|
إن آثار
فيتولد كومبروفيتش الأدبية
هي عمل في البحث عن في ذاتيته
، سيرة ذاتية ضخمة ، حيث الفن
والحياة في تواشج تام ، ففي
نهاية منفاه الأرجنتيني عاد كومبروفيتش
الى أوروبا . . والى الموت ،
وسؤال واحد كان يقلقه ، هل
اكتملت ؟ هل أصبحت عبدا
لكومبروفيتش ، عبدا لشكله؟
بالفعل ، كان كل موقفه من
الحياة هو أن ينتصر
على الانحسار، وأن يفلت من
الحدود، أن يتحد بالحقيقة
العارية . . ويبلغ من خلال
العمل الأدبي حقيقته
الذاتية ، أن يولد مرة ثانية
من آثاره الأدبية ، كانت
غايته من الإبداع كما يقول : "أن
يصبح العمل الأدبي "أنا" . ثم
سرعان ما يضيف "إنني اتخلق
من خلال العمل الأدبي ". بالاضافة
الى ما في آثاره من صدق عال ،
هناك نزوعه في اتجاه
المخاتلة »كما لا يمكن وصف
شخصيته إلا بأسلوب التضاد Antitheses
فكومبروفيتش ،
رجل الأجواء المعتدلة يقف
دائما بين قطبين في ذلك
المجال الذي يسميه هو نفسه
بين بين إن ذلك الـ"بين بين "
كما في وصية Testament له
اثره في وجوده كله ، وقد جعل
منه لا منتميا Outsider كنت
أجدني دائما "بين بين " لم
أكن منتميا الى أي شيء (Testament
p.14: ) تتمفصل حياة
كومبروفيتش في حركتين ؛ 1904 - 1939 (
بولونيا ، العائلة ،
الاساتذة ، الرفاق ،
البدايات الأدبية) . 1939-1963 (
المنفى، الأرجنتين ،
الثقافة الختلفة ، استعادة
الشباب ، الحرية، التحقق
ككاتب أوروبي) . ثم حركة
لاحقة ،1913 - 1919 : ( برلين ، باريس ،
فانس ، الموت ) ان كل شيء
مترابط في هذه السيرة ،
فبإنفصاله عن بولونيا وعن
العائلة ، عن وسطه
الاجتماعي وعن محيطه استعاد
كومبروفيتش في الأرجنتين
شبابه وحقيقته المتوحشة ،
هكذا تتعارض في الجالية
الكومبروفيتشية ، الاطروحة
البولونية ( الشكل المصطنع ،
التعالي، الكبرياء) مع
النقيض الاوجنتين (دونية
الشباب ، الصدق ، الهوان ) ان ذلك
التعارض ، أو تلك النظرة
التي اعادت الاعتبار لما لا
قيمة له كان من نتائجه اتخاذ
مسافة من الذات ، من "الشكل
البولوني" وبناء مفهوم
للانسانية جديد . لا تعني
القطيعة مع بولونيا ومع
الماضي تجاهلهما ، وانما
تعني التخلص من القوقعة ، من
قوقعة الشكل البولوني الذي
كان يحده، والسيطرة على ذلك
الشكل ، لقد استمد "شكله
النقيض " وعدم نضجه من اصوله
الاولي، مما كان مكتوما
وباطنيا فيه من قبل ، استمد
قوته من فسفه ، مما هو عار
وغريب وشنيع وشاذ، ابتدع
عالمه الخاص بالتساؤل حول
مرحلة تكوينه كله ؟ حول
السنوات الخمس والثلاثين من
حياته في بولونيا، تجعلنا
معجزة كومبروفيتش
الأرجنتينية نتذكر مغامرة
البطل العجيبة فرد يدورك Ferdydurke
الرواية التي كتبها ثلاث
سنوات قبل رحيله ,عن بولونيا،
إن بطر هذه الرواية وهو رجل
تجاوز الثلاثين ، يتحول الى
فتى في الخامسة عشرة من
العمر. "لقد بدا لي حينذاك
وأنا فيسن أكبر من الثلاثين
أن أهزأ واتقارد للغر سيئ
التربية الذي كنت من قبل ،
لكن وبالمثل كان هو يتقارد
لي بدوره ولأكثر من سبب . "وجدتني
في المنتصف من عمري في غابة
سوداء والأسوأ انها كانت
خضراء (...) كنت قد تجاوزت وادي
الثلاثين ".( 1) تشكلت في
بولونيا فلسفته (الفارديدوركيزمFerdydurkisme
) فمع فرديدورك
بدأ كومبروفيتش في النزول
الى أعماق الجحيم الى عالم "أناه
" البكر وغير المتكمل ثم
تجاوز وهو بالأرجنتين
الخلافات المتتالية "للدونية
المؤلهة " وعندما شعر بانه
تحرر من "شكله " ركب ترانس
اطلانتيك Atlantique Trwse عابرة المحيط وهي "سفينة
قرصانية تهرب حمولة ثقيلة
مز الديناميت ، لتفجير
الشعور القومي الذي لا يزال
مستشريا عندنا" وهي كذلك "مركب
اغاثة " يهرب فيها
كومبروفيتش المسيحي
البولوني، اسلوبه في تحطيم
قيود الرق ، "عدم الخنوع ،
اطلاق واباحة الجانب الأخر
من الحساسية التي تفرض على
الفرد الدفاع من نفسه امام
أمته مثلما أمام أي طغيان
جماعي. امتلاك الحرية تجاه
الشكل البولوني، الا تكتفي
بكونك بولونيا حتى مع كونك
بولونيا، ذلك هو التهريب
الايديولوجي لترانس
اطلانتيك ".(2) هذا
الكتاب هو حساب مع الماضي
وتطهير له ، وهو مع ذلك لا
يتنكر للماضي، ولكنه يتعمقا
"لينتشل ذلك الشيء الوحيد
الذي يمكن أن يعينه في أوانه
على صياغة أفضل للشكل
القائم "(3) إذ تظهر عائلته
وبدون انقطاع في كتاباته ،
كتناقضاته وعقده في شبابه ،
انه يخصب بالتجربة هو ابس
خياله المتسلط، لكنه إذا
كان يخلا مثل هنري في "الزواج".
بين أوهامه وعالم الواقع ،
فان تهويماته الساخرة تقوده
دائما الى وطن شبابه ، تظل
بولونيا بالنسبة اليه قلعة
للطفولة لكل أشكال الطفولة
ومكانا للعود الأبدي. ولد
فيتولد كومبروفيتش في 4 أوت
عام 1904 بمزرعة مالوزيتش 1904
مقاطعة لابيه كانت عائلته
تفخر بانتسابها الى اشراف
ليتوانيا، متألقة في عصبة
مغلقا، وتحتقر بكبرياء،
اشراف بولونيا ، فعندما
اضطر جده الى بيع أراضيه
بليتوانيا ليستقر في
بولونيا أمس بأن في ذلك
تنارلا منه ممن طبقته ، وخل
دائما يحتفظ بكراهية لمحيطة
الجديد.. بعد وفاته تخلى ابنه
، اب فيتولد، من الدراسة
وانهمك في ادارة ممتلكاته
بجاكوبوفيتش JakuboWce
ثم اشترى اقطاعا
أخر (مالوزيش) حيث استقربه
بعد زواجه من انطونيا
كوتكوفشكا - Antonia kotkowska وولد ابناؤه جميعهم ،
يا نوش Yariusz 1894 جيرزي
gerzy 1845 رينا
Rena 1899 فيتولد 1904 . كان والد
فيتولد صناعيا يدير مصنعا
للورق شيدا على أراضيه كما
كان يشرف على مؤسسات ضخمة
وقد سكن مع عائلته بين عامر 1905
و1911 ببودزيكوف Bodzechow
ناحية من نواحي بولونيا
كانت خاضعة للنظام القيصري،
فجرت اضطرابات ثورية ووطنية
بتلك المنطقة مما جعل يدن
كومبروفيتش الكاثوليكي
المؤمن والغريب عن الأفكار
الاشتراكية يتصرف كبولوني
مناضل ضد الاضطهاد القيصري،
فقبض عليه عام 1908 بتهمة
التحريض وحس ثم أطق سراحه
بكفالة بعد محاكمة طويلة
كان يمكن أن يصدر فيها حكم
بالأشغال الشاقة في سيبريا،
فصدر حكم بالسجن لعامين ،
بعد انهاء الحكم عام 1911، صفي
بيع ممتلكاته ببوزيكوف ولم
يبق سوى مالوزيتش،ثم استقر
بعائلته في فارصوفيا ، وهو
لم يطهر بعد من عقوبة السجن
في RADOM. هذه
المحاكمة وهذه الادانة
ذكرهما جيرزي أخ فيتولد
أدمن البديعي أننا نحن
الاطفال كنا نعيش تلك
الأحداث بتأثر شديد وكان
فيتولد وهو في الخامسة من
العمر يفهم ذلك جزئيا
ويتأثر به ".( 4) اضطر
فيتولد ، اذن عام 1911 الى مغادرة
الريف الذي كان إطارا
لطفولته .. وقد كان لقصر
بودزيكوف القديم المحفوف
بالبساتين والمليء بالأسرار
أثر عميق في حساسيته ، فبعد
أن ذكره وما فيه من ملامح
وأشباح في أول رواية له
مطولة ، المسحورون Les
envoutes- اتخذ
منه ديكورا لروايته
البورنوغرافيا Porriographic
كما كانت عائلته
لأمه التي تقيم في ناحية من
بودزيكوف ، يمده أفرادها
الكثيرون بنماذج لشخصياته
الروائية . كانت
عائلته لأبيه شديدة التفاخر
بنسبها وبصلاتها بالأسر
الملكية ، وتد تشبع فيتولد
بالتقاليد الليتوانية ، إذ
كانت أوراق الارشيف التي
أتى بها جده من ليتوانيا ،
محل قراءته الشغوفة ، وعند
بلوغه السادسة عشرة ، ألهمه
ذلك أول نص له ، "قصة عائلة "
وقد هل هذا النص مخطوطا لكن
كومبروفيتش هل يحتفظ طوال
حياته بحبه للجنيالوجيا Genealogie.
يفسر هذا كله ، وبلا ريب ،
ان انتماءه الى طبقة
اجتماعية هي بين
الأرسطوقراطية الراقية ،
وبين نبلاء الريف الصفار.
كان يمثل بالنسبة اليه وفي
فترة مبكرة إشكالا وشغلا
شاغلا. كان يحس وهو بفار
صوفيا ، بمشاعر النقص أمام
زملائه في الدراسة من أبناء
العائلات الارسطوقراطية
الراقية ، ويحتقر النبلاء
من ملاك الأراضي الذين كانت
عائلته على صلة بهم ، ولأن
الواقع لم يشبع رغباته راح
فيما بعد يزحم مسرحياته
بالملوك والأمراء
والبارونات لكنه وهو في
حالة من الاحباط ظل دائما
يستعرض فيها سمات من
الابتذال والبذاءة والهزل . في عائلة
كومبروفيتش يشارك الأطفال
ومنذ فعومتهم ، الكبار
حياتهم فيحضرون الاجتماعات
ويصفون الى المناقشات ،
وكانت علاقاتهم مع الاطفال
في مثل سنهم محدودة بأبناء
الجيران الأقربين فتيانا
وفتيات ، ولم يكن يسمح لهم
باللعب مع أبناء وبنات
الخدم او المستخدمين ، كان
فيتولد ، وبعد أن تعرف إلى
حياة الكبار يهتم بالمشكلات
الجادة ، وقد نمت فيه والدته
حبه للكتب ، وقد كانت هي
نفسها تحت تأثير الاتجاهات
التحررية للمرأة ، تتكلم
جيدا الفرنسية والألمانية
وتتمتع بعقل ثاقب ، وتؤجج
بحماسة المناقشات الفكرية ..
غير أنه سرعان ما كشفت روحا
النقدية عن "أكاذيب النفس "
عن الخداع والطابع الايهامي
لعالم الأمومة مما جعله على
نحو مطرد يأخذ بعكس كل ما
تقوله وما تفعله.. هكذا أخذ
ينحرف عنها، ينمو بفضلها
لكن ضدها.. كثيرا ما كان يقول
كومبروفيتش وهو يتحدث عنها
فيما بعد: "كانت تحبني كثيرا"
لكن لم يبدر عنه ابدا ما
يجعلنا نعتقد انه كان
يبادلها ذلك الشعور، اكتملت
تربية أمه له وكذا المربيات
الفرنسيات بفترات عدة من
الاقامة في الخارج لا سيما
بالمانيا والنمسا، وهو ما
جعله يحتفظ بحبه للأسفار،
يسجل أخوه قائلا: "أذكر أيام
اقامتنا سويا عام 1910براينش
هول – Reinch
Hall- فهنا كذلك ، كان
يتحاشى زحمة مجتمع الاطفال
مفضلا البقاء بين الكبار
يسألهم عن موضوعات شتى ذات
علاقة ببلد الزيارة .. ربما
وبعد هذه المناسبات ،
استيقظ فيا حبه لروايات
الرحلات ، فقد كان وهو في
الثانوية يفضل قراءة مؤلفات
كاول ماي Karl may
عند وصوله الى فار صوفيا
أخذ كومبروفيتش يتابع درسا
خصوصيا كانت تعده السيدة
بالينشكا Balinska لابنها
كازيمييرز وقريبها اتنوس Antos
(ابن أخيها أو أختها)
وفيتولد. كانت عائلة
بالينسكي من العائلات
الصديقة لوالديه ، وكان
بيتهم مركزا من أهم المراكز
بفارصوفيا وكان فيتولد يكثر
من التردد عليهم ، موثقا صد
اقته بكازيمييرز أحد
أبنائهم .غير ان صلاته
الأولى بأبناء ارستقراطيي
فار صوفيا كانت مؤلمة ، لقد
أحس برعوتنه فقاده شعوره
بالاختلاف الى ان يبتعد عن
اسرته ومحيطا والمدرسة وفي
النهاية من نفسه . ولأنه كان
يعتقد أن أدأب السلوك ستحقق
له كثيرا مما يرغب فيا، فانه
أخذ يهتم على الدوام بأشكال
السلوك الاجتماعي، كان يحسد
الأرسطوقراطيين على تلك
السهولة التي يفرضون بها
أنفسهم على الأخوين ، على
أدبهم المرح الذي يبدو كأنه
فطري، وفكرهم الذي ينبغي له
من حيث الجوهر السيطرة على
كل شيء. كان يحسر أثناء
تعامله مع الكبار بأن عيوبه
التي كان يتوهمها في الغالب
، تجعله مشلولا، فزاده ذلك
خجلا وارتباكا، وهو ما يؤكد
بعض السمات في طباعه ،خجل
ظاهري محكوم بثقة من الداخل
ولأنه كان واعيا بتفوق بعض
الأشخاص الكبار من حوله ،
كان يتحاشى الكلام معهم ،
خوفا من أن يكون مثارا
للسخرية . عقد
فيتولد، خفية هن والديه ،
صلات حميمة بامتياز مع
الخدم وصغار الاطفال ، كان
يتحدث اليهم تلقائيا، ناقلا
لهم ، أراءه ومعارفه
الأدبية . وهكذا بدأت
مغازلته للدونية (ln
feriorite”( فخلال
ايام عطلته بالريف اكتشف
العالم الذي ظل محظورا عليا
حتى ذك الحين .. عالم أطفال
المزرعة وأبناء الخدم الذين
كانوا يمثلون له جمالا بكرا
وطبيعيا، أصبحت الدونية هي-
عالمه المثالي- وقد كشفت له
غرفة الخدمة والمطبخ
والاصطبل عن حقيقة عائلاته
، أولا، ثم حقيقة طبقته
الاجتماعية فيما بعد. ففي
القسم الرابع من فرد يدورك
قرينه (DOPPELGANGER) يعي
ميانتوس Mientus النظام
"فحسب هذا النظام تكون يد
المربي في مستوى وجه الخادم
بينما تصل رجل السيد في
مستوى النصف من جسم الفلاح (...)
كان ذلك هو القاعدة الأبدية
"القانون والنظام ".(6) باكتشافه
لتك التراتبية التي لم تكن
منسجمة مع قوي الموازين
الحقيقية ، فهم فيتولد خبث
الفطام الذي كانت تعيش في
ظله عائلته ، فتحت شخصية
العم وشخصية العمة في
فرديدورك يختفي أبواه . "كانت
ناقة نعش النبلاء وهي تنقل
عمي متغلغلة عميقا صوب
العامة ، تمتص رحيقها من
هؤلاء الدهماء، كان عمي
وعمتي يعرفان ما يقال عنهما
في غرفة الخدم ، وكيف كانت
تنظر اليهما جاحظا، عيون
أولئك الريفيين ، كانا
يعرفان ذلك ولكنهما لم
يسمحا لتلك المعرفة بالذيوع
، كانا يكبتانها ويكتمانها
ويدفعان بها الى دهاليز
العقل الكاهية ".(7) لقد أثر
الاطلاع على تلك الحقيقة في
سلوك فيتولد، فزاد على
كبريائه الموروثة رغبته في
ان يركع أمام ذلك المزارع
الفظ .. فيعطي الشعور
بالدونية توازنا للشعور
بالتعالي، وبالمثل على
الرجل البالغ الاعتراف بانه
"لصيق الطفل ". فحتى يتحقق .
الصدق يضاعف الشعور بالنضج
بمشاعر عدم النضج ، مشاعر
الفتوة والجمال ، ولقد
انتهى كومبروفيتش الى تلك
الفلسفة عن طريق
الباثولوجيا Pathologie
، باثولوجيا حامت به ، كما
لاحظ ذلك برونوشولتر. BRUNO
SCHLZ أحد
أصدقائه في نص له نشره عام 1938
بعد صدور فرديدورك . كم خرافة
ينبغي عليه قبل أن تتحقق
غايته تلك أن ينسف من
الخرافات وكم ملكا عليا أن
يطيح به من الملوك؟ بدأ أولا
بالهجوم على قاعدة النظام ،
بالهجوم علي عائلته ، ينبغي
القضاء علي نظام الاسرة
الاستبدادي وعلى السلة
الأبوية ، تنحية "الملكة
المتسلطة " وشخص "المك "
الموقر، بعيد المنال . وقد جعلته
عزلته في محيط الاسرة ،
وبعده عن الأخوين ،
واشعارهم له بالدونية
يستشعر سهولة المهمة ، على
الرغم من ذلك فان تحفظا لم
يشجع المقربين منه على
التعاطف معه : "لم نكن نعرف
عنه شيئا، كان يكتب خلسة "
فيما يقولا أخوه .(8) فلا غرابة
، إذن ، أن يتكرر وباطراد ،
ظهور امه وأبيه في مؤلفاته .
وان كان هذه المؤلفات
تستروح مناخا شبه فرويدي،
وقد جعلته ثورته على أمه
ينبذ العادات والاعراف
وأكذوبة الشكل ، فرفض تسلط
الأب والمجتمع القمعي يسمم
بمظاهرة الابن والقضاء على
كل أشكال التسلط . فقد انبثق
فن كومبروفيتش من تعارض حاد
مع كل ما كانت تمثله له أمه من
واقع مزيف ، وانصياع
للاعراف ومن مبادئ وأفكار
جاهزة ومن عادات ومشاعر
مصطنعة ، وهو يستعيد في
مشاهد من ذلك الفن حالات
كانت لطفولته من قبل . لقد تعرض
فتولد الطفل الأصفر، الخجول
والحساس ، أكثر من اخرته
الأخوين تجارب أمه في
التربية . فقد قضت عليه
بالمحو، والتشويه ، بأن
اذابته في العائلة : "انها جد
طيبة وودود ، طيبة حقيقية ،
كنت أذوب في طيبتها (...) كنت
دائما بالنسبة لها في سن
العامين ، ومع ذلك هل كنت
موجودا في نظرها لا، لم أكن
أنا الموجود وانما هو شعر
الخال إيدي = EDDY
وأنف أبي، وعينا أمي،
وذقن بيفتشنشكي= pifezynski
أجزاء من جسد العائلة "(9) ولأن
الاعتراض المباشر مستحيل ،
اضطر الى العثور على
أساليبه الخاصة في المواجهة
، والتي تقتضي منه أن يتظاهر
بالإنصياع مع مخالفة ذلك في
واقع الأمر، او باختصار ، أن
يقلب الشكل المفروض عليه ،
وهكذا أصيب ذلك شيئا فشيئا
أسلوبا خاصا به ، وصنيعه في
التصرف Modusoperand في
الحياة ، كما في الأدب . كان لأمه
أكثر من وجه أدبي في أعماله ؟
فهي مارجريت Marguerite
في ديفون أميرة
بورجوني، امرأة عاطفية ،
فظيعة جبانة ومتعالية ، وهي
كاترين Cathrine في
الزواج ، زوجة الملك الذي
حكم عليه ابنه بالقتل ، وهي
ايمليا ELIE AM في
البورنوغرافيا ولينا LENA
في كوسموس وهي في روايات
أوبريت Oprette
المتواترة : الأم
وامبراطورة روسيا، كتب
كومبروفيتش في مخطط المشهد
الأول : "الأم (هروب من الحياة /
التخيل ، لا تطاق )= نفور= استاذ
الاستاطيقا والجمال ،
امبراطورة روسيا (الابن) =
طبيب الاعفاء، (قاتل الأم )= Matricide
(10). كان طوال
يومه في صحبة أمه وإخوته لا
مع ابيه ، كان الأب بالنسبة
لفيتولد الطفل نائيا
وسماويا، ومن ثم استبد به
جيرزي عن قرب ، والأب عن بعد "كما
كتب كينسكي في سيرته من
كومبروفيتش "(اا) ظل فيتولد
لفترة طويلة ينظر اليه ابوه
واخرته علي أنه فتى غر، وقد
تواطأوا على ابعاده فيما
بقي جيرزي ابن العائلة
المدلل ، كان جيرزي النبيه
والمرهف يستفزه على الدوام
ويتذمر عليه في كل مناسبة ،
فأخذ فيتولد في محاكاة أخيه
وقد أعجب با وبتفوقابين
الكبار محاولا أن يكون مثله
، وزاد الى اعجابه بأبيه
اعجابا أخر بأخيه ، غير انه
كلما زاد اعجابه أكثر شعر
أكثر بالصغار والنقص ، لا
سيما تجاه أبيه الذي بهره
هدوؤه وتميزه ، وقد منحه
التقدير الذي كان يحظر به ،
ومركزه الاجتماعي هيبة ،
كان يشعر تجاهه بالاحترام ،
والرهبة والتوق ، كما كان
يشعر كذلك بالغيرة والنفور،
وهو وان كان يصفه بالوسيم ،
عظيم القامة والاصيل ، إلا
انه كان هو نفسه ينفر من رؤية
ظله ، ان ما كان ينقصه هو ما
أعجبه من تلقائية ومظهر
رجولي في أبيه . كان يشتكي من "عيبين
" فيه كانا يعرضانه باستمرار
لسخرية رفاقه منه ؟ سحنته
الانثوية ، وخجله ، وهو
سيثور، فيما بعد عي كل مشاعر
النقص فاضحا كل ما كان يتحكم
فيه ويعوقا، وساخرا منه ، ان
تحول موقفا من أبيه هو أشبه
برقية ، فقد شفي من ذلك
الاعجاب في (قصة )، "راقص
المعلم كرايكوفسكي".. وسيقف
الأب في فرديدورك في مواجها
مع الأبن فيتعرض شعوره
بالتعالي ، وأناقته ، ولطفه
كسيد للاستهزاء، "فهذا
الثري الكبير الذي كان على
معرفة بالحياة ، ظل وبسذاجة
عاجزا أمام سذاجتي، والغريب
انه على الرغم من معرفته
بالعالم وخبرته به ،لم يفكر
لحظة في انني كنت استطيع ان
أتحالف مع ميانتوس Tintin
وتينتين Mientus ضده
، لقد كان له صدق المجتمع
الفاضل الذي ( يتخيل خيانة في
عقر داره " (12) ففي ايفون أميرة
بورغوني يصل هدم السلطة
الأبوية والنظام القائم الى
أبعد الحدود، اذ تنتهي كل
أشكال البروتوكول ، تنتضح
الملكة ، ويظهر المك مبتذلا
ببلاهة واضحة ، بينما يشترك
الأبن في قتل جماعي ثم وفي
نهاية المشهد يقضي نحبا في
طقس جنائزي تحت ضق العائلة .
وفي الزواج يخلع المك
نهائيا ويعدم ، وسيهاجم
كومبروفيتش في هذه المرة كل
رمزية الأب ، الإله ، المك .
ويلتقي في هذه الدراما كل من
فرويد وشكسبير، "أي إله ؟ أب
أي أب ؟ لقد اصطنعتهما أنا
نفسي (...) فأمام من سأركع ؟. لم لا
أركع أمام نفسيا فأنا منبع
شريعتي الوحيد(3ا). إن لهذه
الدراما صلة باكتشاف فيتولد
الشاب لخداع الأب ، يسلب
الابن السلطة التي أسندها
اليه الأب ، غير أنه لم يكن
على علم ببقايا التضليل ، اذ
لم يكن للأب أية سلطة فهو لم
يكن يحكم إلا بفضل اتفاق
عرفي، فيحاول الابن أن يحل
محله باستحواذه على الحكم
واعطائه نفسه حق رباط
الزواج ، لكنه وبتحطيمه
للسلطة جاء بسطة أخرى،
فتفشل محاولة التحرر، فهو
قد استهزأ بالقيم التي
لقنها له الأب لكنه عاجز عز
استبدالها بأخرى ، ان صراعه
مع الأب صراع خاسر مسبقا ذلك
أن محاولة استبدال شكل بال
بنظام جديد من العلاقات
الانسانية سينتهي حتما الى
خيبة Fiasco وهكذا
تستمر حرب كومبروفيتش مع
الأب مدى الحياة . ان ثبوت
الابوة هو كذلك من الظواهر
البارزة في كوسموس ، حيث
نعثر فيها، وكما في الزواج
على بنية أوديبية ، اذ تمتك
شخصية لوميان Lucien
أكثر من سمة
واحدة من سمات أب
كومبورفيتش(4ا) وهي تطعنا
كذلك على أيروسيته ، على
الكيفية التي بها تشكلت
أذواقه أثناء الطفولة
والشباب ، ان ليون Leon
هو في الأن
نفسه قرين فيتولد وذاكرته ،
ذاكرة ارتباطاته بالأخوين ،
ذاكرة الاعتداءات التي كان
ضحيتها وتلك التي اقترفها،
فمن خلال القداس الشيطاني
الذي أقامه قرينه يعيد
فيتولد اكتشاف جانب الخزي
في حياته ، حبه للعاملات في
المطبخ والمربيات ، لا سيما
مغامرة له منذ سبعة وعشرين
عاما مع بغي كانت محببة اليه
، يشير كومبروفيتش في
الطبعة البولونية لكوسموس ،
بين قوسين ، لثلاثه وعشرين
عاما، الى جانب سبعة وعشرين
وهو ما يحيلنا الى تاريخين
وحدثين ذكرهما في السيرة
التي كتبها "لليرن" (Lherne):
علاقة حب عابرة مع عاملة
المطبخ، علاقات مع الخادم "(15)
وفي 1941: "تجارب جنسية مثلية مع
فتية صغار من أهالي
بوينس أيرس "(16) وبالتقابل
الدائم بين لينا Lena والخادم
كاثريت Catherette ،
بين جمال ونضارة هذه ، رقبه
وبلاهة تلك ، تستعيد كوسموس
ذكريات بعيدة ، إذ كلتا
المرأتين اجتذبته اليها، "إن
ما في شفتيها وما في قوامها
من تشوه ، مع خيبتي هناك بفار
صوفيا حيث نبذتني عائلتي،
جعلني اتقرب قليلا، وبلا
حماسة من قذارتها هي (17)، هكذا
يفسر الراوي رغبته في
كاثريت . "ربما كان
هنالك شيء ما يعود الى مرحلة
الطفولة ، منذ ان استيقظت
فيه أشواقه الاولي، منذ أن
كان في السابعة أو الثامنة
من العمر، (...) يكون قد رأى ما
أثاره ساقان أو ما هو اكثر
فتنة .. ثم لخل يتذكره
باستمرار " كما يذكر ذلك ،
كبينسكي صديق طفولته (18) ذلك ،
اننا نعلم ما لرؤية الساقين (ساقي
طالبة في الثانوية أو مربية ...)
من أهمية في أعماله كذلك
يعود ميله الى الخدم ، والذي
تكشف عنه قصة "على درج مصلحة
العمل " الى أصول قديمة .. "لم
يزاولني هذا الشعور منذ
الطفولة ، منذ تلك السنوات :
حيث الانفاس المتقطعة ،
والقلب الخفاق ، كنت أتأمل
الخادمة وهي تخدم على مائدة
الطعام ، وهي تنظف أرضية
البيت ، وهي تحمل فطور
المباد (...) كنت اختلس اليها
النظرات في تلهف وخوف ".(19) يشتد هذا
الميل أكثر، فيما بعد، خلال
المراهقة والشباب ، لقد
خابت تجاربه في الحب مع
فتيات صغيرات من طبقته ،
طبقة ملاك الأراضي مخلفة له
شعورا بالاحباط ، بينما كان
يستمتع حقا بمعاشرته
للأوساط الوضيعة بفار صوفيا.
كان بتمجيده لتجارب الحب في
المطبخ يفضه اللياقة
الأدبية الكاذبة في الصالون
. وهو عندما يقول في وصية Testament
"كنت عاجزا عن
الحب" فان ذلك يعني أكثر من
مجرد خيبة قاسية ؟ يعني رفضه
للخداع . ان ما كان يصده عز
الزواج هو المظهر "النفعي"
الذي لم ينجح المجتمع
الفاضل ان يخفيه في خطابه عن
الحب : "أرادت عائلته أن
تزوجه في وقت ما من الأوقات ،
فاختار له والده فتاة ، هي
زوجة لائقة من حيث النسب
والمال ، وأثناء الحفل
العائلي لمباركة ذلك الزواج
لم يكتف فيتولد بعدم القرار
به وحسب ، فهو لم يكن راضيا عن
تلك الجهود في تنظيم حياته
العاطفية والمادية ، بل انه
ظل جافيا وغير مبال تاركا
مهمة الاهتمام بالفتاة
لأبيه . بعد يوم من الخطبة
الفاشلة صرح لأصدقائه قائلا:
"ما حاجتي لامرأة ؟ لقد راقت
هذه لوالدي، فاراد لي
الزواج منها لانه لا يستطيع
هو ذلك " ويضيف كبنسكي "لم
يكن يحتمل أن. يكون زوجها(...)
فهو لم يكن او لا يحسن تمثيل
دور الزوج المثابر،
والملتزم ، والحساس ،
والمكد. لم يكن له أن يتخيل
نفسه أبا لا هم له سوى خلق
ظروف مواتية لحياة زوجته
وأطفاله (...) كان ذلك بالنسبة
اليه بمثابة الموت "( 20) وعلى
العكس من ذلك ، فان عالم
الأوساط الوضيعة الذي كانت
تدفعه اليه ايروسيته كان
يبدو له حياة زاخرة بامتلاء
ومجردة من كل أشكال الوعي
المفروض . وقد رسخت حين ذاك أو
اثرت في أفكار وسلوك الشاب
كومبروفيتش قراءته لبور
تريه دوريان جراي Portrait
de dorian gray لاوسكار
وايلد Oscar wilde ما
يمكننا كذلك ان نرى في
أعماله مصدرا مهما لمذهبه
في تقديس الشباب والجمال ،
ومفهومه من الايروسية ،
وموضوع القرين Theime du
double. يجمع كومبروفيتش
دائما بين الحب والحرب ، فهو
يقول في "مذكرات سطيفان
شارنيشكي" "الحب ... انني أرى
القرابة السرية بينه وبين
الحرب (21) وفي البورنوغرافيا
يؤجج مناخ الحرب العنيف
العلاقات الشبقية بين كارول
Karol وهينيا Henia
استعر شبقهما
المبكر ممتلئا كله بالغريزة
وبما هو ليلي، في نطاق مغلق
من الاثارة والرقبة ، بما
يشبه دائرة سحرية ، ربما مع
رغبة ومن خلال الليل في
تهييج السهار الأخر الذي
كان يجوس خلال الحقول في
الخارج ، وبقدر ما كانا
متعطشين للعنف "(22) تتضح هذه
النصوص بالذكريات التي كتب
عنها في وصية أدان شعوري
الجنسي المبكر الذي غذته
الحرب والعنف وأغاني الجند
والارهاق جعلني أسيرا لهذه
الأجساد القذرة المكدودة ". بالفعل
فقد تأثر فيتولد المراهق
تأثرا عميقا بالحرب
العالمية الأولى وبأحداث 1920
فيما بعد، أثناء غزو الجيش
البلشفي لبولونيا واقتحامه
لفار صوفيا. كان فيتولد واخرته عند قيام الحرب عام 1914 في عطلة بمالوزيتش ، فاضطرت العائلة الى البقاء عا |