|
اي
حديث عن تاريخ الفن
التشكيلي في مصر يقتضي
الوقوف في محطة أساسية: محطة
محمد محمود خليل، ليس
باعتباره فنانا،
وانما لتأثيره في الحركة
التشكيلية، ولانه خلف ثروة
فنيت قل نظيرها، ويصعر كلى
انسان بمفرده أن يجمع مثلها. فهذا
الإنسان الذي ولد عام 1877 لاسرة
ثرية، درس الزراعة اول
الامر، بناء على رغبة
الاسرة، وحسب القتاليد
السائدة، ليكون مشرفا على
العقارات والأطيان
الزراعية، لكن ما أن تخرج في
الجامعة حتى سافر الى
فرنسا، وبدل ان يواصل 1لدراسة
في نفس 1لاختصاص، اتجه الى
دراسة الحقوق، اثناء إقامته
هناك احب ثم تزوج فتاة
فرنسية كانت تدرس الموسيقى،
وبحكم إقامته في باريس، ثم
زواجه من هذه الفتاة، فقد
تغيرت حياته، وتغير دوره في
هذه الحياة، إذ لم يعد يهمه
أن يواصل عمل العائلة،
وخاصة بعد أن استبدت به هواية
جديدة، جعلت يتخذ طريقا
مختلف عن غيره من أغنياء مصر
الذين يهم اكثرهم مراكمة
الثروة فقط. فالفتاة
التي تزوجها عام 1901 فتحت له
نافذة، ما ان أهل منها حتى
سيطرت عليه، وأصبح اسيرا
لها، إذ لم تكد تمر سنة أو
اثنتان علي زواجه إلا ووجد
نفسه متورطا في قضية لم يكن
يفكر فيها من قبل: اقتناء
الأعمال الفنية. فاميلين،
زوجته، لم تكتف بان تجول
بصحبته علي المتاحف، وأن
يشهدا العروض الفنية معا،
بل وأغرته أن يشتري لوحة
أحبتها، وأرادت أن تحتفظ
بها، وهكذا استجاب لها،
ودفع أربعمائة جنيا مقابلا
لهذه اللوحة. كتب
محمد محمود خليل في مذكراته
عن هذه الصفقة: هذه
اللوحة كانت بداية التغير
في حياته، وبداية مشوار بدأ
في نلك الوقت ولم ينته إلا
بوفاته، اذ أصبحت لوحة
رينوار نواة المتحف الذي
حمل الأن اسمه واسم زوجته،
والقائم في القاهرة، ويعتبر
واحدا من المتاحف الهامة،
لما يحتويا من الأعمال
الانطباعية للقرن التاسع
عشر ثم لبداية القرن
العشرين. يقول
واحد من الذين كتبوا عنه: "أما
الرائعة التي يتحدث عنها
الشاب البالغ من العمر ستا
وعشرين سنة في مذكراته،
والذي وجد أن الأربعمائة
جنيا تعتبر ثمنا باهظا، فان
ثمنها الأن يتعدى، بسهولة،
الأربعين مليون جنيه !"(2) هكذا
كانت البداية، وبين العام 1903،
التاريخ الذي اشترى فيه
خليل تلك اللوحة، وعام 1953، حيث
أغمضي عينيه لأخر مرة، ثم
بعد ذلك، وإلى الأن، فان
هناك الكثير الذي يمكن أن
يقال عن الرجل والمتحف وبعض
الأحدث ذات الدلالة،
والمؤثرة في الحياة
التشكيلية في مصر. فهذا
الرجل الذي ورث عن العائلة
أموالا طائلة، وأضاف اليها
اعير من الأعمال التجارية
التي مارسها، استبدت به
هواية اتتنا، الأعمال
الفنية، خاصة أعمال
الانطباعيين الفرنسيين،
كان يشتريها لنفسه أول
الأمر، ثم أخذ يشتريها
لحساب المتاحف في مصر، أو
لحساب القصور الملكية التي
كلفته بهذه المهمة، فتراكمت
نتيجة ذلك، وخلال خمسين
سنة، أعمال بالغة الأهمية،
تعتبر مفخرة لمصر، وثروة لا
تقدر بثمن، كما تعتبر
نموذجا لعتل مستنير، وطريقا
لخلود الأسماء التي تقدم
شيئا للوطن. ان
أي زائر للقاهرة الأن، خاصة
من تستهويه الأعمال الفنية،
لابد من أن يتوقف في لجيزة
مرتين، على الأقل، المرة
الأولى لزيارة الاهرامات،
والثانية لزيارة متحف محمد
محمود خليل ! ففي مكان غير
بعيد عن كرمة ابن هانئ، حيث
كان يقيم أمير الشعراء،
أحمد شوقي، وغير بعيد أيضا
أيضا الجامعة المصرية، يقوم
على ضفة النيل اليسرى قصر
جليل مؤلف من ثلاثا طوابق،
تحيط به حديث فسيحة، كان
يسكن هذا القصر ذات يوم محمد
محمود خليل، وبحكم الوصية
التي تركها الرجل، وأكدتها
زوجته قبل وفاتها، فقد آل
القصر بكل ما فيه، إلى شعب
مصر، أي أصبح متحفا. لكن
قبل الوصول إلى الخل
المتحف، بوضعه الراهن، من
الضروري تقديم عدد من
الملاحظات. بعض
هذه الملاحظات يتعلق
بالمناخ الفني تاريخيا،
وبعضها الأخر يتعلق
بالتجاذبات والمؤثرات التي
ظهرت أو سيطرت خلال الفترة
التي سبقت ثم رافقت حياة هذا
الرجل. فمصر
التي استفاقت من غفوة
العصور الوسطى على دوي
مدافع نابليون، وجدت نفسها
حائرة موزعة وهي ترقب جحافل
الغزاة الذين وصلوا، اذ
بالإضافة إلى الجيوش
والمدافع، كان هناك عدد
كبير من العلماء، في معظم
الاختصاصات، يرافقهم
الفنانون والخبراء، وقد
انكب جميع هؤلاء على دراسة
مصر من ألفها الى يائها، كما
يقال.درسوا الزراعة والأثار
وحالات الطقس والزواج
والوفاة، كما درسوا العادات
ومعها الأفكار والأحلام،
وكتبوا عن ذلك الكثير، بحيث
تبدر لديهم ما يمكن تسميته:
وصف مصر. الفنانون
الأن رافقوا هذه الجحافل،
لم يكبوا، لكنهم قالوا ما هي
مصر من خلال الصور.فمالا
يمكن وصفه أو قوله بالكلمات
تولى المصورون تصويره. ولأن
مصر بالنسبة لهؤلاء بدت
جديدة ومخطئة عما ألفوه،
فان كم الصور التي سجت تلك
المرحلة كان كبيرا وهاما،
بل أكثر من ذلك ان الذين
رافقوا الحملة، وبعد هزيمة
نابليون، استهوتهم مصر إلى
موجة اثر بعضهم الاقامة
فيها لفترات معينة أو بشكل
دائم، وأختار أكثرهم
القاهرة القديمة مكانا
لسكنهم، كما استمروا
يواصلون المهمة التي جاءوا
من أجلها: التصوير، ومن خلال
الحياة التي عاشوها، خلقوا
حالة من الفضول ثم التأثير
في المحيط الذي عاشوا ضمنه. وبحكم
المناخ السياسي الذي ساد
بعد نابليون ، ثم وصول محمد
طي الى السلطة، اتجهت
الأنظار لى عناصر التقدم المادي
في إطارا لمعارف والعلوم،
وهكذا كانت البعثات التي
أوفدت إلى فرنسا بشكل خاص
مهتمة بالصناعة، الحربية
تحديدا وما يتعلق بها، ولان
الموفدين الزموا بنظام
صارم، كالزي الموحد والسكن
المشترك، فان هؤلاء لم
يلتفتوا إلى غير الاختصاصات
التي وجهوا إليها، بحيث لن
الشيخ الذي رافتهم، كي
يؤمهم في الصلاة، كان أكثر
استنارة ورغبة في لاطلاع
والمعرفة من طلبته، وهذا ما
يظهر جليا في كل تاريخ هذا
الشيخ: الطهطاوي، إذ كتب:
تخليص الابريز في تلخيص
باريز. ولان
مصر ارهقت ثم لمستزفت نتيجة
حروب محمد علي، ثم سياسات
الذي خلفوه، ولان الطامعين
فيها لم يتركوا لها مجالا كي
تسترع وتستجمع نفسها، لذا
فان الفنون لم تتطور لم
تزدهر، فالفنون تحتاج جوا
من الاستقرار والرخاء، لذلك
لم تتبلور مناخات تساعد على
الإنتاج الفني إلا في أضق
لمحدود، رغم استمرار تدفق
الفنانين لأجانب على مصر،
والإقامات الطويلة لبعضهم
في ربوعها، بحثا عن موضوعات
أو أجواء جديدة. وما عدا بعنى
المستنيرين من
المصرين،خاصة الذي سافروا
الى أوروبا. واحتكوا بأجواء
لها علاقة بالفن، فان
الأغلبية الواسعة من الناس
ظلت بمعزل، أو قليلة
الاهتمام بالفن،عدا
العمارة والأعمال
التطبيقية،خاصة الحفر على
الخشب والنحاس وصناعة
السجاد ولأدوات الخزفية،
وظل الفنانون الأجانب
وحدهم، تقريبا، هم الذي
يرسمون. اعتبارا
من عام 1891 بدأت تقام في مصر
سلسلة من المعارض الفنية،
وأخذ المستنيرون من
المصريين أمثال محمد عبده
وقاسم أمين وهدى شعراوي
وغيرهم يدعون إلى الاهتمام
بالفنون وتسجيعها، لان أية
نهضة حقيقية لا معمل
بالإنجاز المادي وحده إذ
لابد مز لن يكون إلى
جانبه، بل وقبله، فكر
يوجه ويقود، بما في ذلك
ثقافة متعددة الوجوه
والفروع، ويجب لن كون
الفنون جزءا منها. ولان
مددا س حكام مصر لو تبطرا
بفرنسا نفسيا ولغويا،
وبعضهم أكرمن ذلك، فقد أصبت
فرنسا بالنسبة لهم النموذج
الذي يجب أن يحتذى، من حيث
المعمار والزي واللغة،
وأيضا الفنون، وهنا ترد الى
الذاكرة الاحتفالات التي
أقيمت بمناسبة فتح قناة
السويس، وما جرى خلالها من
تحضيرات وانشادت بما فيها
إقامة دار الأوبرا، وتكليف
الموسيقار فيردي باعداد
مشهدية تلائم المناسبة.
يقول دزموند ستيورت واصفا
ما جرى أثناء فتح قناة
السويس: "كان أسماعيل اذن هو
علاء الدين في زي رئيس خدم،
إذ دعا ألفا من الضيوف، وقرر
لن يدفع، أو ان يقترض،مليون
جنيه استرليني لخر، ليرى
مصر تنفصل ماديا عن الشرق
وتنضم روحيا إلى أوروبا
التي أعجب بها".(3) ويقول
إنجليزي لخر واصفا أحدي
قاعات قصر عابدن: "قاعة
الاستقبال في تصرعا بدين
أثر عصري الطراز مبتهج
بالذهب واللون القرمزي
والمرايا الجدارية "(4) أما
حين بدأت بودر عصر النهضة،
وأخذ المصلحون يرفعون
أصواتهم مطالبين بوضع حد
لحكم الاستبداد
والاستعمار، وبسيادة حكم
القانون، ووقف الهدر
والاستداثه وبذخ الحكام،
فقد ترافق ذلك مع
كابات واسعة ومستمرة حول
الأسباب التي تؤدي الى نهوض
الأمم وتقدم الشعوب، وما
يجب تداركه كي تستقيم
الأمور. وقد تم التطرق في هذه
الكتابات إلى تأثير الفنون،
بما فيها الرسم والتصوير،
في خلق وعي جديد وذائفة
جديدة. فبعد
الطهطاوي، وما أشار اليه من
أهمية الفنون في تهذيب ذوق
الناس، يقول. محمد عبده عن
الرسم: "... والرسم إذا نظرت
اليه، وهو الشعر الساكت،
تجد الحقيقة بارزة لك،
تتمتع بها نفسك، كما يلتذ
بالنظر فيها حسك، وأن
حفظ هذه الأثار
حفظ لكم في الحقيقة "(5) ويشارك
محمد عبده في هذا الري رشيد
رضا، وتؤكده أيضا
هدى شعراوي، أما قاسم أمين
بعد زيارته لباريس، وبعد أن
رأى بأم عينه اللوفر، وما
يحتويه ن أثار فنية بالغة
الأهمية والتنوع، وتأثير
هذه الأعمال كي الناس، فلقد
رجع بعد هذه الزيارة
مبهورا، وكب محرضا على
ضرورة الاهتمام بالفنون. أما
لطفي السيد فانه لا يكفي
بابداء تقديره لأممية
الفنون، بل ينادي ويحاول أن
تكون جزاء أماميا من المواد
الدراسية في جميع
المدارس، وأن تبدأ هو
لأطفال منذ المراحل الأولى. بعد
سلسلة المعارض التي بدت في
مصر عام 1891، والتي أخذت تتوالى
بوتيرة زمنية متتابعة، وما
يرافقها من زيارات لفنانين
أوروبيين مرمرقين،
واعتبارهم أن مناخ مصر أكفر
ملاءمة، خاصة بعد أن تراجعت
أساليب معينة في الرسم
الأوروبي، وحلت أساليب
جديدة مكانها، بما فيها
الرسم في الهواء الطلق،
والتعامل مع الضوء بصورة
مختلفة عن قبل، وأيضا
اختيار موضوعا يتم التقاطها
من الشارع خاصة الأحياء
الشعبية، خلافا لأسلوب
الاستشراق، فان هذا المناخ
ترك انعكاساته وتأثيره في
أوساط واسعة. وما
إن بدأ القرن العشرون يطل،
وبتأثير هذا المناخ،
المتعدد والمتفاعل، ولانه
صادف وجود أمير شغوف
بالأعمال الفنية، ولديه
ثروة طائلة، هو لا امير يوسف
كمال، فقد جاء من اقترح عليه
إنشاء مدرسة فنية في
القاهرة، فتحس لفكرة، وهكذا
قامت مدرسة الفنون، ومن أجل
ضمان استمرارها، وتحسين
الأداء فيها، أوقف كيها
الأمير عقارات وموارد
تكفيها، بما في ذلك إيفاد
الخريجين المتفوقين إلى
أوروبا لمواصلة درسا تهم
والاطلاع طي الأعمال
الفنية، وهكذا أصبحت سنة 1908
علامة مميزة في تاريخ
التشكيل المصري. ترافق
ذلك أيضا مع قيام مجموعات
وجعيات لمحبي الفنون
الجميلة، وأخذت ترتفع
الأصوات بضرورة تشجيع
الفنانين واقتناء أعمالهم،
كما أصبح اقتناء الأعمال
الفنية،خاصة التي يرسمها
الأجانب، هواية بعض
الأثرياء ومجالا للتفاخر
فيما بينهم، مع الإشارة منا
لمى أن عددا غير قليل من
هؤلاء الأثرياء من أصول غير
مصرية، وكان بعضهم عل دراية
بالفنون وأسعار الأعمال
الفنية، نظرا لاسفارهم
المتكررة إلى أوروبا،
ولوجود ذوي المعرفة والخبرة
حولهم. بدءا
من عام 1912 أخذت البعثات الفنية
تتوجه الى أوروبا لمواصلة
الدراسة،. وكان ضمنها
المثال مختار، الذي أثبت
جدارته وحضوره، بما أنجزه
من أعمال فنية، ولأن طبيعة
المادة التي يتعامل بها
تقتضي تجهيزات ومسامان لم
يكونوا متوافرين في مصر،
لذلك كان من أوائل المصريين
الذين تم إيفادهم إلى باريس. ونظرا
للمخزون الشعبي العرق في
تكون هذا الفنان العبقري،
ولأنه أستمد أغب موضوعاته
من حياة الناس، خاصة أبناه
الأرياف، وقدرته على
الاختيار والتلخيص، ولان
مصر كانت تمر في فترة مخاض
وتغير، كي جميع المستويات،
من حيث ظهور الكيان السياسي
وإعلان الدستور وقيام
البرلمان وإنشاء بنك مصر،
وظهور عدد من الصناعات ؛
ولان مخاضا مماثلا كان
يجتاح فرنسا، وعبر عن نفسه
بموجات جديدة، ورسوخ ما كان
منبوذا أو مستبعدا، خاصة
الموجة الجديدة من
الانطباعية الأكثر نضجا،
ولأن المثال الفرنسي رودان
أصبح خلال تلك الفترة في
ذروة العطاء، ومن ثم في ذروة
الاحتراف والشهرة، فان
مختار استفاد كيرا من
اقامتا في فرنسا سواء
بالاحتكاك بأجراء جديدة،
وبالتالي الاستفادة من
الخبرات المتراكمة، أر
بتجاوزه للصعوبات والعوائق
التي كانت تميط به في مصر،
وهكذا انطلق بحماسة كبيرة
ليعبر عن نفسه، وليسهم أيضا
في إثراء المناخ الفرنسي
نفسه من خلال الموضوعات
التي تناولها مادة لعمله أو
طريقه التعبير نمها خاصة
وهو يحمل تراثا من بيئة
مغايرة، وهكذا أصبح أول
مصري يعرض في " صالون
الفنانين الفرنسيين " إذ قدم
تمثاله "عايدة "، وكان لما زل
في الثانية والعشرين من
عمره ! ان
هذه الدراسة تقتصر، بالدرجة
الأساسية، علي محمد محمود
خليل، إلإ أن معرفة الأجواء
التي عاش خلالها تضيع جوانب
مهمة في رحلته الفذة، وتعبر
عن مدى الجرأة التي تميز بها
وهو يبحر في مواجهة عواصف
وعوالم جديدة. ولعل
رحلة مختار الفنية، وما
أنجز خلالها من أعمال بالغة
الأهمية والحداثة، تعكس
الأجواء التي كانت سائدة،
إذ رغم الاعتراف به كمثال
متميز، ولاقت أعماله هوى ثم
اعترافا في فرنسا ثم مصر،
ومن الأوساط الشعبية أيضا،
إلا أن القوى المحافظة
المناهضة في مصر لم تكن كيلة
ولم تكن ضعيفة، إذ بعد ى عانى
الكثير من الصعوبات والفقر
أثناء الحرب العالمية
الأولى، مما اضطره إلى
العمل في غير مجاله لتحصيل
قوت يومه، استطاع أن ينجز
تمثاله "نهضة مصر" وحمله الى
معرض الفنانين الفرنسيين
الذي أقيم بعد الحرب
العالمية مباشرة، فرأى فيه
نقاد الفن "أول إشعاع تنبثق
منه نهضة الفن المصري".(6) ومع
أن شخصية مختار وانجازاته
الفنية تستحق وقفة خاصة،
فالذي يعنينا هنا: دور محمد
محمود خليل، ومجموعة أخري
من المستنيرين، وأيضا موقف
الشعب، خاصة الفقراء في
المدن والأرياف، وكيف تضامن
الكثيرون بالاكتتاب
والتأييد من أجل إقامة
تمثال،نهضة مصر"، بعد لن
أصبر الموضوع قضية وطنية
نتيجة الصعوبات التي وأجهت
إقامة هذا التمثال، وما
رافق ذلك من تجاذبات سياسية
واتجاهات فكرية متضاربة. إذ
بعد أن رأى سعد زغلول، أثناء
زيارة لباريسى، نموذجا
لتمثال،نهضة مصر"، أخذت
الصحافة تطالب بإقامة هذا
التمثال في مصر، وبادرت "الأخبار"
بالدعوى إلى الاكتتاب وجمع
الأموال اللامة، كما تشكلت
لجنة لمتابعة الموضوع، كان
من بين أعضائها محمد محمود
خليل. ولما تقرر أن تكون مادة
التمثال من حجر الجرانيت،
علي غرار تماثيل مصر
القديمة، فقد أمكن جمع 00ه6جنيا،
وطلبت اللجنة من لحكومة
الموافقة على إقامة هذا
التمثال فرافقت شرط أن يكون
تحت إشراف وزارة الأشغال
العامة.(7) لقد
كانت عملية الاكتتاب لجمع
الأموال مرأة لمشاعر الناس،
إذ بادر لي ذلك الفقراء قبل
الأغنياء، وساهمت الأرياف
بحماس يوازي حماس المدن.
وكفي منا بمثال واحد ورد في
رسالة من الشحات ابراهيم
الكيلاني، العامل بهندسة
السكة الحديدية بالزقازيق،
إذ قدم تبرعا مقداره ستمائة
مليم ومعه الكلمات التالية: أثناء
قطع الأحجار للتمثال من
شمال مصر ونقلها الى
القاهرة، وبعد الانفاق على
المراحل الأولى من العمل،
انتهت المبالغ التي تم
الاكتتاب بها، وكاد يتوقف
المشروع عام 1922، إلا لنا أحد
النواب، ويصا واصف، استطاع
أن يحصل على اعتماد من
البرلمان قدره 12 ألف جنيه
لمواصلة العمل، ورغم
الاستمرار إلإ أن العقبات
التي وضعتها الحكومة كانت
تعرقل وتؤخر. كتب وكيل وزارة
الأشغال، المعترض هي إقامة
التمثال وعلي مكان اقامته،
طالبا "تشكيل لجنة من ذوي
الذوق للنظر في صلاحية
التمثال ".(9) وظل الأمر بين شد
وجذب إلى أن، استطاع مختار
أن يتم تمثاله ". "وظل يرتقب
إزاحة الستار عنه شهورا لي
أن تغلب تيار
الحماسة العام، وتم احتفال
رسمي أقيم في 20 مايو 1928، وألقى
فيه رئيس مجس الوزراء كلمة
الحكومة، كما ألقيت قصيدة
شوقي التي أعدها عن
التمثال، القاها الشاعر علي
الجارم ".(10) إن
إقامة تمثال " نهضة مصر "
تعكس الجو الذي كانت تعيشه
الحركة الفنية، إذ رغم
الحماس الشعبي، والدفاع
الحار من قبل اعلام الثقافة
والفن ولأدب وقطاع مستنير
من السياسيين وأبناء الشعب
العاديين، إلا أن موقفا
مناهضا من عدد غير
قليل،خاصة من السياسيين،
كان يحول دون انطلاق العمل
الفني، ويضع في وجهه
المصاعب والعراقيل. (2) يضاف
إلى هذا أن ذوي النفوذ
الاقتصادي أخذوا يدركون ما
تشكله الأعمال الفنية من
أهمية في مجال الاستثمار،
ليس كمجرد أحتياطي محتمل أر
بعيد للثروة. وإنما كشيء
عاجل، بل ومؤكد أيضا. ونشطت
في هذا الحقل دور المزادات،
وما تخلقه من المنافسة
والإغراء، يبث أمس جمع
اللوحات والتحف الفنية
والسجاد والأثار القديمة
ثروة بذاتها، كما كان حال
الذهب في فترة سابقة. عزز
هذا الأمر أن الكثير من
لأعمال الفنية التي كانت في
الكنائس والقصور قبل الثورة
الفرنسية، ونهبت أو تشتتت
خلال الثورة ثم بعدها، أخذت
تظهر في دور المزادات.
وأصبحت هذه الدور هي التي
تعطي القيمة والمصداقية
لهذه لأسال، وبالتالي لها
زبائنها وسماسرتها
وأساليبها في الترويج بما
في ذلك تبني بعض المدارس
والمر لحل والفنانين،
وتحديد الأممية والمستوى
والأسعار، الأمر الذي زاد
في المنافسة، وزاد في الطلب
علي مدرسة معينة وفنانين
محددين. محمد
محمود خليل، وهو يزداد
اقبالا لشراء الأعمال
الانطباعة، أصبر أكثر
ادراكا لقيمة ما يشتريه،
بحكم الممارسة ونتيجة تأثير
المستشارين الذي يحيطون به،
حتى الأعمال التي تنتمي إلى
مدارس أخري، وأشتراها
لنفسه، ربما بهدف
الاستثمار، وكان أغلبها من
مدرسة الاستشراق، ما لبث أن
تخلى عنها سواء بالبيع أو
باهدائها إلى جهات متحفية
في مصر. ولأنه
رفق النشاط التشكيلي في مصر
منذ البداية، وظل يقيم أو
يتردد على باريس من مطلع
القرن العشرين، ولان مدرسة
الفنون أوفدت خريجيها
المتفوقين الى فرنسا، فقد
كان خليل وثق الصلة بهؤلاء،
وقامت بينه وبين بعضهم
علاقات متميزة، الأمر الذي
جعله يساهم في الجماعات
والجمعيات التي تكونت في
مصر لدعم الفنون، ولشراء
الأعمال الفنية. صحيح
أن عددا من الذين تم إيفادهم
إلى فرنسا أو إيطاليا بقي
محافظا، فلم يتفاعل مع
المدارس الفنية الحديثة،
ولم يتأثر بالاتجاهات
والموجات لجدية، إذ كان
التوجه لدى بعض هؤلاء
الحصول علي الشهادات
والحلول مكان الأجانب الذين
كانوا يكون الوظائف
والمناصب الادارية في مصر،
إلا أن آخرين تفاعلوا مع
الجو الجديد، وستطاعوا
اكتساب مهارات إضافية،
وساهموا بالتالي في خلق
مناخ فني أكثر تحررا وأكر
خصوبة، ولعل أبرز هؤلاء:
مختار ثم عياد ومحمد حسن
ويوسف كامل. بتأثير
هذا الجو، والذي أصبح أكثر
نضجا وانفتاحا، وقد ساهم في
خلقه الموفدون العائدون
وكوكبة من ألمع المثقفين،
أمثال لطفي السيد وأحمد
شوقي وطه حسين وهدى شعراوي
وعلي عبدالرازق وعبدالرحمن
عزام والرافعي وغيرهم،
علاوة علي الصحافة
والمعارض، أمكن ادخال مادة
الفنون فجميلة كمادة دراسية
في جميع المدارس، وزيادة
الاهتمام الشعبي، وحتى
الرسمي، بالقضايا الفنية
المطروحة، كما تعالت
الأصوات مطالبة بزيادة
العناية ولإنفاق في هذا
المجال، وكان محمد محمود
خليل صاحب تأثير مباشر، مما
جعل الدولة تخصص مبالغ
مالية لاقتناء الأعمال
الفنية، وتكلفه باختيار هذه
الأعمال. قام
خليل بشراء عدد غير قليل من
الأعمال الفنية من "صالون
القاهرة " لمصلحة وزارة
المعارف، وحين كلفته الدولة
بشراء أعمال تناسب القصور
الملكية ونادي محمد على
للدبلوماسيين، ثم لمتحف
الفن الحديث، فقد اختار
نسبة كبيرة مما هو معروض في
دور المزاد بفرنسا، واستمر
يفعل ذلك طوال الفترة التي
ظل خلالها مكلفا بهذه
المهمة، وكان يصطحب معه
لهذا الغرض عددا من
المستشارين وذوي الخبرة في
رحلاته، وحين يكون مثقلا
بأشغال في مصر تعوقه عن
السفر، كان ينيب عنه بعض
مستشاريه للقيام بهذه
المهمة. على
رأس المستشارين الذين
استعان بهم خليل، أو كانوا
ينوبون عنه في اختيار
الأعمال الفنية: ويشار
موصيري، وهو يهودي مصري،
وتحديد الهوية هنا لهذا
المستشار بالذات ضروري، لان
المواقف اللاحقه، خاصة بعد
وفاة خليل، توضيح بعض
الملابسات التي رافقت ما
أثير حول صحة نسبة عدد من
اللوحات لمبدعيها. فإذا
عدنا الى سيرة محمد محمود
خليل، فإنه ابتداء من عام 1923،
أصبح سكرتيرا لجمعية محبي
الفنون، ثم ما لبث أن تسلم
رئاستها، وظل كذلك إلى حين
وفاته، تقريبا، أما مهام
هذه الجمعية فكانت إقامة
المعارض، شراء اللوحات،
توسيع دائرة الاهتمام
بالفنون، سواء بعقد الندوات
والمحاضرات، أو باستضافة
المعارض والفنانين، مصريين
وأجانب، كما شجت الجمعية أو
تبنت بعض المشاريع،كتمثال
نهضة مصر، ودفعت أعضاءها
إلى مساندة المشروع والتبرع
له، والى توضيح أهميته
بالكتابة عنه، وبالكتابة عن
الفنون بشكل عام. أما حين أصبح خليل عضوا في مجلس الشيوخ، ثم رئيسا له، فقد أقنع الحكومة بزيادة المخصصات لشراء الأعمال الفنية، وبدأ ذك عام 1925، ثم استمر خلال فترة ليست قصيرة، ولان أغلبية المشتريات كانت تتم من فرنسا، لقناعة خليل أنها الأكثر جدارة بالاقتناء، تولد رد فعل لدى الفنانين المصريين، لكن خليل لم يأبه لمثل هذه الاعتراضات، بسبب الفارق في & |