|
|||
|
يرى
كثير من الدارسين لمعلم
اجتماع الثقافة وكذلك علماء
المنفس. ان الثقافة الحديثة
يجب ان تروق للمتحركين إلى
رحابها على حد تعبير سكين
عالم السلوك 1لامريكي(ا) لان
هؤلاء هم بالضرورة من
نتاجات ثقافات قديمة، تسعي
للتكيف مع روح العصر من جهة،
والمحفاظ على خصوصيتها من
جهة ثانية، خاصة وان الحفاظ
على الخصوصية يلهم عند
علماء اجتماع الثقافة
والعديد من المثقفين في
العالم، تطلعا- ومن موقف
مثالي- إلى بناء مجتمع عالمي
جديد اساس الاختلاف
والتعددية الثقافية
وقاعدتة الديمقراطية. أعود
لنقول، إن هذا الموقف يصدر
عن رؤية مثالية وايديولوجية
بأن، يقول بها الحالمون
والرومانسيون وبقايا
المناضلين الذين أنتجهم ما
يسميه ريجيس دوبرويه بـ "عصر
المجال الخطي"، أي عصر
الكتابة، وهي رؤية تتعارض
مع ما يقول به "كهنتنا الجدد
"(2)، أو ما يسميهم أحدهم، "
القساوسة الدنيويين للفكر
الوحيدد"(3)، فالرؤية
المثالية باتت متخلفة قياسا
بالتحولات السريعة التي يمر
بها العالم، وبالأخص في
مركزه، أضف إلى ذلك تجاهلها
للواقع العالمي الجديد الذي
دشن انتصار الفيديولوجيا
على حساب الايديولوجيا،
وبالتالي هزيمة الثقافة في
عصر البلاغة الالكترونية
والذي يشبهه بنجامين باوبر BARBER
بالثعبان
الكبير الذي يلتهم مجموع
الأرانب واحدا بعد الأخر.( 4) كان
ريجيس اوبريه في كتابه
الموسوم بـ "الميديولوجيا:
علم الاعلام العام " قد عزا
هزيمة الايديولوجيا
الشيوعية إلى انتصار
الفيديولوجيا على
الايديولوجيا، انتصار
الاستهلاك الفوري الذي يروج
له التليفزيون (كلمة فيديو
تعني بالإنجليزية تلفزيوني)
على حساب الأفكار والقناعات.
يقول اوبريه: التلفاز هو
أولا آلة اقتصادية، وليس
أنبوبا من الافكار وقسطلا
من الحواس. بهذه الصفة إنه
الباعث الأول والقائد الأول
للايديولوجيا المسمدة
اقتصادوية. فالآلة تحمل
أخلاق صيانتها، منسجمة مع
مجتمع الفردية المتعبة والاستهلاك
الفوري. وليس من طبيعتها
إثارة مسارات تجريدية
أو استدلالية أو تركيبية،
ولا إثارة النقد، بل إنتاج
أوان صغيرة بطريقة السلسلة
التي تدفع للاستهلاك ( الأمر
الذي لم يكن معقولا في
المدرسة). فهي ليست مصنوعة
لنقل الأفكار ولا لإنتاج
قناعة معينة، وإنما شيء ما
بين القبول السطحي والإشاعة
الاجتماعية، وقبول الإشاعة
( استطلاع، روح العصر، رأي
عام، الخ...)(5) وحسب وجهة نظر
دوبريه هذه، فقد أصبحت
الايديولوجيا عتيقة وبالية
في مقابل الفيديولوجيا،
فهزيمة الشيوعية يجب البحث
عنها في مكان أخر، في قصورها
بالصور أكثر من فقرها
بالأفكار، في عتق مصانعها
بالأحلام والتي لم تستطع
منافسة هوليوود و" الكليبات
" التليفزيونية. فالشباب
الدائم لشاربات الكوكاكولا
الجميلات ورجولة الكاوبوي
المدخن للمارلبورو وموسيقى
الروك الحواسية، ربما عملت
على قلب الشيوعية أكثرهما
عملته مؤلفات سولجنستين أو
بيانات هافيل.(6) في
دراسة له وتحت عنوان "ثقافة "
الماك وورلد ,McWorld. "
في مواجهة الديمقراطية
" نشرتها اللوموند
ديبلوماتيك في عدد أب / أغسطس
1998، يرى محرر الدراسة بنجامين
باربر BARBER الذي
يشغل مدير مركز والت
وايتمان للثقافة والسياسة
الديمقراطية في جامعة
روجرز بالولايات المتحدة،
أن ثقافة الـ" ماك وورلد " أي
الثقافة العالمية
الأمريكية هي الترجمة
الحرفية للفيديولوجيا،
التي تقطع مع الثقافات
القديمة، ولكنها تلجأ إلى
أسلوب أخر، فال "ماك وورلد"
يتزين قليلا بطابع الثقافات
التي يلتهمها، فإذا
بالايقاعات الأمريكية
اللاتينية تزين موسيقى "البوب
" في الأحياء المكسيكية
الفقيرة في لوس أنجلوس،
وإذا بأطباق ماكدونالدز
الكبيرة تقدم مع البيرة
الفرنسية في باريس أو تصنع
من لحم البقر البلغاري في
أوروبا الشرقية. وإذا بـ "ميكي"
يتكلم الفرنسية في ديزني
لاند باريس. وفي وجهة نظر
باربر أن قناة الموسيقى
الأمريكية MTV والماكدونالدز
وديزني لاند هي في نهاية
المطاف، وقبل كل شيء،
ايقونات الثقافة
الأمريكية، هي أحصنة طروادة
التي تتسلل من الولايات
المتحدة إلى ثقافة سائر
الأمم ".(7) إن
ايقونات الثقافة الأمريكية
الجديدة يتم تسريبها إلى
الثقافات العالمية التي
تبدو عاجزة عن مقاومتها، عن
طريق أشباه المنتجات
الثقافية، كالأفلام أو
الدعايات، وتتفرع منها
مجموعة من السلع المادية
ولوازم الموضة والتسلية،
وهكذا لا تبقى أفلام "الملك
الأسد" و"جوراسيك بارك " و"تايتانيك
" مجرد أفلام، وانما تصبح
كما يرى باربر وسائل حقيقية
لتسويق الأغذية والموسيقى
والألبسة والألعاب.(8) إن
ايقونات الثقافة الأمريكية
الجديدة تنتج التماثل
والتشابه وهذا بدوره كما
يرى علماء النفس يسهل عملية
التحكم والسيطرة، لا بل
أنها تنتج نفس أنماط
السلوك، فمن وجهة نظر ريجيس
دوبريه أن كل دقيقة عنف
ينتجها فيلم كفيلم " الحديقة
الجوراسية " ينحت مستهلكا من
الشرق إلى الغرب.(9) فالأسواق
تحتاج الى عملة واحدة هي
الدولار، وإلى لغة واحدة هي
الإنجليزية وإلى سلوك
متشابه في كل مكان يجد
تعبيره في سلوك أبطال
الثقافة الجديدة.( 10) فمن وجهة
نظر باربر أن طياري الخطوط
التجارية، ومبرمجي
الكمبيوتر، والمخرجين
السينمائيين وأصحاب
المصارف العالمية، ومشاهير
السينما والأغنية،
واختصاصيي البيئة، وأثرياء
النفط، والإحصائيين ونجوم
الرياضة. كل هؤلاء باتوا
يشكلون فئة جديدة من الرجال
والنساء يرون في الدين
والثقافة والانتماء العرقي
عناصر هامشية. فهويتهم هي
قبل كل شيء في انتمائهم
المهني، وبقدرتهم الفائقة
على تحولهم إلى مستهلكين
ومستهلكين فقط إن جاز
التعبير، والأكثر من هذا
إلى مروجين لثقافة جديدة
تضع إيقوناتها على صدورهم.( 11) من
وجهة نظر باربر أن الترويج
للمنتجات الأمريكية يعني
الترويج لأمريكا وثقافة
السوق والمخازن التجارية
التي تفرض علينا القيام بفك
ارتباط بهويتنا الثقافية،
ما عدا صفة المستهلك،
والتنكر لمواطنيتنا لنتذوق
أكثر هذه المتعة الوحيدة
الناتجة من التسوق. ما
يقلق ثقافة " الماك وورلد"
التسوقية، هو أن هناك جيوبا
لا تزال مقاومة وترفض بعناد
أن تخترقها أحصنة طروادة
الجديدة. فثقافة الشاي
الهندية تحول دون انتشار
مبيعات الكوكاكولا، وثقافة
وجبات الغداء في الشرق
الأوسط التي تتطلب جلوسا
طويلا إلى المائدة تتعارض
مع وجبات كنتاكي
وماكدونالدز السريعة.(12) وهنا
لابد من إعلان الحرب على هذه
الثقافات وعلى بقايا
المجتمع المدني في بعض
بلدان العالم الثالث التي
تجنح لترجيح كفة المواطنية
على حساب الاستهلاك وبذلك
تخون ثقافة الهامبرجر؟ (2) لم
يشهد فوكو عصر المعلوماتية
واقتصاد السوق، ولم يعايش
الثورة الهائلة لما سماها
المهندس والفيلسوف الفرنسي
بول فيريليو Paul Virilio.
"تجارة المرئي" التي ساهمت
بدد تدشين سوق النظر"، فقد
مات فوكو في النصف الأول من
عقد السبعينات، وبالتالي لم
يشهد ما يسميه فيزيليو بدد
عصر الوشاية البصرية " الذي
دشنه عصر الفيديولوجيا
وروجته شبكات الانترنت.. من
وجهة نظر ريجيس اوبريه: أننا
أول حضارة أقامت مذبحا
منزليا للتبذير، هو جهاز
اللاقط "( 14) وأوبريه لا يتوقف
عند مستوى الاستهلاك الذي
ينحته التلفزيون في حياة
البشر، من خلال الدعاية
التي تقولب ومن خلال أفلام
الجنس والعنف، فهو يرى أن
هذا " المذبح المنزلي"
ستتحطم عليه قناعاتنا
وخياراتنا وعاداتنا لأنه
ينشر اللامبالاة
والاستهلاك والقبول السطحي
وبالأخص الاشاعة
الاجتماعية يقول دوبريه: إن
التلفاز بالتأكيد يذهب إلى
أبعد من الكتاب المطبوع
ولكنه أقل عمقا. فدرجات
التأثير ربما تكون بعكس
مساحات التغطية. وصلابة
قناعاتنا تنقص عندما تزيد
سرعة المعلومات ومرور
العلامة "( 15) ومن وجهة نظر
دوبريه في إطار تعليقه على
الوظيفة الدينية
للتلفزيون، أن صلاته
الوحيدة تعني " انظروا الي
أولا، والباقي لا أهمية له "(16)
ولكن النظر المستمر اليه
ينشر اللامبالاة كما أسلفنا
والحيرة والقبول السطحي
بالإشاعة، هذا القبول
بالإشاعة يجعل منه دوبريه
العلامة الفارقة لحضارتنا
الحديثة. ويجعل منه بول
فيريليو المدخل إلى عصر
الوشاية البصرية والذي هو
بمثابة نتيجة لعصر
اقتصاديات السوق
والمعلوماتية التي توجتها
تجارة المرئي؟ وما فضيحة
مونيكا لوينسكي مع كاوبوي
البيت الأبيض إلا تتويج
لعصر الوشاية ومنطق
الفضيحة معا. في
نقد لاذع لعصر الوشاية
البصرية الذي دشنته "
التكنولوجيات
التليفزيونية الهائلة "
وتحت عنوان يكتسي دلالة
كبيرة هو "تحت برج الوشاية "
يورد لنا بول فيريليو القصة
الحقيقية التالية والتي
تأخذ عنده شكل طرفة يقول: "في
حربها على الأشباح التي
يبدو أنها تهاجمها، قامت
جون هوستون، وهي شابة
أمريكية في الخامسة
والعشرين من العمر، بتركيب (14)
كاميرا داخل بيتها تراقب في
صورة دائمة كل الأمكنة
الاستراتيجية فيه، تحت
السرير، في القبو، أمام
الباب... وكل من هذه الكاميرات
تعمل بلا توقف ( 24) ساعة على (24)،
مولجة بنقل رؤاها إلى موقع
على شبكة الانترنت. وهكذا
يصبح الزائرون الذين يطلعون
على هذا الموقع "راصدي أشباح
". وثمة نافذة حوار تتيح لهم
أن يبعثوا برسائل الانذار
إلى جون إذا ظهر لهم شبح من
هذه الأشباح. فكما لو أن " أهل
الانترنت أصبحوا جيراني،
وشهودا لما يحدث لي" على حد
تعبير الشابة الأمريكية؟ (17) هكذا
نجد أن الانترنت قد أحدث
ثورة حقيقية في مفهوم
الجيرة، ولكنه بعكس المفهوم
والفهم الذي أبداه شاعرنا
الجاهلي عنترة العبسي،
فعنترة كان يغض الطرف عن
جارته ما بدت "حتى تواري
جارتي مأواها"، أما جيرة
الانترنت، فهي جيرة التلصص
الالكتروني على أدق الأشياء
وأكثرها حميمية في حياة جون
هوستون وغيرها. إن
التلصص الالكتروني الذي،
يجعل من مجتمعاتنا المعاصرة
"مجتمعات مراقبة " على حد
تعبير الفيلسوف الفرنسي جيل
دولوز، يمثل من وجهة نظر بول
فيريليو منحى جديدا يوازي
منطق "عولمة السوق الواحدة "
ويصبح بمثابة نتيجة له،
يقول فيريليو: في الواقع،
تفرض العولمة أن تتم مراقبة
كل شيء من طريق كل شيء،
ومقارنة كل شيء بكل شيء، من
دون توقف، فكل نظام اقتصادي
وسياسي يدخل بدوره مثل جون
هوستون في المجال الحميم
لكل الأنظمة الأخرى، مما
يتعذر معه على أي كان التحرر
لمدة طويلة من هذا النهج
التنافسي الشامل ".(18) من
وجهة نظر فيريليو أن هناك
فارقا جوهريا بين القرن
العشرين والقرن الحادي
والعشرين، فإذا كانت "جنية
الكهرباء" على حد تعبيره قد
أضاءت المدن إضاءة مباشرة
في القرن العشرين، فإن
القرن الواحد والعشرين
سيشهد " الإضاءة غير
المباشرة للعالم "، وذلك
بفضل التكنولوجيات
التليفزيونية التي تتطلب
منهجا بصريا شموليا جديدا،
يقوم بمراقبة كل شيء ويدشن
بذلك لـ "عصر الوشاية
البصرية " الذي يضع الجميع "تحت
برج الوشاية " الذي يدشن لـ "ثورة
الوشاية والنميمة الشاملة "
على حد تعبير فيريليو! والتي
تحل محل النميمة القديمة
والمعهودة التي تحدث عنها
ميشيل فوكو واعتبرها إحدى
أهم العلامات الفارقة
لحضارتنا المعاصرة. من
الوشاية السمعية، إلى ثورة
الوشاية البصرية التي
تنتجها نظم المراقبة
الجديدة المتوافرة على شبكة
الانترنت، يرسم لنا
الفلاسفة والمثقفون منحنى
بيانيا يشير إلى أننا نخطو
وعلى عجل باتجاه علاقات لا
إنسانية، وبا تجاه تحول
خطير لم تعرفه البشرية من
قبل، تحول يجعل من حياة
الإنسان وسلوكه وأفعاله
وعلاقاته موضع مراقبة وموضع
شبهة، تحول يأخذ شكل ثورة
تأبى إلا أن تضحي بأبنائها
على مذبح تجارة المرئي،
بصورة أدق على مذبح "جهازنا
اللاقط " لتجعلهم لا مبدلين
إلا بالتلفاز "أنظروا الي
والباقي لا أهمية له "،
وبالانترنت "بكبسة زر
تستطيعون أن تتلصصوا على
الكرة الأرضية كلها".
فالاثنان يخاطبان المحسوس
واللامعقول على حساب
المعقول والمفكر فيه، وبذلك
يدشنان لعصر الوشاية
والاستهلاك "استهلكوا،
استهلكوا ومتكبرون " هذا هو
الانجيل الجديد على حد
تعبير أحد أعضاء نادي روما،
وهذا شعاره. وما على العالم
إلا أن يفرق في مهب البيزنس
على حد تعبير سرج حليمي
المحرر في لوموند
ديبلوماتيك، وفي مهب
الإعلام الزائف الذي تروج
له اقتصاديات السوق، والذي
دفع واحدة من كبريات الصحف
بتاريخ ديسمبر 1997 إلى تخصيص
صفحتها الأولى للكلب الجديد
الذي كان قد حصل عليه زعيم
دولة عظمي، وتولت صفحة في
الداخل إكمال الملف، محللة
على حد تعبير حليمي موقع
الحيوان في تاريخ ذلك البيت
الرئاسي (البيت الأبيض)،
ومستعيدة قائمة الكلاب
السابقين الذين حلوا ضيوفا
على ذلك البيت)(19) إنه عصر
المفارقة والمراقبة الذي
يدشنه عصر الوشاية البصرية
في جميع انحاء العالم؟ حضارة
البيزنس في
كتابه الموسوم بـ" العنف
والمقدس " لاحظ الإناسي
الفرنسي وينيه جيرار انتشار
المسوخ في الثقافات
القديمة، من الشيطان "خمبابا
" في ملحمة جلجامش، إلى
شياطين الأولمب.( 21). ولكن
انتشار المسوخ لم يبلغ بأية
حال -ى انتشارها في ثقافتنا
المعاصرة خاصة وأن ثقافتنا
في عصر العولمة تنمي نزوعا
حاد ا باتجاه انتاج المزيد
من المسوخ، وهذا ما يلحظه
عديدون. فقد كتب لويس سفورد
في كتابه " أسطورة الآلة " أن
هناك قرينة انحراف حقيقية
توجه مسيرة علم الجينات
الوراثية وتدفعه إلى انتاج
المسوخ الحقيقية هذه المرة
بدلا من الوهمية، وبالفعل
فقد قام علماء الوراثة
بتخليق كائن حي أشبه
بشياطين الأولمب في
الميثولوجيا الاغريقية،
رأسه رأس عن وجسده جسد أسد
وذيله ذيل كلب، ثم قاموا
بتدميره.(22) هذا على صعيد علم
الجينات، أما على صعيد
الثقافة فقد أصبحت الشاشة
الصغيرة مرتعا لوحوش
وديناصورات " الحديقة الجوراسية
" تمرح بها فيجميع الاتجاهات
كما يقول ريجيس دوبريه،
وباتت الصور المخيفة لـ"ترميناتور"
تفعلي معظم مساحات المعمورة
ويشاهدها آلاف وملايين
المشاهدين في كل مكان وتدفع
بهم إلى مزيد من الكوابيس
والانفاق المظلمة. التحول
المخيف والكبير باتجاه
المسوخ والذي يخيف أصحاب
العقول اليقظة، هو تحول
الإنسان إلى مجرد عقل
الكتروني (حاسوب) لنقل إلى
كرة زجاجية ؟: إنها هجرة
الإنسان في جلده، في "عربته
الأخيرة " أي من جهازه
العضلي التعب والمترهل على
حد تعبير الفرنسي بول
فيريليو، باتجاه كرة زجاجية
أكثر تطورا من دماغه وأفضل
تزودا مما في الأصل، عندها
سوف يصبح المرء بحق أضحية
على مذبح المسوخ الجديدة
التي يحذر منها الأديب الأ
سباني ساراماجو. من
وجهة نظر أصحاب العقول
اليقظة أن إنتاج المسوخ في
الثقافة والذي يندرج في
إطار مبدأ الربح الذي تروج
له الشركات الكبرى، هو شاهد
على الخواء الثقافي في
المركز أكثر منه ناتج
مؤامرة امبريالية كما يحلو
للبعض ترويجها. وهوشاها
أيضا على الخواء الثقافي
الذي أصاب العالم (أوروبا
والعالم الثالث) التي تقبل
كما يقول هربرت شيللر
بأمركة متصاعدة لثقافتها
الشعبية ولنمط عيشها؟(23) إذ
أن القبول بهذه الأمركة هو
بمثابة تأكيد مفرط على
قبولنا بفك الارتباط مع
هويتنا كما يقول بنجامين
باوبر مدير مركز والت
وايتمان للثقافة والسياسة.(24) في
دراسة له بعنوان " الصحافة
الأمريكية في مهب البيزنس "
نشرتها اللوموند
ديبلوماتيك في أغسطس 1998، يؤكد
المحرر في اللوموند
ديبلوماتيك سيرج حليمي على
ظاهرة الخواء الثقافي في
الصحافة الأمريكية، فإذا
كان فرنسيس فوكوياما قد وجد
في الغرب الأمريكاني نهاية
التاريخ فان سيرج حليمي يرى
في الغرب الأمريكاني "نهاية
الأخبار"، فقد لاحظ حليمي
أنه وباستمرار تتم التضحية
بالأخبار الجادة لحساب منحى
متعمد يهدف فقط إلى زيادة
عدد المستهلكين، ويتحقق هذا
الأمر كلما تألف عمل رؤساء
التحرير مع عمل المسؤولين
عن التسويق، إذ أنهم يقلعون
عن التدقيق في أخبار
معلنيهم الأكثر كرما بغية
عدم المساس بمداخيل صحفهم
الأتية من باب الإعلانات.(25) الشيء
نفسه ينطبق على التليفزيون،
على المذبح المنزلي كما
يسميه ريجيس دوبريه، فقد
كتب سيرج حليمي ما يلي: في
تاريخ 21 يونيو 1998، عند الساعة
الواحدة فجرا، بثت شبكة سي.ان.ان
الدولية نشرة أخبارها على
القارات الخمس، فتناولت
مطلع النشرة، إطلاق النار
الذي حدث داخل حديقة عامة في
ولاية كارولاينا الشمالية.
ثم انتقل العرض بعدها إلى
قضية مونيكا لو ينسكي، تلته
وقفة اعلانية. ثم عرضت بعدها
نتائج مباراة كرة القدم
التي تواجهت خلالها
الولايات المتحدة مع إيران.
ثم عادت النشرة مجددا إلى
إطلاق النار الذي وقع في
كارولاينا الشمالية. وقد
علق على هذه الحال أسفا
السيد تيدتيرنر مؤسس شبكة
سي.ان.ان بقوله: "كلما كان
الخبر معقدا وذا انعكاسات
محتملة خطيرة، ضعف الجمهور
الذي يتابعه ".(26) وهذه ليست
حالة خاصة فسيرج حليمي
يستشهد بأمثلة عديدة وعلى
سبيل المثال، فقد قام مركز
وسائل الإعلام والشؤون
العامة في مدينة واشنطن
بتحليل مضمون النشرات
الأخبارية في (13) مدينة كبرى في
الولايات المتحدة وعلى مدى
ثلاثة أشهر. وقد تبين أنه
بفعل تأثير مستشاري
التسويق، يأتي سرد الأخبار
متشابها جدا في بوسطن إلى
سان انطونيو، حيث تحتل
الجرائم وأنبار الطقس
وحوادث السير والكوارث
وأخبار مشاهير الشاشة
والرياضة والاعلان ما
مقداره 24 دقيقة و( 20) ثانية في
نشرة أخبار مدتها نصف ساعة.
الأمر الذي يترك فقط هامشا
لا تتعدى مدته (5) دقائق و( 40)
ثانية لمعالجة الشؤون
المحلية الأخرى والشؤون
الخارجية وشؤون الصحة
والتعليم والعلوم والبيئة.(27) من
وجهة نظر بنجامين باوبر
والذي يثني عليه ريجيس
دوبريه لتحليلاته الدقيقة
والصائبة، أن تكاثر المسوخ
في الثقافة المعاصرة
واندراج المجتمع في ملف
الاستهلاك والجنس والعنف،
هو بمثابة نتيجة لثقافة
مختزلة إلى مستوى- السلعة،
حيث الشكليات هي السائدة،
وحيث " المظهر" يعتبر نوعا من
الايديولوجيا. فالمخازن
التجارية والساحات العامة
المغلقة والأحياء المقفرة
في الضواحي السكنية هي
الكنائس الجديدة لهذه
الحضارة التجارية، التي
يسميها سيرج حليمي بدد
حضارة البيزنس ". من
وجهة نظر سارا ماجو أن
الحضارة التي تنتج
اللامبالاة والعزلة تساهم
أيضا في انتاج المزيد من
المسوخ التي تنبأت بها قصص
الخيال العلمي وترجمتها
هوليوود إلى أفلام عنف
أبطالها مسوخ قادمة من
كواكب بعيدة، عديدون هم
الذين شاهدوا في العام ما
قبل المنصرم فيلم "
الاستقلال، 1997" والذي يصور
لنا مجموعة من المسوخ
القادمة من المجهول وعبر
مركبة فضائية ليقوموا
بتدمير البيت الأبيض ومدينة
واشنطن. وهذا غيض من فيض
الديناصورات الهائجة
والصراصير المتوحشة التي
يراد لها أن تحيط بحضارتنا
المعاصرة. والسؤال هل هناك
أمل بانبثاق ثقافة مقاومة
تضع حدا للمسوخ والعنف
وتبشر بزمن يتسع فيه المجال
للحب والفرح ؟! بين
فخ الايديولوجيا و" فخ
العولمة"! في
الحقيقة إن ما دفعني إلى هذا
الاستهلال المضمر بالتنديد
بالمثقفين العرب، هو صدور
كتابين عن العولمة وفي آن
واحد. الأول وقد صدر عن مركز
دراسات الوحدة العربية وهو
بعنوان " العرب والعولمة "
وهو كتاب ضخم ومصقول
واخراجه ممتاز وسعره مرتفع
بحيث لا يسمح للطبقة الوسطى
المنهارة بشرائه. أما
الكتاب الثاني فقد صدر عن
المجلس الوطني للثقافة
والفنون والآداب ضمن سلسلة
عالم المعرفة الكويتية وهو
بعنوان "فخ العولمة " وما
يميزه أنه في متناول الجميع
نظرا لسعره المتدني وتوافر
نسخه (طبع منه أربعون ألف
نسخة في حين أن الكتاب
الصادر عن المركز لا يطبع
أكثر من ( 2000) نسخة. في
الحقيقة أن كتاب " العرب
والعولمة " يضم مجموع
الأوراق التي قدمت إلى مركز
دراسات الوحدة العربية في
ندوة " العرب والعولمة "
والتي عقدت في بيروت بتاريخ
10/12/1997 وشارك فيها نخبة من
الباحثين والمفكرين العرب
وفي أقطار عربية مختلفة،
قدموا إسهامات في مجال
مفهوم "العولمة والعولمة
والثقافة " وكذلك " العولمة
والدولة " و" العولمة
والهوية الثقافية ". وقد ضمت
هذه الندوة مفكرين كبارا
مثل محمد عابد الجابري
والسيد يسين وانطوان زحلان
وعبدا لاله بلقزيز وجلال
أمين وسيار الجميل... الخ.( 30). إن معظم الطروحات التي قدمها الباحثون في الندوة تكاد تعكس وجهة نظر موحدة في مضامينها. فهي تقول نعم للعولمة في مجال التقانة والمعلوماتية والاقتصاد و"لا" للعولمة الثقافية التي يحذر منها محمد عابد الجابري وعبدالاله بلقزيز والتي تأخذ طابع " أمركة العالم " كون "العولمة " وسيلة أمريكية للضغط على العالم والسيطرة عليه. إن ما يميز معظم هذه الطروحات هو تركيزها على إمبريالية العولمة وبحثها المضمر عن "مستبد عادل "، عن "جيش الوطن " أو " الحزب القائد" الذي سيحمينا من زحف العولمة وآثارها التدمي |