سرير الغريبة
قراءة في تشكلات البنية

خليل الشيخ (ناقد وأكاديمي من الأردن يعمل بجامعة السلطان قابوس )


إذا كان "لماذا تركت الحصان وحيدا ؟ يرسم الخطوط الكبرى لسيرة محمود درويش، ويعيد التأمل في ملامح خطابه الشعري، ويتساءل عن ماهية ذلك الخطاب، ويحدد بعض مكوناته، وطبيعة تحولاته فإن ( سرير الغريبة) الصادر عام 1999، يعود الى الذاتي في ذلك الخطاب ليرسم أفاقه وشخوصه، وإشكالاته، بعيدا عن الاشتباك المألوف في شعر درويش بين الذاتي والجمعي، بكل ما ينطوي عليه هذا الاشقباك من رموز ودلالات وآفاق.

إن قراءة (سرير الغريبة) طي مستوي التكوين والبنية تتطلب أن نسير في اتجاه ين يفضيان الى تحديد ماهية المنظور في خطاب درويش الشعري،في الاتجاه الأول سيجري تتبع الخيوط والمنحنيات التي أوصلت درويش الى هذا المسار، من خلال تحليل بعض جوانب خطابه الشعري ذات العلاقة بمنحى الديران الأخير، أما الاتجاه الثاني فتتم قراءة (سرير الغريبة) من زاوية اتصاله بذلك المسار، وانفصاله عنه وتجاوزه له على صعيدي التشكيل والدلالة.

يلفت الانتباه في هذه المجموعة الجديدة عنوانها، فهذا العنوان يتشكل في فضاء مغاير تماما لعنوان المجموعة السابقة (لماذا تركت الحصان وحيدا؟)  فإذا كان الحصان، وهو بؤرة العنوان، يتشكل في سياق جملة استفهامية يوجهها الطفل الى والده، ليعبر السؤال عن تاريخ شخصي وجمعي يعكس القلق والخوف في لحظة من لحظات الانهيار فر التاريخ العربي الحديث، فإن السرير، الذي ينضاف الى الغريبة، يعبر فر سياق الجملة الاسمية التي تقوم على إسناد افتراضي غامض عن دلالات جمالية، تتولد من معطيات تغاير تماما ما يثيره حضور الحصان في ذلك السياق.

ولكن إدراك ما ينطوي. عليه (السرير) من دلالا ت وتجليات، يتطلب تتب اللفظة في مستوياتها المختلفة في شعر درويش، فقد اعتاد خطاب درويش الشعري. أن يقوم بتنمية نصية للكلمة أو الصورة أو الرمز،وينتقل بها من خلال تلك التنمية من مستوى الى أخر. فإذا كانت الصورة ترتبط في بداياته الشعرية بغنائية بسيطة عذبة، وبدلالات واضحة، فإن تشكيلها في المراحل اللاحقة، يفارق أبعاد العلاقة المنطقية فر وضوحها، لتخل دائرة أخرى تخرج على البساطة، وتسعي لتشكيل القصيدة. بما تحتوي عليه من صور وإيقاع ورموز وعلاقات ضمن منظور فني متنام، ينشد إلى الإطار الكلي للنص، ويسهم في إكسابه مزيدا من الكثافة والفنى والعمق.

يمكن تحديد استخدام درويش للفظة (السرير) في خطابه الشعري بتقسيم ذلك الاستخدام الى مراحل ثلاث تبدأ من التعميم وتمر بالتحديد وتنتهي بالترميز.

في المرحلة الأولى كانت اللفظة تتولد في سياق واضح الأبعاد ودلالات، ثم صارت، في المرحلة الثانية، تأتي في خضم مبنى شعري تتلاحم فيه عناصر متعددة تقوم على التوافق تارة، وعلى الصراع تارة أخرى، لتجيء أخيرا في إطار رامز يتأسس على بنية شعرية ذات توتر وجداني عال، وأبعاد جمالية خالصة.

يعود استخدام لفظة (السرير) في شعر درويش إلى بداياته المبكرة، فقد وردت في. (أوراق الزيتون) و(عاشق من فلسطين) و(حبيبتي تنهض من نومها) وهي مجموعات صدرت، بين عامي 1966 و 1970 أي قبل خروج درويش من فلسطين المحتلة عام 1971م.

ان تحليل تلك اللفظة يبين أنها كانت تجيء ضمن دلالاتها العامة، ويتم التعبير عندما ضمن سياقات مباشرة، فهو يقول فر قصيدة بعنوان (سونا):
أحكي لكم عن مومس... كانت تتاجر في بلادي
بالفتية المتسولين على النساء
أزهارها الصفراء، نهداها مشاع
وسريرها العشرون، مهترئ الغطاء.(ا)

من الواضح أن كلمة (السرير) تجيء متسقة مع لحظة الابتذال العامة التي تتصف المومس بها، فإذا كانت أزهارها صفراء، ونهداها مشاعا، فينبغي أن يكون سريرها مهترئ الغطاء، وأن يحمل الرقم عشرين، لأنها كانت تكثر من تغييره، كاشفا بذلك عن ملامح تلك المومس الحسية والنفسية، ومبينا، رغم تعاطفه الخفي مع مأساة تلك المومس، كيف بدا السرير في خطابه الشعري عاما، فاقدا للخصوصية والملامح، لينتهي في ( سرير الغريبة) نقطة انطلاق نحو تشكيل المنظور الشعري الخاص، لهذا لم يكن مستغربا أن يجيء الاستخدام التالي للفظة نفسها، متصلا بالجو الشعري السابق كما في قصيدته (رباعيات):
لا أحد أين أنام
لا سرير أرتمي في صفتيه

مومس مرت وقالت دون أن تلقي السلام:
سيدي! إن شعت عشرين جنيه (2)

إن ثمة تقابلا خفيا بين القصيدتين، ولكن هذا التقابل يشف عن مأساوية المناخ، ويبين عمق الاغتراب الزي كان درويش يعيشه، فإذا كانت المومس قادرة على أن تجد السرير، ويسمح لها دخلها بتبديله عشرين مرة، فإن على المخاطب في القصيدة، وهو الشاعر في الأغلب، أن يدفع عشرين جنيها مقابل أن ينام مرة واحدة:
ولا شك أن عناصر النفي التي بدأ بها درويش مقطعه الشعري، وغياب التحية، ووجوب الدفع، كانت تدفع به إلى اليأس، والاغتراب، وإن كان هذا الاغتراب لا يأخذ أبعادا ميتافيزيقية بقدر ما يسعى لاقتناص الخلل في الحياة، وما تنطوي عليه من أزمة، لهذا تصنع (الرباعيات) في مجموعها جوا أليفا يتوق الشاعر اليه، ويجهد في الوصول إلى أعماقه.

أما فر قصيدة (نشيد) فيبدأ السرير يخل حيز الخاص ويفارق إطاره العادي، المرتبط بالأبعاد العامة حيث يقول محمود درويش:
لأجمل ضفة أمشي
فإما يهترئ نعلي
أضع رمشي
ولا أقف
ولا أهفو إلى نوم وأر تحف
لأن سرير من ناموا
بمنتصف الطريق
كخشبة النعش (3)

إذا كانت لفظة السرير في النصفين السابقين متصلة بمتطلبات الجسد، فإن السرير يتشكل منا نقيضا لتلك المتطلبات، ويغدو متصلا بمسائل عامة، ذات طابع وطني، ومن الواضح أن حضور لا النافية هنا مناقض لحضورها في السياق السابق. فعبارة (لا أهفو إلى النوم) تناقض (لم أجد أين أنام) لأنها تخرج من عالم الحس إلى عالم الرؤية، وتشير الى أن ثمة تغيرا قد طرأ على نوعية العلاقة بين السرير والجسد، فإذا كان السرير مرتبطا بالنوم، ولفظة النوم في شعر درويش تجيء هي الأخرى، ضمن تحولات متعددة، فإن هذا النوم لم يعد مطلبا، لأنه يقود إلى الموت. لذا يوحد درويش بين السرير وبين النعش وتجيء عبارة (من وقفوا بمنتصف الطريق)، دالة على نوعية من البشر مرتبطة بنوعية محددة من الاسرة، فهؤلاء هم المترددون، الذين خذلتهم قدرتهم علي المشي والحركة. من هنا يصبح المشي وليس النوم، رمزا للحيوية، ووسيلة للوصول الى الوطن.

بدأ درويش، بعد خروجه من فلسطلين بتحرير لفظة السرير من أفاقها السابقة، لتبدأ اللفظة بالتشكل على نحو يصنع سياقات جديدة، لقد بدأ درويش يستخدم اللفظة ضمن بنية مراوغة رامزة فر إطارها العام، تثير أكثر المراجع التي كانت تشغله يومها، ومي جدلية الحضور والغياب، ففي قصيدته (خطوات في الليل) يقول درويش: ظلك الأزرق من يسحبه
من سريري كل ليلة
الخطي تاتي وعيناك بلاد
وذراعاك حصار حول جسمي
والخطي تأتي
لماذا يهرب الظل الذي يرسمني
يا شهرزاد؟( 4)

يتحدث درويش في القصيدة عن واحد من الهواجس التي أرقته، وهو هاجس الخروج من الوطن، فيبدو السرير أسطوريا، قادرا على احتواء الظل الأزرق، وهو ظل البحر المتوسط، وما يحمله هذا الظل من ذكريات وأبعاد.

إن مجيء الظل، الذي ينوب عن الأصل ولكنه لا يغني عنه، مرتبط بلحظة حية، ويجيء تلاشي الحلم من ثم تعبيرا عن لحظة حزن عميق يعبر عنه الديوان (أحبك أو لا أحبك)، الذي يثير اشكالية الحضور والغياب من زوايا متعددة، وهي إشكالية ستتكرر في (محاولة رقم 7) لأن الفاصل الزمني بين صدور الديوانين لا يزيد على سنة، يقول درويش في قصيدة (النزول من الكرمل).

تركت ورائي ملامحها واسمها كان يمشي أمامي
يسمي ملامحها وانفجاوي، تركت سرير الولادة
تركت ضريحا معدا لأي كلام
تركت التي أوجعتها ذراعي، تركت التي أوجعتني يداها
تفتش عن عاشق بعد خمس دقائق من هجرتي( 5)

يلفت الانتباه تكرار الفعل ترك مضافا الى ضمير المتكلم، خمس مرات، وهو فعل يشير الى الانفصال من جهة، ولكنه يؤكد عمق الصلة الوجدانية من خلال تراكم الفعل الذي يرسم عالم الولادة، ومسقط الرأس وما فيهما من أحزان وذكريات. كما يلفت النظر اختلاف الاسلوب بين القصيدتين، ففي النص السابق يمزج درويش بين المتكلم والمخاطبة، في حين يميل الى تقليب ضمير المتكلم المغرد في النص الثاني، لتظهر المحبوبة أو لتتجلى من خلال تنامي الحديث عنها، وليكون حديث درويش عنها يأخذ شكل الوجد الصوفي الذي يسعى للوصول الى محبوبة، يتعذر الوصول اليها لأنها في الأسر. أما السرير فغير قابل للنسيان، فهو ذو خصوصية واضحة تماما، فهو مرتبط بلحظة الولادة، ليكون هذا الارتباط مؤشرا على مرحلة كاملة، ويتبلور الحديث عنها من خلال مزيج معقد يجمع بين الشعور بالذنب وفرحة الخروج من الأسر.

أما في ( أعراس) فيعود درويش وهو يرسم أبعاد السرير إلى شخصية من أكثر الشخصيات أهمية في شعره وهي شخصية ريتا وان كان الحديث عن طبيعة هذه الشخصية، وإشكالاتها في خطاب درويش الشعري يحتاج الى تتبع دقيق، وتحليل نصي، لأن درويش ظل يسعى كي تخرج (ريتا) من اشتباكها بالرمز، وما يحمله من ا دلالات متباينة، الى إطار المرأة - الأنثى.

وإذا كانت (الحقيقة النائمة) المنشورة في (أعراس) تعد بداية تحرير شخصية ريتا من سطوة الرمز وتداخلاته، فإن هذه الشخصية ستظل قابلة للتطور في خطاب درويش الشعري، عبر مستويات شعرية متعددة، تتصاعد فيها النغمة الايروسية، وتصل الأبعاد الجمالية الى ذررتها كما فر (شتا، ريتا) في ديوان (أحد عشر كوكبا)، ومن المعروف أن درويش افتتح الحديث عن ريتا في قصيدته (ريتا والبندقية)(6)، في (أخر الليل) الصادر عام 1917، وأعاد الحديث عنها من المنظور الشعري نفسه في (ريتا أحبيني)(7) في (العصافير تموت في الجليل) الصادر عام 1969.

يتشكل السرير في قصيدة (الحديقة النائمة) رمزا للذة، وكن هذه اللذة مؤقتة ومشوبة بالكثير من العوامل التي تسعي لتكديرها، لأن العلاقة بين المرأة والرجل في إطار تلك العلاقة ليست فردية، بل هي مشتبكة بالصراع وتجلياته، وما ينطوي عليه هذا الصراع من مواقف ورؤى، لهذا كان من الطبيعي أن يتم التعبير عن تلك العلاقة من خلال إيقاع شعري حزين، وإن ظل هذا الايقاع يحتفي بالجسد ويقدمه من خلال مشاهد بصرية، يسيطر عليها منظور حسي، يتلاشى تدريجيا لصاه البعد الرمزي في القصيدة الذي يكاد يجعل من ريتا أميرة أسطورية نائمة تحتاج الى من يبعد الشر عنها، ويوقظها برفق وحب:
سوقت يدي حين عافقها النوم
غطيت أحلامها
نظرت إلى عسل يختفي خلفه جفنين...
انحنيت على نبضها المتواصل
شاهدت قمما على مرمر ونعاس
بكت قطرة من دمي
فارتجفت
الحديقة نائمة في سريري(8)

وإذا كان درويش قد أنهى (الحديقة النائمة) بسؤال مرجأ، فإن هذا السؤال سيحمل بين طياته عنوان القصيدة الشعرية التي أرجأ السؤال عنها ثلاثة عشر عاما، وإن كانت قد تحققت بعد ذلك بسنتين في (شتاء ريتا)، في (أحد عشر كوكبا).

يقول درويش في خاتمة (الحديقة النائمة):
سأسأل بعد ثلاثة عشر شتاء
سأسأل:
أما زلت نائمة (9)
أم صحوت من النوم ؟...

يفتتح درويش (شتاء ريتا)، بمقطع شعري يغاير من حيث الأسلوب مفتت (الحديقة النائمة)، فإذا كانت (الحديقة النائمة لم تفتت المشهد على لحظة النوم، وترسم ريتا بوصفها رمزا للبراءة والجمال، فإن (شتاء ريتا) تفت المشهد على حضور ريتا الحي، وجسدها اليقظ
ريتا ترتب ليل غرفتنا: قليل
هذا النبيذ
وهذه الأزهار أكبر من سريري
فافتح لها الشباك كي يتعطر الليل الجميل ( 10)

ثمة تناقض بين صورتي السرير في القصيدتين السابقتين، وهو تناقض لا يقود الى التضاد، بقدر ما يقود الى الاختلاف.

فاذا كان السرير في (الحديقة النائمة) يستوعب مفاتن الحديقة وزهورها، ورياحينها ونباتاتها، فإن الزهور تغدو هنا أكبر منه، وهو مؤشر على تراجع الجسد، الذي ظل يحتل في (الحديقة النائمة) البعد الأمم، لتغدو مفاتنه حاضرة، ولكنها لا تقع في بؤرة الاهتمام، فإذا كانت ريتا تنام في السرير وتوصف بـ:
الحديقة نائمة فر سريري
فإنها مشغولة، هذه المرة، باعادة ترتيب عالم الشاعر وغرفته لهذا: (تنام ريتا في حديقة جسمها).

ومع ذلك فإن السرير لم ينفصل عن رموز درويش الكب ى، بل ظل يتداخل معها، ليأتي في تحولاته بعيدا عن النمطية.

لقد كان من اللافت للنظر الا يرد السرير في قصيدة درويش التسجيلية الطويلة (مديح الظل العالي) غير مرة واحدة، رغم حديث درويش المتكرر فيها عن النوم المتعذر في ابان تلك المواجهة (لهذا يكثر درويش من استخدام فعل الأمر: نم / نامي وهو فعل لا يمثل أكثر مز رجاء حزين ويبين استحالة النوم الذي وصل حد الأمنية). وإذا كان غياب السرير في تلك الأجواء مبررا، فإن درويش يعود اليه في إطار حواره المستمر مع الذات. وهي تنبثق في العاددة في لحظات المواجهة مع الأخر، وهي مواجهة حرص فيها درويش على أن يتخلص من الانساق  الايديولوجية على مستوى الرمز والتعبير، يقول درويش: وطني حقيبة
في الليل أفرشها سريرا
وأنام فيها
أخدع الفتيات فيها
أدفن الأحباب فيها
أرتضيها لي مصيرا
وأموت فيها.( 11)

لقد عبر درويش عن العلاقة بالوطن  في إطار جدلية البقاء أو الرحيل من خلال لحظات متعددة، تتميز بالاختلاف، ولكنها في مجموعها تنبئ. عن دينامية درويش. وقدرته على التحرر من ماضيه، دون إحساس بعقدة الذنب، مثلما تنبئ عن قدرته على النظرة الى ذلك الماضي بروح انتقادية، فإذا كان درويش يعلن في أواخر الستينات في (يوميات جرح فلسطيني):
أه يا جرحي المكابر
وطني ليس حقيبة
وأنا لست مسافر
انني العاشق والأرض حبيبة (12)

فإنه يصدر في قصيدته (تلك صورتها وهذا انتحار العاشق) الصادرة عام 1975 عن موقف مغاير للحظة الشعرية السابقة. مما يؤكد أن حساسية اللحظة الشعرية عند درويش مي التي تعيد تشكيل الواقع، وبلورة مسألتي الحضور والغياب أو الاقتراب أو الابتعاد عن الوطن، ضمن اطار فني يغاير الاشرطة التسجيلية او الوثائقية فر العلاقات مع المكان، ويدخل في إطار تشكيل المكان - الحلم:
جاء وقت الانفجار
وعلى السيف قمر
وطني ليس جدار
وأنا همت حجر( 13)

إذا كان درويش قد كرر عبارة (وطني حقيبة) في قصيدة (مديح الظل العالي) عدة مرات قاصدا بذلك نفي العبارة الشعرية القديمة ذائعة الميت (وطني ليس حقيبة) وهي تقابل عبارة: وطني ليس جدار، فإن بروز السرير في تلك اللحظة، يؤشر على رغبة الخطاب الشعري الدرويشي في تدمير مرجعياته واثبات قدرته على التحول من دلاله الى أخرى. ولا شك أن تحول الحقيبة الى صرير ذي قدرات سحرية متعددة، يؤشر على نوعية اغتراب أخر صار يعيشه درويش في سياق نوع أخر من المواجهة بين الذات والأخر.

لهذا يوظف درويش السرير في إطار ثنائية متشابهة في قصيدة (المساء الأخير على الأرض) فر ديوانه (أحد عشر كوكبا). تتولد تلك الثنائية من جدل العلاقة بين الذات والأخر في الموضوعة الأندلسية. ولكن ذلك التوظيف يؤكد غنى الرمز وتحولاته في خطاب درويش الشعري. فإذا كان النوم مستحيلا في (مديح الظل العالي) نظرا لطبيعة الصراع الدائر، فإنه في (المساء الأخير على الأرض) يجيء سهلا، طبيعيا لا يحتاج الى معجزة.

تقوم القصيدة كذلك على أفعال الأمر، ولكز أفعال الأمر تجيء هنا في إطار التمني، والرجاء المنكسر الذي يوجهه المهزوم للمنتصر، فالمنتصر يمتلك الواقع ويسعى إلى التحكم فيه، أما المهزومون، المترفون فيضعون انضمهم في خدمة المتنمر، ليصبحوا خارج التاريخ:
 (فادخوا أيها الفاتحون مناولنا، واشربوا خمرنا
من موشحنا السهل، فالليل نحن إذا انتصف الليل، لا
فجر يحمله فارس قادم من نواحي الأذان الاخيرة
شاينا أخضر ساخن فاشوبوه، وفستقنا طازج فكلوه
والأسرة خضراء من خشب الأرز، فاستسلموا للنعاس
بعد هذا الحصار الطويل، وناموا على ريش احلامنا)(14)

يستخدم درويش السرير، للمرة الاولى بصيغة الجمع، ويصفها بأنها خضراء، وإذا كان الجمع يخرج المسألة من إطارها الفردي إلى.إطار الجماعة المستسلمة الخائفة، فإن الخضرة تعكس مستوى الرفاهية التي كانت تلك الجماعة تحياها، وهي رفاهية غافلة عن تحولات العصر، واختلال موازين القوى فيه، ولكن رؤية درويش للمسألة تكاد تنبثق من حواف الأسطورة، وتجيء في سياق مسالة ابحث عن الخلاص الإنساني، في ظل قوانين الصراع بين الغالب والمغلوب، صحيح أن هذا البحث محدد على المستوى التاريخي باللحظة الأندلسية، ولكن درويش يعيد إنتاج تلك اللحظة، لتعيش اللحظة التاريخية خارج تاريخها، وتشتبك بالحاضر وما يحتوي عليه من أبعاد. غير أن انطلاق درويش من أبعاد الصراع تلك، لا يعني خفوت الوجداني في صورة السرير، فهذه الابعاد تتداخل مع العام، ولكنها تجيء ذاتية كما في (اربعة عناوين شخصية) المنشورة في ديوانه (هي أغنية، هي أغنية) الصادر عام 1986م، ففي هذه القصائد يرتبط اسرير بلحظة المرض، ويكون اللقاء معه اضطراريا، محاطا بالرعاية الطبية، لهذا صار من الممكن أن يكون السرير نقطة انطلاق باتجاه مغادرة العالم الى العالم الأخر:
شعرت بمليون ناي يمرق صدري
تصببت ثلجا، وشاهدت قبري على واحتي
تبعثرت فوق السرير، تقيأت (15)

وقد يكون السرير تجسيدا للقاء عابر، ليفقد السرير ثانية خصوصيته، ولكنه يجسد لحظة من لحظات الالتفات الى الجسد، بعيدا عن هوية الجسد، لأن هذا الالتفات تجسيد للتمسك بالحياة، ونفي للحظة المرض:
 (ولسنا سوى رقمين ينامان فوق السرير المشاع، المشاع يقولان ما قاله عابران عن الحب قبل قليل، ويأتي الوداع سريعا، سريعا)(16).

وفي هذا الإطار تأتي الكلمة  في قصيدة (سنة أخرى فقط) وهي قصيدة يرثي درويش فيها أصدقاءه  الشهداء على نحو يغاير شروط الرثاء التقليدية، فالشاعر مفتون بالحياة، حريص عليها، وهؤلاء الشهداء، عشاق الحياة والمدافعون عنها، يفسدون بموتهم المتكرر متعة الحياة ! لهذا يحرص درويش على أن يصور بطولتهم ضمن رؤية مغايرة، وهي بطولة مرتبطة بالضعف الإنساني، أكثر من ارتباطها بالقوة المبالغ فيها، لهذا يعلن درويش في قصيدة أخرى أنه سيتولى حراسة هؤلاء الشهداء (من هواة الرثاء) الذين يسندون قاماتهم الشعرية المتواضعة، عبر الكتابة عن موضوع نبيل:
أصدقائي، شهدائي الواقفين
فوق تختي....
اذهبوا عني قليلا
فلنا حق بأن نحتسي القهوة بالسكر لا بالدم (17)

من هنا يغدو السرير في خطاب درويش الشعري، تبيانا لقدرة الشاعر على تأسيس أنماط متحركة من الدلالة للفظة الواحدة، يتعذر تحليلها من حلان رؤية معجمية أو دلالية ثابتة، بل تغدو احتمالا يفسره السياق الشعري.

 (2)
إذا كانت استخدامات السرير في شعر درويش تعود الى البدايات، وترسم تحولاتها طبيعة نصه الشعري، فإن لفظة الغريب، ومشتقاتها تتعافى مع السرير على مستوى الحضور، فهي تعود إلى البدايات، ولكنها تسير في منحنى مغاير، فلفظة الغريب تؤشر في نص درويش الشعري على وضع مأزوم فر لحظة زمنية معينة، وضمن علاقات إنسانية معقدة.

إن تحليل هذه اللفظة ينبئ أن استخدام درويش لما كان يجيء ضمن مسار يتحول من  البساطة اللغوية والفكرية الى الغموض والعمق.

ومن التعميم الى تبلور المفهوم، وهي تأتي في كل الأحوال تعبيرا ومن التعميم الى قبور المفهوم، وهي تأتي في كل الأحوال تحبيرا عز إشكالية العلاقة بين الذات والأخر، وتجسد أزمة الذات في تحولاتها المأساوية (الذات الفردية أو الجماعية) وتبين فقدان اليقين في خطاب درويش الشعري بأحادية المعنى، والميل الى التعدد والغموض بكل ما ينطوي عليه من أفاق.

يمكن التمييز في شعر درويش بين مستويين من مستويات الاستخدام لهذه الكلمة، على المستوى الأول تجيء الكلمة مفردة، مذكرة أم مؤنثة، مثناة او مجموعة، أما على المستوى الثاني فتجيء ضمن صيغة تبرز فعاليتها ودلالاتها الرمزية او المجازية المتحولة، يحفل خطاب درويش الشعري باستخدامات شتى للفظة الغريب، ولعل أول استخدام لها يعود إلى (وعاد فر كفن) في ديوانه (أوراق الزيتون) الصادر عام 1964:
أما وأيتم شاردا
صمه فوا لا يحسن السفر
راح بلا زوادة، من يطعم الفتى
إن جاع في طريقه
من يرحم الغريب

كان استخدام هذه اللفظة واضحا، فهي تجيء مرادفة لطبيعةاستخدامها في الحياة اليومية، وكن هذا الاستخدام سيشهد تحولا واضحا في قصيدة (لا مفر) في ديوانه (أخر الليل) الصادر عام 1967و حيث تبدأ الكلمة تتخلص من أفاقها اليومية، وظلالاتها الشعبية، لتدخل حيز المفهوم، وليكون لما نسيجها الدلالي الفلسفي:
وطني! عيونك أم غيوم ذوبت
أوتار قلبي في جراح إله
هل تأخذن يدي؟ فسبحان الذي
يحمي غريبا من مذلة أه
ظل الغريب على الغريب عباءة
تحميه من لسع الأسى التياه (19)

بعد ذلك أخذ مصطلح الغريب يخرج من هذا الاطار الفلسفي ليتجه صوب تخوم أخرى، وإن لم يتخل في تلك الأثناء عن الاشتباك بالمفهوم المعرفي الذي يثيره المصطلح في ذهن المتلقي دلاليا وجماليا. وستكتفي هذه الدراسة بالإشارة الى أكثر تلك الدلالات بروزا وأهمية.

تتحدد هذه الدلالات في أعمال درويش الثلاثة الأخيرة، حيث يتم توظيف هذا المصطلح في إطار تجربة جمالية، تنبثق دلالاتها من بؤرة التجربة نفسها، التي تحتوه عناصرها ومنظورها، ففي قصيدة (لي خلف السماء سماء)، في (أحد عشر كوكبا) يقول درويش:
مر الغريب حاملا سبعمائة عام من الخيل، مر الغريب
ههنا، كي يمر الغريب هناك، سأخرح بعد قليل من
تجاعيد وقتي غريبا عن الشام والأندلس ( 20)

أما في قصيدة (عود اسماعيل) الصادرة في (لماذا تركت الحصان وحيدا؟) فيقول:
كان اسماعيل...
يهبط بيننا ليلا وينشد: يا غريب
أنا الغريب، وأنت مني يا غريب فترحل
الصحراء في الكلمات (21)

وفي قصيدة (عندما يبتعد) من الديران نفسه يقول:
سلم على بيتنا ياغريب
فناجين قهوتنا لا تزال على حالها، هل تشم
أصابعنا فوقها؟ (22)

واضح آن هذا الاستخدام يرتكز على رؤية تضمن انتظامه في مستوى متماثل من الدلالة، تسمح بقدر معقول من الاطراد والتماسك، لا تشتت المتلقي أو توقعه في الحيرة والابهام.

إن أبرز مقومات هذه الرؤية تتجسد في كيفية تكوين الأنا الحضارية لصورتها عن نفسها وعن الآخر، فهما يتبادلان الموقع، في ضوء قوانين الصراع وإشكالاته ورؤاه، فتكون الأنا هي الغريب تارة، ويكون الآخر، هو الغريب تارة أخرى.

ويصرف النظر عق رؤية درويش لهذه المسألة على مستوى المنظور الفكري والوعي التاريخي، إلا أن حركة العلاقة في أبعاد تلك الرؤية تقوم على قدر من التغير والتوازن أحيانا، فمرور الغريب في الأندلس يوازيه مرور الغريب فر بلاد الشام، دون أن يكون مرور أحدهما سببا في الأخر، وقد تقوم على الفواصل بين الداخل والخارج، وانشطار الأنا في صميم كينونتها، كما الحال في (عود اسماعيل) وقد تكون كما في (عندها يبتعد) تجسيدا لصورة الأخر في لحظة من لحظات الصراع معه، لتجيء كلمة لم غريب) مرادفة لكلمة عدو فر مطلع النص الشعري نفسه:
للعدو الذي يشرب الشاي في كوخنا
فرس في الدخان (...)(23)

ولكن درويش وهو يستخدم هذه الكلمة (الغريب) يحرص على أن تجيء ضمن سياق غير خطابي، لهذا يجزئ المشاهد الشعرية، ويوزعها على فقرات تعتمد التقابل والتناقض، بحيث تتولد منها صورة تكسر البعد النمطي للأخر، وتؤكد استمرار الصراع، ولكن ضمن تقنية شعرية تختبئ خلف الكثير من الأقنعة الفنية.

ومن المهم أن يشار إلى أن كلمة ( الغريبة) لم ترد مفردة، مؤنثة الا في الأعمال الشعرية المتأخرة لدرويش، ولعل أول استخدام لها على هذا النحو يجيء في قصيدة (ليل يفيض من الجسد) في ديوانه قبل الأخير، حيث يقول درويش:
من أنا بعد عينين لوزيتين ؟يقول الغريب
من أنا بعد منفاك في ؟ تقول الغريبة (24)

من الواضح أن استخدام الغريبة في هذا المقطع، يتماثل مع طبيعة الاستخدام للكلمة في (سرير الغريبة)،حيث تنبئ ا