|
إن
الناظر في
المتون
القديمة
يلاحظ، في
يسر، أن
النقاد
والمفكرين
العرب
القدامى
كانوا على
وعي تام بأن
الغرضية
التي انبنى
عليها الشعر
العربي هي
التي مافتئت
ترسم حدوده
وضفافه.
ومنها استمد
أغلب أسرار
قوته
وفاعليته
حتى أنه
اعتبر أرقى
أنواع
الخطاب
وأجودها. فهو
"علم قوم لم
يكن لهم علم
أصح منه" (1)
بهذا يحدثنا
ابن سلام.
والى الرأي
نفسه يذهب
ابن رشيق
فيعلن في خطة
كتاب
العمدة، "فقد
وجدت الشعر
أكبر علوم
العرب،
وأوفر حظوظ
الأدب،
وأحرى أن
تقبل
شهادته،
وثمتثل
ارادته (...)
والشعر أعلى
مراتب الأدب."(2)
"وهو صنو
الحكمة (3)
وديوان
العرب" فيه
علومهم
وأخبارهم
وحكمهم كما
يقول ابن
خلدون.(4)
والاحتفاء
بالشعر على
هذا النحو
إنما يرجع
الى أهمية
الوظيفة
التي ينهض
بها في
المجتمع. إنه
خطاب جمالي
داره مدح
الخصال
الممدوحة
للحث عليها
واستنهاض
الملقي
لطلبها، وذم
الخصال
المذمومة
للتنفير
منها
واستنهاض
المتلقي
لرفضها
والعدول
عنها. وهو
إنما ينجد في
النهوض بهذا
الدور على
أكمل وجه بما
ينبني عليه
من أبعاد
جمالية تشد
المتلقي إلى
الكلام شدا
عن طريق
إمتاعه
وإثارة
اللذة في
نفسه، وما
يحتوي عليه
من معان
مدارها
ومحصل أمرها
إعلاء قيم
المجموعة
وتمجديها
والحث عليها. لكن
هذا الوعي
باهمية
الغرضية
ودورها في مد
الشعر
بفاعليته
والشاعر
بمنزلته
ومكانته
تشكل وهو
يحمل فيما
خفي منه
تسليمها
مضمرا بأن
هذه الغرضية
التي عليها
جريان الشعر
هي الشعر؛
نفسها التي
تحتوي في
تلاوينها
على أغلب
إمكانيات
انكفاء
الشعر وهوان
الشاعر.
ففيها تكمن
قوة الشعر؛
وفيها أيضا
تكمن
انكفاءاته
الحاصلة
والممكنة.
بها نال
الشاعر
الحظوة
والسؤدد
وعلو
المكانة
والمنزلة؛
وفيها أيضا
تكمن
المسالك
التي يمكن أن
ترمي
بالشاعر على
درب الهوان. لهذه
القضية
تاريخها.
ولها ايضا
مظاهرها
واستثناءاتها
كما سنبين. ف"
الشعراء
امراء
الكلام" كما
يعبر الخليل
بن احمد
الفراهيدي.(5)
ومعنى كونهم
امراء
الكلام انهم
يمتلكون
مقدرة فائقة
على اجرائه
والتصرف.في
بدائعه
بالوقوع على
ما في الفطام
اللغوي نفسه
من بنى
توليديا
تسمح
بابتداع
طرائق في
التعبير
جديدة ترفد
النظام
التعبيري
نفسه،
وتفتحه على
ممكناته
ومحتملاته.
ثمة علاقة
سرية بين
الشاعر
والكلمات
تتولد عن
استعداد
الشاعر،
بحكم طبعه
الشعري،
للاصغاء لا
إلى ما تقوله
الكلمات
وتشير اليه
فحسب، بل الى
ما يمكن أن
تقوله وما
يمكن ان
تبنيه من
دلالات
جديدة لا
وجود لها في
المواضعة
اللغوية
اصلا. وهي
تتولد ايضا
عن الدربة
وتمرس
الشاعر
بالكلام
وانساقه
واساليبه.
لذلك ذهب
القدامى الى
حد الجزم بان
شاعرية
الشاعر انما
ترجع الى
شرطين
اساسيين هما:
الطبع
والدربة. فان
عدم الشاعر
احدهما لا
يمكن ان يبدع
اصلا، لان
الطبع هو
الملكة التي
تجعل الشاعر
مهيأ لقول
الشعر:
والدربة هي
التي تشحذ
تلك الملكة
وتخرج بها من
حيز الامكان
الى حيز
التحقق
بالفعل.(6)
بالطبع، اي
بالاستعداد
والتأتي
لقول الشعر،
وبالدربة
ايضا يتمكن
الشاعر من "استخراج
ما كلت
الالسن عن
وصفه ونعته،
والاذعان عن
فهمه
وايضاحه. (7) ان
الشاعر لا
يتصرف في
الكلمات
تصرفا جديدا
لم يسبق اليه
فحسب، ولا
يتعامل مع
الكلمات من
جهة كونها
مجرد اوعية
يقطنها معنى
محدد معلوم،
بل يقوم -
فيما هو
يجريها
ويتصرف فيها
تصرفا لم يجر
في الكلام
مجرى العادة
- الى
تجديدها،
فيفتحها على
دلالاتها
الممكنة أو
المحتملة.
وبذلك يخرج
بها من مستوى
المعنى
الواحد الى
مستوى
الدلالات
المتعددة. وبالمقابل
تكون
الكلمات قد
خلعت على
صاحبها،
فيما هي
تتعالق
وتنتظم في
قالب شعر،
لقب الشاعر "أمير
الكلام"
واحاطته
بهالة
الشاعر
ومدته بفضل
الشعر. "من
فضل الشعر أن
الشاعر
يخاطب الملك
باسمه،
وينسبه إلى
أمه،
ويخاطبه
بالكاف كما
يخاطب أقل
السوقة فلا
ينكر ذلك
عليه، بل
يراه أوكد في
المدح،
وأعظم
اشتهارا
للممدوح، كل
ذلك حرصا على
الشعر،
ورغبة فيه،
ولبقائه على
مر الدهور
واختلاف
العصور.(8)"
غير أن هذه
الفرضية
التي استمد
الشعر منها
جانبا مهما
من فاعليته
ومكانته بين
بقية أنماط
الخطاب،
وبها حظي
الشاعر بفضل
الشعر، هي
التي حملت في
تلاوينها
أغلب مأزق
الشعر وهوان
الشاعر
وترديه. لذلك
كثيرا ما صدر
القدامى في
كتاباتهم
النظرية عن
نوع من
الاحساس
الحاد بأن
مأزق الشعر
أعتى من أن
تواجه أو ترد.
إنها متأتية
من طبيعة
الشعر ذاته،
ومن الفرضية
التي عليها
جريانه
ومتصرفه.
فالشعر مدح
وهجاء. غرضان
كبيران إن
تخطاهما
الكلام خرج
من دائرة
الشعر وبطل
أن يكون شعرا
وعدم فعل
الشعر
ووظيفة
الشعر. غرضان
كبيران
ينتظمان
الممارسات
الشعرية،
وما بعدهما
الخروج من
دائرة الشعر.
غير أر المدح
يتفرع
ويتعدد الي
أغراض صغرى،
مثل مدح
المحبوب في
الغزل، ومدح
الميت في
الرثاء،
ومدح الذات
في الفخر.
ومن هنا
تتأتى أهمية
المدح
وخطورته
أيضا. إنه
غرض يجعل
الكتابة
تتفتح
مجراها في
منطقة الخطر.
ذلك أن المدح
وما يمكن آن
يدره على
منتجه من
عطايا وهبات
من شأنه أن
يغري الشاعر
بالتكسب
والارتزاق
فيخرج
بالشعر عن
حده ويحوله
إلى صنعة ذات
قيمة
تبادلية. هذا
الإحساس
بخطورة
الغرضية وما
تحمله في
تلاوينها من
مأزق قد تعصف
بالشعر وتحط
من مكانته،
كثيرا ما
تحكم
بكتابات
النقاد
والمنظرين
العرب
القدامي،
وأعلن عن
نفسه في
مؤلفاتهم في
شكل وعي بأن
هذه
المفارقة
أعتى من أن
تحل أو تحسم.
فالمدح غرض
متولد عن
رؤيتهم
للعالم
وطريقة
مقامهم على
الأرض. وهو
يرجع إلى
موقفهم من
الكلمة وما
يطلبونه
منها. ولما
كانت الغاية
من الكلام،
في تصورهم،
إنما هي "استجلاب
المنافع
واستدفاع
المضار(9)"
والشعر من
جهة كونه
أرقي أنواع
الكلام هو
الذي يحقق
هذه الغاية
على أكمل
وجه، فإنه من
الطبيعي أن
يصبح المدح
غرضا أساسيا
لا مناص منه.
إن المدح
يعلي القيم
المطلوب
ترسيخها
والحث عليها.
وهذا هو
الهدف
النبيل الذي
ينشده الشعر
في تصورهم.
وإبطال
المدح يعني
الخروج
بالشعر عن
حده والنزول
به في غير
أوطانة
وتعطيل
وظيفته. لذلك
ظلت إمكانية
اللهج بفكرة
عدول الشعر
من المدح أو
إبطال غرض
المدح مسألة
مائلة
بالنسبة
إليهم في
عداد
اللافكر فيه
أصلا. ولذلك
أيضا لم يعن
وعيهم
بخطورة
الفرضية
التي انتظمت
الشعر
العربي عن
نفسه صريحا
صارما بل جاء
في شكل إيماء
إلى أن المدح
منطقة
رجراجة فيها
من مهاوي
السقوط
ومزالقه ما
يجعل
ارتيادها
أمرا غير
مأمون. وهو
يرد في كتاب
العمدة مثلا
في شكل إدانة
وتشهير
بالشعراء
الذين اتخذوا من
الشعر وسيلة
تكسب، ومضوا
بالفن
وأصحابه على
درب الهوان.
يكتب ابن
رشيق في "باب
التكسب
بالشعر
والأنفة منه
(10)". وكانت
العرب لا
تتكسب
بالشعر(...)حتى
نشأ النابغة
الذبياني،
فمدح
الملوك،
وقبل الصلة
بالشعر،
وخضع
للنعمان بن
المنذر وكان
قادرا على
الامتناع
منه بمن حوله
من عشيرته أو
من سار اليه
من ملوك
غسان، فسقطت
منزلته،
وتكسب مالا
جسيما حتى
كان أكله
وشربه في
صحاف الذهب
والفضة
وأوانيه من
عطاء الملوك.
فلما جاء
الاعشى جعل
الشعر متجرا
يتجر به نحو
البلدان (...) ثم
إن الحطيئة
أكثر في
السؤال
بالشعر،
وانحطاط
الهمة فيه،
والإلحاف،
حتى مقت وذل
أهله وهلم
جرا، الى أن
حرم السائل
والمسؤول. ويجزم
ابر خلدون
بأن الشعر قد
فقد شرف
الاسم بسبب
المدح
والتكسب،
وابتعد عن
أصول الفن،
فصار أقرب
إلى
الاستجداء
وبه أشبه.
يكتب في نبرة
طافحة
بالازدراء:
لقد "صار غرض
الشعر في
الغالب إنما
هو الكذب
والاستجداء
(...) وأنف منه
لذلك أهل
الهمم
والمراتب من
المتأخرين
وتغير الحال
وأصبح
تعاطيه هجنة
في الرئاسة
ومذمة لأهل
المناصب
الكبيرة
والله مقلب
الليل
والنهار.(11)". وليس
الهجاء أقل
خطورة على
الشعر
والشاعر من
المدح.
فالغاية منه
ذم الخصال
المذمومة
لاستنهاض
المتلقي
للنفور منها
والعدول
عنها. لكنا
يحمل في
تلاوينه ما
به يصبح
الشعر وسيلة
تكسب
وارتزاق. لا
سيما إذ ا
انحرف
الشاعر
بالشعر
وتهدد
بالهجاء كل
من لا يستجيب
لمطالبه.
ولقد جسد
الحطيئة
مثلا هذا
الانحراف
بغرض الهجاء
في شعره
وسلوكه
وتمسك
بفعاله حتى
بعد أن عاقبه
عمر بن
الخطاب
وتوعده. (12)
عديدون هم
الشعراء
الذين
انحرفوا
بالشعر
واتخذوا من
غرض الهجاء
وسيلة
ارتزاق
هتكوا بها
اعراض كل من
امتنعوا عن
الامتثال
لمطالبهم.
والصورة
التي ترتسم
في كتاب
الاغاني
لدعبل بن علي
مثلا تطفح
بالدلالة
على الرعب
الذي أشاعه
بين معاصريه.
يكتب
الأصبهاني
معرفا دعبل:
هو دعبل بن
علي بن رزين (...)
هجاء خبيث
اللسان لم
يسلم عليه
أحد من
الخلفاء ولا
من وزرائهم
ولا أولادهم
ولا ذو نباهة
أحسن اليه أو
لم يحسن ولا
أفلت منه
كبير أحد.
ونقرأ (13)"
أيضا أنه قيل
له (14): ويحك
قد هجوت
الخلفاء
والوزراء
والقواد
ووترت الناس
جميعا فأنت
دهرك كله
شريد طريد
هارب خائف
فلو كففت عن
هذا وصرفت
هذا الشر عن
نفسك. فقال:
ويحك إني
تأملت ما
تقول فوجدت
أكثر الناس
لا ينتفع بهم
إلا على
الرهبة ولا
يبالى
بالشاعر وإن
كان مجيدا
إذا لم يخف
شره ولمن
يتقيك على
عرضه أكثر
ممن يرغب
اليك في
تشريفه
وعيوب الناس
أكثر من
محاسنهم
وليس كل من
شرفته شرف
ولا كل من
وصفته
بالجود
والمجد
والشجاعة
ولم يكن ذلك
فيه انتفع
بقولك، فإذا
رآك قد أوجعت
عرض غيره
وفضحته
اتقاك على
نفسه وخاف من
مثل ما جرى
على الأخر.
ويحك يا أبا
خالد إن
الهجاء
المفرع أخذ
بضبع الشاعر
من المديح
المضرع". إن
غرض الهجاء
لا يتناقض مع
غرض المدح بل
يكمله.
كلاهما فيه
اعلاء لقيم
المجموعة.
فإذا كان
المدح
استنهاضا
للمتلقي كي
يتحلى
بالقيم
الممدوحة
فإن الهجاء،
بتركيزه على
الخصال
المذمومة،
لا يكتفي
بتنفير
المتلقي
منها بل
يستنهضه
للتحلي
بنقيضها
خشية أن يهجى
أو يحقر.
وهذا يعني أن
الاختلاف
بين غرضي
المدح
والهجاء
إنما يكمن في
الطريقة:
فإذا كان
المدح
ترغيبا فإن
الهجاء
ترهيب. المدح
ابتناء في
الكلام لما
يجب أن يكون؟
والهجاء
ابتناء لما
يجب أن يتغير.
المدح يرفع
ويمجد:
والهجاء يضع
ويحقر. لكن
المدح
والهجاء
يتفقان من
جهة الغاية
التي ينشدها
الكلام
فيرسمان
الحدود
الفاصلة بين
القيمة
ونقيضها
ويضطلع كل
منهما بدور
نفعي
بالمعنى
الاجتماعي. والشاعر
الذي يتقن
الهجاء
والمدح
ويلتزم
بأصول الفن
يضمن
لقبيلته
المهابة
والمكانة
بين القبائل
فيخشى
جانبها.
ويقوم في
الآن نفسه،
بتخليد مآثر
بني قومه
واستنهاضهم
لطلب المجد
والتحلي
بالقيم
الممدوحة.
وإذا كان غرض
المدح يمثل
منطقه خطر من
جهة كونه قد
يغري الشاعر
بالانحراف
بالشعر
وتحويله إلى
وسيلة تكسب
وارتزاق فإن
غرض الهجاء
لا يقل عنه
خطورة
باعتباره قد
يغري الشاعر
بتحويل
الشعر إلى
وسيلة بها
يرهب كل من
لا يهبه ما
يريد إن هو
قصده مرتزقا
"منتجعا"
بشعره. ولذلك
أرجع
القدامى
هوان الشاعر
والشعر إلى
انحراف
الشعراء
بالفرضية
التي انبنى
عليها الشعر.
فليس المدح
وحده هو الذي
دفع بالشاعر
على درب
الهوان بل
الهجاء أيضا.
فجزم الجاحظ
مثلا بأن
الشعراء
إنما هان
أمرهم عندما
"تسرعوا إلى
اعراض الناس
(15)" أي عندما
انحرفوا
بالشعر ممن
أوطانه "وتولوا
به الأعراض
وتناولوها(6ا)"
كما يعبر ابن
رشيق. غير
أن هذا الوعي
بخطورة
الفرضية
كثيرا ما
يغير من
طرائق حضوره
فيرد في شكل
حرص عي رسم
الحدود التي
على الشاعر
الالتزام
بها حتى لا
يخرج بالشعر
عن حده،
ويحافظ فيما
يكتبا من
مدائح على
شرف التسمية
ومكانة الفن.
لذلك كثيرا
ما عمد
النقاد
الأوائل إلى
الاعتناء
بفرض المدح
وتقنينه
محاولة منهم
لتجنيب
الشعر
والشاعر
التردي في
مهاوي
السقوط،
وانتشالهما
من المصير
الفاجع الذي
مافتئ
يستكمل
شروطه ويدفع
بالشعر
والشاعر إلى
الحال التي
وصفها ابن
خلدون. مهنا
تتنزل مثلا
محاولة ابن
طباطبا
وقدامة بن
جعفر
وحرصهما في
كتاب عيار
الشعر وكتاب
نقد الشعر
على تقنين
المعاني
التي عليها
جريان المدح.
فلقد ذهب ابن
طباطبا إلى
أن الغاية من
المدح إنما
هي ترسيخ
الخصال
الممدوحة
والحث على
طلبها. وهي،
في تصوره،
عديدة
متنوعا منها
"السخاء
والشجاعة
والحلم
والحزم
والعزم
والوفاء
والعفاف
والبر
والعقل...(17)"
وعنها تتفرع
قيم أخرى مثل
"قرى
الاضياف
واجتلاب
المحبة
والتنزه عن
الكذب.(18) "
والى الرأي
نفسه يذهب
قدامة بن
جعفر في كتاب
نقد الشعر
فيجزم بأن
وظيفة الشعر
تتمثل،
أساسا، في
ترسيخ القيم
والفضائل
التي "يمتاز
بها الإنسان
عن سائر
الحيوان وهي
العقل
والشجاعة
والعدل
والعفة.(19) وتشمل
كل واحدة
منها مجموعة
من الخصال. "فمن
أقسام العقل:
المعرفة
والحياء
والبيان
والسياسة
والكفاية
والصدع
بالحجة
والعلم
والحلم ممن
سفاهة
الجهلة. ومن
أقسام
الشجاعة
الحماية
والدفاع
والأخذ
بالثأر وقرى
الأضياف وما
جانس ذلك...(20)". وههنا
أيضا يتنزل
إلحاح
القدامى على
أن المدح لا
يقال الا في
الملوك.(21) ذلك
أن مدح
الملوك يفي
بغرض المدح
ووظيفة
الشعر في
الوقت نفسه.
إنه تمجيد
لقيم
المجموعة
مجسدة في شخص
واحد يحتل
أطر مرتبة في
السلم
الاجتماعي.
والمفترض في
الملك،
نظريا على
الأقل، أن
يكون عنصرا
موحدا
للمجموعة
وحاميا
لقيمها
ومواضعاتها.
حتى أننا إذا
أعدنا النظر
في القيم
التي عددها
قدامة بن
جعفر نجدها
تجسد الخصال
التي لا يصلح
الملك
والملك الا
بها. تبعا
لذلك يصبح
المدح حثا
كلى تجسيد
قيم
المجموعة
ودعوة إلى
الارتقاء
نحو الأفضل
والأكمل
والأبهي.
ويكف ممن
كونه حالا من
الصغار أو
التصاغر
يتجرع
الشاعر
مرارتها،
ليصبح رفعة
وعلوا.
فالشاعر،
لحظة مدحه
الملوك،
إنما يكون
ندا لهم أو
أعلى منهم
مرتبة لأنه
هو الذي يمجد
مآثرهم
وخصالهم. بل
إنه يهبهم ما
تسمح به
الكلمات من
تخليد
للأمجاد
والأيام
والمآثر.
لذلك ألح
القدامى على
أن طلب مرضاة
الملوك ليس
عيبا أو مذلة
وعطايا
الملوك لا
تشين لأنها
هبات لا ترد.
ولذلك أيضا
شددوا على أن
الشاعر الذي
يراعي شروط
الفن ويحافظ
على شرف
الاسم هو
الذي يمدح
الرجل بما
فيه لأنه إن
مدحه وأضفى
عليه خصالا
غير موجودة
فيه أصلا
يكون قد خذل
الشعر وخرج
به عن حده
وانحرف
بوظيفته. من
هنا يتبين
لنا أن مأزق
الشعر وهوان
الشاعر
وسقوط
منزلته ليست
وليدة لحظة
محددة في
مسار الشعر
العربي بل هي
نتاج
للتناقضات
المندسة في
رؤية العرب
القدامى
للكلمة
ومفهومهم
للشعر وما
يطلبونه منه.
فالشاعر في
تصورهم لا
يمكن أن يخدم
المجتمع
والمجموعة
علو التمام
إلا إذا
التزم
بالفرضية
التي عليها
جريان الشعر
العربي،
والشعر نفسه
لا يمكن أن
يؤدي وظيفته
على التمام
أيضا إلا إذا
افتتح مجراه
ملتزما بها.
وهذا يعني أن
عمليا
انحراف
الشاعر
بالشعر
وتحويله إلى
وسيلة تكسب
وارتزاق لم
تكن حدثا
طارئا عارضا
بل كانت
مأزقا مؤجلا
ظل يتحين
فرصة
استكمال
شروطه ليصبح
بمثابة نهج
يخرج بالشعر
إلى الصنعة
ويمضي
بالشاعر على
درب الهوان.
وهو يعني
أيضا أن
التحولات
الاجتماعية
التي نتجت عن
استبدال
مفهوم
القبيلة
بمفهوم
الأمه
والدولة وما
أدت اليه من
اندحار
للقيم
القبلية
التي كانت
تحيط الشاعر
بكثير من
الأمن
وتجنبه
مهاوي
السقوط،
ليست هي التي
قادت إلى
هوان الشاعر
وانحراف
الشعر بل هي
التي عمقت
مأزق الشعر.
وهي التي
جعلت الشاعر
يواجه قدره
وحيدا أعزل
من سند
القبيلة
ودفء
الجماعة.
فصار "ينتجع
بشعره" كما
يعبر
الأصبهاني. (22). لقد
عني جمال
الدين بن
الشيخ في
كتاب
الشعرية
العربية
بالعوامل
الاجتماعية
والاقتصادية
التي نتجت من
نشأة
المدينة
وبروز مفهوم
الدولة
وذهب، مثل
شارل بلا،
إلى أن
الجاذبية
التي
مارستها
بغداد على
الشعراء
وكتاب إنما
ترجع إلى
حرصهم على
الخروج من
الوحدة التي
تردوا فيها
نتيجة
التحولات
الاجتماعية
ومواجهتهم
لأقدارهم
فرادى بعد أن
تفككت
الرابطة
القبلية
التي كانت
تحيطهم
بالكثير من
الامن
والحماية.(23)
يقول شارل
بلا متحدثا
عن رحيل
أصحاب
المواهب من
المدن
والأقاليم
إلى بغداد:
لقد "ظل
العديد من
الشعراء
الجيدين
مستقرين في
مدنهم،حتى
عهد هارون
الرشيد،
واكتفوا
بزيارة
البلاط
والإقامة
فيه لفترات
متقطعة،
وحصل عكس ذلك
ابتداء من
عهد
المأمون،
بمعنى أن
بغداد أصبحت
مقر الإقامة
الدائم
والمعهود
لأفضل
الشعراء.(24)"
ويكتب جمال
الدين بن
الشيخ مؤكدا
الرأي نفسه (25): لقد
فهم
الشعراء،
شأنهم في ذك
شأن العلماء
والناثرين،
أن لا اعتراف
بالفضل إلا
في بغداد.
فإذا كان علي
بن الجهم
بغداديا فإن
أبا تمام
والبحتري
كليهما من
سوريا،
أحدهما من
منجب والأخر
من جاسم في
حران،
لكنهما لم
يجربا حظهما
في سوريا.
ودعبل قضى
فترة شبابه
في الكوفة،
لكنه حظي
بالشهرة عند
الرشيد،
وكذلك شأن
أبي
العتاهية
عند محاولته
الأولى
للفوز
بالشهرة على
عهد المهدي.
وشهدت
البصرة أبا
نواس وهو
يرحل عنها
كما رحل عنها
بكر النطاح
والحسين ابن
الضحاك. لقد
التحق بن
الضحاك
بالعاصمة
سنة 190هـ
ليصبح نديما
للأمين. إن
هجرة
الشعراء،
حرصا منهم
على
الاعتراف
لهم بالفضل،
قد واكبت
بطبيعة
الحال هجرة
الملحنين
والمغنين. ويتوسع
جمال الدين
بن اشيخ في
رسم بنية
المجتمع
الجديد
وتبيان
هرمية
السلطة التي
تتحكم به
وموقع
الشاعر في
الترتيب
الاجتماعي.
فيخلص من ذلك
إلى أن
الطبقة
الحاكمة
كانت متكونة
من "عائلة
الخليفة
التي تمارس
حكما معلقا
ومن حولها
الوزراء
والكتاب
السامون
وأصحاب
النفوذ من
رجال الدين
وقواد الجيش
والولاة.(26)"
ولم تكن هذه
الطبقة
مهددة في
مصالحها. ذلك
أن المواجهة
بين العشائر
والاجناس
بحثا عن
التقرب من
السلطان هي
التي جعلت
الأغلبية
تساند
الطبقة
الحاكمة
لتستفيد
منها. لاسيما
أن هذه
الطبقة هي
التي تتحكم
بمصائر
الجميع "والتعيينات
في المناصب
التي تدر
الربح إنما
تتم بقرار من
الحاكم وحده
أو بقرار من
أعوانه
المقربين.(27)"
ولم يكن
الكتاب أو
الشعراء
يجرؤون حتى
حتى على
التفكير في
الاحتجاج
على الأوضاع
الاجتماعية
المتردية أو
المطالبة
بقليل من
العدل: بل
كان همهم
البحث من
السبل
المؤدية إلى
نيل الحظوة
لدى الطبقة
الحاكمة.
لاسيما أن
الأفراد
المنتمين
إلى "الشريحة
الحاكمة
والبورجوازية
الراقية
يسخرون
الشعراء
لخدمتهـم. إن
العلاقة
التي تربـط
بين صاحب
النفوذ
ومادحـه هي
علاقة السيد
بخادمه.(28)". هكذا
يرسم جمال
الدين بن
الشيخ صورة
الشاعر الذي
اختار المضي
على درب
الهوان
قاتمة في
منتهى
القتامة. إنه
خادم أمين
لسيده. وهو
تابع يمني
النفس برضى
مولاه. ويخلص
من ذلك إلى
أن مأزق
الشعر
العربي
وعجزه من
تطوير
أشكاله إنما
تعود إلى
ارتباطه
بالطبقة
الحاكمة
التي رسمت
حدوده
وضفافه.(29) غير
أن تفخيم دور
التحولات
الاجتماعية
والعوامل
الاقتصادية
في تفسير ما
الى اليه أمر
الشعر
والشاعر في
الثقافة
العربية
يظل، رغم ما
يحققه من كشف
لآليات
السلطة
وكيفيات
اشتغالها
واحتوائها
لكل من هو
مؤهل
للاعتراض
عليها
ومنازلتها،
موقفا لا
يكشف من
أبعاد
الظاهرة
المدروسة
إلا بالقدر
الذي يحجب.
ذلك أن في
التركيز على
العوامل
الاقتصادية
إهمالا
للعوامل
الثقافية
وللأنظمة
المعرفية
التي حددت
موقف
القدامى من
الكلمة وما
يطلبونه
منها،
وتحكمت
بمفهومهم
للشعر
وأغراضه
ووظيفته.
لذلك يكفي أن
نحيط برؤية
القدامى
للشعر
وموقفهم من
الكلمة،
وننظر في
القوانين
التي تحكمت
بنظريتهم في
الشعر
والشعرية
وموقفهم من
الشعر
إنتاجا
وتقبلا، حتى
ندرك أن مأزق
الشعر قادمة
من بعيد. والناظر
في تاريخ
الشعر
العربي منذ
المعلقات
يلاحظ أن تلك
المأزق إنما
تمثل جزءا من
محتملات
الشعر
وممكناته.
وهي لم تبدأ
مع التحولات
الاجتماعية
التي عصفت
ببنية
المجتمع
القبلي بل
شرعت في
العمل في صلب
التنظيم
القبلي
نفسه، أيام
كان الشاعر
يحتل مكانة
في السلم
الاجتماعي،
وأيام كانت
القبيلة
توسع للشاعر
في صفوفها
منزلة لا
يحظى بها
غيره. بهذا
يحدثنا
الجاحظ في
البيان
والتبيين (30): وقال
أبو عمرو بن
العلاء: كان
الشاعر في
الجاهلية
يقدم على
الخطيب، فرط
حاجتهم إلى
الشعر الذي
يقيد عليهم
مآثرهم
ويفخم
شأنهم،
ويهول على
عدوهم ومن
غزاهم،
ويهيب من
فرسانهم
ويخوف من
كثرة عددهم،
ويهابهم
شاعر غيرهم
فيراقب
شاعرهم. فلما
كثر الشعر
والشعراء
واتخذوا
الشعر مكسبة
ورحلوا إلى
السوقة،
وتسرعوا إلى
اعراض
الناس، صار
الخطيب
عندهم فوق
الشاعر. وبهذا
يحدثنا ابن
رشيق أيضا في
كتاب العمدة
فيذهب إلى أن
هوان الشاعر
وانحرافه
بالشعر إلى
منطقة الخطر
مسألة قد
بدأت
تباشيرها مع
الشعراء
الأوائل. منذ
بداياته كان
الشعر يحمل
في أغراضه
ذاتها
إمكانية
تحوله إلى
وسيلة
ارتزاق
وتكسب. ومنذ
الجيل الأول
من شعراء ما
قبل الإسلام
مثل التكسب
والارتزاق،
على ما فيهما
من مذلة
وهوان،
طريقا مغرية
مافتئت
تجتذب
الشاعر
وتغريه. ويصل
ابن رشيق إلى
حد الجزم بأن
منزلة
الشاعر قد
أخذت في
التداعي
ابتداء من
اللحظة التي
شرع فيها
يجوب الأرض "منتجعا"
بشعره (31): وقالوا
كان الشاعر
في مبتدأ
الأمر أرفع
منزلة من
الخطيب،
لحاجتهم إلى
الشعر في
تخليد
المآثر،
وشدة
المعارضة،
وحماية
العشيرة،
وتهيبهم عند
شاعر غيرهم
من القبائل،
فلا يقدم
عليهم خوفا
من شاعرهم
على نفسه
وقبيلته،
فلما تكسبوا
به وجعلوه
طعمة،
وتولوا به
الأعراض
وتناولوها
صارت
الخطابة
فوقه، وعلى
هذا المنهاج
كانوا حتى
فشت فيهم
الضراعة،
وتطعموا
أهوال الناس
وجشعوا
فخشعوا،
واطمأنت بهم
دار الذلة،
إلا من وقر
نفسه
وقارها،
وعرف لها
مقدارها،
حتى قبض نقي
العرض مصون
الوجه، ما لم
يكن به
اضطرار تحل
به الميتة،
فأما من وجد
البلغة
والكفاف فلا
وجه لسؤاله
بالشعر. إنها دروب الهوان إذن.حالما ارتادها الشاعر تصدعت العلاقة بينه وبين الشعر. فقد الشعر شرف التسمية، وتخطى أصول الفن فصار مجر "طعمة". وأقصي الشاعر من نتاجه وفقد سلطته على الكلمات فالمطلوب في المدح أن ينال النص رضى الممدوح وإعجابه. وتحقيق هذه الغاية على التمام يتطلب من الشاعر أن يكره الكلمات ويرغم نفسه على إجرائها وفق نسق به يقتلع الرضى ويستدر العطايا. ومن هنا تتأتى خطورة المدح: إنه يشيع في عملية الإبلاغ الشعري كثيرا من الزور ويدخل الفوضى على أطرافها. فيوهم الشاعر بأنه هو الباث وهو منتج الرسالة؛ وتوهم الرسالة بأنها تدور حول موضوع هو من ابتنائها؛ ويوهم الممدوح المخاطب بأنه متلق عادي يستجيب لكل شروط التلقي. والحال أن الأدوار جميعها قد انقلبت: إذ يكون الممدوح موضوعا للقول وهو الذي يحدده لأن الشاعر إنما يكيف كلامه وفق ما يتماشى مع ما يريده هذا المتلقي الذي يستحث سلطته على القول وقائله مما يقدمه من هبات وعطايا. وبذلك يوهم النص بأنه من وضع الشاعر، والحال أنه من إعلاء الممدوح. حتى لكأن الشاعر، في لحظة الكتابة، يوسع في نفسه للمدوح مكانا |