ادوارد سعيد: السيرة الذاتية والسياسية 
اخفاق في تمثيل الهوية أم ماذا؟

سمير اليوسف (كاتب من فلسطين يقيم في لندن)


التطلع الى بلوغ المرتبة التي بلغها ادوارد سعيد، نازع، في حسبي، لا يقاوم بالنسبة للعديد من الكتاب العرب، وخاصة الفلسطينيين ممن حالهم حال كاتب هذه السطور.

فلقد ظفر الرجل باعتراف دولي لم يسبق ان ظفر به كاتب فلسطيني أو عربي، وهو الى كونه استاذ أدب ناجحا في احدى كبريات الجامعات في امريكا. فان أوسع أعماله تداولا لهي تلك التي تخرج عن مضمار تخصصه، والتي هي حصيلة ما يسميه بجهد ((الهاوى)) غير المقيد الى اجراءات مؤسسية او نظم راسخة، بل المناوئ لمثل هذه النظم وتلك الاجراءات. هو أيضا الناقد الأدبي المدهش في افلاحه، في زمن شيوع النظريات الأدبية، وابتكار ضروب قراءة لا تعزل النص الأدبي عن عالمه (بالمعنى السعيدي للعبارة)،(1) ولا تلحقه من ثم بالتمارين التطبيقية المثقلة بعبء المنهجية، الى ذلك فإنه المنظر العلماني الذي نادرا ما يخالط علمانيته جنوح غير عقلاني أو خرافي، الرائد الجدالي لما يسمى بدراسات ((ما بعد الكولونيالية)) وضمن هذا الاطار مؤلف ((الاستشراق)) و((الثقافة والامبريالية)). مما نال من أعماله احتفاء استثنائيا وأثار جدلا لم ينقطع بعد، هو أيضا المثقف الملتزم الذي طوال ثلاثة عقود، وفي مدينة مثل مدينة نيويورك، حيث يعمل ويقيم، وحيث الى عهد قريب كان انتقاد اسرائيل والتكلم لصالح الفلسطينيين يحمل على كونه عداء صريحا للسامية (وهو من اقذع التهم، وان لم يكن كذلك في بلاد العرب ومحاباة للارهاب، لم يبرح ناطقا شجاعا في سبيل حق الفلسطينيين بتمثيل أنفسهم وتقرير مصيرهم.(2)

لا عجب، اذن، ان الناس ممن تحط بهم اقدارهم حيث يوسمون بكونهم لاجئين ومنفيين، ومقبولين على مضض، وفي أحسن تقدير مدعاة لاثارة الرأفة، ان يتطلعوا الى سعيد كمثال وسبيل للخلاص مما يوصمون به كـ((آخرين)) من الهامشية وضآلة الشأن بما يبرر اسقاطهم من الحسبان.

بيد ان سعيدا كلما اقترب منا، تراءى لناظرينا خلافا لصورة المثال التي نصبو اليها، ففرادة سعيد كمثقف فلسطيني افلح في التغلب على الهامشية لا تصدر عن احتضانه هوية واحدة من الهويات المتعددة التي تنطبق عليه، ولا من خلال الجمع بين هذه الهويات على وجه منفصل، واستخدام الواحدة منها أو الاخرى، تاليا، تبعا لما ينتضيه المقام، وانما من خلال احتضانها جميعها بما ينجم عن ولادة هوية متعددة الابعاد، كذا فإنه لمن المثير لخيبة قارئ كتاب له، أو حتى مراجعة كتاب، صدور ما يقرأه عن منظور واحد بعينه، قل منظور الاكاديمي أو منظور الناقد الأدبي أو المثقف الملتزم التزاما سياسيا، ذلك أن سلطة سعيد انما تبلغ مقصدها من خلال فلاحه في الاعراب من ارادة تكرس هوية متعددة الأبعاد لمثقف كوني، لا يعدم في الآن نفسه، صلة وثيقة بما هو محلي وشخصي تاريخيا.

لكن، ولسوء الحظ، فان في كتابات سعيد السياسية، لا سيما تلك التي أقبل على تدبيجها بهمة لا تعرف الكلل في غضون الأعوام القليلة الماضية، ما يدل على اخفاق في تمثيل هذه الهوية مستجيبا لهوى هوية أحادية بما ينجلي عن صورة مثقف محلي ينتمي الى عالم واحد دون العوالم الأخرى التـي لها عليه فضل وحق. فإذا ما قرأنا الكتابات المشار اليها في ضوء مذكراته الصادرة حديثا (3) تبين بأنه أقرب الى القومي الفلسطيني منه الى المثقف الكوني ( 4) ذي السلطة الموثوق بها.

ولا ريب في أن ربط ((في غير محله))، وهذا عنوان المذكرات، بالكتابات السياسية المعنية سيبدو بمثابة ذريعة لسرق محاججة ضد أشد آرائه مدعاة للجدل، غير أن من يوافق بأن كتابات سعيد عموما لهي مصب أكثر من رافد فكري واهتمام، لن يخفق في تبين وثوق صلة هذا الكتاب بجل أعماله، لاسيما السياسية منها، ان من خلال المنهجية التي يتبعها، أو من خلال منظور الغرض السياسي الذي ترمي الى بلوغه.

((ادوارد)) كمشروع

((في غير محلة)) وكما يمكن للمرء أن يتوقع من كاتب بكفاءة ادوارد معيد، ليس محض إخبار لمجمل الحوادث المكونة لطفولة المؤلف ويفاعته، ولا شك بأن سعيدا يروي، وغالبا ما يروي بقسط وافر من التفاعيل، معظم الحوادث التي شكلت وجدان حياته الباكرة، غير أن السرد، الذي يتوسله ليس بذلك السرد الخيطي البسيط الذي ينحو إلى انشاء ما هو معهود من أمر إنشاء استعادة الماضي، وانما هو سرد التقصي أو التحري الذي نادرا ما تمر شخصية من بين خيوط شبكته، أو حادثة من دون أن تخضع لفحص وتحليل، أو يصارعن خلالها الى استنباط تناقضات ومفارقات مثيرة للحيرة في سياق تقصي أصل ذلك الاحساس بأنه في غير محله.

((في غير محله)) يقول ادوارد سعيد، هو ((سجل لعالم منسي بالأساس أو مفقود))، غير اننا سرعان ما نتبين بأن الدلالة الغنية لهذا السجل لا تصدر عن ادعاء الوقوف على أحداث سياسية بالغة الشأن، ولا على غرضه تزويدنا بصورة حية لما كان عليه العالم المنسى ذاك، ولكن ما أتيح لسعيد معرفته، وهو على ما تشي به المذكرات، خاصة النصف الأول منها، النذر اليسير مما كان يجري، ذلك ان سعيدا كان محروما من اكتشاف العالم لنفسه، ان في بعده الخاص أو العام.

مصانا في بيت في القاهرة آمنا ماديا واجتماعيا، كان سعيد معفى من معاناة، بل مشهود، ما كان يتعرض له جل الفلسطينيين من أبناء جيله في ذلك الوقت، ولا غرابة اذن، انه ابان الأحداث الكارثية لعام 1948، وحينما اقتلع آلاف الاطفال الفلسطينيين من ميدان طفولتهم، وجروا بصحبة ذويهم ممن ارغموا على الفرار طلبا لملجأ في البلدان المجاورة، لم يسمع سعيد الا صدى المحنة الفلسطينية.

فما عدا رؤية طابور اللاجئين الذين كانوا يترددون في ذلك الوقت على شقة عمته نبيهة في القاهرة - وعمته نفسا كانت قد أضحت لاجئة، غير انها عقدت العزم علي تقديم كل ما في وسعها في سبيل غوث اللاجئين الذين تمكنوا من الفرار الى مصر- فما عدا ذلك. فإن ما أخبر به لم يزد كثيرا على اشارات عابرة، وأحسب أن ادوارد يحس بالذنب تجده ذلك، غير انني لا أجد في الأمر ما يستدعي إحساسا كهذا.

((لقد فقدنا كل شيء.. فلسطين)) كان قصارى ما أفضى به وديع سعيد ((والده المؤلف)) الى ابنه المستطلع جلية الامر، وهذا والحق يقال، ليس بالشيء الكثير، غيران صدوره عن رجل كتوم كتمانا مثيرا للفضول، فضلا عن افتخاره بكونه مواطنا امريكيا، ما يفصح بما كان يخدع وديع من مشاعر شاء أن يبقيها سرا عن ابنه.

ان سجل سعيد، بمعنى عميق وذي دلالة هامة، لهو محاولة لاستجلاء سر الحيلولة دونه ومعرفة ما كان مهيأ لفهمه فهما تاما، أما جلاء هذا السر فهو ما يحرص الكاب على افتراضه منذ البداية: ان ((ادوارد) كما يحيلنا الى نفسه من خلال ضمير الغائب، كان مشروعا يتوجب ادارته ادارة اخلاقية وبدنية، ((كان والداي)) يقول سعيد، ((في قلب الجهاز الاداري الذي كان يقرر وقتي دقيقة اثر دقيقة. ولم يكن هذا الجهاز يبيع لي سوى الدقائق الأقل من الارتياح يمكنني أن أخلد اليها وأحس بأنني كنت متحررا من براثنه)).

وعلى المنوال نفسه انبرى له معلموه في مدارس أجنبية (بريطانية وأمريكية) ذائعة الصيت بنظمها المتصلبة وسبل تعليم لا تعرف الهوادة أو اللين. ولعل ما زاد من اعتبار((ادوارد)) بمثابة مشروع بدني وأخلاقي، انه نادرا ما أظهر استعدادا للامتثال والطاعة، فلم يكن عنده حس بذاته، فضلا على افتقاره الى المقدرة على الاستنساخ الاوتوماتيكي لما كان يتوجب عليه استنساخه بما دعا احدى مدرساته في ((مدرسة القاهرة للأطفال الامريكيين)) مرة الى مخاطبته قائلة: ((انني لم ار أحدا كذا غير قادر على التركيز، عديم الاعتبار مهملا وسايطا)). وفي مرة ثانية انقض عليا أحد المدرسين في ((كلية فيكتوريا))، وكاد أن يطرده من المدرسة لولا شفعة ذكائه الذي ما كان في وسع ادارة المدرسة إلا الاقرار به.

وما لا يمكن للمرء أن يخفق في استخلاصه، هو أن المؤلف يرى الى مشروع ادارة ((ادوارد)) كبيان خطاب مهيمن يصار فيه الى تطبيق سبل المراقبة والقسر، ولا يختلف كثيرا عن ذلك النمط من الخطب التي لم يأل سعيد في حياته الفكرية جهدا في الكشف عنها وانتقادها، وفحوى قوله انه لم يكن يعامل على الوجه الذي عومل به لكي يقوم بأفضل ما في وسعه، على ما برح والده يحثه، وانما لكي يصير الموضوع عديم القوة لذلك الخطاب، اذ انه حتى حينما كان يظهر نبوغا في الدراسة، فانه نادرا ما كان يكافأ على الوجه الذي يستحق.

يخبرنا سعيد بأنه ولوقت طويل لم يكن قادرا على فهم سر هذه المعاملة الى ان أيقن بأن ذلك من خواص سلطة هدفها الرئيسي أن تصيرك كما تريدك أن تكون. ((بمرور الأيام)) يقول سعيد ((شرعت في كفاح حياة مديد، وحاولت ان أميط اللثام عن نزوية وادعاء سلطة تستند استنادا مطلقا على صورتها الذاتية الايديولوجية كوكيل أخلاقي يعمل بنوايا حسنة وبمقاصد لا يرقى الشك الى نزاهتها)).

الشخصي والسياسي

ثمة لا حياة خاصة مستقلة عن السياسة عند فرد ينتمي الى أمة او جماعة تحسب بأن وجودها نفسه مهدد بثكل متواصل، وان هويتها منكرة أو مدانة كدلالة ظاهرة دونية وخطيرة فحيث تنعدم أبسط الضمانات التي تكفل بقاء المرء حيث يقيم، أو أنها تكفل بقاءه أصلا، فان حياة الفرد لتبدو أقرب الى مشروع مؤقت معلق المصير، ويكاد الا يكون هناك شيء من حياته الخاصة مما يمكن اخباره من دون أن يكون وثيق الصلة بهذه الحقيقة الحاسمة، أكثر فأكثر يوقن الشخص ممن عنده خبرة كهذه كم من السير أن يتكلم عن حياته من دون أن يلامس ما هو سياسي. بل أن محض الاجابة على سؤال ((من أين أنت؟)) مما يمكن أن سأل المرء من قبل شخص غريب في لقاء عابر، ليتطلب جهدا مضنيا في سبيل استجلائه جلاء وافيا.

ومثل هذا الأمر نستشفه من قصة ادوارد سعيد، فحيث أن الكاتب عضو في جماعة كهذه، فان سيرته الذاتية ليست بأقل مثال على صعوبة فصل الشخصي عن السياسي. من الصحيح أن الحوادث السياسية لم تكن ذات أثر عظيم في حياة الكاتب الباكرة، وخلافا لما كان الأمر عليه بالنسبة لغالبية الفلسطينيين، غير أن الاحساس بنه في غير محله حيثما حدث أن كان، لهو احساس أصلي يشاطر الفلسطينيين فيه وعموم من ابتلوا ببلاء المرحلين، وفي حين أن جل المرحلين يعون، أو غالبا ما يعون، مصدر هذا الاحساس، فانه لم يكن لدى ادوارد سعيد جواب شاف، والمشكلة ان سؤال الهوية في حالة شخص مثل ادوارد سعيد أمر لا يمكن البت به بالبساطة التي يمكن أن يبت بها في حالة غيره من الناس، من هو ادوارد سعيد؟ ولمن ينبغي أن ينتمي؟ وأن يكون انتماؤه؟ لهي بعض الأسئلة التي يحاول سعيد الاجابة عليها، واعيا وعيا ذاتيا لما يسعى الى ارسائه من خلال كتاباته، لا سيما تلك ذات الاهتمام السياسي.

يقول سعيد بأنه عاش جل حياته مصحوبا باحساس تعدد هويات، غالبا ما كانت على نزاع ما بعضها البعض، بما يدعو الى القلق، وانه لطالما راودته الرغبة بأن يكونوا جميعا، هو وعائلته: ((جميعا عربا أو جميعا أوروبيين وأمريكيين، أو جميعا مسيحيين وارثوذكس، أو جميعا مسلمين، أو جميعا مصريين.. وهلم جرا)).

والصعوبة في احتضان كافة هذه الهويات، التي تنطبق عليه بدرجة او اخري، مردها الى حقيقة ان سعيدا أقام في أماكن كثيرا ما كانت هناك هوية غالبة، يصار في ضوئها الى تصنيف أصحاب الهويات الاخرى بكونهم ((آخرين))، وكم ألفى نفسه تلقاء خيارين، فاما أن يكابد الاحساس بأنه في غير محله مكابدة لا نهاية ملموسة لها، وأما أن يتبنى هوية واحدة دون الهويات الأخرى، مجازفا بمواجهة شكوك حول حقيقة كونه ((أمريكيا فعلا)) أو ((عربيا حقا)).

بيد إن الالتزام بهوية واحدة لم يكن خيارا سهلا لشخص أقام في بيئات مختلفة حيث يكون المظهر الذي يظهر عليه المرء والثياب التي يرتدي واللهجة التي ينطق بها من العوامل الحاسمة في تعريف من يكون بقدر مكافئ، ان لم نقل أشد حسما، من الوثائق الرسمية التي يحمل، فلا ريب بأن سعيدا كان قادرا على الاحتذاء بوالده الذي كان فخورا بأن يعرف نفسه بكونه مواطنا أمريكيا، ولكن بما أن والده كان ((مصلحه)) الرئيسي، فان ذلك ما كان بالخيار المرغوب، ولعل ما هو أشد أهمية أن سعيد الابن، أيقن خلال السنين بأن أمريكية والده لم تكن في الحقيقة أشد رسوخا من ((وطنية نظرية)).

وكان وديع سعيد عاش في الولايات المتحدة لعقد من الأعوام، تمكن ابانه من الحصول على جنسية أمريكية، ثم انه انضوى في الجيش الأمريكي وحارب في صفوفه خلال الحرب العالمية الأولى، فضلا عن اكتسابه شهية جيدة للطعام الأمريكي لاسيما ((فطيرة التفاح)) الشهيرة، ويخبرنا ادوارد سعيد بأن والده كان يصر على ضرورة تناول وجبة ديك حبش في مناسبة ((عيد الشكر)) جريا على احتفال الأمريكيين، وذلك لـ((أسباب تتعلق بالتقاليد))، غير أن ذلك، على ما ادرك ادوارد، ليس بكاف لكي تكون أمريكيا، بل وأقل بكثير من أن يجعلك تحس بأنك أمريكي، ذلك ان شعورا عميقا، وغير مرير، لن يفتأ أن يساورك ويفضي بك الى الاقرار بأنك لست في الحقيقة ما تتظاهر به.

ويلاحظ ادوارد سعيد في احدى المناسبات ان والده، وعلى رغم جنسيته الأمريكية مصدر الافتخار ووطنيته المستمدة من ذلك، إلا أنه في دخيلة نفسه لم يكن غافلا عن حقيقة انه كان يعتبر كمجرد ((عربي)) أو ببساطة كآخر، لا ينتمي بالفعل، رغم انه مضى ناكرا الأمر، أو ربما محتفظا به سرا عن ابنه كما كان دأبه حيال أمور هامة كثيرة.

ان استنكاف سعيد تبني موقف والده لهو مما يمكن تأويله أيضا كتدبير لمقاومة أن يكون اختلاق والدين كانا هما نفسهما بمثابة ((اختلاق ذاتي))، أو على ما يعبر في موضع ثان محض ((عائلة مصممة على ان تجعل نفسها فريقا مقلدا صغيرا من الأوروبيين))، وما يبدوان سعيدا أحسه على نحو باكر، والتمس فيه موضوعا للاحتجاج، في هيئة والديه، هو. ما يصفه في سياق مختلف، وان لم يعدم صلة بالسياق الراهن، بـ((الفراغ)) الذي يحب الماضي، ففي عزوفهما عن الاقرار بأنهما فلسطينيان بالأصل، فلقد ظهر وديع وهيلدا سعيد وكأنهما شخصان منقطعا الجذور وقادمان من غير مكان، وكان أن حدثت تلك التقلبات الحاسة والشاملة في سياسات المنطقة بما برهن فعليا للابن الحائر من أمر هويته، انهما كانا في غير محلهما، تماما كما مشرع يحي منذ وعى امتحان الهوية الذي ما انفك يواجها.

فضياع فلسطين ونشوء الدولة العبرية وصعود القومية العربية والاستيلاء العسكري على الحكم في مصر، بما جعل الحياة تدريجيا أقل يسرا للمقيمين الأوروبيين الذين حتى ذلك الوقت كانوا يتمتعون بامتيازات حرم منها أكثرية المصريين، والقلق السياسي الذي ما فتئ يتهدد لبنان منذ أواخر الخمسينات، ومن ثم اندلع أخيرا، عام 1975، على صورة عقد ونصف من حرب ((أهلية)) داعية، هذه وغيرها من الحوادث السياسية بالغة الخطورة، جعلت المنطقة مكانا غير مضياف لعن كانوا مثل أهل سعيد الذين ألفوا الاقامة في مجتمع كوزموبولتي في القاهرة في ظل الانتداب البريطاني، واعتادوا القيام بزيارات منتظمة الى فلسطين، وقضاء عطلة الصيف في ((ضهور الشوير)) في لبنان، وبدلا مما كانت عليه المنطقة من مكان يسهل التنقل فيه، أمست في غضون عقود قليلة ساحة كثيرة الجبهات يتقرر بموجب الهوية التي يحملها المرء أين يمكنه البقاء والى أين يمكنه الرحيل، وانه لفي وقت عصيب كهذا جعل الفراغ الذي ما انفك يكدر صفو سعيد، يتعاظم أثرا في حياة أهله.

يكثف ادوارد سعيد في ((التجربة الفلسطينية))(5) احدى مقالاته السياسية الابكر والأجود، بأنه حتى وقوع حرب الخامس من يونيو عام 1967، وفي المناسبات التي كانت تتعرض فيها هويته الى المواجهة، كان يسارع الى الرد بأنه كان ((من)) لبنان، فتبدو هذه الإجابة وكأنها الاجابة الملائمة لفرد يرغب في إعفاء نغمه من سوء عاقبة الشعبية المتدنية للعرب في الأوساط الغربية - الأمريكية للدقة، حث أقام الكاتب منذ سن السادسة عشرة بما يكفل له الحصول على الجنسية الأمريكية طبقا لما نصت عليه قوانين البلد في حينه - وذلك منذ نشوء دولة اسرائيل، إلا أنها تبدو أيضا بمثابة محاولة لملء الفراغ الذي ما انفك الإحساس به يتنامى في نفسه على وجه مثير للقلق. غير انه في أغوار نفسه كان يدرك بأن ذلك لم يكن السبيل القويم للفكاك من أسر هذا الإرث. (وهو في الحقيقة يعتبر رده بأنه ((من)) لبنان بمثابة رد ((جبان جبن عدم قول ايما شيء على الاطلاق، طالما انه كان يرمي الى قول ما تعمد بالا يكون استفزازيا))).

ويظهر لمن يتبع القصة على الوجه الذي تبعناها عليه ان سعيدا قد أفلح في النهاية في التغلب على هذه العقبة بالطريقة نفسها التي تغلب فيها الفلسطينيون عموما عليها، وهذا ما يقودنا إلى مصدر ممطلح ((الفراغ)). فمعلقا على سرعة ((الكرامة)) التي دارت رحاها ما بين قوة من الجيش الاسرائيلي مؤللة ومجموعة من المقاومة الفلسطينية بالقرب من مخيم الكرامة بالاردن، في مارس عام 1968، يخلص ادوارد سعيد، في المقالة المشار اليها سابقا، إلى القول:

((تقسم الكرامة التجربة الفلسطينية الى قبل، كان قد رفض اللقاء، بما عنى القبول بأمر استعادي معلن ضد الماضي العربي الفلسطيني، والى بعد، نجد فيه الفلسطيني وقد حل محله، متلائما، محاربا في سبيل مسرحة الانقطاع ما بين تاريخه في فلسطين ما قبل عام 1948، وتاريخه على الأطراف منذ عام 1948، وبهذا المعنى، إذن، فإن الفراغ الذي كان يحسه كل فلسطيني قد استحال بفضل حادثة واحدة الى انقطاع، والفارق ما بين الفراغ والانقطاع فارق حاسم: فالأول هو غياب هامد، أما الآخر فانقطاع يطالب باعادة اتصال)).

لا أعلم مقدار انطباق تحليل كهذا على عموم تاريخ الفلسطينيين، غير انني أحسب انه ينطبق بدقة أشد على تاريخ سعيد الشخصي، فمنذ ما بعد حرب عام 1967 لم يعد في ومع ادوارد سعيد اختزال ماضيه بعبارة من قبيل تلك التي تفيد بأنه ((من)) لبنان، أو بأية عبارة مراوغة أخرى، ((فلقد هزمتم)) على ما علق أكثر من زميل لها ومن ثم كانت بداية انضواء سعيد في سياسة الشرق الأوسط وبداية لعبه دورا ناطقا في سبيل القضية الفلسطينية وهذا دور صير من خلاله الى حلول الانقطاع ما بين الماضي، خاصة انه كفلسطيني لم ينكشف له هذا الماضي، وما بين الحاضر، محل الفراغ الذي يشمل ماضيه وماضي أهله.

ان الحافز الرئيسي لهذه المذكرات، على ما يزعم ادوارد سعيد، هو الحاجة الى مد جسر ما بين المسافة الزمانية والمكانية الفاعلة ما بين حياته اليوم وحياته في ذلك الوقت، أي ما قبل عام 67، بيد أن المتمهل في قراءة هذا الكتاب سيدرك بأن هذا وصف مفرط في براءته لما يسعي سعيد الى القيام به فـ((وصل ما هو منفصل)) لهو مثال ما نحن حياله هنا. فيبدو ادوارد سعيد وكأنه يرمي الى استعادة ماض كان قد أهمله، عمدا أو عفوا، منذ توليه دور الناشط السياسي، فان يكون ناشطا سياسيا في سبيل قضية يزعم بأنها قضيته، فان الزعم المعرف ليس بكاف إلا إذا توافر برهان على انه قادر على اخبار الحكاية بحيث ان الانقطاع، أو التفاوت في حالة سعيد، ما بين الماضي والحاضر، لا يجعل الأول عديم الصلة بالآخر، فوصل المنفصل، أو حتى محاولة فعل ذلك، لهو المثال الذي اعتمده سعيد في فهمه للتاريخ الفلسطيني، والعبارة الدليلة في سياق كهذا هي تولي حق السرد. وهذا ضرب من التطبيق النقدي انبرى له سعيد منذ اقباله على العمل السياسي وطوره لاحقا لكي يصير الاطار النظري لجل أعماله، وكان ادوارد سعيد قد عمد غداة حرب يونيو إلى وضع مقالة حول كيفية تصوير الاعلام الأمريكي للعرب، كانت بمثابة ارهاص كتابه الأهم ((الاستشراق)).

سرد القصة الفلسطينية

ان كتاب ((في غير محله)) لهو تمرين جيد في تكريس حق السرد، أي حق أن تخبر القصة الذي، بحسب سعيد، غالبا ما يحرم منه المطرودون والمرحلون والمهشمون جميعا.

وفي توليه حق السرد، فان ادوارد سعيد انما يقاوم خطابا مسيطرا كان قد شخص انعدام قدرته على الامتثال من قبيل الجنوح، ولكن ان تقاوم لا يعني ببساطة ان تتهم طرفا بكونه الفريق المسيطر الذي يعمد الى اساءة تمثيل المسيطر عليهم عن قصد، وانما ان تبين كيف تفلح السلطة، بالمعنى الذي ذهب اليه نيتشه وفوكو من بعده. في احتكار حق تمثيل الذات والآخرين احتكارا يكون من حصيلته بطلان أي تصوير أو تمثيل ذاتي آخر باعتباره غير شرعي أو ليس بذي صلة، أو غير مفهوم، أو متطرف أو الى ما سوى ذلك من اعتبارات، وانه لفي نقد من هذا القبيل يمكن للمرء، أو بالضرورة للجماعة، استعادة حق إخبار قصتها بنفسها.

هذا على أية حال نمط المنهجية التي وظفها ادوارد سعيد في الكثير من أعماله السابقة ومنها كتبه المعنية بالمسألة الفلسطينية، ففي ((المسألة الفلسطينية)) و((ما بعد المساء الأخيرة)) و((لوم الضحايا)) و((سياسات الطرد))، يعمد ادوارد سعيد الى ابانة الآلية التي يصار بموجبها إلى إنكار حق، الفلسطينيين في تمثيل أنفسهم وتقرير مصيرهم، ومن ثم فانه يعمد إلى العمل على مرد القصة من منظور الضحية.

ففي مواجهة تصورات سائدة في العالم الغربي واساءات تصوير تبدو فوق الشبهات، فان مهمة التوكيد على الهوية القومية للفلسطينيين، على أنهم أمة مظلومة وان كفاحها لهو كفاح في سبيل استقلال قومي، وليس ارهابا، ليس مما يمكن استيفاؤه ببساطة من خلال مرد قصة أخرى يصار فيها إلى سوق حقائق أو التشديد على اثباتات غالبا ما صير إلى كبتها أو الحط من شأنها في الخطاب المهيمن، وانما من خلال تقديم سرد مضاد يهدف الى زعزعة ((الموضوعية)) المزعومة للقمة السائدة بما يفسح حيزا لقصة أخرى.

فلا يرمي سعيد في كتاب ((المسألة الفلسطينية))، على سبيل المثال، إلى دحض المزاعم الصهيونية المتعلقة بفلسطين والفلسطينيين على أساس حقائق لا تقبل الجدل، ولكن من خلال ابانة كيف ولماذا قبلت هذه المزاعم من قبل العالم الغربي، من دون تساؤل، وعوضا عن اللجوء الى تفسير يعزو أمر نجاح الصهيونية في كسب التأييد الغربي، الى نجاح دعائي في خديعة الغرب، على ما انفك صحفيون وسياسيون عرب يزعمون، فإن سعيدا يتبع سبيلا يقيض لنا من خلاله تبين موقع المزاعم الصهيونية في السياق الثقافي والسياسي الأشمل للاستشراق الغربي. وبما ان التصوير الصهيوني للعرب والفلسطينيين مشتق من هذا الخطاب الأرسخ، فإن السعي الصهيوني يمسي مقبولا، بل وجديرا بالتأييد، اما الاختزال اللاحق للواقع