|
اوضحت
في ورقة سابقة ( الحراصي 1999-أ)
معنى التجسد كما تطرحة
الفلسفة التجربية، حيث عرضت
كتابي لاكوف وجونسون "ااستعارأت
التي نحيا بها" (1980) و"الفلسفة
في الجسد: العقل
الممتجسد وتحدية للفلسفة
الغربية " (1999) اللذين بينا
فيهما أن العقل لا ينفصل عن
تجربة الجسد بل أن التجرية
العقلية في كثير من جوانبها
تقع تحت سيطرة الجسد
المجازية، حيث ينقل العقل،
من خلال الإستعارة، بنى
التجارب المادية، كالحركة
والرؤية البصرية والاحتواء.
ومنطقها وتفاعلاتها ليشكل
منها المفاهيم المجردة
كالمفاهيم السياسية
والفلسفية و غيرها. كذلك
رأينا كيف أن ديكارت قد اقام
منظومة فكره الفلسفي على
مجموعة من الاستعارات ذات
الاساس المادي الصرف،
فالأفكار كانت اشياء وعملية
التفكير كانت القدرة على
رؤية الافكار رؤية واضحة.
كما رأينا أن المفاهيم
البسيطة كالزمن ليست خلوا
من الحادة ابدا، فمفهوم
الزمن مرتبة الى حد كبير
بتجارب وظواهر مادية
كالحركة والمسافة وغيرها،
ولا يمكن التعامل مع مفهوم
الزمن بحال من الاحوال الا
من خلالها. كذلك
رأينا في ورقة أخرى (الحراصي
1999- ب) كيف ان لمتجسد كان اساسيا
في صدام الخطابات
الاجتماعية، فقد رأينا ان
الامام نور الدين السالمي
قد ارتكز طي استعارة (الدين
طريق 1) وان (الحياة سير في طريق
الدين لم اضافة الى
استعارات ( الاستقامة) و(الصحة)
وغيرها في نقده للتغيرات
الاجتماعية التي شهدتها
زنجبار في اواخر القرن
التاسع عشر ومطلع القرن
العشرين، فيما ارتكز "المحتج
" على الامام السالمي ايضا
على مفاهيم مادية كمفهوم "
لتكيف " الذي رأى من خلاله ان
السلوك الاجتماعي لعمانيي
زنجبار كان عرضة للتغير لا
محالة لمضغوط الظروف
الجديدة وما تقطبه من لوازم
التأقلم المعيشي. أما
هذه الورقة فهي استمرار
للخط الفكري الذي عرض في
الورقتين السابقتين، حيث
سيكون لب مسعى هذا المبحث هو
تطبيق ذات الرؤية التجسدية
على التفكير الفلسفي. وهو
مشروع قد بدأه في اللغة
الانجليزية كل من لاكوف
وجونسون في كتابهما الأخير "
الفلسفة في الجسد" كما رأينا
سابقا. وما تطرحه هذه الورقة
ليس الا محاولة استكشافية
بسيطة لتقصي أبعاد التجسد
الفلسفي في السياق العربي.
ونقول "استكشافية " لكون
تتبع تجسد الفلسفة اتجاها
بحثيا لم يتم، فيما أمم،
تتبعه في مجال الفلسفة
العربية من قبل، ولنقل من
منظور الفلسفة التجريبية
على أقل تقدير، وهو ما
يستوجب التأني في الوصول
الى ما يرتجى من نتائج،
بمعنى ان أية نتائج قد نصل
اليها من خلال التحليل انما
هي نتائج قابلة للأخذ والرد
ولا يمكن قبولها قبولا تاما
دون دراسة أوسع للخطاب
الفلسفي العربي بأكمله وعلى
مر تاريخ تطوره، وهو ما لا
يمكن لمبحث واحد مثل هذا ان
يقوم به. أضف الى ذلك ان تقصي
التجسد في الفلسفة، ليس من
الامور التي ينبغي التسرع
فيها، والتهجم في الوصول
الى ما قد يبدو من ظاهر
نتائجها ومستتبعاتها، لما
فتي هذا المشروع من ابعاد قد
لا تكون عواقبها في مدى
البصر والبصيرة على كثير من
المسلمات في سائر انماط
التجربة العقلية. ان التجسد
يقتضي على مسوى الفرضية ان
الفلسفة، باعتبارها من أهم
أشكال التجربة العقلية
المجردة، لقيت في جوهرها
مختلفة في استثمار التجربة
الجسدية في الفكر عن أشكال
التفكير الاخرى، بما فيه
تفكير عامة الناس. وهو أمر قد
يصب التفكير فيه، ناهيك عن
قبوله، من قبل من يعتقد
جازما، جريا وراء النظريات
المألوفة الشائعة، بأن
الفلسفة عقل محض وان
الفلاسفة قمة في هرم
التفكير العقلي في
مجتمعاتهم، وان أنماط
تفكيرهم تختلف نوعيا عن
اشكال التفكير الموجودة عند
بقية الناس. كذلك
اقول ان هذه الدراسة "
استكشافية " لكوني أقر بإني
لست فيلسوفا ولست متخصصا في
الدراسات الفلسفية، وانما
أسعي قدر جهدي ان اقدم
اجتهادا يقوم على منهج
اساسي في علوم اللسانيات هو
تحليل اللغة، بحيث اني
سأنطق من خلال تحليل اللغة
الفلسفية لتقديم ما أراه
حول تجسد التفكير الفلسفي،
وهو، كما ذكر آنفا، منهج قد
طبق فيما سبق على يد كل من
لاكوف وجونسون في كتابهما "
الفلسفة في الجسد" ولاقى،
فيما أرى، نجاحا في تبيين
تجسد الفلسفات الغربية منذ
قدماء فلاسفة الاغرق حتى
الفلسفات المعاصرة. وغاية
أملي هو ان تكون هذه الورقة
مدخلا لدراسات تلحقها من
قبل من المتخصصين في
الفلسفة العربية، ممن قد
يرون في الفلسفة التجريبية
فلسفة مغايرة يمكن ان تقدم
للدراسات العربية في
الفلسفة وغيرها من اوجه
الفكر والابداع العربيين
نظرات أكثر قربا للحقيقة
الانسانية وارتباطا
بتجاربها الحياتية
الاساسية. سنحاول
فيما سيتبع إذن تقصي اثار
التجربة البشرية المادية في
كتاب فلسفي واحد هو "دلالة
الحائرين " للفيلسوف موسى بن
ميمون الاندلسي، وابن
ميمون، رغم ديانته
اليهودية، الا انه يعد من
الفلاسفة الاسلاميين
لإنتمائه للمجتمع الاسلامي
من جانب ولكونه نشأ في
المناخ الفكري الاسلامي
وداساهم فيه وأضاف اليه
بقدر ما اخذ منه " كما
يقول الدكتور حسين آتاي
الذي حقق الدلالة ونشره
بالعربية. ولكون
هذه الورقة استكشافية فإنها
ستقتصر على الاستعارات
المستخدمة في التعامل مع
مفهوم واحد وهو مفهوم
العقل، حيث سنتتبع بعض
استعارات العقل عند ابن
ميمون ولن نتعدى هذا
المفهوم لتقديم فلسفته أو
آرائه في الشريعة كلها،
ويمكن لمن أراد ان يستزيد
حولها ان يطلع على كتبه
ككتاب "دلالة الحائرين " او
الكتب التي كتبت حوله مثل
كتاب "موسى بن ميمون حياته
ومصنفاته " لولفنسون والذي
صدر بالعربية عام 1936،
وبالانجليزية يمكر مطالعة
كتب مثل "موسى بن ميمون "
لأولفر ليمان ( 1990ففمجـ)،،
وكتاب "تفسير ابن ميمون:
دراسات في المنهج،
والميتافيزيقا، والفلسفة
الاخلاقية " لمارفين فوكس ( 1990د)
وكتاب "وجهات نظر في ابن
ميمون " الذي يتكون
مز دراسات لعدد من الباحثين
وحرره جويل كريمر ( 1991ممفثـ). الفرق بين
التجسيم وتجسيد العقل ولنبدأ
بمفهوم التجسد. لا يمكن ان
ندرك معنى التجسد في الفكر
الا من خلال تتبع
الافتراضات الفلسفية التي
تقوم عليها النظرية
المفهومية للاستعارة. وهذه
النظرية تختلف من الفلسفات
الموضوعية في انها تعطي
دورا اساسيا للذهن الانساني
في ادراك الاشياء، فغيما
ترى النظريات الموضوعية ان
الوجود الخارجي(اي خارج
العقل) لا يتطلب العقل
الانساني اساسا، وان لا دور
للعقل ابدا في ادراك
الظواهر خارجه، بل انه لا
يقوم الا بدور العاكس
لظواهر الخارج المادي. أما
في مجال اللغة فتوى
الفلسفات الموضوعية ان
اللغة تعكس ما في الخارج
فالكلمات تشير اشارات
مباشرة الى ظواهر الخارج
المادي، فكلمة " جبل " تشير
الي الظاهرة الجغرافية
المعروفة، اما الاستعارة في
هذا المنظور فهي ليست الا
تشبيها مبطنا يتم فيه
استخدام كلمة محل اخرى
لتشابه بين ما تشير اليه كل
من الكلمتين، وان لا دور
للعقل في خلق هذا التشابه. أما
الفلسفة التجربية فلها
منطقات فكرية مختلفة،
تتبعها تفسيرات لظواهر مثل
الاستعارة وغيرها تختلف عما
هو سائد مما تطرحه الفلسفات
الموضوعية. فهذه الفلسفة
ترتكز على الدور الاساسي
للذهن الانساني، وان
الطبيعة الخارجية ليست
منعتقة تماما من العقل
الانساني، بل ان للعقل دورا
اساسيا في طبيعة ادراك
وجودها وفي فهمها. وترى هذه
الفلسفة ان للوجود المادي
المحسوس دورا اساسيا في
تشكيل بنية الذهن، فالعقل
هو جزء من جسد الانسان،
وتفاعلاته العصبية هي
تفاعلات مادية، كذلك فإن
مفاهيمنا المجردة تقوم
اساسا على تجربتنا المعيشية
في مستوياتها الاساسية
المادية (اساسا)
والاجتماعية والاقتصادية
وغيرها. اما الاستعارة فإن
لها ألية مختلفة حسب هذه
النظرية، ذلك انها تقوم ليس
على اساس التشابه بين
المستعار والمستعار له (اي
بين القمر والوجه الجميل
كما في قولنا "رأيت قمرا " او
الرجل الشجاع والاسد في
قولنا. " اقبل الاسد ") بل على
اساس اننا، كبشر، نستغل
المستويات الاساسية في
حياتنا وفصوصا التجربة
المادية في تشكيل المفاهيم
غير المادية، فعبارات مثل
قولنا أدان هذا خارج نطاق
العقل "، وان "هذا امر لم
يدخل عقلي "، و" لم يبق في
عقلي شيء من ذكريات الطفولة
" تفترض ان العقل شيء مادي
مؤطر بحدود يمكن بعبورها
الدخول اليه والخروج منه.
وهذه التعبيرات تبرز الخلاف
على الاستعارة بين النظريات
التقليدية القائمة على
التشابه والنظرية
التجيربية، فالأولى سترى ان
هذه ليست استعارات اصلا،
فالكلمات "خارج نطاق " و"
يدخل " "لم يبق في... سوى..." تدل
حقيقة ان بالامكان للأفكار
ان تدخل العقل وان العقل قد
يقبل دخول أفكار معينة فيما
يرفض أخرى، وان للعقل حدودا
فعلية، تجل من مثل عمليات
الدخول والخروج هذه امورا
مقبولة. اما النظرية
المفهومية فترى اننا لا
نعرف عن طبيعة العقل وعن
بنيته الشيء الكثير الا ان
كل ما نعرفه هو ان العقل هو
تلك الملكة التي تفكر وتشعر
ويمكنها ان تقرر ما يفعله
الانسان، اما التعبيرات
الثلاثة السابقة فهي ليست
سوى تجل لغويا لاستعارة
مفهومية هي (الذهن حاو
للأفكار)، اي ان فهمنا للعقل
هو فهم مجازي، وان العقل ليس
حاوية حقيقة، بل ان معرفتنا
بالظواهر الحاوية هي التي
تمكننا من تشكيل هذه
المعرفة المحددة عن العقل،
ومن هنا جاءت فكرة تجسد
التفكير، ففهمنا للعقل كما
يتجلى في العبارات السابقة
هو فهم متجسد بمعنى انه قائم
على ظاهرة الاحتواء المادي
التي تفترض ان للحاوي حدودا
تحدد خارجه من داخله. وإذا
كان الفكر متجسدا كما رأينا
من الامثلة اعلاه حول فهمنا
للعقل نفسه، فإن التجسيم
يغدو امرا مختلفا غاية
الاختلاف. ان موسى بن ميمون
ينتقد من يعتقد بأن لله
وجودا ماديا يشبه وجود
مخلوقاته، كما اعتقد كثير
من اليهود، مشيا وراء ظاهر
التوراة، حيث أمنوا بأن لله
جسدا ويدا وعينا وغيرها من
الجوارح، وان الله منع
العالم كما يصنع الصانع
البشري مصنوعاته، وهو
اعتقاد يثير ابن ميمون الذي
يعتقد أن الله لا يجوز فيه
التجسيم بحال، ويدفعه لينفي
سائر الصفات المادية عن
الله. ومفهوم التجسيم ليس
قصرا على اليهود فقد وجد عند
بعض فرق الاسلام التي
اعتقدت بأن لله جسدا مثل
الجسد المادي بما به من
جوارح ولكونه جسدا فإنه
يفعل ما تفعله سائر الاجساد
كالاتصال المادي وغيره، وهو
ما يتبين من الفقرة التالية
من كتاب "الملل والنحل "
للشهر ستاني وأما مشبهة
الحشرية ؛ فحكى الأشعري من
محمد بن عيسى أنه حكى عن مضر،
وكهمس، وأحمد الهجيمي: أنهم
أجازوا على ربهم الملامسة
والمصافحة، وأن المسلمين
المخلصين يعانقونه في
الدنيا والأخرة إذا بلغوا
في الرياضة والاجتهاد إلى
حد الإخلاص والاتحاد المحض.
وحكى الكعبي عن بيضهم أنه
كان يجوز الرؤية في دار
الدنيا، وأن يزوره ويزورهم.
وحكى عن داود الخوارمي أنه
قال. اعفوني من الفرج
واللحية، واسألوني عما وراء
ذلك. وقال. إن معبوده جسم،
ولحم، ودم، وله جوارح
وأعضاء من يد، ورجل، ورأس،
ولسان، وعينين، وأذنين، ومع
ذلك جسم لا كالأجسام، ولحم
لا كاللحوم، ودم لا
كالدعاء، وكذلك سائر
الصفات، وهولا يشتبه شيئا
من المخلوقات، ولا يشبها
شيء. وحكي عنه أنه قال: هو أجوف
من أعلاه إلى صدره، مصمت ما
سوء ذلك، وأن له وفرة سوداء،
وله شعر قطط. وأما ما ورد في
التنزيل من الاستواء،
والوجه، واليدين، والجنب،
والمجيء، والإتيان،
والفوقية، وغير ذلك فاجروها
غلى ظاهرها ؛ أعني ما يفهم
عند الإطلاق على الأجسام. التجسيم
اذن يعني اثبات الجسم لله
تعالى، وان له جوارح كاليد
وأقدم واللسان وغيرها، وانه
يجوز له ان يتصل ماديا
بالناس، وهذا ما يرفضه ابن
ميمون رفضا مطلقا. بل ان هذا
يساس د الكفر عنده، حيث "لا
ينبغي ان يقر احد على اعتقاد
تجسيم اوعلى اعتقاد لاحق من
لواحق الاجسام، الا ما يقر
على اعتقاد قدم الاله او
الشرك به او عبادة من دونه " (83). ان
الفرق الاساس يكمن اذن في ان
مفهوم التجسيم يقوم على
حقيقة مفترضة للظواهر غير
المحسوسة فيما ان مفهوم
التجسد لا يعنى بالبشر من
الطبيعة الحقيقية
للموجودات غير المادية
كالله والملائكة أصلا، ذلك
انه مفهوم يصف فعل العتل
وربطا لمجالات الحياة
البشرية. فحين نقول ان مفهوم
الزمن متجسد لأن الناس
يعتقدون ان الزمن يتحرك من
موقع لأخر، وان الامس "مضى" و"
فات " وان الغد و" المستقبل " "قادم
" فإننا لا نعني ابدا ان
الناس يعتقدون حقيقة ان
للزمن جسدا بشكل من الاشكال
وان ثمة أرضا تحته يتحرك
فيها من مكان لأخر، بل القصد
هو انه حيث ان مفهوم الزمن
مفهوم مجرد يختلف عن
الظواهر المادية كالسيارة
والناقة والسفينة مثلا، ولا
يعرف له بنية واضحة، فإن
العقل الانساني يفهمه
مجازيا حيث يقوم بتشكيل هذا
المفهوم الغامض زي البنية
غير الواضحة من خلال ما
نعرفه ئ الظواهر المادية
كالتي اشرنا اليها فيما
تقدم. وهذا
الفرق مهم وتوضيحه مهم جدا،
حيث ان من لا يفرق بين
الامرين سيعتقد ان الفلسفة
التجريبية ليست الا تجسيد(و)ية
محدثة مثلها مثل من يأخذ
بظواهر النصوص الدينية
كالتوراة والقرآن التي يشي
ظاهره مثل الاية الكريمة "يد
الله " فوق ايديهم " (سورة
الفتح: 10) وغيرها بإن لله يدا
وغيره من سائر الاعضاء.
فالفلسفة التجربية
التجسدية كل همها ليسر تقصي
"حقيقة " و"جوهر" الموجودات
المجردة غير المادية وانما
السبل التي بها يشكل العقل
مفاهيمه من خلال التجربة
المادية حول الظواهر غير
المادية. وللحديث
عن أثر التجسد في خلق
التفكير والمعاني الفلسفية
يلزم ان نوضح ونشدد على قضية
تتعلق بطاهرة مخططات الصور
التي ستكون جزءا من
استدلالنا على تجسد فكر ابن
ميمون الفلسفي. ومخططات
الصور هي ظاهرة عقلية
تمكننا من ادراك كثير من
تجاربنا المحسوسة ومن ثم
تجاربنا الفكرية من خلال
الاستعارة كما في المثالين
التاليين. 1.
مخطط الاحتواء: مخطط تقوم
بنيته على وجود حدود تميز
الداخل والخارج كغرفة
النوم، ملعب كرة القدم،
علبة الكبريت، ونستخدمه
مجازيا كما هو في استعارة (الزمن
حاو) كقولنا "أحدث في عام 1999". 2.
محظط التحرك: مخطط تقوم
بنيته على وجود شيء يتحرك من
نقطة الى نقطة أخرى كتحرك
الريح من الشرق الى الفريد،
وحركة الطفل مز أمه الى
ابيه، وحركة السيارة من
مدينة الى اخرى، ونستثمره
مجازيا كما في استعارة (الزمن
حركة) كقولنا " مضى القرن
العشرون غير مأسوف عليه
وجاءنا القرن الجديد والحال
نفس الحال " مخططات الصورة
اذن ليست صورا مدركة بالعين (وهي
الصور التي تسمى في
الذهن،بـ "الصور الثرية " اي
الصور التي يمكن رؤيتها
بصريا كالغرفة وعلبة
الكبريت وحركة السحاب) بل
إنها أنماط أكثر تجريدا
يمكن ان تظهر في ادراكنا
للصور الثرية فمخطط الحركة
يشكل بنية رؤيتنا لحركة
السحابة مثلا. وتتشكل
منططات الصورة من خلال
تجاربنا تفاعلنا مع الاشياء
المادية وخصوصا في فترة
الطفولة كما بينت كثير من
الدراسات مثل جوفسرن (1987).
ولمخططات الصور بنى بسيطة
جدا، فمخطط الحركة لا يقطب
سوى نقطة انطلاق وجسم متحرك
وخط حركة ونقطة وصول، ومنطق
بسيط ايضا (مثلا: اذا تحركت من
نقطة أ، متجها الى نقطة ج،
وكنت في نقطة ب في منتصف
المسافة بين أ و ج فلا يمكن ان
تكون في ذات الوقت في أ او ج).
ينطبق هذا على السيارة وعلى
الطفل وعلى تحرك المنخفضات
الجوية من قارة الى قارة على
سبيل التمثيل. ابن ميمون
ورفض فكر المتكلمين المتجسد "إذ
لا يرى الجمهور شيئا متمكن
الوجود صحيحا، لا ريب فيه،
الا الجسم. وكل ما ليسر بجسم،
لكنه في جسم، فهو موجود،
لكنه انقص وجودا من الجسم،
لافتقاره في وجوده الى جسم.اما
ما ليس بجسم ولا في جسم،
فليسر هو شيئا موجودا بوجه
في باديء تصور الانسان،
وبخاصة عند التخيل ". (101) ويقول
في موضع اخر ان "المادة حجاب
عظيم عن ادراك المفارق على
ما هو عليه " (490) وفي كل هذا دليل
على وعي تام لدى موسى بن
ميمون بضرورة تجسد التفكير
العقلي واستحالة تخطي هذا
التجسد. الا ان ابن ميمون رغم
اقراره بالتجسد فإنه يختلف
عن الفلسفة التجربية التي
تطرح فكرة تجسد التفكير
العقي في انه ينتقد العامة
بقصور لديهم في إمكانية
تجاوز هذا التجسد، ذلك
التجاوز الذي يتميز به
الفلاسفة وغيرهم من
الكاملين. وموضع الخلاف هنا
ان هذا التجاوز، كما سيتبين
في هذه الدراسة، لا أصل
حقيقة ان منظور نظرية تجسد
الفكر المعاصرة، ففكر ابن
ميمون نفسه يكاد ان يكون
كامل التجسد، ولا يختلف ئ
فكر العامة المتجسد كثيرا،
من خلال الاستعارات التي
يشكل بها مفهوم العقل
كاستعارات ( التفكير العقلي
تحرك من موضع الى اخر)
واستعارة لم التفكير العقلي
رؤية للأفكار) والتي
سنشرحهما بالتفصيل مع
الامثلة الدالة عليهما من
خلال اقتباسات من ابن ميمون
نفسه. يمكن
رؤية ادراك ابن ميمون
للتجسد كذلك من خلال رأيه في
المتكلمين وطريقه برهنتهم
على حدوث الكون (أي خلقه) وليس
قدمه (استمراريته بلا بداية
محددة) حيث انه مع اقراره
بنفس ارائهم في الحدوث الا
انه يرفض "المقدمات " التي
وصلوا بها الى تلك الأراء،
مستندا على ان اراءهم انما
تنطلق من المادة الحسية،
اي، ان فكرهم متجسد ان اردنا
استتندام تعبير الفلسفة
التجربية، حيث يقول عنها
ابن ميمون انهم " اتلفوا
علينا براهين وجود الاله
ووحدانيته، ونفي الجسمانية
اذ البراهين التي يبين بها
جميع ذلك انما تؤخذ من جملة
طبيعة الوجود المستقرة
المشاهدة المدركة بالحواس
والعقل “(2280). إن
هذا الوعي بالتجسد في تفكير
الآخرين ورفضه لكونه من
منطق المادة يتجلى أيضا في
تشديده على وجود ظاهرة "
إشتراك الاسم " والذي يعني
ان التجسد الذي قد يوجد عند
الفلاسفة وعلماء الشريعة
انما مرده تجسد " لفظي" ان
جاز التعبير،بمعنى ان لغتنا
البشرية محدودة وأن وصفنا
لما وراء الطبيعة بصفات
الطبيعة مرده هدم وجود لغة
أخرى الا لغة البشر، ففي
حديثه عن الوحدانية يقول: الا
انه ينبغي ان نشير هنا الى ان
وعي ابن ميمون هذا بتجسد لغة
الفكر، كما يتجلى في قضية
الوحدة والكثرة النابعة من
تجربتنا الحياتية
بالاعداد، لا ينبغي ان
نستنبط منه وجود وعي تام
لديه بتجسد الفكر ذاته كما
تقدمه لنا الفلسفة
التجربية، فابن ميمون، مثله
مثل غيره من الفلاسفة
والمفكرين الموضوعيين،
يرون ان الافكار والمفاهيم
المجردة موجودة وجودا
مستقلا ولا علاقة لها
بالجسد على نحو معلق لكننا،
ولكوننا بشرا، فإنه لا محيد
من ان نستخدم اللغة البشرية
في حديثنا عما هو مفارق
للمادة من موجودات، أي ان
ابن ميمون ماء ان للأفكار
وللظواهر الفكرية وجودا
فاما بها ليس له علاقة
بالجسد وتقاعلاته، فيما ان
الفلسفة التجربية ترى ان
الافكار لا توجد من غير
تجسد، اي من غير دور الجسد
المجازي. ان
الفكرة الرئيسة التي تحاول
هذه الورقة طرحها هي: انه
فيما يقرع ابن ميمون عامة
الناس او "الجمهور" متهما
اياتم بتجسد التفكير وعدم
القدرة على الانعتاق من
الوجود المادي الذي
يعيشونه، فإنه قد أعطى
للكاملين من الفلاسفة
وغيرهم إمكانيات للانعتاق
بتجاوز التفكير القائم على
الجسد. وهذا يطرد أمرين
ينبغي التوقف أمامهما،
اولهما ان ابن ميمون نفسه
يقر ان التفكير العام متجسد
وهو رأي غاية في الاهمية،
وهو رأي يمثل لب الفلسفة
التجربية المعاصرة، الا ان
هذا الرأي، اي رأي ابن
ميمون، يستثني الفلاسفة او
غيرهم من الكاملين الذين
يمكنهم أن يتجاوزوا اثر
التجسد في التفكير من خلال
تعاملهم مع المدركات
العقلية علي نحو مباشر لا
يمر من خلال أتي الجسد، وهو
استثناء تحاول هذه الدراسة
ان تبين عدم سلامته كما
سيتبين. ولمكن
لسائل ان يسأل " وما ضرورة
استخدام الاستعارة في فهم
ظاهرة "العقل " وطبيعة عمله ؟".
درس كل من لاكوف وجويسون (1999،
صص 235-266) ظاهرة العقل وأوضحا
جليا ان العقل متجسد، ليس
بالمعنى البسيط لكلمة
متجسد، بل "بالمعنى العميق
حيث ان منظوماتنا المفهومية
وقدرتنا على التفكير تشكلها
طبيعة أدمغتنا واجسادنا
وتفاعلاتنا الجسدية. ولا
يوجد عقل منفصل ومستقل عن
الجسد، ولا افكار ذات وجود
مستقل عن اجسادنا وأدمغتنا"
(266، ترجمتي). اما العقل غير
الاستعاري فهو غير موجود
الا ببنية هيكلية بسيطة لا
يمكنها ان تعيش بدون
الاستعارات وتفترض تلك
البنية ان العقل هو " ما يفكر
ويفهم ويعتقد ويستنبط
ويتخيل ويشاء"، (المرجع
السابق). وبهذا الفهم لتك
البيية الهيكلية سننطلق
لتحليل استعارات العقل عند
ابن ميمون، وسيقتصر تحليلنا
التالي على الاستعارات
التالية (التفكير تحرك في
حقل قوى) و(التفكير رؤية)
واستعارة (العقل الفائض.) [
التفكير تحرك في حقل قوى ] [التفكير
تحرك الى مواقع جديد] الوصول
الى الاخرى، وهو ما نواه في
الاقتباس التالي من ابن
ميمون: ان
البحث العقلي فيما هو تحرك
من موقع الى اخر يستثمر ايضا
مفهوم المواقع المتقدمة
التي يعرفها الانسان في
حركته المادية العادية،
وهذا من مظاهر منطق مفهوم
الحركة المادية، حيث انك ان
كنت تنوي الحركة من موقع
معين ولنقل مدينة، صحار في
عمان متجها الى موقع اخر
ولنقل مدينة مقسط فإنك ولا
بد ان تقطع كل المسافة بين
صحار ومسقط. ان الانسان الذي
ينوى الوصول الى الافكار
الكبيرة لا يمكنه ان يهب
هكذا اليها دون ان يمر بكثير
من الاراضي التي ينبغي عليه
عبورها والا واجه كثيرا من
المشاكل الفكرية، ولو قع في
كثير من المطاب او كما يقول
ابن ميمون: إما
اثبات الاقاويل وحل الشكوك
فلا يصح الا بمقدمات كثيرة،
تؤخذ من تلك التوطئات،
فيكون الناظر دون توطئة كمن
سعى برجليه ليصل موضع ما
فوقع في طريقه في بئر عميقة
لا حيلة عنده للخروج منها
الى ان يموت، فلو عدم السعي
وسكن في موضعه لكان احرى به. (77) وتجدر الاشارة هنا الى ان فكرة المواقع الوسيطة هذه (اي تلك الواقعة بين نقطة التحرك والنقطة المراد الوصول اليها) هي ذاتها التي تتحكم بفكرة المقدمات المنطقية في عمليات الاستدلال المنطقي، ففكرة " المقدمة " تفترض ان ثمة ارضا يجب عيك لزاما ان تقطعها قبل ان تصل الى الارض المبتغاة،حيث انها تتقدم النتيجة،. حيث ان كل الاراضي الموصلة الى الفكرة المبتغاة والتي سار فيها الشخص المتحرك تس |