|
كيف
السبيل الى
قراءة حرة
للنص، تدفع
به الى تجاوز
وحدته
المزعومة
وتطابقه مع
هوية ثابتة
يطلقها على
نفسه؟ وهل من
مدخل يتحدى
اتساقه
واطلاقيته،
فيعرض
لمفارقاته
وتناقضاته؟
ولماذا
بالامكان أن
تفتح هذه
القراءة،
فتشارف ما لم
يقله أو يبح
به، لكنه
لابد فيه؟ تلك
الأسئلة
ومخارجها
أرقت جاك
ديريدا،
وفرضت عليه
رصدا دؤوبا
ومتأنيا لكل
علاقات
الغياب التي
لا تحضر
بوضوح في
النص. فلا
يستوعبها
الادراك
المتعجل حين
يظن أنه أمسك
بها، لتفوته
مداراتها. حسبه
البعض ضمن
عشيرة ما بعد
الحداثة، مع
انتقاده
المشروع
الحداثي
القائم على
ميتافيزيقا
الذات كمركز
للكون ومصدر
للمعرفة،
وعلى
العقلانية
التي أعلت من
النزعة
العلمية
المفرطة،
والنظرة
الشاملة
المتضمنة
نوعا من
مركزية
العلة
وانغلاق
النسق، حين
تزعم قدرتها
على التفسير
الكلى
للتاريخ
والمجتمع. وصنفه
آخرون كأحد
أعلام تيار
ما بعد
البنيوية،
حين شكك في
امكانات
البنيوية،
وطرح رأيه
فيها مبكرا (1)،
مذكرا أنها
تعيش حالة
انقسام بين
ما تعد به
وبين ما
أنجزته،
وأنها حين
تبدأ من
البنية،
تفترض سلفا
وجود مركز
احالة من نوع
ما، يمكن هذه
البنية من
تحقيق
الدلالة
وتثبيتها،
ولهذا عنى
ديريدا
بتمزيق
البنية
وتفكيكها.
فليس ثمة
لديه بنية أو
مركز، لأن
المركز عنده
خارج النص،
أي نص،
وداخله، انه
اللعبة
المتواصلة
بين المركز
والتخوم. يبدو
ديريدا في
الحالين، أو
بالاحرى في
كل الحالات
عصيا على
التصنيف. انه
عابر سبيل.
لا تمتلك
أمتعته
المعرفية
قناعة
الأجوبة، أو
وضوح الحدود
أو قرارة
الطمأنينة،
أو وثوق
الصيغ، أو
امبريالية
المعنى
الوحيد، بل
له مغامرة
محير ة،
تسائل
وتنتقد،
تشير وتومئ
الى المسألة.
أية مسألة.
عبر الطواف
حولها
وتطبيقها،
وبدءا من
هامشها
ووهمها،
طالما أن: "الوهم
أشد رسوخا من
الحقيقة، بل
أنه متجذر
فيها
بالدرجة
التي يضحى
متطابقا
معها
ومطابقا لها
تماما" (2). ولأنه
عابر سبيل،
فهو في ترحال
دائم، لا
يروم عبره
أفقا معينا
أو وجهة
محددة
مبتغاة
التجوال هنا
أو هناك،
وعدم الرضا
على ما سطره
اليوم أو
سيفعله في
الغد. فلقد: "كان
علي أن أكتب
بكل ما أوتيت
من قدرة على
الدقة، ما هو
في تعارض كلي
مع رغبتي، أو
ما أزعم
معرفته على
أنه رغبتي.
وأعني بذلك
رغبتنا
جميعا. رغبتك
أنت، أي تلك
الكلمة
الحية، ذلك
الحضور
الكاذب،
ذياك
التحديد
المباشر،
وذينك
الحفاظ
القاتل" (3). لنتسق
مع دوران
الفكرة لدى
ديريدا،
فنحوم حوله،
ونجوس عبر
سيرته، لكي
نتعرف على
وعوده. بطاقة
تعريف:
هو
فيلسوف
فرنسي من جيل
"فكر
القطيعة"،
التالي لجيل
سارتر
وميرلو
بونتي، ولد
لعائلة
يهودية في حي
"الأبيار"
بمدينة
الجزائر عام
1930، وقضى بها
سنوات
تكوينه
الأولى،
يقرض الشعر
بالفرنسية
وينشره،
ويطالع
مؤلفات روسو
وجيد ونيتشه
وكامو
وفاليري.
ويمارس
الرياضة،
ويهمل
الدراسة،
مما عرضه
للطرد عاما
من المدرسة،
والرسوب في
امتحان
البكالوريا.
وكيهودي،
عاش هناك
مغتربا بين
ثقافتين
متصارعتين:
ثقافة
الجماعة
الجزائرية
العربية،
وثقافة
المستعمر
الفرنسي.
لهذا لم
يستطع تعلم
اللغة
العربية،
لأنه عاش
وضعا
استعماريا
سادت فيه
الفرنسية.
ولم يتمكن من
الحصول على
الجنسية
الفرنسية،
الا بعد
نزوحه شابا
الى فرنسا. يتحدث
عن غربة هذه
السنوات
الجزائرية،
مذكرا أنه: "لم
يكن
بمستطاعه
الافلات من
العنف
والرعب، حتى
ولو كان على
مسافة منهما.
فمن خلال هذه
التجربة،
كنت أحس
بالخناجر
مشهرة أمامي
في أية لحظة،
سواء عند
مغادرة
المدرسة
أوفي
الملعب، أو
في صخب أعمال
الاجرام
والعنصرية
التي لم ينج
منها أحد،
عربا كانوا
أو يهودا أو
اسبان أو
مالطيين أو
ايطاليين أو
كورسيكيين"(4).
من
يومها، عرف
ديريدا
الشعور بعدم
الانتماء
الى هوية "مطمئنة"
أو ذاتية "حمقاء"
سينقله
لاحقا الى
اهتماماته،
مادامت
جذوره "معلقة
في الهواء".
فهو بتعبيره:
"يهودي لا
يهودي،
يهودي
جزائري،
افريقي
شمالي بقدر
ما أنا فرنسي".
انه ديريدا
الفرنسي،
وديريدة
الجزائري. رحل
في سن
التاسعة
عشرة الى
فرنسا،
وتابع
دراسته لمدة
ثلاث سنوات
في احدى
المدارس
الثانوية
بباريس،
ليتعرف
خلالها على
أصدقاء
كثيرين،
منهم بيير
بورديو P.Bourdieu
وأوكتورييه M.Aucouturier
وبيجي M.Beguy
ومونوري M.Monory
ويواصل
بعدها
الدراسة
بدار
المعلمين
العليا،
زميلا لبول
ريكور P.
Ricceur ولويس
التوسيرL.
Altusser ويشارك
في جماعة "تيل
كيل" Tel
Quel التي
ضمت يساريين
من أتباع
هيدجر ويحصل
على شهادتي
الليسانس في
الفلسفة
والليسانس
في الأداب
عام 1953 من
جامعة
السوربون،
وشهادة في
الاثنولوجيا،
اضافة الى
دبلوم
الدراسات
العليا حول "مشكلة
تطور فلسفة
هوسرل"،
ويعمل بعد
تخرجه
بتدريس
الفلسفة. وفي
عام 1956، فاز في
مسابقة "الاجريجاسيون"،
Agrégation
وهي أعلى
رتبة عند
المدرسين
بفرنسا،
وحصل على
منحة في
جامعة
هارفارد
الامريكية.
ولدى رجوعه
من الولايات
المتحدة،
عاد الى
الجزائر
لتدريس
اللغتين
الفرنسية
والانجليزية
بين عامي 1957-1959،
ليرجع بعدها
الى فرنسا
معيدا
بجامعة
السوربون
ودار
المعلمين.
وفاز عام 1962
بجائزة "جان
كافييه". Cavaillés
[لترجمته
وتقديمه
كتاب هوسرل (مدخل
الى دراسة
كتاب أصل
الهندسة).
وحصل على
دكتوراة
الحلقة
الثالثة في
الفلسفة عام
1967، ليواجه
سوء فهم، بل
ومعارضة من
قبل
المسؤولين
الجامعيين
في فرنسا،
مما حدا به
الى القيام
برحلات
عديدة
اوروبا
وخارجها،
ألقى خلالها
العديد من
المحاضرات
في الجامعات
الأمريكية
والكندية
والجزائرية
والبريطانية
والسويسرية
والالمانية.
وشكل عام 1975
مجموعة "جريف"GREPH
التي
تقوم ببحوث
حول تعليم
الفلسفة،
ونال شهادة
الدكتوراة
في الآداب
عام 1980، وحصل
على درجة
الدكتوراة
الفخرية من
ثلاث عشرة
جامعة
أجنبية،
وعهد اليه
عام 1987 بإدارة
معهد
الفلسفة،
وعضوية
العديد من
اللجان
العلمية
والمعاهد
والمجموعات
والدوريات
وحيازة
ثلاثة أوسمة.
وهو منذ
سنوات، يقوم
بالتدريس
شهرا كل عام
في جامعة ييل
Yale
بالولايات
المتحدة،
بجانب عمله
كأستاذ غير
متفرغ
لتاريخ
الفلسفة
بمدرسة
الدراسات
العليا
للعلوم
الاجتماعية
بباريس. ورغم
تصنيفه في
فرنسا
كفيلسوف،
وفي
الولايات
المتحدة
كناقد أدبي،
فهو يرى أن
أعماله لا
تنتمي
للفلسفة أو
الجماليات.
انها تتواصل
مع نصوص
أخرى، لم تعد
تنعت بأنها
فلسفية أو
أدبية،
لأنها مارست
القطيعة مع
التقسيم
الكلاسيكي
للنصوص، فلم
تعد تحتفظ
بنعرتها تلك
الا تبعا
للتسمية
العرفية. من
هنا لا يمكن
اعتبار
ديريدا
فيلسوفا
بالمعنى
المتداول،
كما ( يعد
ناقدا، ما
ينطبق عليه
حقا أنه قارئ.
لكنه قارئ
مختلف، مسلح
برؤية دوارة
ميزت
أعماله، وان
استحال
تصنيفها وفق
المتعارف. فهي
في الوقت
الذي تنضوي
فيه تحت ظل
الفلسفة، لا
تبرح تلقي
مزيدا من
الأسئلة عن
اللغة
والهوية
والمعاش،
ومزيدا من
الحوار مع
نصوص قديمة،
تمتد من
أفلاطون حتى
الراهن. والأمر
هنا يتعلق
بنتاج يشكل
قراءة شاملة
للفكر
الغربي، ان
في خصائصه أو
مكوناته
التي يقيم
عليها صرحه،
ليرمي
بامتداداته
انطلاقا
منها. انها
قرأءة تبادئ
عادة من موقع
تساؤل معين،
ليكن
الكتابة أو
الأثر أو
الاسم
الشخصي
والتوقيع أو
السيرة
الذاتية، من
الهامش
لتجعل منه
موقعا ممكنا
لاعادة
القراءة،
وفضاء فعليا
للنص،،ومن
ثم للاختلاف
والتفكيك،
كي تبدأ رقعة
الترابطات
كتم وتنسه،
فتتبدى معها
مساحة أن حب
للتفكير، لا
تتمثل في
الرفض
القاطع، لأن
هذا الرفض
يفقد النص
تعدديته
وينفي عنه
صفة
التواصل، بل
التي تقوض
مقولات النص
المتطابق مع
ذاته، ومع
حمولاته،
لتدفع به الى
مناطق صمته،
برصد
مقابلات
الحضور
والغياب فيه. ان
ديريدا يرفض
الاقامة ضمن
أطر
المقولات
الموروثة.
مفكر اشكالي
هو، لهذا لم
يقتصر
تأثيره على
الفكر
الفلسفي،
وانما امتد
الى النقد
الأدبي وعلم
الاجتماع
والنظرية
السياسية
والتحليل
النفسي
والانثروبولوجيا
واللاهوت
والعمارة
والنحت
والجغرافيا
والموسيقى.
بيد أن
الفلسفة
كانت أكثر من
غيرها،
ملاءمة
لبيانه، وهو
ما يشي بأن
أحد أهم
انجازاته
تمثلت في
تمزيقه
للتصنيفات
التي نهض
عليها الفكر
الغربي،
ويفسر الدور
البارز الذي
لعبه وبخاصة
مع ترجمة
أعمال له الى
العديد من
اللغات (الانجليزية
والايطالية
والالمانية
واليابانية
والاسبانية
والبرتغالية
والصربية
واليونانية
والمجرية
والصينية
والفنلندية
والعربية). المنطق
الثالث: وفي
قراءته
للنصوص،
يطرح ديريدا
منطقا
ثالثا،
يبتعد عن
تعافى
واطلاقية
المنطق
الانطولوجي
الذي يسلم
بجوهر
موضوعي
وهوية
ثابتة، وعن
حتمية
تحولات
المنطق
الجدلي، هو
منطق
التفكيك،
الذي يرى
مارسته تأتي
من وقت
تهافتت فيه
كل الخطط،
بما يعني أن
الارضية
التي انبثقت
منها هذه
الممارسة،
تمثل مرحلة
من جدل
المناهج
وصراعها. فاذا
كانت
المناهج
التقليدية،
بما فيها
البنيوية،
تطمح الى
تقديم
براهين
متماسكة
لدراسة
النص، أو
تحديد
معناه، فإن
التفكيك
يبذر الشك في
مثل هذه
البراهين،
ويقوض من
أركانها،
ويرفض كلا من
المعاني
اللامتناهية،
أو المعنى
الواحد،
ويرسي، على
النقيض،دعائم
الشك فيها،
بهدف كشف
الافتراضات
الميتافيزيقية
التي تتلبس
النص، حين
تنظر الى
الأشياء
والظواهر
على أنها
سرمدية،
محتذيا في.
ذلك محاولة
فردريك
نيتشه F.
Nietzsche تجاوز
الميتافيزيقا
من خلال
العمل على
هدمها
ومقولة
معلمه
الفيلسوف
الألماني
مارتن هيدجر M.
Heidegger عن "تحطيم
الميتافيزيقا
الغربية"،
تلك التي
هيمنت على
التفكير
الغربي،
فانشغلت
بالتعرف على
الجوهر
والهيولى
والحقائق
الراسخة. سبيله
الى ذلك
تصدين ما يظن
أنه بنية
النص،
وابراز
تضليله
الذاتي،
وتأثيرات
الزيادة
والاختلاف
والمرجعية
والنشر
عليه،
واستيضاح ما
يخفيه من
شبكة
دلالية، كي
ينبعث "فينيق"
النص من
جديد، وان
بدا في خلاف
أو تعارض مع
ذاته. ان
ديريدا
يتصدى لبنية
النظام
الناجز في
النص،
محاولا
تفكيك كل
الراقات
العالقة به،
ليواجهه
عاريا،
فيقتفي
آثاره، ليس
في نتاجه
النصي فحسب،
بل في آلته
التي تصنع
وتبرر وتخفي
هذا النتاج
في الآن معا. هكذا
يبدو منطق
التفكيك
لديه: ليس
مجرد قردة
للنصوص، بل
سعى الى كشف
ميتافيزيقيا
الحضور التي
ينطوي عليها
وجود سلطة أو
مركز خارجي
يعطي هذه
النصوص
معناها
ويؤسس كذب "مصداقيتها".
وهذه السلطة
أو المركز
الخارجي،
يتمثل لديه
في تمركز
الذات
الأوروبية
ورفضها
للآخر Europeocentrisme
وتمركزها
حول العقل
ورفضها لما
يخالفه Logocentrisme
وتمركزها
حول الذكر
وتهميشها
للأنثى
والخنثى
والمنحرف Phallogocentrisme
وتمركزها
حول الصوت Phonocentrisme
وابعادها
للكتابة،
بحجة أنها
شكل غير صاف
من الكلام. غير
أن مسعى
ديريدا لم
يتوجه الى
معارضة هذه
المراكز (الذات،
العقل،
الذكر،
والصوت)
بمراكز
أخرى، وانما
التنبيه
اليها
واثارتها،
قصد تجنب
حبائلها
وتفادي
معاطبها
الميتافيزيقية،
الكافية في
معيارية
مقاييسها
الثابتة،
ويقينها
المكلف،
وسكونيتها،
بما حدا به
أن يلجأ الى
ممارسة
التفكيك،
كفعالية
لتأسيس قوة
التشظي من
خارطة النص. وفي
محاولة منه
لصوغ
ممارسته،
قام بتطوير
مفهوم "الهدم"
Destruction
لدى
هيدجر،
واستبدله
بمفردة "التفكيك"
Déconstruction
(لا يسميه
مفهوما)،
وعمد الى
تطبيقه على
العديد من
آثار
الثقافة
الغربية،
سواء كانت
نصوصا
فلسفية أو
تربوية أو
جمالية. سؤال
التفكيك: وغرض
ديريدا من
ذلك، هو
الكشف، داخل
هذه ا(ثار،
عن حضور
الميتافيزيقا،
وقدرة
متونها أو
عجزها عز
تفكيك هذا
الحضور أو
هدمه، من
طريق
الاطاحة
بالتفاوتات
التراتبية
التي
أقامتها هذه
الميتافيزيقيا،
ودحض
مزدوجاتها
ومفاهيمها
الثنائية (الصحة
والخطأ،
السبب
والنتيجة،
الذكر
والانثى،
الحياة
والموت،
الكلام
والكتابة،
الشعور
واللاشعور،
الجد
والهزل،
القبلي
والبعدي،
الخير
والشر،
المعقول
والمحسوس،
الجيد
والردئ،
الروح
والمادة،
النقي
والمخلوط،
الدال
والمدلول،
الحضور
والغياب،
القبيح
والجميل،
الايجابي
والسلبي،
الداخل
والخارج،
الجوهر
والمظهر،
المركز
والهامش،
الوجود
والماهية،
البداية
والنهاية،
الغاية
والوعي،
الانسان
والخالق...). وهو
اذ يفعل ذلك،
يتحاشى
الجنوح الى
مغالبة أحد
قطبي هذه
التراتبية
على الأخر،
أو قلبها
التبسيطي.
لذلك بدا
مسعاه في
اعتماد ما
يقع خارج هذه
المزدوجات
كلها، تلك
التي عملت
النصوص على
تأكيدها
وتثبيت
أسسها
بواسطة محو
تراتبها
وتعارضها أي
تفكيكها (5). تبدو
مهمة
الفيلسوف
هنا هي
الطواف بين
النصوص،
وتعرية
بنيتها
المخفية،
وتبيان
اللامقال
واللامفكر
فيه بها،
توسلا
بجينالوجيا
نيتشه
وفينومينولوجيا
هوسرل
وهدمية
هيدجر. كما
يتوجب عليه
الا يقيم
الحدود بين
المقروء (افلاطون
وادمون
جابيس،
لوفيناس
وآرتو،
هوسرل
ومالارميه،
ديكارت
وفرويد،
روسو
وكلودليفي
ستروس،
نيتشه
وبلانشو،
دوصوسير
وفيليب
سولرز...). ولدى
ديريدا،
تقوم ضوابط
التفكيك على
منطلقات
متضافرة:
أولها: أن
النصوص، حتى
الفلسفية
منها، ليست
بسيطة أو
واحدية
المعنى، بما
يعني عدم
التعامل
معها كأنساق
مغلقة، بل
مفتوحة،
تتضمن قوى
متناقضة
ومرجعيات
متعددة
تعرضت
لتوجيه
صاحبها.
وثانيها،
وبناء عليه،
فمن الضروري
اغفال كل ما
يعتبر أصلا
مسلما به في
هذه النصوص،
وبذا يفقد
الأصل
امتيازه
الميتافيزيقي.
وثالثها،
انها بهذا
تحمل في
طياتها
تعارضا بين
دلالاتها
الظاهرة
والمستترة،
بما يساعد
على
استنطاقها،
والوصول بها
الى دلالات
جديدة
تتجاوز
سياقها
الأصلي.
ورابعها، أن
هذا التعارض
ليس مسألـة
عارضـة، أو
حدث عن طريق
الخطأ،
وانما هو سمة
مرتبطـة
بالنـص (6). والأمر
في هذه
المنطلقات
يتصل بالنظر
الى النص على
أنه وحدة
مركبة،
تتألف من
نصوص أخرى
مختلفة بل قد
تكون مغايرة
تماما
لأصله، بما
يفيد أن
التفكيك ليس
مجرد نشاط
نقدي أو
تأويلي
يستحضره
القارئ من
خارجه، ولكن
بمسلك معين
من داخله،
يكشف في
الأخير عن
خطأ وزيف
الاعتقاد
بوجود عامية
ثابتة أو
معنى ناجز له. هذا
فيما يخص
ضوابط
التفكيك،
أما فيما
يتعلق
بممارسته،
فانها تقوم
على ما يسميه
"الفقد
المزدوج" أو
"الكتابة
باليدين"،
عبر حركتين
متكاملتين:
قلب Renversement
حمولة
النص
الميتافيزيقية،
بواسطة حل
شبكة
التعارضات
والتراتبيات
التي
أقامتها بين
المفاهيم
وتبيان
زيفها، ثم
زحزحة Déplacement
ما تم قلبه،
حتى لا تخله
الميتافيزيقيا
من جديد،
وذلك بتطوير
التصورات،والحجج
التناقضية
التي تنطوي
عليها
ألفاظه
وفرضياته
ومناطقه
المطمورة،
وزرع Greffe
مفردات
جديدة
لتطعيمها به. وينبه
ديريدا الى
أن استخدام
هذه
الممارسة،
يمكن أن يتم
دون اعمال
خطة أو صوغ
برنامج موحد
أو منهجية
صارمة تمت
الى قاموس
البحث،
طالما ليس
هناك مجال
محدد
للمعرفة
والدراية: "فبين
المعرفة من
جهة،
والعطاء من
جهة أخرى،
بون شاسع، لا
حدود ولا
مجال
لاجتيازه". (7)،
بل ودون أية
محاولة منه
لتعريف جامع
منه
للتفكيك، في
ألفاظ وحدود
قاطعة
ومحددة،
انطلاقا من
أن هذا
التفكيك
أكبر من أن
يكون مجرد
طريقة أو
تقنية
لتحليل
النصوص. بهذه
الكيفية،
يمثل
التفكيك
ثورة على
الوصفية
البنيوية،
وان اشتعل
السجال حوله
فيما اذا كان
منهجا أم
طريقة بحثية.
اذ ما يزال
مريدو
ديريدا غير
متفقين في
هذا الصدد،
رغم أنه دأب
على التحرز
في
استعماله،
وأوضح مرارا
بأنه ليس سوى
ممارسة تقوم
بمراجعة
وتطوير
الأسس
البنيوية،
لا منهج محدد
يمكن وصفه
باعتباره
نزعة فلسفية
ناجزة (8). النص
الآخر: ان
التأثير
الأساسي
للتفكيك، هو
تحطيم
الافتراض
الساذج بأن
النصر يمتلك
معنى، وهو
المعنى الذي
ستمحوه في
أخر الأمر
قراءته
اليقظة. وهذا
المعنى غير
موجود ولا
متضمن في
اللغة، انما
هو متماد مع
حركة اللغة
ذاتها،
ومتناثر عبر
ساحته كلها،
لكنه، وان ظل
على نحو صاف
مجرد معالم
لغوية، فلا
أحد يضمن
المعنى الذي
يحتويه،
ويشكل حضوره.
وهكذا فعبر
سلسلة من
قراءاته
الذكية
للنصوص
الكبرى في
التراث
الغربي،
يوضح ديريدا
أنا، وبسبب
عدم وجود
التحديد
الحاكم في
صميم لفة
النصر، فإنه
يمكن
الامساك
بقضاياه غير
المصاغة أو
الصامتة، عن
طريق اظهار
شفراته
وزياداته
وتناقضاته
الداخلية،
كي يظهر
بعدها ليقول
أمرا مختلفا
الى حد ما
عما يبدو أنه
يقولا، وهو
ما يجعل النص
يروي قصته
الخاصة به،
والتي تختلف
الى هذا الحد
أو ذاك عن
القصة التي
تخيل الكاتب
أنه بصدد
صوغها. واذا
كانت
البنيوية
تقف عند حدود
النص، ولا
تستعين بما
هو خارج عنه،
فإن ديريدا
يتجه الى ما
يمكن أن يكمن
وراء النص،
بواسطة ما
دعاه "استراتيجية
تفكيك النص"،
وهو ما يبدو
في عبارته
المشهورة:"لا
شيء خارج
النص" lln'yapas
de hors-texte (9)،
بمقتضى أن كل
شيء مسطور في
النص، لا
بمعنى أهمية
التاريخ
والمرجع
والمعاش، بل
لأن هذا كله
مضطلع به
داخله،
فالنص
بالنسبة
اليه، قبل أن
يكون نسخا
للكلام، هو
أثر
أنطولوجي
لابد من فك
رموزه. ولتحقيق
استراتيجية
في التفكيك،
تقوم هذه
الممارسة
لديه على
مفردة "الاختلاف"Différerce
(لا
يسميه أيضا
مفهوما)،
تنظم
اشتغاله في
قراءة النص. فانطلاقا
من أن
التفكيك
بمثابة
الطاقة التي
تدفع بالنص
الى أن يفيض
على حدوده،
بحيث يتسع
الى ادراك
اختلافه، من
كون معانيه
لا تعرف
الاستقرار
والثبات،
فانها تظل
مؤجلة ضمن
الاختلاف
بين النص
الأصلي ونصه
الآخر. ذلك
أن النص، أي
نص، لدى
ديريدا، ليس
واحدا. فثمة
نص أخر مختلف
ثاو فيه، لا
مكان له
محددا في
النص
الأصلي، لا
يقع وراءه أو
خلفا أو
جانبه، وليس
مخفيا ولا
ظاهرا، ولا
يأتي قبل
النص الأصلي
ولا بعده.
انه "اللامفكر
فيه" L'impenseé
، طبقا
للمفهوم
الهيدجري
العتيد. ان
عليه ان
يتصدى لهذا
النص
المختلف،
لكنه يحار
كيف يحاوره،
وهو الحاضر
الغائب، وان
بدا حضوره
وغيابه معا
أقرب الى
ثنائية
يرفضها. ومع
ذلك: "كان لا
بد من ملاحظة
ان المختلف
لا يكون، غير
موجود، ليس
كائنا
حاضرا، ليس
هو الهم On
مهما يكن.
وكنا قد
وصلنا الى
ملاحظة أنه
كل ما ليس
هو،
وبالتالي
ليس له وجود
ولا عامية" (10).
ولأنه لا
سبيل الى
الغاء النص
الأصلي، ولا
في تغييب
للنص الآخر،
باعتبار
وجودهما في
نص واحد،
فعلى ديريدا
أن يقوم،
بواسطة
اعادة قراءة Relire
النص
الأصلي،
بعملية
ازاحة تتحدى
اتساقه
واطراده، كي
تصبح لغته من
خلالها أقرب
الى
المراوحة
بين الحضور
والغياب. والأمر
هنا يتعلق
بالنظر الى
هذا
الاختلاف
باعتباره: "أبناء
وحركة الا
يمكن
تصورهما على
أساس تعارض
ثنائية
الحضور
والغياب. ان
الاختلاف هو
اللعب
المنتظم
للتباينات،
ولأثارها،
وللتنظيم
الذي يربط
بين
العناصر،
هذا التنظيم
هو الانتاج
الموجب
والسالب معا
لفواصل لا
تستطيع
المصطلحات
الكاملة أن
تحقق
دلالتها، أو
تؤدي
وظيفتها" (11).
ويشدد
ديريدا على
أن اختلافات
هذا الحضور
والغياب
ليست نهائية
ولا مفارقة.
انها ليست
اللامحدود،
ولا ما يقع
في الطرف
النقيض
تماما
للمشابه Semblabel
أو
للمتطابق Analogue
وهي ايضا
ليست الوهم
بالوصول
اللازم اليه
واحدا
ونهائيا،
بما يميزه عن
مفهوم هيجل
حول "الاختلاف
النهائي". وبهذا
المقتضى،
يضحي
التفكيك
أقرب الى
فعالية
قراءة
معمقة،
تستهدف
معرفة
الكيفية
التي تشكل
بها النص،
وتبيان عدم
بداهته
ورصانته
المريبة،
واستتباعا
تبيان
تاريخية
وامكانية
تغييره،
ليكون
الاختلاف
معه وعنه،
اختلافا
منه، لا يفرض
عليه من
الخارج
باجراء
متعسف،
اعتبارا من
أن النص ليست
له وجهة
معينة أو
محطة أخيرة. الكتابة
كفضاء
للاختلاف: ان
احدى السمات
الأساسية
لما يقدمه
ديريدا، هي
زعزعة صرح
نزعة
التمركز
الأوروبي
بحداثاته
القائمة على
التمركز حول
الصوت، أي
العناية
بالكلام على
حساب
الكتابة تلك
التي يمكن
معاينتها
منذ افلاطون
حتى دوصوسير.
وفي مواجهة
هذا
التمركز،
صاغ "دراسة
الكتابة" Grammatologie
كفعالية
تقلب التدرج
التقليدي،
أو أفضلية
الكلام على
الكتابة.
فبدلا من
تصور
الكتابة
كمشتق طفيلي
من التعبير
المنطوق،
يمكن أن يصور
الكلام على
انه مشتق من
الكتابة. وينبه
ديريدا أن
جميع خصائص
الكتابة. مثل
غياب
المتكلم،
ومن ثم غياب
وعيه، تضاف
للمعني،
اعتبارا من
أن الكتابة
تهب نصها
استعلاء
وحرية عن
المؤلف
الأصلي، ومن
ثم تمنحه
مزيدا من
امكانات
التفسير،
واعادة
التفسير،
بحكم
قابليتها لك
فتقال الى
سلسلة جديدة
من
المعلومات
وقدرتها على
التنافذ من
مرجع حاضر
الى آخر
غائب، وتلك
سمات خاصة
بالكتابة،
لا يمكن
للكلام أن
يمتلكها (12). لكن
دراسة
الكتابة
لديه لا تعني
استبدال
الكلام
بالكتابة،
والا يكون
استبدل
مركزا بأخر،
وهو القائل
برفض
التمركز حول
العقل، انما
يحاول أن
يؤسس لكتابة
تقوم على
الاختلاف،
عن طريق كشف
الاختلاف
الدائم في
الكتابة. ذلك أن الجملة في هذه الدراسة تتجاوز حالتها القديمة، من كونها حدثا ثانويا يأتي بعد الفعل، وليس له من وظيفة الا أن يدل على النطق ويحيل اليه. إنها تتجاوز هذه الحال لتلفي النطق وتحل محله، وبذلك تسبق حتى اللغة، وتكون اللغة نفسها توالدا ينتج عن النص، وبذا تدخل الكتابة في محاورة مع |