أنسي الحاج في (المقدمة)

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

رشيد يحياوي (ناقد وأكاديمي من المغرب)


لم يكن أنسي الحاج في مقدمة ديوانه (لن) مجرد شاعر متمرد وجه صرخة شعرية في غير أوانها، لقد سلح تلك المقدمة بمفاهيم ومواقف فيها تنظيم وانسجام ومنطق حجاجي لم تضعه العبارات الهجومية والتهجمية التي تولدت من حماس شاعر مفرط في الاحتفاء بشعر جديد، وقد لا نبالغ في الحكم إذا قلنا ان تلك المقدمة ظلت متقدمة على كثير من سجالات الخطاب النقدي حول قصيدة النثر فيما بعد، ناهيك بأن كثير من المواقف التي ظهرت بعد المقدمة، ظلت متأثرة بها.

وإذا كان المنجز الشعري لأنسي الحاج يمثل تجربة مسيجة بخصوصيتها التي لم تحافظ على طليعتيها بعد ظهور منجزات نصية مغايرة فأن (المقدمة) بخلاف ذلك تضمنت وعيا مبكرا بإشكالات مازالت مستمرة.

قد يكون بعض الاقتراحات والحلول التي اقترحها أنسي الحاج، فقد جدواه، وغير منسجم حتى مع نصوصه في (لن )، لكن ذلك لا يمنع من القول بأن جل الإشكالات في حد ذاتها، مازال قائما، يكفي أن نثير أسئلة أثارها الحاج، كهذه:

- موقع قصيدة النثر بين الشعر والنثر.

- أي شعر وأي نثر؟

- ما هي قصيدة النثر؟

- قصيدة النثر والأنواع المجاورة.

- أي متلق للشعر ولقصيدة النثر بالتحديد؟

- أي دور لشاعر قصيدة النثر؟

إنها إشكالات وقضايا متعالقة ببعضها، وسنعمل على اعادة تنظيمها من خلال محاور نفك ضمنها المفاهيم التي اشتغلت في المقدمة، وهي مفاهيم يمكن ربطها بإشكال مركزي يتعلق بالخلخلة التي تعرض لها النسق الأنواعي السائد وقتذاك بفعل ظهور الحداثه الشعرية بأقطابها الثلاثة، الوعي النقدي الجديد وقصيدة الشعر الحر (قصيدة التفعيلة ) وقصيدة النثر.

ولأن أي واقعة أدبية، جديدة كانت أم قديمة، تمثل حدثا يتضمن ضمن أولوياته مقاصد تواصلية، نرى من اللازم أن نأخذ بعين الاعتبار أطراف تلك الواقعة وخاصة منها ما انتبهت اليه (المقدمة ) في تعاقب لا يفيد أي ترتيب سببي، فنبدأ بالمتلقي وسياقه، ثم الشاعر، فالنص.

1- المتلقي:

لقد كان أنسي الحاج واعيا بأن المرحلة التي ظهر فيها الخطاب النقدي حول قصيدة النثر، لم تكن مهيأة لذلك، فاقتنع بأن الماء الراكد لا تحركه حصاة، ولو حركته فلن تفلح في تحويل المويجات الى أمواج عاتية تفلق صخر التلقي السائد المترسب على بعضه لقرون عديدة.

التلقي السائد في نظر الحاج، هو تلقي المحافظين والمقلدين الراكدين، تلقي الأدوات الجاهزة البالية التي يتقدمها حصر الشعر في موسيقى الوزن والقافية. إنه تلقي التعصب والاستهزاء والرجعية والسطحية وأدلجة الخطاب الأدبي بأغلفة مثل (حاجات الشعوب العربية وظروفها السياسية والاجتماعية والروحية )(1) وتكوين (سد) أمام محاولات الاختراق. ويتمثل السد في معاداة النهضة والتحرر الفكري وإثارة التعصب والرجعة والخمول مع ممارسة الإرهاب والتجهيل وإغلاق كل المنافذ على الأصوات الجديدة الرافضة.

هذه هي الصورة التي قدمها أنسي الحاج للتلقي السائد سنة 1960 فأنى لقصيدة النثر أن تفلق الصخرة السماء لذلك التلقي لقد تبنى الحاج معادلة الأغلبية والأقلية، فذهب إلى أن التلقي الجمعي السائد وهو تلقي الأغلبية ليس منسجما تجاه منازع التجديد والافتراق، وأن البنية المهيمنة عليه تنطوي على بنية أخرى مجادلة ومنازعة للاولى في تقدير الواقعة الجمالية الناشئة والموجهة بفهم مغاير للتاريخ الفني ومنتجاته التعبيرية. فراهن الحاج على أن تكون البنية - الأقلية موطن المفزع الجديد المحمل بمسؤولية تاريخية، هي إزاحة وإقصاء البنية - الأغلبية المهيمنة والمتوارثة والمعادية. يقول الحاج: (هناك إنسان عربي غالب يرفض النهضة والتحرر النفسي والفكري من الاهتراء والعفن، وإنسان عربي أقلية،يرفض الرجعة والخمول والتعصب الديني والعنصري، ويجد نفسه بين محيطه غريبا، مقاتلا، ضحية الإرهاب وسيطرة الجهل وغوغائية ( النخبة ) والرعاع على السواد.(2)

داخل هذا التنازع الثقافي بين بنيتين في التلقي، يتساءل أنسي الحاج: (هل يمكن لمحاولة أدبية أن تتنفس؟) فيجيب بالسلب، لكنه يستدرك بالإشارة إلى أن هذه المحاولة، إن لم تختنق فستجن، ليتحول (جنون ) الشعر الجديد في خطاب أنسي الحاج إلى منفذ للتمرد والمواجهة (الحربية ) الساخنة لإسماع الصوت.

الجنون في الخطاب (الأنسي) إبداع ومقاومة، إبداع لأنه يأتي ضدا لكل ما تعارفت عليه الأغلبية وركنت اليه وسلمت به، ومقاومة، لأنه رفض للحوت اختناقا، وللكبت والاستسلام، كما أنه سلاح للعنة والنبوة وابتكار وسائل مختلفة لمواجهة الأخر، ولا بأس - في الخطاب الأنسي- أن تكون قصيدة النثر ملعونة وشاعرها ملعونا مادام الجنون هوية لها ولصاحبها.

التلقي مقولة أساسية في الجهاز المفاهيمي لأنسي الحاج، وهذا الوعي المبكر بهذا المحفل ينحل في الربط بين الظاهرة وسياقها الثقافي، بسبب ذلك، لم يأت وعي الشاعر ضيقا ومنحصرا في الخطاب الإبداعي لقصيدة النثر من حيث هي نص مغلق، بل ربطه بالعوامل والشروط التي تحيط به وتفعل سلبا وإيجابا في خنقه أو توسيع فضاء انتشاره وتداوله، وقد انتبه أنسي الحاج إلى تعدد مرجعيات ذلك السياق، ما بين مرجعيات الماضي متمثلة في التراث، ومرجعيات الحاضر متمثلة في العوامل الدينية والمذهبية والفكرية والاجتماعية والسياسية والفنية.. إنه سياق يمثل في عمومه (جبهة ) متحالفة مشتركة في الأهداف نفسها، من حيث رفض مبدأي الحرية والتقدم، ولما كانت قصيدة النثر متشبعة بهذين المبدأين، كان من الطبيعي، أن تكون هي المستهدفة الأولى من طرف وسائل الضبط والدفاع الذاتي للتلقي الجمعي السائد.

يظهر محفل التلقي في الوعي الأنسي بدءا من الصفحة الأولى من ( المقدمة ) حيث جعله مكونا ضروريا للتمايز بين الشعري والنثري، رابطا بالتالي بين خاصية النص الأنواعية وخاصية التلقي، ذاهبا إلى أن في مقدمة ما يميز الخطابين، هو نوع العلاقة التي يربطها كل واحد منهما بالمتلقي أو بـ(الأخر) كما سماه، ثم ينتقل الحاج بعد ذلك للحديث عن المتلقي من حيث هو (قارئ)، في عدة سياقات من المقدمة إذ يقدم القارئ، إما بوصفه المتلقي التقليدي (القارئ الرجعي) أو بوصفه المتلقي الطيعي المضاد للأول:

 أ - التلقي السائد:

يضيف أنسي الحاج إلى مدونته الاصطلاحية الخاصة بالتلقي مصطلح (ذوق )، مقرا بأن (الأذواق)  مازالت غير مستعدة لتقبل القصيدة الجديدة لأنها لم تتهيأ تهيؤها الطبيعي.(3)، بيد أن أنسي الحاج ينتبه إلى الاستثناء أو التلقي- الأقلية. وهو تقبل المتلقي الأخر، النوعي الجديد، الممثل عنده، معيار الحكم على ملاءمة الشعر للقراءة أو عدم ملاءمتها لها، فالمتلقي الجديد لم يعد في رأيه، يستجيب للأفق الذي كان يمليه عليه الشعر بمواصفاته التقليدية وفي مقدمتها الموسيقى، إن المتلقي هو الفيصل في هذه المعادلة. هو معيار الحكم على أحقية ومشروعية نمط تعبيري في البقاء أو في الفناء. والمتلقي الجديد أصبح في نظره مختلفا عن سابقه الذي كان يتلاءم مع أفق الشعر السالف، إنه متلق جديد (لاحساس جديد) أو لنقل بتعبيرنا الشائع، إنه متلق جديد لـ( حساسية جديدة ) غير حساسية الايقاع الوزني. يقول الحاج: "قارئ اليوم لم يعد يجد نفسه في هذه الزلزلة السطحية الخداعة لطبلة أذنه ". (4) لكن (قارئ

اليوم ) في قولة أنسي الحاج هو( قارئ اليوم ) الوحيد، هناك ايضا، قارئ اليوم - الأغلبية الذي لا يرى في موسيقى الشعر سوى ما زلزل طبلة الأذن.

ب - التلقي مائز بين الشعري والنثري:

للشعري والنثري عند الحاج مقومات مائزة، بعضها ينحل في النظام الداخلي  وبعضها في طبيعة الاستخدام اللغوي، وينحل بعضها بالذات في العلاقة بالمتلقي، وقد شغل الحاج للإفصاح عن هذه العلاقة، مدونة من المفردات مثل: إخبار، برهان، تأثير، مخاطبة، الأخر، إقناع، وعظ،حجة،قارئ، إيحاء.. كل هذه المفردات تمثل عمليات تنطلق من النص نحو متلقيه، إنها بمعنى أخر، محافل لكمون التلقي في بنية النص، في شكل (جسر) يعبر منه كل طرف من الطرفين نحو قارئه، فجسر النثر قائم على الإقناع والإخبار والتوجيه، أما جسر الشعر فقائم على الإيحاء واستبطان النفس والتعالي على راهنية الزمن مع السعي لتحرير القارئ وامتلاكه في

الوقت نفسه، تحريره من رسوبيات التلقي السائد، وامتلاكه وجدانيا بدفعه للتفاعل النفسي العميق والمتوتر مع النص الشعري القادم نحوه عبر جسره الخاص.(5)

يتوجه أنسي الحاج بالخطاب لقارئ(المقدمة ) ليقنعه بالتمييز في الوقع الجمالي بين تلقي الشعر وتلقي النثر الموقع، في هذه النقطة، لا يركز الحاج على ( الجسر) العابر من النص نحو القارئ، بل على ما يحدث عند القارئ بعد مرور النص اليه.

يرى أنسي الحاج أن القراءة السطرية التجزيئية لقصيدة النثر كما في نصوص سان جون بيرس وهنري ميشو وأنتوان أرتو، لا تحدث في التلقي أحاسيس كالسحر أو الطرب، إنما تنشأ تلك الاحاسيس بالضرورة في التلقي،حين يكون تلقيا كليا يعامل النص بوصفه وحدة متكاملة تتسم بالتماسك والكثافة والقصر، وسيرتب الحاج على هذا النوع من التلقي، مقومات يعدها ضرورية للنص الشعري الجديد في بنيته ونصيته، نقصد بالتحديد، المقولات البرنارية (نسبة إلى بر نار)، مقولات الوحدة والتماسك والقصر.

وبقدر ما تنحل هذه المقولات في المرجعيات اللغوية والنصية، تنحل أيضا في مقومات الأفق الجديد الذي يعده الحاج مناسبا لتداول قصيدة النثر، لكن تلك المقولات هي فضلا عن ذلك، من مظاهر فاعلية المبدع، خالق النص المغاير والمسهم في خلق وتكوين أفق التوقع والتداول المستحدث، لهذا السبب مثل الشاعر عند الحاج طرفا ضروريا لسيرورة التلقي الجديد، ذلك أن قصيدة النثر في خطابه،حدث ضمن نظام تواصلي تتداخل أطرافه فاعلة منفردة ومجتمعة في السيرورة التواصلية، فإذا كان السياق الخارجي للتلقي يتمثل في جملة الشروط الفاعلة في تداول القصيدة، فان الشاعر فاعل بدوره في هذه العملية، باعتباره منتج القصيدة من جهة، وفاعلا في سياقها الخارجي من جهة أخرى.

2- الشاعر:

يختم أنسي الحاج مقدمته بفقرة يصف فيها شاعر قصيدة النثر بكونه شاعرا ملعونا، ولا يكتفي الحاج بهذه الصفة، بل يرفقها بصفات تفصيلية تؤكد لعنة ذلك الشاعر، فهو ملعون في الجسد والوجدان معا، ولعنته نوع من الإصابة والمرض الممتد للأخرين. (الجميع يعبرون على ظهر ملعون ) كما يقول، أما مصدر اللعنة فات من الشاعر ومن متلقيه معا، الشاعر ملعون بسبب (كفاحه ) لإشاعة الحرية بكل الوسائل بما فيها تلك التي لا تتطابق مع القيم المسلم بها عند الأخر (المستهدف)، والأخر ملعون لمعاكسته الشاعر ومحاربته له.

شاعر قصيدة النثر ليس ملعونا فحسب، فهو شاعر مجنون أيضا، بسبب اختلال موازين القوى بينه وبين الأخر، وكما أن اللعنة حافز له إبداع وسائل للمواجهة القصوى، فكذلك الجنون، إذ الصفتان تشتركان في إكساب صاحبهما منطقا مغايرا للمنطق السائد من حيث طبية الخطاب الإقناعي ووسائل الدفاع والمواجهة.وبموازاة هاتين الصفتين، يضيف الحاج لصورة الشاعر، صفات أخرى مفارفة للعنة والجنون أو متشاكلة معهما، منها كون الشاعر حرا، بمعنى عدم الخضوع لإكراهات النسق القيمي الفني السائد، وحتى لو أفضت الحرية بطالبها للجنون واللعنة، فلن يكون في ذلك إيقاف لها، ستصبح في هذه الحالة، مرحلة جديدة تقوي آليات إضافية لطلب مزيد من الحرية.

الشاعر هو أيضا النبي والعراف، إنهما صفتان مفارقتان للعنة والجنون، لكن في شاعر قصيدة النثر تلتقي المفارقات، فشاعرها نبي وعراف، ملعون ومجنون، فهو نبي وعراف لكونه أكثر من غيره معرفة بحقيقة الواقع الأدبي، ورائيه في عمقه بدل سطحيته، ومتوقع باله ومصيره، ولأنه كذلك، في واقع يتسم بالجهل والتحجر، فلن تختلف النظرة اليه عن النظرة السلبية للأنبياء الحقيقيين الذين وصفوا بالجنون واللعنة لمخالفتهم المعتقدات المسلم بها.

يضيف أنسي الحاج للشاعر صفة أخرى أكثر مفارقة، هي نعته بالإله، بذلك يعطيه سلطة غيبية متعالية ترفع مقامه بين المتلقين الذين عليهم في هذه الحالة، الخضوع للشاعر، لانحطاط وعيهم وحاجتهم لبصير وعليم بالأحوال الفنية.

تجتمع في صورة الشاعر الأنسي إذن عدة صفات تشتغل بواسطة المفارقة، لكنها تتأزر في وسم هذا الشاعر بالتفرد والخصوصية بين باقي الشعراء ممن يجارون الأنماط المتجاوزة ويضعون أمام حريتهم حدودا وخطوطا لا يتعدونها.

إن صورة الشاعر الأنسي ليست صورة للشاعر الرومانسي الحالم المثالي الذي يشرف من أبراج عالية على عالما الداخلي وعلى الطبيعة والمجتمع، وليست صورة للشاعر الواقعي الذي لا يرى فيما حوله سوى قيم المجتمع السلبية والايجابية، إنها صورة الشاعر الفوضوي غير العدمي، أي الشاعر الذي لا هدف له سوى الحرية في مطلقها، على أن تكون حرية ذات جبهات، حرية القصيدة وحرية الشعر وحرية العقل وحرية الشاعر وحرية المتلقي وحرية المجتمع وحرية الفن... الخ.

ولأن الشاعر ينشد الحرية، ولأن الحرية فعل تعد لأخر يفترض فيه التصدي والمواجهة، ولأن موازين القوى مختلة بين الطرفين، فإن أنسي الحاج يرفع درجة الشاعر في المعادلة التواصلية ليجعل (الشاعر يأتي قبل ).  فليس القارئ هو الموجه للشاعر وفارض قيمه عليه، بل الشاعر هو الموجه الأول والمباشر لتجربته والأدري بمخاضها. إنه مسؤول (كل المسؤولية عن عطاشه )، لكن هذه المسؤولية تتطلب وعيا جديدا متحررا (يحسن ) مواجهة المتلقي- الأغلبية، ويحسن فتح أبواب الكتابة الجديدة على أغوارها اللامتناهية، يقول أنسي الحاج: (وإذ يجتاز الشاعر عقبة العالم الميت، يفر من الأقناط غير أن أبواب الشعر الصافي، عالمه الجديد الذي عاد اليه، لا تنفتح أمامه ما لم يحسن مخاطبتها، أو هي، إذا انفتحت، لابد للشاعر أن يضيع في الداخل ما لم يكن يعرف عالمه وبلورته (6).

نلاحظ في هذه القولة إلحاحا على استحضار مرجع التجربة الداخلية للشاعر، ويبدو ذلك ردا غير مباشر على رافضي قصيدة النثر بدعوى نثريتها المفارفة للشعر، وفي كون الأخير نابعا من عمق التجربة والذات، وقد يكون هذا الرد هو الذي حمل الحاج على تقديم تعريف لقصيدة النثر، مبني على ثلاث مرجعيات، اثنتان منها متصلتان بمرجعية الذات، يقول عن هذه القصيدة: (إنها الإطار أو الخطوط العامة للأعمق والأساسي: موهبة الشاعر، تجربته الداخلية وموقفه من العالم والإنسان) (7).

وهو تعريف لا يختزل مفهوم جماعة مجلة (شعر ) لقصيدة النثر فحسب، بل للشعر الحديث عامة، مما يفيد أن الحاج حاول أن يجد لقصيدة النثر مكانها العادي والطبيعي ضمن المفهوم الجديد للشعر وللحداثة الشعرية في تلك الفترة.

إن التماهي بين قصيدة النثر وبين الشاعر، يصل عند الحاج لدرجة من التوحد يعادل فيها الشاعر بالقصيدة ومن خلالها بالعالم، يقول: (القصيدة، لا الشعر، هي الشاعر، القصيدة، لا الشعر، هي العالم الذي يسعى الشاعر بشعره إلى خلقه ).(8) وهذا الحكم يفيد أن إحسان الشاعر في مخاطبة أبواب الشعر، يتوقف على تمييزه بين الشعر في عمومه، وبين القصيدة في خصوصيتها، مما يحول موضوع (مسؤولية عطائه ) إلى نظام اللغة والبنية اللذين يحول الشاعر بواسطتهما الشعر إلى قصيدة.

لكن كيف يحسن الشاعر هذه المهمة وينجح في هذه المسؤولية؟ ها هنا يستحضر الحاج الإكراهات الخارجية ونظيرتها المترسبة في طرائق القول الشعري، حيث يمكن للشاعر- وهو يواجهها- أن يقع ضحيتها. لذلك ينبغي على منجز القصيدة الجديدة أن يرجعها (لتجربة الشاعر الداخلية ). ولكونها كذلك، ينبغي على الشاعر أيضا الا يعتد بكل (القوانين ) المفروضة التي من فرط شكليتها، قد (تعطل ) طاقاته في الإبداع: (وأخطر من ذلك كله، العقد والسنن حين تكون جاهزة وذات تراث طويل، أي ذات قوة أقدر على إيقاع الشاعر في حبائلها بما لها من إغراء (إغراء الراحة ) ومن سلطان (سلطان التراث  الطويل ). (9)

تفصح هذه الفقرة عن موقف صريح من التراث، فبحجة أنه يمثل (عقبة عالم ميت ) يلفه صاحبه في (أقماط ) ينبغي على الشاعر الأنسي رفضه نظريا وإبداعيا بخلق نص شعري مغاير، لا يستمد توافين مس ى من التجربة الداخلية للذات وهي تواجه لغتها وأعماقها وعالميها، الداخلي والخارجي.

ويجب وضع هذا الموقف (المتطرف ) في سياقه التاريخي الذي كانت فيه قصيدة النثر في طور التأسيس بوصفها منجزا لم تكن جذوره واضحة في التراث، وفضلا عن ذلك مثل التراث سيفا مشهرا من طرف التراثيين في وجه تلك القصيدة.

ولعل أنسي الحاج لم ينتبه، وهو في حماس هجومه، إلى أن قصيدة النثر يمكن أن تتسع لاستيعاب التراث، كما لم ينتبه إلى انه - حتى رغم تأكيده على ذاتية قوانين هذه القصيدة - استبدل (سلطان التراث الطويل ) العربي،(سلطان التراث الطويل ) لقصيدة النثر الأوروبية، حين عرض قوانينها وتبناها، وإن نعتها بالقوانين غير المطلقة.

موقف رفض التراث في الخطاب المقدماتي الأنسي ليس سوى جزء من جملة مواقف اعتبرها الحاج مهام على عاتق شاعر قصيدة النثر. وكلها مهاو متولدة من وضع النص الجديد ضمن نسق ثقافي جمعي غير مساعد وغير مهيأ لتقبل اضافات تحدث قطائع نظرية وإبداعية مع مرتكزات ذلك النسق في سكونه وتقوقعه.

وبديهي القول إن الشاعر الأنسي بعد الرفض، هو التغيير، والتغيير الأنسي ليس تغييرا يراهن على المدى الطويل ويشتغل على موضوعه في تأن. بخلاف ذلك، هذا التغيير سريع وفجائي، زاحف وصدامي. (الهدم والهدم والهدم، إثارة الفضيحة والغضب والحقد). هذا هو التغيير في لغة أنسي الحاج، الهدم والتدمير والتخريب، واجبات ومسؤوليات الشاعر الجديد إذا أراد زحزحة (الألف عام ) المتراكمة من (العبودية ): (أول الواجبات التدمير، الخلق الشعري الصافي سيتعطل أمره في هذا الجو العاصف، لكن لابد، حتى يستريح المتمرد إلى الخلق، لا يمكنه أن يقطن بركانا، سوف يضيع وقتا كثيرا، لكن التخريب حيوي ومقدس ).( 10) هل كان أنسي الحاج غير مهتم بقوانين التطور الأدبي، وهل غالى في تقدير المرحلة وطبيعة موازين القوى بين كتل المتلقين؟ قد وقفنا عند إقراره بكون متلقي قصيدة النثر (المتلقي الايجابي)، هو المتلق- الأقلية. وفي ضوء الدعوات الأنسية (الهدامة )، يمكننا القول بأن الحاج راهن على أن تغلب الفئة القليلة الفئة الكثيرة. لذلك دعا  شاعره للدخول في حالة استنفار هجومية قصوى، مستندا في دعوته إلى وعيه بكون التطور قانونا حتميا للظواهر والأشياء، وأن ثباتها على وضع بعينه، ضرب من التحجر والجمود، أما تبرير المحافظة والاستقرار، فضرب من التعصب والعنصرية والمذهبية الضيقة. لابد إذن من إشاعة بذور التطور في الوعي والتلقي السائدين وتفنيد الحجج والمزا عم التي يستندان اليها لتمرير خطابهما وتثبيته، والمعيار في حتمية التطور هو تغيير إحساس الإنسان، وحاجاته، فبتغيير الإحساسات والحاجات، تنشأ حتمية التغير في الأفكار والمفاهيم أيضا، يقول أنسي الحاج: (لكن التحديد الكلاسيكي للأشياء خاضع للتطور، وما يشتقا أو يبدعه التطور ويبقى حيا أي ملبيا لحاجات الإنسان، لا محض موجة تكسرها في أثرها موجة، يحتل مكانه إما بجانب المفاهيم السابقة وإما على

انقاضها).(11)

موضوعات هذا التصور عند صاحب (لن ) تشمل الذهنيات والمواقف من العالم وماهية الشعر في لغته ونظامه وإيقاعه، فقد ألح على المستوى الايقاعي بالذات، لارتكاز التلقي السائد على فهم معين له، لذلك أوكل الحاج لشاعره مهمة نسف الفهم التقليدي للموسيقى الشعرية مستعينا في ذلك بـ(قانونه) في التطور الحتمي.

يقول في هذا الموضوع، رابطا بين النص والشعر والقارئ: (موسيقى الوزن والقافية موسيقى خارجية، ثم إنها، مهما أمعنت في التعمق، تبقى متصفة بهذه الصفة: إنها قالب صالح لشاعر كان يصلح لها، وكان في عالم يناسبها وتناسبه، لقد ظلت هذه الموسيقى كما هي ولكن في عالم تغير، لإنسان تغير ولإحساس جديد، حتى في الزمان الذي كان زمانها، لم تكن موسيقى الوزن والقافية وحدها أهم ما يزلزل القارئ).(12)

ولكي ينهض الشاعر الأنسي بهذا الدور في إبداع نص مغاير، ولكي يحسن مخاطبة ما يسميه بأبواب الشعر مع فتحها، ينبغي له أن يحدد طبيعة الأرض التي ستحتوي فعل التغيير، نقصد قصيدة النثر في موقعها بين الشعر والنثر وفي ذاتها أيضا.

3- الشعر والنثر:

صاغ أنسي الحاج سؤاله الإشكالي كالتالي: (هل يمكن أن نخرج من النثر قصيدة؟) وكان ذلك السؤال هو أول جملة في المقدمة، ويمكن القول بأنه مولد الأفكار التي وردت بعده، فبعد متوالية من الأفكار والصفحات يعود أنسي الحاج ليطرح السؤال نفسه، إحساسا منه بأن ما عرضه بعد الطرح الأول للسؤال لم يحسم في الإجابة، فبه الطرح الثاني فقط، يطلق الحاج اجابته الصريحة: (أجل ).

هل كان سؤال أنسي الحاج مغلوطا؟ إنه كذلك في تقديرنا الأن، لأن الإشكال الأكثر انتاجية ليس في السؤال بـ(هل ) بل بـ(كيف )، (كيف نخرج من النثر قصيدة؟)، إن السؤال الثاني وان كان في تقديرنا أيضا لا يقل (مغلوطية ) إلا أنه أكثر توافقا مع الطموح لخلق قصيد&