتفاضة الشباب في فرنسا عام 1968، التي تحدت طموحات العالم الممركز "لديجولية " ما بعد الحرب، لتعقبها أزمة السبعينات الاقتصادية، وتراجع التجارب الديموقراطية الاجتماعية في أوروبا، والطفرة التكنولوجية، وسقوط النموذج السوفييتي، ومؤخرا الظهور الطاعن للعولمة، مما أدى الى انهيار أوهام الحداثة في أشكالها السابقة، وافساح المجال لظهور تيارات فكرية، أعادت النظر في أفكار عصر التنوير عن العقل والتحرر والتقدم وانتقدت مشروع الحداثة وسعت الى مراجعته، برفض تصور الابستمولوجيا الغربية للحقيقة، القائمة على ادعاء قدرة المعرفة والتنبؤ، والتمرد على ما اطقت عليه "أسطورة الذات » التي تراها كمركز للعالم، ونقد المنطق الكلي في السياسة والأخلاق، وما ينحل عنه من أنظمة متسلطة، ومعارضة ميتافيزيقية التفكير الفلسفي التي تتحصن بمعرفة يقينية خالية من احتمالات التناقض  واللاتحديد والانقطاع. (1)

كان الفيلسوف الألماني فردريك نيتشة F. Nitzsche  (1844- 1900) أول من بدأ بقطيعة فكرية مع العقلانية المتمثلة بالحداثة ونبذها، حين تحدث عن عتمتها واظلامها واكفهرارها ومرضها، وهاجم مفهومها حول التقدم، ونزع القيمة عن التاريخ كعملية صاعدة، ورفع صوتا ضد عبادة الدولة والليبرالية السياسية، وبشر بإنسان خارق، يستطيع تجاوز حدود عصره والتعجيل ببزوغ فجر جديد للبشرية.

وطبقا ليوجين فنك E. Winnick  رأى نيتشة أن المفاهيم الكوزمولوجية، المتمثلة في التصورات التي تستهدف اعطاء وحدة وكلية ومغزى للتاريخ،هي مخططات للتفسير الميتافيزيقي التي تبغي ادراك الصيرورة، بافتراض أن لها معنى وان للتاريخ هدفا، بما يقود الى العدميه(2).

وتحدث مارتن هيدجر  M. Heidegger  عن هيمنة العقلانية على كل مظاهر الحياة، واعتبار الذات، أو بقوله «ميتافيزيقا الذات »، أساس العالم ومقياسه الوحيد، وهيمنة التكنولوجيا، والتي هي لديه استكمال للمشروع الحداثي، من حيث احكام الانسان وسيطرته على الطبيعة، ومن ثم فهي ليست سوى استمرار للميتافيزيقا الغربية وكمالها على الأرض، حيث التنظيم التكنولوجي للأرض هو الصيغة الناجزة للميتافيزيقا، اضافة الى النظر للكائنات كما لو كانت أرقاما تدار إدارة بيروقراطية، بما هدف لديه «تحطيم الميتافيزيقا الغربية "، وعنى بها الافتراضات الانطولوجيه التي تتحكم في التصورات النظريه (3).

كذلك توقفت مدرسة فرانكفورت في ثلاثينات القرن الحالي أمام سيرورة العالم المطلقة السراح، ووسمت الحداثة بانطلاق العقل الأداتي instrumen tal mind  الذي يترجم الى تقدم تكنولوجي واقتصادي لآ محدود، ويحفز السيطرة التكنولوجية، بما يجعله يتحول الى مجرد جهاز للسيطرة على العلاقات الاجتماعية، والتشيؤ reification  وتعاظم البيروقراطية. فالحداثة على ما يرى اثنان من اعلامها : ماكر هو كايمي M,Horkheimer  وثيودور أدورنو Adorno  The. " ليست سوى هيمنة عقلانية ونفعية للطبيعة وللحاجات، لدرجة أن العقل اندمج مع السلطة وأصبح طاغيا. ذلك أنها طوعت لنفسها عقلا أداتيا، اتخذت منه أداة في خدمة رأس المال، فتخلت بذلك عن قوته النقدية، اضافة الى أن العلم الحديث وجد نفسه بهذه الكيفية في خدمة المردود التكنولوجي بصفة كلية، مما أدى الى تحول أسطورة العقلانية  النفعية الى قوة مادية» (4).

وقد مثلت المفاهيم النقدية التي صاغت من خلالها هذه المدرسة تصوراتها لأشكال السيطرة والسلطة داخل المجتمع الرأسمالي (العمل الانساني، العقل الأداتي صناعة الثقافة، الاغتراب، ايروس التحرر واللوجوس القمعي، انسان البعد الواحد..). قدرتها على تفسير مظاهر الهيمنة داخل مجتمعات الحداثة الرأسمالية، وبالذات المنهج الفلسفي النقدي الذي صاغه أدورنو «الجدل السلبي" negative dialects  والذي

يعد أساس كل نزعة نقدية عميقة للحداثه (5).

في هذا السياق، تبلور، وبالأخص منذ العقدين الماضيين، خطاب ما بعد الحداثة، ليصل في توجهاته الجوهرية، رفضا للكلي، ونفيا للجدلي، وتكريسا للنسبي واليومي مقابل الحتمي والتاريخي، وتحررا من الزمن الخطي، والغاء التمايزات بين الاجتماعي والثقافي، ودحضا للحدود الفاصلة بين الحقول المعرفية، ومراودة للحق في الاختلاف بدل التماثل، كمحاولة لاقصاء السياسات وحيدة الجانب، وتشظيا للخطاب وتصدعه، تعبيرا عن تفك العلاقات السائدة.

إضاءة تاريخية :

على أن الخلاف يظل قائما حول الآفاق التي غلفت ظهور خطاب، ما بعد الحداثة : هناك من يرده الى مرجعيته في تاريخ المجتمعات والأفكار الأوروبية، حيث من طغيان الثورة الصناعية والآلة العملاقة، ظهر فكر يتلمس قلق الحضارة وغربه الانسان وتشيؤ العلاقات الاجتماعيه(6). أما سكوت لأش S. Lash  فيتعرف على مرجعيته في اضمحلال البنيوية، وضمور التفسيرات الوظيفية السببية، وتطور الفاعلية الرمزية بمضامينها النسبية، وهي توجهات أكدها على مستوى الواقع، تطور طبقات جديدة، هي الطبقات الوسطى للمجتمعات ما بعد الصناعية، والتي يمر مجالها الثقافي راهنا بتوسع (7). بخلاف ذلك، يعاين أستاذ الفلسفه الايطالي جياني فاتيمو  G. Vattimo  السياق التاريخي لما بعد الحداثة في تحولين أساسيين تستقي منهما الالتها: نهاية السيطرة الأوروبية على العالم، وتطور وسائل الاعلام التي أفسحت مجالا للثقافات المحليه والفرعية(8).

وصوغ ما بعد الحداثة في مفهوم محدد، انما صار الى التشكل في سياق عملية متعددة الاسهامات متنوعة، متفاعلة، تجاذبتها التيارات الفكرية والحقول العلمية والمجالات الفنية المتواجدة، وأسهم فيها الظرف التاريخي والاطار الاجتماعي واللحظة الحضارية، وهو ما عبر عنه عالم الاجتماع الفرنسي ألان تورين  A.Touraine   حين ذكر انه نتيجة حركة فكريه ممتدة.(9)

هناك من يرد المفهوم الى الفنان البريطاني جون تشابمان J.Champman  عام 1870أو الى رودلف بانفيتز . Bannwitz . R عام 1917،أو الى الكاتب الاسباني فيدريكو دي أونيس F. de Onis  عام 1934، أو الى الانثربولوجي دادلي فيتس D. Fitts  عام 1942أو الى برنارد سميث B. Smith  عام1944،لكن من المؤكد أن ارهاصات مهدت له في أعمال ديفيد لورنس D.H. Lawrence ودو صاد ,De Sade  وشارل بودلير Ch.Baudelaire   ورامبو A. Rmbaud ،وألفريد جاري A. Jarry  وفرانز كافكا F. Kafka   والفنان الدادائي الفرنسي مارسيل دوشامب M. de Champ  وموسيقى البوب، والتيارات الراديكالية، وكلها خرجت على القواعد المقررة ورفضت الخضوع لأروثوذكسية الفنون ونخبويتها، وأومأت الى زمان ثقافي صائر للاستبدال والتجاوز.

وهكذا إذا لم يكن ثمة اسم اصطلاحي لما بعد الحداثة حاضر في أجندة الفكر الغربي وقتذاك، فإن هذا لا يعني خلو هذه المحاولات من سماه. ذلك أن غياب الدال الذي يعين الاسم الاصطلاحي تعيينا مريحا، يجب الا يفهم على أنه غياب للمدلول أو المحمول المعرفي الذي يتصل به، أي المسمى، انها الكلمة أو أن غيابها، حين تفصح عن القصد.

يمكن على أية حال معاينة نشوء مفهوم «ما بعد الحداثة " كردة فعل لحالة التشوش التي أعقبت الحرب العالمية الأولى في أوروبا، ومثلت تجلياته الأولى خلال الثلاثينات،. تحديا لنزعة الحداثة، وان جاز القول أن المفهوم قد وجد تفتحا الفعلي ايامها في الولايات المتحدة، مع ظهور الوعي الأمريكي في فن العمارة والفنون الأخرى، ولسبب من عدم ارتباط الوعي الأمريكي بماض يكبحه ويحدد شروطه، وخلال عام 1947، قدمه المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي  A. Toynbee ،ليدل على امارات ثلاث رآها تميز الفكر والمجتمع الغربيين منتصف هذا القرن، وهي اللاعقلانية والفوضوية واللامعيارية، بسبب من اقول دور البورجوازية في التحكم بتطور الرأسمالية الغربية منذ نهاية القرن التاسع عشر، وحلول الطبقة العاملة الصناعية محلها، وهو ما رآه انقلابا بل انحطاطا للقيم البورجوازية التقليدية.

ومع الخمسينات، بدا المفهوم كرديف فني للفلسفة الوجودية التي تؤكد المبادرة الفردية وتمردها على سجن النسق، ليتطور بعد ذلك مع دخول المجتمعات الغربية مرحلة جديدة. وما لبث أن أخذ مكانه في التداول الأدبي والفني، احتجاجا على سطحية حركة النقد الأدبي الحداثية، وهو ما أكده ليسلي فيدلر  L. Fiedlerوالنا قد الأمريكي المصري الأصل إيهاب حسن، الذي يعد أبرز الرواد المعتمدين لحركة ما بعد الحداثة. ومثل كذلك رفضا للجماليات الكلاسيكية، وبالذات ما يتصل بالسرديات والرقص والمسرح والتصوير والسينما والموسيقى وهندسة العمارة والرسم. ففي مجال فن العمارة الذي يعتبر المجال الفريد الذي تظهر فيه ما بعد الحداثة بشكل جلي ومحسوس، مثل رفضا لنموذج المعمار الحداثي المستلهم لمثال الآلة والمصنع بوصفه النموذج الأمثل، وتم تفسيره من زاوية تناقضه المباشر مع الأسلوب الصارم والوظيفي للعمارة الحديثة، وقام على خلط الأساليب الحديثة بالقديمة، والاستعاضة على التقشف بالتنميق،وعن التقليد بالاثارة، وعن التجريد بالخربشة في التصميم، ونبذ الوحدة البنائية للعمل لحساب تجاوز مفرداته التي لا تخضع لمنطق ثابت يفرض مجالات توظيفها الفني والجمالي.

بعدها برز مفهوم " ما بعد الحداثة " على شكل مساهمات نظرية ومنهجية لدى المشتغلين بالفلسفة وعلم اللغة، وعلم النفس الجماعي والاقتصاد السياسي وتاريخ الحياة اليومية وعلم البلاغة واللاهوت، والأنثروبولوجيا بكيفية أوضح، باعتبارها أكثر تراودا مع توجهات ما بعد الحداثة الثقافية. وبالذات ما يتصل بالحد من النزعة العلمية المبالغة Scientism  سادت دراسات هذا الحقل المعرفي، وصولا الى صدق نسبي وحقيقة محدودة،وهو ما بدا في مساهمات أنثربولوجية ما بعد حداثية، تغيت طرقا للعرض والمقاربة ذات منظورات متعددة بدل المنظور الواحد، واقترحت كتابة حوارية متعددة النصوص بدل انفراد باحث واحد بنص ناجز محمل بالأحكام القاطعة والنتائج النهائية اتساقا مع التوجه ما بعد الحداثي، الذي يذهب الى أن أي نص هو عملية تفاعل بين نصوص متعددة أو ما يطلق عليه «التناص " Inter-texuality ( 10).

ومع بداية السبعينات اتخذ من منهجية التفكيك لدى عالم الاجتماعي الفرسي جاك ديريدا Derrida  سندا نظريا، وهي منهجية اهتمت بعدم استقرار كافة أشكال الخطاب، ورفض تأويلاتها القاطعة، وشحوب المسلمات الثقافية التقليدية الكبرى، ليدل وبشكل متزايد، ليس فقط على الأجناس الجديدة المبتدعة من التعبير الفني والأدبي، بل لما يقف وراءها من أساليب تدعم لوحتها، كالعفوية، والكولاج، ومناهضة التناسق راهنا، كتعبير عن ظاهرة متعددة التجليات، تخص الفن كما تخص التحليل النظري، وتسم مجالات التفكير والثقافة والاجتماع كمزاج فكري يرتبط بنمط من التفكير غير الميتافيزيقي بالعالم، وحساسية جديدة في التعبير وشرط للوجود الاجتماعي (11).

وخلال الثمانينات، تنامى ظهور مبحث سوسيولوجي له في بريطانيا، تحت مسمى "علم اجتماع ما بعد الحداثة » , Postmodern Sociology  لدى سكوت لاش. وديفيد هارفي , D.Harvey  وانتوني جيدنز ,A. Giddens  ومايك فيذر ستون ,M.Featherston  وكولان كامبل C. Cambell   وغيرهم،ممن حاولوا التخلي عن مفاهيم ونظريات علم اجتماع الحداثة، وقاموا بتأويل أعمال ماركس، وتكريس الكوني، والافادة من ثورة المعلوماتية، وبشروا بمجتمع خال من الطبقات والثقافات المهيمنة، وبنهاية الايديولوجيات الكبرى، وهو ما دعا نيل سملسر N. Smelser  الى اعتبار هذا المبحث بداية النهاية لعلم الاجتماع الفسيفسائي المعبر عن خصوصية الدولة الوطنيه .(12)

وقراءة أعمال هؤلاء السوسيولوجيين ما بعد الحداثيين، تؤكد ارتباطها بأفكار كل من ألفنت وفلر A. ToffIer. ودانييل بيل D.Bell. ،حيث طرح توفلي منذ السبعينات أول محاولة جامعة في استكشاف معالم ثورة المعلوماتية قبل أن تنطلق، والتي تعد أحدى الآليات الأساسية للعولمة، وبشر بتحول المعرفة الى «وقود سريع الاشتعال "، وكرس لما أطلق عليه «مجتمع الموجة الثالثة ". Third wave society أما بيل، فرأى أن العالم يدخل عصرا تاريخيا جديدا، عاينه فيما أطلق عليه "المجتمع ما بعد الحداثي "Postmodern society' " أو «المجتمع ما بعد الصناعي» Postindustrial society' " الذي ينتقل من مرحلة انتاج السلع الى مجتمع الخدمات، ويشمل كلا من البلدان الرأسمالية والاشتراكية، حين تضحى المعرفة هي القوة الرئيسية الدافعة للتطور الاقتصادي، بفضل احتلال «الرجال الجدد» من علماء وخبراء الاجتماع والرياضيات والاقتصاد لمواقعهم في حيازة لوح المعرفة، وتطبيق "التكنولوجيا الذهنية الجديدة » التي جاءت مع استخدام العقول الالكترونية، وحيث سيزول الاختلاف بين الأنظمة وينتهي التعارض بينها، ويتآكل العالم الاشتراكي، وتحل بتعبيره «نهاية الايديولوجيا»(13).

على أن المفهوم لا يبتعد في كافة تفاصيل سيرته، وبخاصة في الراهن، عن تجسيده لسيرورة تآكل ثم انهيار المشروعات الكبرى (مشروع دولة الرفاه في الغرب، والمشروع السوفييتي، ومشروع التنمية في بلدان الجنوب.، وتعاظم قوة الانتاج التكنولوجي، وتزايد نذر العولمة. والمفارقة هنا في صيغة التلاقي والتنافي بين ما بعد الحداثة كمحاولة لخلخلة التأويل الكوني، وبين العولمة كمحاولة لهيكلة ناجزة للعالم.

في أزمة المفهوم :

ورغم أن مقولة التحديد لا ترد في معجم ما بعد الحداثة الرافض لأي تحديد، يشار هنا الى اختلاف دارسي ما بعد الحداثة وتباينهم حول تحديد ما يتصل بعلاقتها بالحداثة :

فريق يعاينها كامتداد لما توصلت اليه الحداثة، بمثل ما يذهب اليه الناقد والمؤرخ المعماري تشارلز جنكس Ch. Jencks   الذي راها مزاوجة مع الحداثة(14)، والباحث الجزائري محمد اركون، الذي وجد في افتراض ما بعد الحداثه لتجاوز الحداثه، مجرد ادعاء (15).

وعبر هذا التوجه، يقترح جيدنز مفهوم " الحداثة الراديكالية " Redicalized modernity  بدل الحداثة، اعتبارا من أن ما تم اعلانه بوصفه ما بعد حداثة لا يشكل بالضرورة قطيعة مع الحداثة، بل هو نسخة راديكالية او متنامية منها، تساعد على ظهور مجتمع تعددي حقيقي، يقوم على الديموقراطية متعددة المستويات، وعلى إلغاء العسكرة وانسنة التكنولوجيا (16) على أن ذلك لا يعني رؤية جيدنز لما بعد الحداثه، وكانها تحمل نفس سمات الحداثة، ويضرب مثالا على ذلك بأن الذات، وهي مقولا أساسية في فكر الحداثا، يمكن رؤيتها من المنظور ما بعد الحداثي بوصفها :«متحللة أو منعزلة بفعل تفتيت التجربة »، بينما تعتبر في اطار الحداثة : "أكثر من موقع للقوى المتقاطعة»، نظرا لأن الحداثة قد اتاحت عمليات نشطة لانعكاس الهوية الذاتية(17).

وثم فريق ثان، ينظر الى ما بعد الحداثة كردة فعل لما آلت اليه الحداثة وهو ما ذكره عالم الاجتماع الأمريكي رايت مليرC. Wright Mills  نهاية الستينات، حين أكد على تحول العالم الى ما بعد الحداثة، أو ما أطلق عليه «الفترة الرابعة » بعد «الفترة الحديثة »، بما لا يعني لديه فشل مشروع الحداثة، بل فشل نوعها الذي أنتج ظاهرة الجمهرة والتلاعب بالديمقراطية في الغرب، والدوجماتية الستالينية في الشرق، وخلص الى أن هذه الفترة الرابعة ستشهد: «انهيار تفسير العالم، القائم على الليبرالية والاشتراكية، النابعتين من أفكار عصر التنوير، وستضحى فكرة الحرية والعقل مشكوكا فيها. إذ لعل زيادة العقلانيه لن تضمن ارتفاع مكانه العقل » (18).

والفريق الثالث يرفض اعلان فشل الحداثة، وهو ما نستبينه لدى سمير أمين، الذي رأى فيها مشروعا تحرريا، نشأ عندما تخلى الفكر الفلسفي عن طابعه الميتافيزيقي، الذي كان يؤكد على أن هناك نظاما يحكم الكون ويفرض نفسه على الطبيعة والتاريخ، كما كان الأمر سائدا في العصور القديمة، لتجيء الحداثة فتعمل على بلورة الوعي بالتقدم، وتحقق أعظم انجازات الانسانية إن على المستوى المادي أو الديموقراطي أو الأخلاقي، برغم حدودها وانتكاساتها، وبما يترتب عليه من النظر اليها لا كمعطى نهائي، بل كصيرورة متواصلة، وان ارتدت أشكالا لا متباينة، طبقا لاجاباتها على التحديات التي يواجهها المجتمع، أو بما كشفت عنه تطبيقاتها منذ السبعينات من ضعف شديد، وعجز عن تقديم بديل تنموي لبلدان الجنوب.

ويرى سمير أمين أن ما يلازم سيادة ما بعد الحداثة في المجال النظري، انما هي حركات ردة تدعو الى العودة لما قبل الحداثة، وهو ما يعني تنازلها في مجال صنع التاريخ، والهروب أمام التحديات الحقيقية، ومن ثم فهي لا تعدو أن تكون تجليا طوباويا سلبيا، خاصة حين تقبل في النهاية الخضوع لمقتضيات الاقتصاد السياسي للرأسمالية في المرحلة الواهنة، مكتفية بوهم،امكان إدارة هذا النظام بأسلوب انساني (19). ذلك اذن ما بعد الحداثه لديه، يرتبط بسياق أزمة انهيار مشروع بناء الاشتراكية ومشروع الدولة الوطنية، وما تؤدي اليه من تشتت في الفكر الاجتماعي، ويقترن بايديولوجيا الليبرالية المعولمة، ويعد بالوصول الى مجتمع قائم على الوفاق العام والتحرر من الصراع الايديولوجي، وهو ما يبدو لدى البعض من روادها، ممن تحدثوا عن «نهاية الايديولوجيا»، وحاولوا فصل مفهوم "العقلانية "عن مفهوم «التحرر».

أما الفريق الرابع، فيراوح في كشف العلاقة بين الحداثة وما بعد الحداثة، بمثل ما ذهب اليه ايهاب حسن، الذي يرى ضرورة ادراك هذه العلاقة على مستويي التواصل واللاتواصل، فهو من ناحية، يرى عدم وجود حد ناجز يفصل بينهما. ومن ناحية أخرى, فثم امكانية لديه لتمييزهما، انطلاقا من أن الحداثه أقرب الى الرؤية الابولونية التي لا تدرك سوى التزامنات التاريخية، فيما بعد الحداثة الى الاحساس الديونيزي الحسي الذي لا يلمس سوى البرهة المفارقة.

ويقدم ايهاب حسن تفصيلا لهذا التمايز، انطلاقا من أنه إذا كانت الحداثة تقسم بالسرد، وامكانية التحديد والتعالي، والشكل والتراتبية، والتمركز، والنمط، فإن ما بعد الحداثة تتلبسها مقولإت نقيضة من مثل رفض البنية السردية، والافراط في التعدد، والمحايثة، والتفكك، والفوضى، والتبعثر، والتحول، وان  لم يستبعد تعايش هذه النقائض في نزعة واحدة (20).

وربما لهذا، عسر صوغ تعبير موحد لما بعد الحداثة : فايهاب حسن يعاينها كدورة , Postmodern turn وليوتار وديفيدهارفي كوضع ما بعد الحداثي Postmodern condition    (21) وتالكوت بارسونز T.Parsons كاحتمال ما بعد حداثي Postmodern possibility   (22) وهال فوستر H.Foster  كثافة Postmodern culture(23) فيما يتحدث آخرون عن "حساسية ما بعد الحداثة " , Postmodern  sensitireness  أو «فكرة ما بعدالحداثة" idea of Postmodernity.(24) بما يوحي بقلق مثل هذا النموذج الفكري من المابعديات،تلك التي راجت منذ منتصف القرن الحالي، وهو ما يشير اليه مفهوم "ما بعد التاريخي» لدى رودريك سيدنبرج R. Seidenberg عام 1950، و"ما بعد الحضارة لدى كينيث بولدنج K. Boulding عام 1964، و" ما بعد الثقافة » لدى ليونيل تريلينج L. Trilling. عام 1965،

و«ما بعد الصناعي" لدى دانييل بيل عام 1971، و«ما بعد الاقتصادي» لدى هيرمان كاهن H. Kahn 1971،و«ما بعد العهد الحديث " لدى اميتاي اتزيوني A.Etzioni عام1978 و«ما بعد الرأسمالية " لدى سمير أمين عام 1988، و"ما بعد المادية » لدى رونالد انجلهارت R. lnglehart  عام 1989، اضافة الى "ما بعد الوظيفية " و«ما بعد البنيوية » و «ما بعد الامبريالية "، و" ما بعد الكولونيالية ». وكل هذه المابعديات على تراوحها، تمثل نتاجا لوضع تاريخ مشترك، على ما يورد الناقد العربي الأصل جلال قادر، ورغبة في حيازة القوة عند اختيار التسميات على ما يذكر ايهاب حسن.

وهذه النماذج المابعديات تشكل حقبا من مسربة التحديد والانفلات عن التصورات القارة، بحكم ارتباطها بحالة القلق والتوتر التي تنتاب العالم، ورغبتها في الابتعاد عن ماض بعينه، مع العجز في الوقت نفسه عن تسمية الحاضر، أو فتح كوى للعثور على حلول المشاكل المستقبل (25)، وان لاحظ ليوتار أن المدلول الزمني لبادئة الما بعد في مفهوم «ما بعد الحداثة "، لا يتطابق بالضرورة مع مدلولها النظري، فلئن أوحت، ظاهريا، بما يتعقب عصر الحداثة تاريخيا، فإنها لديه ليست كذلك من الناحية النظرية، حيث يمكن ارجاعها الى كل ما سبق الحداثة، أو تزامن معها الى دائرة الظل بفعل سيادتها (26).

تيارات ما بعد الحداثة :

وقد ترجع مراوغة ما بعد الحداثة كنموذج فكري الا أنه يعكس بنية احساس أكثر منها بنية واقع، بالنظر الى قيامه على افتراضات عبر محسومة لا على أسس موضوعية محددة، والى خضوعا لمنظورات المقاربات النظرية : «من بينها ما بعد البنيوية والتفكيكية والفلسفية ما بعد التحليلية والتداولية وهي مقاربات تسعي الى تجاوز التصورات العقلية ومفهوم الذات العاقلة، باعتبارها تعمل أساس التقليد الفلسفي الحداثي، الذي خط ديكارت وكانط معالمه الأولى ». (27)

ورغم تعدد هذه المنظورات، والتي تشكل بهذا القدر أو ذاك تيارات ما بعد حداثية، فإنها توحدت حول نقد الأساس العقلاني والذاتي للحداثة، وهو ما يتضح لدى ميشيل فوكو , M. Foucault  وجاك ديريد J. Derrida وجيل دوليز J. Deluze ، والفيلسوف البرجماتي الأمريكي ريتشارد وورتي R. Rorty  تحديدا، وان نبهنا ايهاب حسن الى أحدى أهم المشكلات في دراسة ما بعد الحداثة، وهي: من من الباحثين يختار من من الكتاب بوصفه من كتاب ما بعد الحداثة؟ وما هي دوافع هذا الاختيار(28).

لقد وقف فوكو ضد صوغ النظريات العامة، واستند الى مقاربة جينالوجية تبدأ بالامساك بخيط ملموس في الحاضر ليتلمس ما قبله بعد ذلك، واهتم بكشف الوجه الآخر للعقلانية الحديثة، المتجسد في مؤسسات العزل والعقاب، وركز على تحليل السلطة، وتبيان خطأ ومحدودية فهمها بحصرها في كيان محدد، هو جهاز الدولة المركزي،ووضح شموليتها لكافة آليات اخضاع الجسد باسم نظام أو معرفة، بهدف تحقيق نوع من التشريح السياسي للجسد I, anatamie politique du corps.،يسمح بالحصول على بأجساد طيعة منقادة، وقابلة للاستخدام والتحويل والانتاج، كما يسمح في نفس الوقت لاخضاعه للأنظمة القائمة والفئات الحاكمة، بطرق مستترة، و«أكثر ديموقراطية »، تقوم على ترويض الجسد وترويض الفرد بواسطة مؤسسات متنوعة، كالمدارس ومصحات العلاج النفسي والعقلي والمسجون والورش والمعامل وثكنات الجيش والمستشفيات، وهي مؤسسات لا تعمل بمجرد اصدار أوامر مدعومة بالتهديد واستخدام القسر العنيف، بل بتنظيم ومقسيم المكان، وعزل وتوزيع الأفراد، وتنسيق تحركاتهم، ومراقبتهم في صمت وباستمرار، والاحتفاظ بملفات وسجلات دقيقة للتحري عنهم، والغاية القسوى من هذا الجهاز، والذي أطق عليه فوكو، ميكر وفيزياء السلطة »microphysique du pouvoir  هي حصر الجسد في بعد واحد، هو بعد التدجين (29).