السماع لحقائق المطلق
أو لعبة الوجدان والحقيقة في الابداع الصوفي


ميثم الجنابي (كاتب وأكاديمي عربي يقيم في موسكو)


إن الفكرة القائلة بإمكانية الاستماع الى حقائق المطلق تفترض كحد أدنى الكمال في النغم وفي الإنصات أيضا. واذا كان الكمال في الإنصات يستلزم تكامل الذات المبدعة في طريقها ( الفردي- التاريخي- الثقافي ) ,فان الكمال في النغم يستلزم تجانس الأوتار الحية في إيقاعها على الإشكاليات الواقعية , وتنسيقها في منظومة الرؤية والبدائل . أي في الإدراك الواقعي والمثالى للاشكاليات الاجتماعية والروحية الكبرى . فهو الادراك القادر على تأليب الوجدان والعقل في لعبة التحدي العنيد المميز للحقيقة . لأنه يضع الذات المبدعة أمام قواعد جلية يصعب الإمساك بها والقائلة .بأنه لا إبداع حقيقيا خارج معاناة الاشكاليات الجوهرية للثقافة .

إن معاناة الإشكاليات الجوهرية للثقافة تؤسس لإمكانية التناسب الضروري في الصراع بين المصادر اليقينية للثقافة والغيب المجهول للمبدعين . وتعطي للمساعي الفردية والاجتماعية معناها الخاص في القيم المعقولة والمنقولة للثقافة . فالمصادر اليقينية هي الكل التاريخي أو الكل الثقافي الذي تتولد منه وتتضافر فيه فردانية الإبداع . أما الغيب المجهول فهو مفاخرات الإبداع . فالكلى الثقافي في نهاية المطاف ما هو إلا العلاقة المتمحورة في إدراك المعنى التاريخي والمثال الواجب للأنا الثقافية .والذي حصل في التصوف على صيغته المكثفة في مفهوم "الحق" .

ذلك يعني إن الكل الثقافي في العرف الصوفي ليس الإرث الثقافي أو أجزاءه الهائجة .بل العلاقة السارية في منطق الإبداع المتجدد . أي في العلاقة الوجدانية تجاه الإشكاليات الكبرى للوجود وحلها بمعايير الحق المتسامي . ولهذا كان بإمكان النفري أن يقول في أحد مواقفه :" إذا جئت فهات الكل معك " ! فالكلى هو العروة الكبرى في الوجود .لأنه الحقيقة . ولا اعظم من الكل في الإبداع .لان الحقيقة داخل العالم وخارجه . أما حقيقة الكل ففي تمثله الذاتي، باعتباره الصيرورة الدائمة للروح المبدعة . و من ثم ليس المجيء مع الكل سوى المجيء بلا قيد ولا شرط ولا علاقة ولا شائبة . بمعنى التحرر مما سوى الحق في الرؤية والاستماع .

إن المجيء مع الكل هو المجيء بالهم الواحد . أي توحيد الفردانية المبدعة لذاتها في السماع والرؤية . و ليس صدفة أن تطالب الصوفية المرء بان يكون مع الله بلا علاقة ، باعتباره شرط الإخلاص و غايته . فالكينونة بالمطلق هي شرط الإبداع ، لأنها تحرره مما سوى الحق . والحق هو الكل الخالص للثقافة و التناسب التام للعقل و الوجدان في رؤيته واستماعا لكل ما هو موجود . وهي الحصيلة التي جسدها الروح الصوفي في إدراكه قيمة الرؤية والاستماع المجردين في تحقيقهما المعنى و تشذيب الإبداع نفسه . أو ما دعاه الواسطي بجمع الصوفية بين المشاهدة و الفهم باعتبارهما بصر القلب و سمع القلب ، انطلاقا من أن موضع الفهم هو محل المحادثة و المكالمة ( سمع القلب ) و موضع المشاهدة بصر القلب . فالجميع يرى ويسمع ، و لكل منهم أسلوبه و حاله في الرؤية والسماع . فالحيوان يسمع والإنسان يسمع والثقافة تسمع والتاريخ يسمع والكون يسمع والله يسمع . والسماع الصوفي في جوهره هو سماع الكل . فهر يحوي في ذاته المستويات كلها ( الطبيعي والإنساني و الثقافي والتاريخي والكوني و المطلق ). ومن هنا تساميه في دعوته المدركة لقيمة السماع المجرد الذي لا شائبة فيه . لأنه الأسلوب المتكون في صيرورة الروح المبدعة واستظهاره في القول والفعل .بوصفه تعبيرا عن لسان الحال والهاما حقا .

فالسماع الصوفي هو الاستكمال المتسامي لسماع نغم الطبيعة وتذوقها الإنساني . ولهذا قال أبو عثمان الحيري : "من أدعى السماع ولم يسمع صوت الطيور وصرير الباب وتصفيق الرياح فهو فقير مدع ". وهو الاستكمال المتسامي لنغم الثقافة وحكمتها التاريخية . ولهذا قال بندار بن الحسين : "الصوت الطيب حكمة محببة وآلة سليمة بصوت رخيم ولسان لطيف ". وهو الاستكمال المتسامي لسماع أنغام الحق في الكون . ومن هنا قول ذو النون المصري:"الصوت الحسن مخاطبات واشارات إلى الحق أودعها كل طيب وطيبة " . أننا نعثر في السماع الصوفي على . وحدة وتوليف الطبيعي- الإنساني والثقافي -التاريخي والكوني- الإلهي ، باعتباره حالا معرفيا ووجدانيا للمعني . ومن هذا قول المتصوفة :"النغمة الطيبة روح من الله يروح بها قلوبا مخترقة بنار الله " . لقد دفعوا بالسماع إثر نهايته المنطقية بتحويله إلى خيوط الوحدة الخفية للروح الإنساني- الإلهي .ومن ثم البحث عن المعنى في الطبيعة والثقافة والكون بوصفه نغما ألهيا .

إن تحول الطبيعة والثقافة والكون إلى أنغام في سماع الصوفي يعني التعامل الوجداني مع الوجود في تجلياته اللامتناهية . فالسماع كما يقول ذو النون المصري هو "وارد حق يزعج القلوب إلى الحق . فمن أصغى اليه بحق تحقق . ومن أصغى اليه بنفس تزندق "! ولا يعني انزعاج القلوب سوى حركتها الهائجة . أما الإصغاء بالحق للحق فهو حركة الكل الهائج في القلب أو همه الموحد . بينما لا يعني التزندق سوى سماع النفس أو تجزئة الكل وتنوع الهموم . لان السماع الحق حق . و الحال الحق لا شائبة فيه ، لأنه "يبدي الرجوع إلى الأسرار من حيث الاحتراق " كما يقول النهر جوري . ولا يعني الرجوع إلى الأسرار من حيث الاحتراق سوى الرجوع إلى الحقيقة والاحتراق فيها . لان الرجوع إلى السر هو الرجوع إلى حقيقة الأنا ( أوالروح المبدع ) . أما حال السماع فيه .فانه يكشف عن حقيقة الأنا أو حقيقة الروح المبدعة . ففي السماع تحترق حقيقة الأنا أو حقيقة الروح المبدعة و تتكشف نيرانها وأضواؤها كما هي بلا شائبة . ومن هنا قول الشبلي "السماع ظاهره فتنة و باطنه عبرة " . لأنه يعري الروح عن الجسد ويكشف عما في وحدتهما من "تحقق" أو "تزندق" . أو عما إذا كانت الذات متكاملة في إنصاتها لصوت الحقيقة أو متجزئة في رنين المصالح العابرة .

و هي الفكرة التي حاول الجنيد الكشف عن أزلها في أبدها باعتبارها العملية الملازمة للوجود نفسه . فالوجود بالنسبة له هو نغمة في السماع تشوقت لحقيقة من حقيقة كشفه والتعبير عنه على ما في الذات العارفة من قدرة على العيش حسب قوانين المطلق . فعندما سألوه مرة : ما بال الإنسان يكون هادئا .فإذا سمع السماع اضطرب ؟ أجاب : إن الله لما خاطب الذر في الميثاق الأول بقوله }ألست بربكم ؟ قالوا بلى{، استفرغت عذرية سماع الكلام ، الأرواح . فلما سمعوا السماع حركهم ذكر ذلك . انه أراد التأسيس لعضوية الوحدة الخالدة للروح الإنسانية - الإلهية بوصفها حبا ونغما . و هي فكرة أرادت اسباغ الوجدان على أزلية السماع بوصفه "حياة الأبد بالحي الذي لم يزل و لا يزول " كما يقول الجنيد . فالسماع هو ليس الحب الساري في الوجود بوصفه استجابة أزلية لـ "نعم" الإقرار القائل بوحدة الإنساني - الإلهي، بل وادراكه المتجدد في معاناة الحق المتسامي . ولهذا وجد الجنيد في الفكرة القرآنية القائلة باستجابة المؤمنين لله إذا دعاهم معنى الاستجابة الصوفية في سماعها للحق ( للمعني ) الخالد . حيث وجد في إسراعهم إلى الحق استجابة لما في أنفسهم لروح القدس . و"لهذا سارعوا إلى محو العلائق ، وهجموا بالنفوس على معانقة الحذر، وتجرعوا مرارة المكابدة .وصدقوا مع الله في المعاملة ، واصفوا الأداب فيما توجهوا اليه .وهانت عليهم المصاعب .وعرفوا قدر ما يطلبون .وسجفوا هممهم عن التلف إلى مذكور سوى وليهم فحيوا حياة الأبد بالحي الذي لم يزل ولا يزول ".

إن هذه السلسلة المبتدئة بشم روح القدس و محو العلائق والتهيئة لحياة الابد تعكس مساعي الروح الصوفي في استماعه التام للحقيقة وبقائه الدائم في أنغامها . ومن هنا قول الحصري : "السماع ينبغي أن يكون ظمأ دائما وشرابا دائما. فكلما ازداد شربه ازداد ظمؤه" .لان الاستماع إلى الحق .حسبما يقول السهروردي " .هو قرع باب الملكوت " أي البوابة التي تطلق للصوفي عنان تعبيره الخالص عن رؤيته و سماعه للوجود، و التلذذ فيه . فهو الكل الذي يبدع على مثاله رؤية الكل و يحرر الروح المبدع من "مضيق عالم الحكمة " ليرميه إلى "فضاء القدرة" . آنذاك :

 يصير سماعه كشفا وعيانا

وتحيده وعرفانه تبيانا وبرهانا

وتتدرج له ظلم الأطوار في لوامع الأنوار

 فيصير وقته سرمدا

وشهوده مؤبدا

وسماعه متواليا وتجددا .

إن تحرر الروح المبدعة من مضايق الحكمة والارتماء في فضاء القدرة لا يعني سوى إدراك الوجود بمعايير الجبروت أو الإرادة المتسامية . أي إدراك ما هو كائن ويكون بمعايير الوجدان الخالص . فمضائق الحكمة هي عقبات المنطق و تفسيراته وتأويلاته واحتجاجاته وتبريراته ،بينما فضاء الإرادة هو لا تناهيها في الفعل المشبع بقيم الحق . وهو الفعل الذي يرفد ذاته بذاته بفعل تحوله الدائم من علم إلى عمل ،ومن عمل إلى علم .باعتباره الدورة اللامتناهية ، أو ما اسماه السهروردي بصيرورة السماع كشفا وعيانا . والعرفان ( المعرفة ) بيانا وبرهانا .والتي تنطوي فيها أطوار أو عقبات أو ظلمات المنطق و جزئياته في الإدراك المباشر للأشياء، أو رؤيتها في لوامع الأنوار . فهو تحسس أو تذوق الذي يختطف الروح المبدعة في ميادين الإبداع ليكشف عن سرمديته في الزمن و أبديته في الرؤية وتجدده في السماع . إذ لا زمن في الإبداع ولا نهاية وبل تجدد دائم . والسماع هو نموذجه الحسي و الذوقي الأمثل .لأنه يحوي في ذاته نموذج الإبداع العميق .باعتباره شيئا لا كالأشياء .

إن السماع المتوالي المتجدد هو السماع المجرد للحق باعتباره مصدر الإبداع الدائم . و من هنا تنوعه في الأنغام والأصوات والأحداث والإشكاليات ،ووحدته في المستويات والأشكال المتنوعة . وهو السماع الذي أطلقت عليه الصوفية تسمية السماع المطلق أو السماع الإلهي أو السماع بالحق . باعتباره الأسلوب الذي يختزل في ذاته الصيغة المجردة (المتسأمية ) لسماع كل ما في الوجود و إعادة تنسيقه في أنغام العبارة والمعنى من خلال الإخلاص التام للحقيقة في التجربة الفردية .

فقد تكلم بندار بن الحسين عما اسماه بسماع الطبع و سماع الحال وسماع الحق . و تكلم ابن عربي عما اسماه بالسماع الطبيعي والسماع الروحاني والسماع الإلهي . وهي الصيغة المتخصصة للرؤية الصوفية عن تباين العوام والخواص و خواص الخواص ، والتي تستجيب لمنظومتها عن الشريعة والطريقة والحقيقة أو الملك والجبروت والملكوت أو العلم والحال والعمل من معنى متراتب في تنسيقه لكينونة الإبداع الدائم . فقد اعتبر بندار بن الحسين السماع بالطبع ( أو الطبيعي ) سماعا يشترك فيه الجميع . أما السماع بالحال فهو المترتب على ما في التأمل الملازم للتجربة الفردية من إحساس بالمعنى المتناسق مع حاله من عتاب وخطاب ,أو وصل وهجر ، أو قرب وبعد ، أو خوف واستئناس ، أو فرح وحزن ،او أمل و قنوط ، أو محبة . آنذاك " يقدح في سره على قدر صفاء وقته وقوة قادحه ". فتشتعل نار ترمي بشروها إما في سلوك و إما في عبارة . أما السماع بالحق ,فهو نفسه السماع من الحق ( الإلهي ) ببلوغ الحقيقة ،بعد عبور الأحوال و الفناء من الأفعال والأقوال ، بالوصول إلى محض الإخلاص وصفاء التوحيد بحيث يشهد موارد الحق بالحق بلا علة و لاحظ للبشرية . أي السماع المجرد الخالص من شوائب العلائق أيا كانت . ولا يعني الاستماع بالحق من الحق للحق سوى الدورة التامة للإخلاص ، بعد تنقيته في أحوال التجربة الفردية وغربلتها ثم صهرها في الفناء أو التجريد التام للحقيقة . فالتجرد التام هو الإخلاص للحقيقة . و الإخلاص للحقيقة يفترض رؤية الكل .و من ثم رؤية الأحداث و سماعها بلا علة و لا حظ للبشرية . أي بلا ذريعة و لا نفعية عابرة ولا حتى ضرورة جزئية .

في حين أسس ابن عربي لماهية السماع و حقيقته وأنواعه انطلاقا مما اسماه بالتربيع القائم فيه . أي إن للسماع الطبيعي و الروحاني والإلهي أسسا او أركانا أربعة تكشف عن قيمة السماع وفاعليته في الطبيعة و الروح وما ورائهما، أو في الجسد والعقل و ما وراء العقل (الحدس ) ففي السماع الطبيعي هي كالأخلاط الأربعة (الدم والبلغم والسوداء والصفراء),وفي السماع هي كالذات واليد والقلم والصريف ، وفي السماع الإلهي كالذات و النسبة و التوجه والقول . فالسماع الطبيعي يؤسس لماهية السماع في أشكاله ومستوياته ككل ، لأنه يحوي في ذاته المقدمات الطبيعية للسماع . فالنشأة البشرية تستمد مقوماتها من القوى الأربع (قوى النفس ) والقوى الأربع تستمد مقوماتها من الأخلاط الأربعة ، والأخلاط الأربعة تستمد مقوماتها من الأركان الأربعة ( الماء والتراب والهواء والنار ). أي السلسلة الضرورية في وحدتها، و التي تمهد للتناغم الداخلي و انعكاسه في السماع نفسه . فالنار هي الحرارة .والهواء هو البرودة . والماء هو الرطوبة .والتراب هو اليبوسة . وفي تجسدها الإنساني هي سلسلة الدم والبلغم والسوداء و الصفراء باعتبارها " سوائل " وجوده الطبيعي . لان حركة كل منهم هي بقاؤه .وبقاؤه هو بقاء حكمه .لان السكون عدم .كما يقول ابن عربي . فحركة الأخلاط الأربعة هي حركة أركان وجوده الأربعة .وحركتهم الدائمة هي حركة الوجود الطبيعي - البشري ، التي تتولد عنها أركان الأنغام الإنسانية . و من هنا رباعية الأنغام في الموسيقى ( العربية ) من البم والزبر والمثنى و المثلث . فهي الحركة ( الأنغام ) التي ولدت في نفوس العلماء ( المبدعين الموسيقيين ) سماع صريف الأقلام الوجودية . لان الموسيقى هي سماع حركة الوجود . والسماع الروحاني مستواها هو الارقي (الثاني). فالسماع الروحاني متعلقه صريف الأقلام الإلهية في لوح الوجود المحفوظ كما يقول ابن عربي :

فالوجود كله رق منشور

والعالم فيه كتاب مسطور

والأقلام تنطق

وآذان العقول تسمع

والكلمات ترتقم فتشهد

وعين شهودها عين الفهم فيها .

ذلك يعني إن هذا السماع هو السماع المترقي في إدراكه الوجداني للعالم ككل . أي تجاوزه السماع الطبيعي الذي يولد طربا بلا علم إلى سماع حقائق الوجود و معرفته المجردة . ومن ثم النظر إلى الوجود كما لو أنه رقا منشورا . والى العالم كما لو أنه كتاب سطور. ومشاهدة الوحدة والتناغم ما بين صريف القلم ويد الكاتب ( الله أو المطلق ) . ولا يعني تحول العالم إلى كتاب ترتقم فيه كلمات الوجود وسماعها بالعقل سوى وحدة العقل و الوجدان . باعتبارها أحد الشروط الجوهرية في إبداع الرؤية الحقة ، أو ما اسماه ابن عربي "بعين شهودها هو عين الفهم فيها" . وهو المستوى المنفي في السماع الإلهي ( الدرجة الثالثة أو العليا ). لأنا سماع "من كل شيء و في كل شيء و بكل شيء" . فالوجود ,كما يقول ابن عربي ,هو كلمات ( الله ) التي لا تنفد . ومن ثم ,فان للعارف ( المبدع ) في مقابلة كل كلمة (والكلمات جميعا ) إسماع لا تنفد . بصيغة أخرى، إن ارتقاء الكينونة الطبيعة للإنسان في تنسيقها المتناغم بين الأركان المادية ( الأخلاط ) والنفسية ( قواه ) والوجودية (العناصر ) يبدع نماذجها الراقية في موسيقى الحس (الطبيعي ) والعقل (الروحاني ) والحدس (الإلهي ) . أي الارتقاء من حركة الجسد إلى النفس ومنها إلى الروح باعتباره عملية اكتشاف المعنى الوجداني للحقائق . فمن كان من أهل السماع الروحاني كما يقول ابن عربي، ينظر ترتيب أثارها في العالم فيجده في كل مسموع لان المسموعات كلها نغم عنده . ومن كان من أهل السماع الإلهي ينظر ترتيب الأسماء الإلهية (أو النماذج المثلى للمطلق ) فيكون سماعه من هناك .

إن السماع من نماذج المطلق هو سماع الوجود في كل أشكاله ومستوياته وأحداثه بمعايير النسبة الحية للوجدان والعقل . إذ لا إبداع عظيما خارج هذه النسبة . ومن الممكن توقع وجود إبداع غاية في الإتقان والتمام في الصنعة ولكنه فاقد للجاذبية بسبب فقدانه توليف النسبة الحية بين الوجدان والعقل . وهي الحصيلة التي وضمتها الصوفية فيما يمكن دعوته بسماع المعنى . وإذا كان الصوفية عادة ما يربطون معنى السماع بمعنى الحقائق المكتشفة في القرآن ، فلان القرآن يحوي في كلأ الرموز الذوقية المتصيرة في تاريخ الثقافة الإسلامية . و من ثم قدرته على احتواء التجارب الفردية للمطلق . لان المطلق ثقافي المفزع والغاية ، و في اسلاميته هو الحصيلة المتسامية للكل الثقافي الإسلامي الذي شكل القرآن كتابه "الأول والآخر" أو كشفه الروحي وغيبه المعنوي . و فيما بينهما تترامى التجربة الفردية للصوفي في السماع و الاستماع لحقائق الحال ( الوجداني ) . بصيغة أخرى .إن السماع يكف آنذاك عن أن يكون فعلا خارجيا ,ويتحول إلى نغم المعاناة المتراكمة في إدراكها للمعاني المتراكمة في تحسس و تأمل وتذوق الأحداث والمجريات والكلمات والعبارة . إذ لا صدفة ولا ضرورة في الردود . أما الإجابة فأنها تتحول إلى "صمدية الروح المبدعة" في استجابته للإخلاص المتراص في الروح والجسد . ولهذا قالوا : "كل من لا يزهدك لحظة عن لفظه ,لم يغنك وعظه عن لفظه" . و تصبح الكلمة هي الأنا ,و الأنا هي الحال ، والحال هو الحقيقة ,لأنه إخلاص للمعني المجرد (المتسامي ) عن رق الاغيار . وذلك لأنهم "ينطقون من حيث وجدهم ,ويشيرون من حيث مقصدهم ,وصدقهم إلى ما يليق بحالهم ". آنذاك تكف أحداث العالم وعباراته عن أن تكون كيانا قائما بحد ذاته . وتصبح مجرياته مجرياتهم ولكن من خلال انكسارها في موشور الحال الصادق . . آنذاك تجري في روح الصوفي وجسده بالصيغة التي تعطي لأفعاله وأقواله معناها الخاص باعتبارها الصيغة الفردية لتجريد الإبداع ( في المواقف والأفعال والأقوال ). فقد صرخ الشبلي إحدى المرات و كادت روحه أن تطير عندما سمع وهو خلف إمام يقرأ الآية }ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا اليك{ قائلا: "بمثل هذا يخاطب الأحباب "! وأن يرد في حال آخر عندما سمع بائع الخضراوات في السوق يصيح  "الخيار عشرة بدانق " ، بعبارة "إذا كان الخيار ( الأخيار) عشرة بدانق فكيف الشرار" ؟! و عندما قال له مرة أحد الأشخاص : "ما لك من بين الجماعة قاعدا ؟ " ، عندها قام وتواجد وقال :

 لي سكرتان و للندمان واحدة

شيء خصصت به من بينهم وحدي !

ولا يعني تخصص الصوفي في سماعه سوى تخصصه في تجربة الإبداع الصوفية باعتبارها تجربة الوجدان الخالص . فالاستماع للمعني هو الاستماع للوجدان الحق . ولهذا قالوا : "إن الكلام إذا خرج من القلب يقع على القلب . وإذا خرج من اللسان لم يجاوز الأذنين " . فالقلب هو الوعاء الشامل للوجدان أو الكل الوجداني المتراحم في صيرورة الروح المبدعة للصوفي . ومن هنأ قول الخلاج "بصائر المبصرين ، ومعارف العارفين ، ونور العلماء الربانيين ، و طرق السالكين الناجحين ، والأزل والأبد و ما بينهما من الحدث لمن كان له قلب أو القي السمع " . أي أن الكل المتنور بالحق في إبداع الصوفية هو الوحدة الحية للوجدان . فالوجدان قلب والسماع وجدان . و لهذا قالوا : "السماع لا يحدث في القلب شيئا إنما يحرك ما في القلب " , انه " أذن " السماع الطبيعي والروحاني والإلهي ,أو الكل المتناغم ما بين الملك والملكوت الوجودي والثقافي , ولهذا قالوا "لا يصح السماع إلا لمن كانت له نفس ميتة وقلب حي ". أي لمن كان سوي الإرادة متسامي الوجدان . إذ "السماع نداء والوجد قصد " . فهو النداء الذي يحوي في ذاته الأوتار والأصابع والأنغام .أو الكل الوجداني في حصيلة معاناته المدركة ( المعقولة ) للمعني . ولهذا قالوا :

السماع فيه نصيب لكلي عضو

فما يقع الى العين تبكي

وما يقع الى اللسان يصيح

وما يقع على اليد تخرق ثيابا

وما يقع على الرجل ترقص .

وليس العين واللسان واليد والرجل سوى الأوتار التي تتلاعب فيها الأصابع الخفية للوجدان في أنغامه المعنوية ,أو الكل الجسدي الذي تتلاعب في وجوده أنغام الحقيقة . وهي الفكرة التي أعطى لها ابن عربي أبعادها الوجودية - الكونية - الروحية . فقد ربط الفكرة الصوفية القائلة بان كل سماع لا يكون عنه وجد ,وعن ذلك الوجد وجود ( ظهور أو إبداع ) فليس بسماع وبالاستنتاج القائل .بان من لم يسمع سماع وجود فما سمع . و منهما أبدع فكرته الجديدة عن انه لما لم يصح الوجود ( وجود العالم ) الا بالقول من الله و سماع من العالم ,لم يظهر وجود طرق السعادة وعلم الفرق بينها وبين طرق الشقاء إلا بالقول الإلهي والسماع الكوني . انه يقدم من خلال نموذج الوحدة الخالدة للقول (الإلهي) والسماع (إلكوني) صورة الوحدة الوجودية للروح والجسد (الطبيعي و الروحي ,الكوني والإنساني) باعتبارها إبداعا أبديا . لقد أراد القول بان السماع إبداع لأنه وجدان ، والوجدان إبداع لأنه سماع . وفي وحدتهما يشكلان الصيرورة الدائمة للوجود، أو المعاناة الحية للإبداع . فالوجد، كما تقول الصوفية ، يشعر بسابقة الفقد . فمن لم يفقد لم يجد ,والفقد هو لمزاحمة وجود الإنسان بوجود صفاته وبقاياه ,

إذ لو تمحض الإنسان لتمحض حرا

ومن تمحض حرا افلت من شرك الوجد

فشرك الوجد يصطاد البقايا

ووجود البقايا لتخلف شيء من العطايا !

إن الوجد هو المعاناة الدائمة لتمحض الإنسان و بلوغ حريته الخالصة في الإخلاص للحق . أي أسلوب تراكم سره . ومن هنا قول عمر بن عثمان "لا يقع على كيفية الوجد عبارة ,لأنها سر الله عند الموقنين" . و لا يعني السر هنا سوى حقيقة الباطن . ولهذا قالوا "الوجد سر صفات الباطن "، أو حقيقة الأنا، أو حقائق الروح المبدع في معاناة تذوقه للمطلق في تجلياته اللامتناهية ,وفي مكابدة مشاهداته و مكاشفاته . أي في مقاساة نماذج الإبداع العيانية والرمزية في إخلاص التجربة الفردية . فالوجد ,كما يقول أبو سعيد ابن الإعرابي ,هو "ما يكون عند ذكر مزعج ,أو خوف مقلق ، أو توبيخ على زلة ,أو محادثة بلطيفة ,أو إشارة إلى فائدة ، أو شوق إلى غائب أو أسف على فائت ، أو ندم على ماض ، أو استجلاب إلى حال ,أو داع إلى واجب ، أو مناجاة بسر. وهي مقابلة الظاهر بالظاهر والباطن بالباطن ,والغيب بالغيب والسر بالسر ,واستخراج ما لك بما عليك مما سبق لك " . أي الكل الوجداني للروح الصوفي المبدع في تحسسه وتذوقه ومشاهداته و مكاشفاته . فالوجد يحوي في ذاته الذكر والخوف والقلق والتوبيخ والأسف والندم واللطف والشوق والإشارة النافعة والدعوة إلى واجب . فهو الكل المتناقض للإبداع في الروح والجسد، والذي يخلق على مثاله الجمال والحق . فالجمال الأزلي ، كما يقول السهروردي" منكشف للأرواح غير مكيف للعقل ولا مفسر للفهم . لان العقل موكل بعالم الشهادة لا يهتدي من الله إلا إلى مجرد الوجود .ولا يتطرق إلى حريم الشهود والتجلي في طي الغيب المنكشف للأرواح بلا ريب " . فالتطرق إلى " حريم الشهود" هو الدخول إلى خباء الوجدان باعتباره أسلوبا لبلوغ حقيقة الغيب أو المجهول اللامتناهي .

وهي العملية التي تكشف عن أن المكتشف فيها أمر لا ريب فيه .لان مفزعها وغايتها لا ينحصران في جزئية العقل وأحكامه النظرية ، بل باضمحلال العقل في شهود الحقيقة ومعاناة وجدانها . والانكشاف فيها هو اكتشاف حقائق التجربة . لان الاستماع فيها هو الإنصات المجرد التام لأنغام الحق في كل موجود ووجود . انه يكشف عما في "انخطاف " العقل في الوجدان أو توليفهما الخاطف في الروح الإنساني من مصدر للإبداع الحق . لان حقيقة الوجد هو مباشرة الروح التي تحوي في ذاتها مفارقة الإبداع نفسه , أي تناقضاته المتآلفة في الحركة المباشرة للروح ( المبدع ). ومن هنا استنتاج ابن الإعرابي القائل : "الوجد ليس بكشف ولكن مشاهدة قلب وتوهم حق وظن يقين . فيشاهد من روح اليقين وصفاء الذكر لأنه منتبه . فإذا أفاق من غمرته فقد ما وجد وبقي عليه علمه ". بصيغة أخرى إن الوحدة المتناقضة في توليف الإبداع هي ديناميكية الوجدان الفاعل في العقل النظري والعملي وإنجازاتها المباشرة و غير المباشرة التي تجعل من التوهم صفاء ومن الظن يقينا . لأنهم يصبحون مشاهدة للقلب أو مباشرة للروح . فالصراع الحي المحتدم للمعرفة والعمل .هو الذي ينزع "غلاف" التجربة بالإبقاء على الحي الدائم والثابت فيها . بمعنى استمرارية الحق واليقين , وتهشم الأوهام والظنون بعد الاستفاقة . لان الإبداع الحق هو استفاقة دائمة للروح في قهر