هانز جورج جادامير
خطاب التأويل ,خطاب الحقيقة

عمر مهيبل (أكاديمي من الجزائر)


قد لا أضيف جديدا اذا ما ذكرت في بداية هذا المقال ان الحديث عن مبحث "التأويل" او"التأويلية"  يحيلنا مباشرة الى فيلسوف ألماني معاصر ارتبط اسمه بهذا المبحث ارتباطا حميميا ,ألا وهو:"هانز جورج جادامير " H. G. Gadamer  صحيح انه قد يحيلنا ايضا الى شلاير Schleier macher  أو "هيرش" او" أبل " Apel  او "دلتاي" W.Diltheiy  او هابرماز Habermas او حتى هيدجر Heidegger  وجميعهم من الفلاسفة الالمان المعاصرين، او الى "ريكور" P.Ricoeur  و "فرانسوافال" F.Wahl  في فرنسا وذلك بدرجات متفاوتة، الا ان العودة الى جادامير هي عودة الى الاصول، فقد احتل الاهتمام بالتأويل مساحة معرفية واسعة ضمن مشروعه الفلسفي.

إذن ما هو التأويل في تحديد جادامير؟ ما هي اسقاطات في المجال الفلسفي المعاصر؟ وكيف اصبح هذا المفهوم يعبر عن نقد جادامير لمفهوم الحداثة كما بلورت الادبيات الغربية؟

1- خطاب التأويل
عندما نشر جاد امير كتابه "الحقيقة والمنهج " سنة 1960 ربما لم يكن يتوقع انه سيصبح في مدة زمنية قصيرة محل اهتمام ودراسة ونقد، فقد أثار استخدامه لكلمة "التأويل "
Herm eneudque جدلا واسعا داخل الاوساط الفلسفية الألمانية، وذلك من حيث ملامسته لمعارف متقاربة فنية وأدبية وكذلك تعمقه في البحث عن أسس الموضوعية في العلوم الإنسانية، وهذا ما يفصح عنه منذ مقدمة كتابه سابق الذكر بقوله: " إن الدراسات التي سنقرأها هنا تعالج مشكلة التأويل، ذلك أن ظاهرة الفهم ومن ثم تأويل ما فهم تأويلا صحيحا لا يشكل مشكلا متميزا يتعلق بمنهجية العلوم الانسانية فقط، فالفهم وتأويل النصوص ليسا حكرا على العلم ولكنهما يتعلقان أساسا بالتجربة الشاملة التي يكونها الإنسان عن العالم، ومن ثم فإن ظاهرة التأويل ليست مشكلة منهجية ".(1) فالرهان الحقيقي هنا لا يتعلق ببلورة منهجية معينة لقراءة النصوص وفهمها وتحديدا النصوص ذات الطابع العلمي، أو بتلبية رغبة دفينة لدى الإنسان ببلوغ المنهج المثالي، أو على الأقل الأقرب إلى الدقة في مجال المعرفة مادام الأمر يتعلق بالمنهج وبالحقيقة أيضا، وإنما يتعلق بتقدير أولى بتحديد المفاهيم والمنطلقات بوصفها المخل الى اكتساب المعارف وبالتالي الوصول إلى الحقائق.

إن مشكل التأويل في نظر جادامير، ومن ثم مشكل الفهم بصفة عامة، لا يكتفي باستقصاء علاقات الإنسان بالعالم والأشياء على أهمية هذه العلاقات وإنما يعمل على بلوغ الخصوصية والاستقلالية داخل المنهج العلمي ذاته بل ويعمل على مقاومة ذلك التوجه الذي يعمل على اذابته داخل المنهج العلمي بأن يجعله تجليا من تجلياته المتعددة، من هنا إذا كان التأويل هو من جهة دعوة إلى الحوار والتفاعل مع العلوم الإنسانية والعلوم عامة، فإنه من جهة أخرى دعوة إلى مقاومة الانحلال والذوبان في هذه العلوم كما هو الشأن عند بعض المنالين في التشبه بالعلم والعمل على جعله مقياس المعرفة الأوحد، وما كتاب " الحقيقة والمنهج " إلا دعوة ملحة لهذه المقاومة من  "الداخل " وذلك بتحديد معنى "الحقيقة " ومعنى " المنهج " في أن واحد.

ففي موازاة الشمولية التي يدعيها المنهج العلمي يلجأ المنهج التأويلي- إن صح التعبير- إلى بعث طريقة جديدة أساسها توزيع مساحة تواجد الحقيقة وجعلها أكثر مرونة وانسيابية، وأكثر انفتاحا على المعارف الأخرى، فقد تتلامس فيه العلوم الإنسانية مع فروع معرفية أخرى وتشكل تجارب مشتركة معها دون أن تكون لها علاقة بالعلم، أو أنك لا يمكن ا-كد من قيمة تجاربها بالطرق العلمية التقليدية كتلك التي تكونها مع الفلسفة الفن، وحتى مع التاريخ، ومع أن التأويل في تحديد جادامير يعطي أهمية خاصة لبناء المفاهيم الفلسفية ونحتها بوصفها منطلقا أوليا لبناء المعارف إلا أنه يرفض المغالاة في هذا الجانب بحيث تتحول هذه المسألة إلى لعبة في حد ذاتها، فعملية نحت المفاهيم عنده ليست عملية مجردة منسلخة عن العالم والواقع، بل إنها تنحدر وتأخذ كل  مصداقيتها وشرعيتها من الممارسات العلمية ومن الاحتكاك بالواقع والأشياء لذا يرى جادامير:
"انه إذا ما أردنا أن فموقع عملنا داخل المنظومة الفلسفية لعصرنا، فانه ينبغي أن ننطلق من أننا حاولنا أن نقدم إسهاما يكون بمثابة حلقة وصل بين الفلسفة والعلوم، ومن ثم مواصلة العمل المثمر في ذلك المجال الواسع الذي هو مجال التجربة العلمية.

هذا دون أن ننسى تساؤلات هيدجر الجذرية التي أفادتنا أيما إفادة ".(2)

إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا بإلحاح ويتعلق بالعلاقة الاشكالية بين الفلسفة والعلم، ومكمن الأشكلة يتلخص في الصيغة التالية: هل يجوز لنا أن نلوم التفكير الفلسفي على عدم التعامل مع البحث العلمي باعتباره غاية قائمة بذاتها، أي بحثا علميا خالصا، في الوقت الذي يهتم فيه (أي التفكير الفلسفي) بالنظر إلى العلم نظرة شاملة تضعه ضمن حدوده المنهجية من جهة وضمن الظروف الإنسانية التي ينتج فيها من جهة أخرى؟ إن العلم، وعلى الرغم من تغلغله داخل سيرورة الحياة الاجتماعية، إلا أنه لا يمكنه أن يؤدي وظيفته الاجتماعية بكل نجاعة وفعالية إلا إذا أفصح عن حدوده وعن نسبية هامش الحرية المتوافرة لديه، إذ من الوهم أن نعتقد أن حريته حرية مطلقة لا رابط ولا ضابط لها، ومن هنا يأخذ التأويل الفلسفي كل مشروعيته، فهو الذي بإمكانه مجاوزة إشكالية هذه النسبية على اعتبار أنه لا يريد احتكار الحقيقة بقدرها يحرص عليها، ومن هنا أيضا يصبح التأويل الفلسفي التعبير الأكثر ملاءمة وصدقا عن وضع الفلسفة في عصرنا من حيث أنها هي أيضا تخلصت من فسقيتها التقليدية وصارت أكثر انفتاحا على الإنسان وأكثر التصاقا بالواقع، كما أن للتأويل أهمية بارزة بالنسبة لنظرية العلم لأنه يقوم بفتح أفاق جديدة أمامه.تمكنه من مقاربة الحقيقة بطريقة مرنة في مجال معقد كمجال علوم الروح على الخصوص.(3)

لنعد إلى مفصلة التساؤل حول مفهوم التأويل، فقد قلنا في البداية إنه يتعلق بعملية الفهم، أو هو باختصار "فن الفهم "، ولكن فهم ماذا؟ إنه فن فهم النصوص وهو في الواقع ليس مبحثا جديدا وإنما يغوص إلى أعماق التأويل المسيحي ولكن الجديد هو كيفية توظيفه من قبل جاد امير خاصة وفلاسفة التأويل بشكل عام،ذلك أن التأويل - الذي كان ملحقا باللاهوت وفقه اللغة - عرف تطورا منهجيا كان قاعدة أساسية لمجمل التطورات التي وقعت في مجال العلوم الإنسانية حتى يمكننا القول أنها تحولت عن هدفها الأولى- وهو هدف براجماتي- وهو المساعدة على فهم النصوص الأدبية، وهو لم يعد غريبا عن النصوص الأدبية فحسب، بل تعداها إلى ضروب معرفية أخرى كانت تعتمد التأويل كالحقوق والفلسفة، وعليه فان التأويل لم يكتسب مكانته اللائقة ضمن منظومة العلوم الإنسانية إلا من خلال ظهورها يسميه جادامير "ميلاد الشعور التاريخي" مع أن استخدام مصطلح "الشعور التاريخي "باطلاقية يضعنا أمام اشكالات كثيرة، فإذا ما تأملنا العمل المنجز في هذا الميدان، وهو جهد سابق لمحاولة دلتاي* إعطاء علوم الروح أساسا تأديبيا، فإننا سنجده قد أخر- الاشكلة الخاصة بالتأويل الى مجال البحث والمسادلة وهذا في حد ذات شيء هام، وكمثال على هذه الأشكلة سنأخذ مبحثا خصبا وهو "الفن " أو "الظاهرة الفنية " على اعتبار أن مستويات الحوار – حتى لا نقول الصراع - بين الحقيقة والمنهج عند جادامير تتم في مجالات ثلاثة:المجال الجمالي ويتعلق بالأعمال الفنية، والمجال التاريخي ويتعلق بالموروث الماضي، والمجال اللغوي ويتعلق بالعلاقات والمعاني والدلالات، إذن عند تطرقنا لمسألة الفن نجد أنفسنا أمام المفارقة التالية: فمن جهة أوضح جادامير بشكل لا لبس فيه أن ما يسميه "المفاضلة الجمالية " أو "المنتوج الجمالي" ما هو إلا تجريد غير قادر على محور انتهاء العمل الفني لعالمه وتلاحمه معه، ومن جهة ثانية نجد أن دور الفن وأهميته ليسا موضع تشكيك أو تساؤل، ذلك أن الفن قادر على قهر المسافات الزمنية ومجاوزتها بفضل استخدامه للدلالات وتوظيفه للصور الابداعية التي تخترق محدودية المكان ولا نهائية الزمان، بهذا المعنى مزدوج الدلالة يصبح الفن وسيلة أساسية للفهم ومن ثم أيضا يصبح مجالا لانتاج الحقيقة.(4) ومع أن الفن ليس موضوعا بسيطا للشعور التاريخي إلا أن فهمه يختزن بمعنى من المعاني نوعا من الوساطة التاريخية، فكيف تتحدد يا ترى مهمة التأويل ضمن مبحث الفن لتحديد هذه المهمة، وللاجابة على هذا التساؤل يسوق لنا جادامير مثالين متناقضين تمام التناقض لكل من شلاير ماخر  وهيجل حيث يمكن لنا أن نميزهما من خلال المفهومين التاليين:
مفهوم إعادة البناء ومفهوم التكامل، فشلاير ماخر، الذي يسهب جادامير في تحليل نظريته التأويلية في نهاية كتاب "الحقيقة والمنهج "، يسخر كل جهده من أجل ارساء الدلالة الأهم المنضوية في داخل العمل الفني عن طريق الفهم انطلاقا من اعتقاده بأن الأعمال الفنية والأدبية القديمة تصلنا منسلخة عن بينتها الطبيعية والأصلية التي ظهرت فيها وفهمت ضمن سياقها العام، فالأثر الفني يفقد من أمالته بفعل انتقاله وتداوله بين الناس، وتغير مجاله التداولي من بيئة لأخرى ومن ثم يفقد دلالته التي وجد من أجلها أصلا، لذا نجد أن شلاير ماخر يحاول تعويض غياب الأصالة في الأثر الفني- على خلفية ما ذكرنا- بما يسميه "المعرفة التاريخية " فهذه المعرفة تتيح إمكانية تعويض ما ضاع واسترجاع التقليد الغائب بما أنها تعيد نبض الحياة الى هذا التقليد وإلى هذه الأصالة حتى أن جهد التأويل الأساس يصبح في نظر جاد امير عبارة عن محاولة " لايجاد نقطة استقطاب في ذهن الفنان تكون قادرة بمفردها على جعل دلالة عمل فني ما دلالة مفهومة على غرار ما هو الحال في النصوص الأدبية أين نجد أن التأويل يسعى اي إعادة تمثل الإنتاج الأول للمؤلف ".(5) وبتعبير أخر تصير مهمة التأويل عند شلاير ماخر البحث عن الأصول والعمل على اعادة تأصيلها، وكز ا توفير الشروط الضرورية لبلوغ الفهم.

على النقيض من هذا الرأي نجد رأي هيجل الذي يرى أن كل تقليد تعلق بماض لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يمدنا بمصادر يمكنها أن تساعدنا على ممارسة التأويل وتثمينه، فالأعمال أو الانتاجات الفنية القديمة هي كالقمار المقطوفة من أشجارها تذبل وتموت كلما بعدت عن منابتها  الاولى، وعلى الرغم مما يبدو من قساوة موقف هيجل تجاه السياق التاريخي للأثر التاريخي للأثر الفني، فإننا نجد أنه لا يطعن في مشروعية الاهتمام بالفن وتاريخه بقدر ما أراد الابانة عن "المبدأ التاريخي" الذي ينظم البحث في تاريخ الفن، والذي يبقى في نظر هيجل نشاطا أو فعالية خارجية شأنه في ذلك شأن أي سلوك تاريخي، ذلك أن المهمة الحقيقية للروح المفكرة عنده بالنسبة للتاريخ وتاريخ الفن بالخصوص هي إعادة بناء الصورة الفنية لدى الإنسان انطلاقا من معطيات هي قيد التحقيق في الواقع، أي في الحاضر، وهذا ما يعطي لبعد الحاضر أمية خاصة عنده، إن مشروع هيجل تطبعه علامة مميزة وهي تقديسه للفلسفة بوصفها التجلي الأسمى للحقيقة والانكشاف التاريخي للفكر على في انه، وهي التي تتكفل بانجاز مهمة التأويل وإيصالها إلى غديتها المرجوة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن جهد هيجل يبين عن حقيقة حاسمة مفادها أن ماهية التاريخ لا تتمثل في استرجاع الوقائع الماضية ولكنها تتمثل في تلك الوساطة التي يباشرها الفكر مع الحياة الحالية.( 6)

وإذا كان البحث عن حقيقة التأويل قد أدى بنا الى مقاربة نقدية للشعور الجمالي ومن ثم للشعور التاريخي كمحور مكمل، على اعتبار أن البحث كان يتمفصل بالأساس حول الحقيقة، كما هي متجلية في الفن وفي التاريخ، فإننا سنتحول هنا إلى تحليل نظرة الأنطولوجيا للتأويل انطلاقا من فلسفة هيدجر الانطولوجية. هز ا الأخير لم يهتم بمشكل التأويل والنقد التاريخي كما يرى جاد امير إلا بغرض بنا، أنطولوجيا تهتم بوضع الكائن، وسبر أغرار كينونته ومكوناتها عوض التيهان في مسائل المعنى والدلالة التي يحيل اليها التأويل في الوقت الذي ينظر هو للمسألة من منطلق مغاير، على أن هذا الاعتراض الأولى من قبل جاد امير لا يمنعنا من التساؤل حول العواقب الخاصة بتأويل العلوم  الإنسانية نتيجة تأسيس هيدجر لبنية الفهم المتعلقة بزمانية الدازاين (الكائن - هنا)، إذ قد لا تكون هذه العواقب واضحة كفاية، وإنما تكون مبثوتة طريقة متفرقه وتؤثر بشكل غير مباشر في حمل معان معينة للواجهة وإغفال أخرى.

إن انطولوجيا هيدجر حسب جاد امير تمارس الفهم، ومن ثم التأويل، بالتوازي مع بحثها عن حقائق الأشياء ذاتها، إذ لا ينبغي لجهد الدازاين (الكائن - هنا) أن يذهب بعيدا عن تأملاته - وبدأت تبحث في أشكال الوجود، في أحواله وصفاته، بل ينبغي لجهدنا أن يتركز حول ما يسميه هو " القراءة الفنومنولوجية " لوضع الكائن، وهي قراءة لا يمكن أن تكون حقيقة لا لشيء إلا لأنها تهدف إلى الوصول إلى ماهيات الأشياء  وعدم الاكتراث بالظواهر المنفردة، المادية وغير الواضحة، ففي كتاب "الكينونة والزمان "، ولكي يتجلي مسألة الكائن يلجأ الى مساءلة الميتافيزيقا من خلال العمل على مجاوزتها وتعويمها داخل مجال أرحب وهو الفكر، فمجال الكينونة أرحب من أن تختزله الأنساق الميتافيزيقية المغلقة، هنا يتبلور نمط تأويلي يغوص الى أعماق الكائن لاستكشاف حقيقته التي تصبح بدورها أداة لأي فهم وأساسا لأي تأويل.

2- خطاب الحقيقة:
إن بحث خطاب الحقيقة عند جاد امير يحيلنا إلى طرق مسألة اللغة، وهي بدورها تحيلنا إلى النص، والنص بدوره يحيلنا إلى القارئ، والقارئ هو مؤول بمعنى من المعاني، فجاد امير، كما أوضحنا، يخوض تجربة جديدة في مشروعه الفلسفي المتميز، تجربة تطرق تواصلا مستمرا بين القارئ المؤول وبين النص المكتوب ذاته، وهي تجربة تهدف إلى مجاوزة الأدبيات الكلاسكية منذ قراءات الا غريق ووصولا إلى القرادات المعاصرة مع هيدجر وهابر ماز، والتأويل يحيلنا إلى طرح مفهوم أخر هو مفهوم اللغة، واللغة تحيل إلى طرق مسألة الفهم، وكل تأويل يستند إلى لغة وكل لغة تحمل فهما معينا للنص المراد تأويله، وفي هذا المعنى يقول جاد امير: "ينبغي القول إن عوائق التعبير اللغوي هي في الواقع عوائق للفهم، فكل فهم تأويل، وكل تأويل يصب في بيئة اللغة التي تريد استحضار موضوع الكلام، والتي هي اللغة الخاصة بالمؤول في الوقت ذاته "(7)، كما أن لغة التأويل هي ذاتها لغة الفهم نظرا لارتباطهما اللصيق باللغة فهي المفتاح السحري لفهم النص ومن ثم إعادة قراءته وتأويله فيما بعد، ولكون اللغة والتأويل أيضا يمثلان بعدا إجرائيا واحدا تجاه النص، وعليه نجد أن جاد امير يبرر سوء التعبير عن فكرة ما بسوء فهمها اصلإ، لذا فإن مهمة التأويل الحقة لا تكمن في تطوير إجراءات الفهم فحسب، بل تتعدى ذلك إلى تفسير الشروط التي تتيح الفهم، ولكي نفهم ينبغي أن نحدد شروط الفهم ومن ثم شروط التأويل، ففعل التأويل يختزن صوت الآخر ويدعمه بوصفه متلقيا تاريخيا يتواصل مع وعي القارئ، أي قارئ في كل لحظة نباشر فيها تجربة القراءة، ذلك أن جاد امير يؤكد، وبطريقة متكررة في متنه " الحقيقة والمنهج "، على الوضع التاريخي الذي يشغله القارئ (المؤول) إزاء حضوره الآني من جهة، وانتمائه غير المباشر للنص الذي يحاول تفهمه دون أن يخرج عنه من جهة ثانية. هذا الحضور هو الذي يجسد أفق  السؤال لدى ( المؤول) بينما يشكل الفهم الجواب بصيغة الماضي، والسؤال والجواب يشكلان معا جدلية فعالة في بناء الفهم وتحديد شروطه، أي الحصول على تأويل مفتوح باستمرار على ماهية النص التي يقوم باستجلائها من خلال مارسته للاختزال الفينومنولوجي الذي كان قد مارسه هوسرل Husserl  من قبل.(8) ويرى جاد امير في الجزء المخصص لبحث دور اللغة في عملية التأويل أن تحليل التأويل " الرومانسي"- على حد تعبيره - يبين أن الفهم لا يتأسس انطلاقا من تحويل الأنا الى آخر، أو من مشاركة مباشرة لأحدهم مع الآخر، فلكي نفهم خطاب أحدهم فهما سليما وأصيلا يستحسن أن نتقمص تجربته، وأن فعايش هذه التجربة وكأنها تجربتنا الخاصة وهذا ما يضفي عليها مصداقية وصدقا. إن مسار التأويل عند جاد امير هو في النهاية مسار، لذا فليس اعتباطا أن نجد أن الإشكالية الخاصة بالفهم تصنف عادة ضمن مجال القواعد والبلاغة على اعتبار أن اللفة هي المجال الرحب الذي ينظم العلاقة - وهي علاقة وفاق - بين المؤولين أنفسهم وبين المؤولين وموضوعات تأويلهم، في هذا المعنى نجد أن سياقا لفريا ما، في شكله الموسع، هو كذلك السياق الذي يتم فيه التواصل بين لفتين متباينتين عن طريق النقل والترجمة د شريطة احترام المعنى والدلالة في النصوص الأصلية، فالمترجم ليس حرا في ترجمتها وفق هواه الخاص، وعليه تصير "كل ترجمة بذاتها نوعا من التأويل، بل يمكننا القول إنها شكلت دائما تتمة للتأويل الذي أسبغه المترجم على الكلمة التي أسندت اليه ".(9)

على أن بحث إشكالية الترجمة بوصفها أداة فعالة من أدوات التأويل الذي يقوم على اللغة يفصح عن إشكالات جديدة عند جاد امير، إشكالات تمس وظيفة الترجمة (المترجم) ومجالها التداولي نفسه والنتيجة المرجوة منها، وهكذا فمعرفة لغة أجنبية ما في نظره تعفينا من ترجمة هذه اللغة إلى لغتنا الأصلية، وهنا تفقد الترجمة أهميتها وسبب وجودها مادامت كعب دور الوسيط الاصطناعي بين لفتين مختلفتين، فالإنسان له ميل طبيعي إلى فهم لغة  الآخر كجزء أساسي من فهم لغة الأنا، ومن هنا تصبح عملية الترجمة ذاتها ميلا فطريا في الإنسان. إن مشكل التأويل عند جاد امير لا يتمحور حول الإتقان الجيد للغة ما وإنما يتمحور بالأساس حول  ذلك،"الاتفاق "، الذي قد يتحقق من أشياء ضمن مجال اللغة، ثم إن اتقاننا للغة أجنبية ما يجعلنا نفكر ضمن أطر هذه اللغة وليس ضمن اللغة الأولى أو الأم، هذا التملك، وهذا التمكن من اللغة الأجنبية عامل أساس وقبلي لحصول الاتفاق الوفاق داخل أجواء المحادثة والحوار التي تقع بين المؤولين، فكل محادثة تفترض بداهة لغة مشتركة بين المتحدثين تسهل عملية الفهم والافهام والاتفاق لذلك فان اعتمادنا على مترجم لفهم نص معين يضعنا أمام إشكالية مضاعفة: إشكالية مواجهة المترجم للنص الأصلي، وإشكالية مواجهتنا لفهم المترجم للنص الأصلي، بمعنى آخر هل يمكننا أن نؤسس فهما ذاتيا خاصا بنا على قاعدة الفهم الموضوعي لنص ما لأن فهم المترجم وتأويله واقعة موضوعية بالنسبة الينا تقع خارج نطاق ذواتنا لكن، وبمقدار الحرج الذي نشعر به جراء اعتمادنا في فهمنا على الآخر- المترجم - فان هذا الآخر- المترجم ذاته - يشعر بحرج وألم كبيرين لقناعة داخلية تؤرقه وهي أنه لم يستطع - على الرغم من جهوده - بلوغ الترجمة الأكثر حميمية والأكثر تجسيدا للمعني الأصلي المتضمن في النص المترجم.

انطلاقا من هذه الإشكاليات القائمة حول الترجمة واسقاطاتها حول الفهم والتأويل يرى جاد امير  "أن الحديث عن "حوار تأويلي" سيصبح حوارا مبررا لكن ينتج عن ذلك، وكما هو الشأن في المحادثة الحقيقية، أن تلجأ المحادثة التأويلية إلى صهر لغة مشتركة، وأن فعل الصهر هذا ليس بلورة لأداة خاضعة لهذا الاتفاق مثله مثل المحادثة، ولكنها تتصادف بالضبط مع عملية الفهم والاتفاق ".( 10) وهذا يؤدي بنا إلى القول إن مشكل التأويل مشكل خاص ومعقد، فهو يبحث في إعادة ترتيب العلاقة بين الملفوظ والمكتوب وبين المتكلم والمفكر فيه. والذي يسعى حثيثا إلى إخفاء اللغة أو تشتيتها داخل وعاء الفكر، ذلك أن الفكر ليس قواعد جامدة أو انساقا ثابتة ولكنه لفة تعج بالحياة والحيوية وترتبط ارتباطا وثيقا بمنتجها وهو الإنسان، والتأويل أيضا، مثله مثل المحادثة، حلقة من حلقات سلسلة الجدل القانعة بين السؤال والجواب، بين الواضح والغامض بحيث يتحول إلى علاقة أصيلة بالحياة وخاصية تاريخية هي قيد التحقق الفعلي بطريقة فينومنولوجية، أي أنها تتحقق بمقدار ما توفق في الإبانة عن معانيها ودلالاتها اللغوية أثناء عملية تأويل النصوص، فطبيعة العلاقة القائمة بين العامل اللغوي والفهم تشكل بتقدير أولى ماهية الموروث الفلسفي الذي يستند في تأويله على تحليل اللغة كعامل محوري، فما تعليل ذاك ؟ تعليل ذلك أن مجرد القول بأن التقليد الفلسفي يميزه العامل اللغوي يؤدي إلى اسقاطات هامة بالنسبة للتأويل وبالمحصلة بالنسبة للفهم أيضا، على اعتبار أن الفهم المتوصل اليه عن طريق اللغة يحتفظ - وعلى خلاف أنماط الفهم الأخرى- بنكهة خاصة وبأولوية محضة، كما يمكننا القول بأن ماهية الموروث المتميزة ببعدها اللغوي تستطيع أن تبلغ دلالتها التأويلية القصوى متى تحول هذا الموروث إلى موروث "مكتوب "، فاللغة المكتوبة تمتلك خاصية تأصيلية وتأويلية فعالة، وتملك في الوقت ذاته حرية مناورة وتأقلم نادرتين، فهي منفتحة على الحاضر بقدر انغماسها في الماضي، وهي تكون منفتحة على الآخر- الموضوع - ما بقدر ما تكون متمسكة بأصالتها وماهيتها الحقيقية، هذه الخطوة ما كان للكتابة أن تبلغها لو لم يكن لها القدرة على التعايش مم الأوضاع المختلفة، وربما المتناقضة أحيانا.(11)

إن الموروث المكتوب - حسب الدلالة المباشرة لمصطلح الموروث - ليس قطعة جامدة من الماضي، بل على العكس هو امتداد في الحاضر وأهم من ذلك تطلع إلى المستقبل لأن الموروث في تحديد جاد امير لحس موضوعات جامدة، لا رابط بينها، وإنما لغة حية تفيض بالمعاني والدلالات التي تجد لها امتدادا في الحاضر والمستقبل بشكل من الأشكال، والموروث، بمعنى آخر ليس ذلك المخطوط المنحدر الينا من الماضي، ولكنه المخطوط الذي يجسد استمرار ذاكرة الماضي في الحاضر بحيث تصبح جزءا لا يتجزأ من عالمنا الخاص، ثم إنه صحيح أن الموروث - كما ذكرنا- هو لغة حية وليس وقائع جامدة، لكننا نتساءل هنا من الذي ينتج اللغة أو من هو مصدر اللغة: أليس هو الإنسان، والإنسان أليس حلقة واحدة فقط ضمن سلسلة أشمل هي الإنسانية ؟ من هنا يصبح الموروث الفلسفي أو الأدبي أو غيرهما تعبيرا أصيلا عن الإنسانية في امتداداتها التاريخية والأنطولوجية، وعلى ضوء ذلك أيضا تتوضح مهمة التأويل بالنسبة للنصوص المكتوبة، انطلاقا من أن المكتوب هو في النهاية نوع من "الاستلاب الذاتي"، ولا يمكن التغلب على صعوبات هذا الاستلاب وإشكالاته إلا بمواجهة النصوص وفهمها فهما معبرا فمسار الفهم يتحدد في مجمله ضمن دائرة المعنى التي تشكل الموروث المحدد سابقا.

بيد أن أهمية اللغة المكتوبة * لا تقف عند هذا الحد، أي كتابة النصوص وترتيبها، بل إنها لتصبح دلالة على الحياة برمتها "ذلك أن الكتابة ليست مجرد مصادفة بسيطة أو مجرد إضافة بسيطة ليس في إمكانها إحداث أي تغيير كيفي في مسار الموروث الشفهي، فإدارة الحياة وإدارة ال&