|
"إن
رواية عرس
الزين
زغرودة
طويلة
للحياة.
أنشودة حب"
علي الراعي "أدين
بدين الحب
أني توجهت
ركائبه
فالحب ديني
وايماني"
ابن عربي تمهيد:
نحو محكي
واقعي جديد يذكر
الناقد يوسف
الشاروني (1)
في معرض
حديثه عن
نجيب محفوظ
أن بذور تحول
نوعي في
المحكي
الواقعي قد
بدأت في
أماكن
متفرقة من
المحكيات
الواقعية
التقليدية
نفسها (رواية
"بداية
ونهاية" 1949م،
وراوية "الثلاثية"
1956-1957م). إلا أن
هذا التحول
لن يصير
رسميا، على
حد تعبير
محمود غنيم (2)،
إلا مع رواية
مهمة من
روايات
الواقعية
التقليدية
نفسه نجيب
محفوظ، وهي
رواية "اللص
والكلاب"
التي ظهرت
بداية
الستيانات. ويهمنا
أن نتعرف على
أهم الملامح
التي تميز
هذه
الواقعية
الجديدة عن
تلك
الواقعية
التقليدية،
خطوة أولية
تمهد الطريق
نحو التعرف
على خصائص
السياق
الأدبي.
الروائي
الذي ارتبط
به ظهور
رواية "عرس
الزين"
والذي ساهمت
فيه باعتبار
أنها هي
الاخرى ظهرت
أوائل
الستينات،
وهي المرحلة
التي شهدت
البدايات
الأولى
لتأسيس
تخييل جديد. لكن
هذا لا يعني
أن التخييل
الجديد قد
قطع كل صلة
بالتخييل
التقليدي:
الى جانب أن
هذا التحول
قد خرج من
داخل
التخييل
التقليدي
نفسه، فإن
هناك قواسم
فنية مشتركة
بين الاثنين:
نذكر من
بينها
اعتمادهما
معا على
التشخيص: إذا
كان المجتمع
بحركته
ووجوه هو
الكون
الكبير الذي
يشغل
التخييل
الواقعي
التقليدي
لاستناده
الى رؤية
واقعية
اجتماعية –
خارجية -،
فإن الانسان
بذاتيته
ووجوده
الداخلي
والداخل –
خارجي هو
الكون
الكبير الذي
يستميل
التخييل
الواقعي
لاستناده
الى رؤية
داخلية –
ذاتية. وبالرغم
من أن
التشخيص
قاسم مشترك،
فإننا نوافق
الناقد
محمود غنيم (3)
على أن هذا
التوجه
الجديد في
التشخيص لا
يكشف لنا عن
فروق كبيرة
في المضمون
فحسب بل وفي
اللغة
والأسلوب
والأشكال
والمناهج
والمنظورات
السردية،
فلم تعد
الرؤية
البانورامية
الواسعة،
التي يقف
وراءها سارد
عالم بكل شيء
ومسيطر على
كل الأحداث
والشخوص، هي
التي تحكم
التخييل
الجديد،
مثلما لم تعد
اللغات
والمناهج
السر دية
الخارجية "الموضوعية"
هي التي
تهيمن على
هذا الأخير،
بل نحن أمام
تخييل
بملامح
نوعية كانت
بداية
لتحويلات
مهمة عرفتها
الرواية
العربية من
بداية
الستينات -
وما قبلها
بقليل - الى
الآن. وبما
أن التحليل
سيوقفنا عند
أهم مكونات
التخييل
الجديد،
فإننا نكتفي
في هذا
التمهيد
بالوقوف عند
عنوان هذه
الرواية،
ذلك لأن
العنوان،
باعتباره
شكلا فنيا هو
أول عتبة
يجتازها
القارئ،
ولهذا كان
لابد من أن
ينطلق منها
التخييل
الجديد
ويقدمها على
أنها شكل فني
يميز هذا
التخييل عن
ذاك
التقليدي،
ومن جهة
أخرى، فهذه
العتبة هي
التي ستمهد
لنا الطريق
نحو هذا
المحكي. إذا
كانت
الرواية
التقليدية
تتجه نحو
الأحداث
الكبيرة
والأبعاد
البارزة،
وتعني
بتقديم
أشكال
المجتمع
وتحركاته
الآلية التي
تراما مراجع
تسمح
للإنسان
بالتعرف على
العالم وعلى
نفسه، وتزخر
بالزوائد
الاجتماعية
والتاريخية:
فإن الرواية
- موضوع هذه
القراءة -
تجنه نحو حدث
عادي وبسيط:
العرس،
وتتعمق هذه
البساطة
عندما نعلم
أننا أمام
عرس شخصية
الزين: لم
نعد أمام تلك
الشخصية
بذلك الوزن
الثقيل الذي
ألفناه في
الرواية
الواقعية
التقليدية،
بل نحن أمام
شخصية بسيطة
من بلدة
بسيطة في
السودان،
أكثر من هذا
أن بعض شخوص
الرواية
ينعتون "الزين"
بالأبله
والدبله
والدرويش.. أن
تحمل
الرواية
عنوان "عرس
الزين" فهذا
يعني اذن
توجها جديدا
تظهر ملامحه
الأولى من
خلال
الاهتمام
بالأحداث
الصغيرة
والظواهر
البسيطة
والشخصيات
العادية
والبسيطة. فنحن
أمام قصة
تبدو بسيطة
للغاية، ذلك
لأنها تحكي
عن خطبة
الزين لنعمة:
الزين
أضحوكة
القرية،
ونعمة موضع
اعجاب
الفتيان
وابنة أحد
رجال البلدة
البارزين من
ذوي النفوذ،
والى بساطة
القصة تنضاف
غر ابتها،
ذلك لأن
الأمر
سينتهي
بزواج الزين
من نعمة. في
هذه
البداية،
يمكننا
القول أننا
أمام تخييل
يتمركز حول
العلاقة بين
رجل وامرأة.
وان كانت هذه
العلاقة
قائمة في
التخييل
التقليدي،
فإنها لم تكن
مركزية
بالشكل الذي
توجد به في "عرس
الزين"، أي
باعتبارها
تلك "العلاقة
العظيمة
التي تتمتع
بها
الانسانية"
ذلك "المفتاح
الحي
الرئيسي
للحياة"،
على حد تعبير
د.هـ لورنس (4). ومن
جهة أفري،
فنحن أمام
تخييل ينشغل
بالأحداث
الصغيرة
والظواهر
الهامشية،
لكنها تغوص
عميقا في
ذاتية
الانسان،
ولهذا السبب
هناك التفات
أساسي الى
الذاتية،
فالحب
والخطبة
والزواج من
اللحظات
التي لها
أهمية
مأزقية قصوى
في دورة حياة
الفرد وفي
نسيجه
الاجتماعي
المتشابك،
لكن هذه
اللحظات لا
تقدم على
أنها خالصة،
بل تقدم من
خلال "لحظة
إنسانية
مشحونة
بدرجة قصوى
من التأزم
الاجتماعي"
كما لاحظ ذلك
بحق محمد خلف
الله
عبدالله (5) في
دراسة له عن
نفس الرواية. فمنذ
السطور
الأولى من
الرواية،
يكتسب خبر
العرس أهمية
دراماتيكية،
ويثير ردود
فعل متباينة
ومتعارضة:
ينتشر الخبر
مع شروق
الشمس، مع
عملية توزيع
الحليب،
ولما انتصف
النهار كان
الخبر على فم
كل واحد،
يتداول
الناس خبر
العرس في
دهشة
ويقدمون
ردات فعل
وتفسيرات
مختلفة. "ومع
كل فاصلة في
هذا العمل
الروائي
ينفلت الخبر
من برودة
السرد،
فتستعيد
الحكاية مرة
أخرى
حرارتها
الدرامية".
اعتمادا
على تقنيات
الاسترجاع
والانتقال
من زمن الى
أخر وقطع
مشهد
والانتقال
الى أخر،
وتنتهي
الرواية
بالانتقال
عبر مشاهد
العرس. 1-
السرد
والايروس: لن
يخفى على
القارئ أن
هذا النص
مكتوب بلغة
ايروسية
فائقة، بحيث
يتضافر
العنصر
الايروسي
والعنصر
السردي في
هذا
التخييل،
قصد خلق عالم
خاضع لصوغ
ايروسي من
جهة أولى
ولصوغ سردي
من جهة
ثانية،
والنموذج
الأتي خير
نموذج عن هذا
الزواج
الفائق: "تتابعت
الأعوام،
عام يتلو
عاما، ينتفخ
صدر النيل
كما يمتلئ
صدر الرجال
بالغيظ.
ويسيل الماء
على
الضفتين،
فيغطي الأرض
المزروعة
حتى يصل الى
حافة
الصحراء عند
أسفل البيوت
تنق الضفادع
بالليل،
وتهب من
الشمال ويح
رطبة مغمسة
بالندى تحمل
رائحة هي
مزيج من أريج
زهر الطلع
ورائحة
الحطب
المبتل
ورائحة
الأرض
الخصبة
الظمأي حين
ترتوي
بالماء
ورائحة
الأسماك
الميتة التي
يلقيها
الموج على
الرمل. وفي
الليالي
المقمرة حين
يستدير وجه
القمر،
يتحول الماء
الى مرآة
ضخمة مضيئة
تتحرك فوق
صفحتها ظلال
النخل
وأغصان
الشجر
والماء يحمل
الأصوات الى
أبعاد
كبيرة، فإذ ا
أقيم حفل عرس
على بعد
ميلين تسمع
زغاريده ودق
طبوله وعزف
طنابيره
ومزاميره
كأنه يمين
دارك،
ويتنفس
النيل
الصعداء،
وتستيقظ ذات
يوم فإذا صدر
النيل قد هبط
واذا الماء
قد انحسر عن
الجانبين،
يستقر في
مجرى واحد
كبير يمتد
شرقا وغربا،
تطع منه
الشمس في
الصباح وتنس
فيه عند
المغيب،
وتنظر فإذا
أرض ممتدة
ريانة ملساء
نزك عليها
الماء دروبا
شيقة مصقولة
في هروبه الى
هجراه
الطبيعي،
رائحة الأرض
الآن تملأ
أنفك،
فتذكرك
برائحة
النخل حين
يتهيأ
للقاح،
الأرض ساكنة
مبتلة،
ولكنك تحس أن
بطنها ينطوي
على سر عظيم،
كأنها امرأة
عارمة
الشهوة
تستعد
لملاقاة
بعلها،
الأرض ساكنة
ولكن
أحشاءها تضج
بماء دافق هو
ماء الحياة
والخصب،
الأرض مبتلة
متوثبة
تتهيأ
للعطاء،
ويطعن شيء
حاد أحشاء
الأرض لحظة
نشوة وألم
وعطاء، وفي
المكان الذي
طعن في أحشاء
الأرض،
تتدفق
البذور،
وكما يضم رحم
الأنثى
الجنين في
حنان، ودفء
وحب، كذلك
ينطوى باطن
الأرض على حب
القمح
والذرة
واللوبيا،
وتتشقق
الأرض عن
نبات وتمر" (ص
33-34). أن
هذا النموذج
يكون حكاية
مستقلة
بذاتها داخل
النص الذي
يتمحور، كما
نعلم، حول
حكاية
الزين،
وبمفهوم ج.
جنيت هي وقفة
Pause
تتقدم في شكل
حكاية
استعارية
تكثيفية (بالمعنى
الفرويدي)
تعكس حياة
الزين -
البلدة
الملأى
بالحياة
والحب، ولكي
تعكس بقوة
هذه الحياة
الجديدة
والفريدة،
كان لابد من
لغة ايروسية
يتضافر فيها
الجنسي
والسردي
للحصول على
قوة الحياة
القصوى. إننا
عندما نقرأ
هذا النص
السردي،
فإننا ننتهي
الى استنتاج
مهم ان قوة
الحياة
القصوى لا
تكون الا
بالحب وفيه،
سواء تعلق
الأمر بحياة
الكائن أو
بحياة
الجماعة، بل
وبحياة
السرد نفسه. فالزين،
تلك الشخصية
المحورية في
هذا النص، لا
تستقيم
حياته ولا
تقوى الا
بالحب، قتل
الحب الزين
وهو حدث لم
يبلغ مبلغ
الرجال
وكانت
الفتاة التي
قتلته هي عزة
بنت العمدة،
فذات يوم وفي
جمع عظيم من
الرجال
نفرهم
العمدة
لإصلاح حقله
ارتفع صوته "عوك
يا أهل الحلة.
يا ناس
البلد، عزة
بنت العمدة
كاتلا لها
كتيل، الزين
مكتول في حوش
العمدة" (ص 20).،
"وفوجئ
الناس بتلك
الجرأة" (ص 20).
فما يقوله
خطير،
والأخطر منه
أن يقوله
أمام العمدة
نفسه، غير أن
الموقف خفت
حدته حين
انفجر الناس
ضاحكين
واستغرق
العمدة في
الضحك، وأخذ
بعد ذلك
يستغل
العمدة
الزين الذي
لا حديث له
الا حبه
لعزة، فسخره
"في أعمال
كثيرة شاقة
يعجز عنها
الجن" (ص 20) وما
إن مضى شهر
حتى شاع في
البلدة أن
عزة خطبت
لابن خالها "ولم
يثر الزين
ولم يقل
شيئا، ولكنه
بدأ قصة
جديدة" (ص 21). لقد
كان الزين
رسول الحب.
كان ذواقة
للجمال لا
يحب الا أروع
فتيات البلد
جمالا
وأحسنهن
أدبا
وأحلاهن
كلاما، وما
إن يبدأ في
الحديث عن
حبه لفتاة
حتى تصبه هذه
حديث القرية
كلها ولا كبث
أن تتزوج.
ففطنت أمهات
البنات الى
خطورته كبوق
يدعين به
لبناتهن:"في
مجتمع محافظ
تحجب فيه
البنات عن
الفتيان،
أصبح الزين
رسولا للحب،
ينقل عطره من
مكان الى
مكان" (ص23)
ينظر
الزين الى
الفتاة
الجميلة،
فينوء قلبه
الأبكم بهذا
الحب،
فتحمله
قدماه
النحيلتان
الى أركان
البلد، تجري
هاهنا
وهاهنا "كأنه
كلبة فقدت
جراءها" (ص 23)
ويلهج لسانه
بذكر الفتاة
ويصيح
باسمها
حيثما كان،
فلا تلبث
الأذان أن
ترهف وما
تلبث العيون
أن تنتبه،
وما تلبث يد
فارس أن تمتد
فتأخذ يد
الفتاة. وحين
يقام العرس
تجد الزين
حاضرا
ومساعدا. وتبدأ
قصة حب أخرى،
فقد كان
الزين "يخرج
من كل قصة حب
كما دخل، لا
يبدو عليه
تغيير ما،
ضحكة هي هي
لا تتغير،
وعبثه لا يقل
بحال،
وساقاه لا
تكلان عن حمل
جسمه الى
أطراف البلد"
(ص 23). إن الحياة
غير ممكنة
الا بالخروج
من قصة حب
والدخول في
قصة أخرى،
ولا يمكن
للحب أن
يتواصل الا
اذا تجنب تلك
النهاية:
الزواج،
ودليلنا على
هذا أن
الزين،
باعتباره
رسولا للحب،
قد انتهى
بزواجه من
نعمة، وبهذا
الزواج
يتراجع الحب
وينهزم،
وبخصوص هذه
النقطة
نوافق
الناقد محمد
خلف الله
عبدالله على
أن حياة ما
قبل العرس قد
"عاشها
الزين بكل
كيانه لحظة
لحظة، ورشف
من رحيقها
قطرة قطرة،
أي أن ذلك
الحدث برغم
الضجة التي
أثيرت حوله
وبرغم
الترويج
الذي لقيه ما
هو في
الحقيقة الا
نهاية فاجعة
لتك الحياة
ولتلك
الطاقة
الغامرة
التي كان
يبثها الزين
في قرية
ودحامد." (8)
ومن هنا
سنفهم لماذا
ذهب الزين
الى قبر
الحنين
حينما كانت
احتفالات
عرسه في
أوجها، فقد
كان ذلك
الذهاب
دلالة
الاستسلام
والاعتراف
بالهزيمة،
ان لم يكن
الزين، كما
يرى الشيخ
محمد الشيخ (9).قد
شيع نفسه
بالفعل الى
المقابر
لاحقا
بالحنين،
ويكفينا
أيضا أن نذكر
أن الزين بعد
الزواج
صارعن
الأعيان. (10). إن
شرط الحياة
هو الحب،
لكنه ليس
الحب الذي
ينتهي الى
الزواج، بل
هو الحب الذي
يجري وراء
موضوعا
باستمرار،
أي أنه
بالفقدان
يستقيم الحب
باعتباره
رغبة،
والموضوع
ليسر امرأة
بعينها بل هي
المرأة:
الزين يخرج
من قصة حب
امرأة ويدخل
في في قصة حب
امرأة أخرى.
يعني أن
الموضوع
الحقيقي
لهذه الرغبة
هو الذي يبقى
الزين على
حاله ويبقي
الحياة في
أوجها.
وبمعنى أخر،
هو الذي يبقي
ذات الحب
مخصية، إذ
كلما كانت
هكذا تواصل
الحب وتقوت
الحياة:
فالزين
تنقصه بعض
صفات
الذكورة (يقول
النص "ولم
يكن على وجهه
شعر اطلاقا.
لم تكن له
حواجب ولا
أجفان، وقد
بلغ مبلغ
الرجال
وليست له
لحية أو شارب"
(ص 12) ويختط
غالبا
بمجتمع
النساء. وهذا
يعني أن الحب
والحياة
يشترطان
الإخصاء
والأنوثة،
فيحين تؤدي
الذكورة
واستعادة
الفالوس الى
الموت: يتقدم
الزين "يوم
عرسه هاشا
بسوطه نحو
ذكورته،
بينما
تتراجع نعمة
يوم عرسها
الى دائرة
الظل أو الا
ظلال الكامل
(11)... يوم العرس
يقف الزين،
عند عودته من
مقبرة
الحنين
وكأنا يودع
الحياة
السابقة. في
قلب الدائرة
"فكأنه صاري
المركب" (ص: 104)،
ولباسه خير
دليل على
دخوله عالم
الذكورة: على
رأسه عمامة
كبيرة وفي
يده سوط طويل
من جلد
التمساح. وفي
اصبعه خاتم
من ذهب له فص
من الياقوت
في هيئة رأس
الثعبان (ص 96- 91). لكز
ما ينبغي
الانتباه
اليه هو
استحالة
الفصل بين
حياة هذا
الكائن
التخييلي (والتي
هي حياة
التخييل
نفسه) وبين
حياة الحب (أي
حياة الرغبة)
وعندما
تقارن بين
بنية الرغبة
وبنية السرد
في هذا النص
نكتشف
خضوعهما
لنفس
الاولويات. فالسرد،
مثل الرغبة،
لا يتواصل
الا في غياب
الموضوع (أي
بعدم حصول
اللقاء
التام
والنهائي
بين الذات
والموضوع).
وهذه
النتيجة قد
توصل اليها ت.
تودوروف في
تحليله لأحد
النصوص (12).
لكننا إذا
أردنا
الدقة، وفي
ارتباط دائم
بالنص موضوع
الدراسة،
فإن بنية
السرد -
الرغبة
خاضعة في نص
عرس الزين
للعبة "الاختفاء
والعودة"
التي
تناولها
فرويد
بالدرس.
فالزين يرمي
بحبه الى
فتاة الى أن
تتزوج،
فيستعيد
قلبه، ليعيد
مرة أخرى
رميه الى أن
ترحل
الحبيبة
فيستعيده،
وبذلك تختفي
الحبيبة
لتعود وتعود
لتختفي.
والأهم في
هذه اللعبة،
التي يخضع
لها السرد
كما الرغبة،
أنها محكومة
بقانون
التكرار
والفقدان.
باختصار
نقول أن
السرد في "عرس
الزين" يحيا
مادام الحس،
بهذا
المعنى،حيا،
ويموت بموت
الحب وقيام
عرس الزواج.
ولهذا سنفهم
لماذا انتهت
الرواية
بحفل الزواج
- العرس. 2-
الاحتفال
بلأنا
المثالية: 2-1
يقدم لنا
السارد في
هذه الرواية
بيوغرافيا
انسان اسمه "الزين"،
وهذا النمط
من
البيوغرافيا
يندرج تحت ما
يسميه م.
باختين
بالنمط
الاجتماعي
العائلي،
وفيه يتعلق
الأمر بقيم
اجتماعية -
عائلية. وهذه
القيم
البيوغرافية
قيم مشتركة
بين الحياة
والفن، أي
أنها أشكال
وقيم
استتيقا
الحياة. (13). ولا
يمكن أن نفهم
لماذا يحتفل
السارد
بشخصية
الزين
وبالنمط
الاجتماعي -
العائلي
الذي خلقته
هذه
الشخصية،
الا اذا
اعتبرنا
العلاقة بين
السارد
والشخصية،
بين "أنا"
السارد و "هو"
الشخصية،
علاقة بين
الأنا (السارد)
والأنا
المثالية lemoi
ide’al (الزين).
والقارئ -
المحلل يأخذ
هنا بمفهوم
الأنا
المثالية
الذي وضعه س.
فرويد في أول
دراسة
استعمل فيها
هذا المفهوم
سنة 1914م (14). وهو
يعني بالأنا
المثالية
تلك الأنا
الواقعية
التي كانت
موضوع
الاشباعات
النرجسية
الأولى،
ولكن فيما
بعد،
تفتقدها
الذات،
وستسعى
جاهدة
لاسترداد
هذه الأنا
المثالية
باعتبارها
تخصص تلك
الحالة التي
تكون فيها
الذات في
كامل قوتهاDetaute
puissance. يعني
حالة ذلك
الزمن الذي
كان الطفل
يرى فيها
مثله الأعلى
في ذاته
الخاصة. ولن
يخفى على
القارئ أن
شخصية الزين
تحمل كل
خصائص هذه
الأنا
المثالية
التي تمكنت
الشخصية
الشعرية (أنا
السارد)، من
استردادها
في كامل
قوتها من
خلال
تخييلية هذا
النص. ويهمنا
أن نقف عند
بعض خصائص
هذه الأنا
المثالية. أ-
قوة الباطن
وجماله: إن
شخصية الزين
قبيحة الشكل
والهيئة،
فشكله أكثر
غرابة وبعدا
عن أشكال
الرجال من
قومه: "كان
وجه الزين
مستطيلا،
ناتئ عظام
الوجنتين
والفكين
وتحت
العينين،
جبهته بارزة
مستديرة،
عيناه
صغيرتان
محمرتان
دائما،
محجراهما
غائران مثل
كهفين في
وجهه. ولم
يكن على وجهه
شعر اطلاقا.
لم تكن له
حواجب ولا
أجفان، وقد
بلغ مبلغ
الرجال
وليست له
لحية أو شارب.
تحت هذا
الوجه رقبة
طويلة [...].
والرقبة تقف
على كتفين
قويتين
تنهدان على
بقية الجسم
في شكل مثلث،
ذراعان
طويلتان
كذراعي
القرد.
اليدان
غليظتان
عليهما
أصابع
مسحوبة
تنتهي
بأظافر
مستطيلة
حادة [...]. الصدر
مجوف،
والظهر
محدودب
قليلا
والساقان
رقيقتان
طويلتان
كساقي
الكركي، أما
القدمان فقد
كانتا
مفلطحتين
عليهما أثار
ندوب قديمة...".
(ص 11-12). إن
السارد، وهو
يقدم وصفا
لهذا الظاهر
الغريب،
يسعى الى لفت
انتباهنا
الى أن
الظاهر
غالبا ما
يكون خداعا
غير زي أهمية
والى أن قوة
الشخصية لا
تكون في
الظاهر وبه،
بل إن هذه
القوة لا
تكون الا في
الباطن وبه،
الى حد يمكن
أن يكون معه
الباطن نقيض
الظاهر كما
هو الحال في
شخصية الزين.
وبهذا،
فمثال الأنا
لا يكون
ظاهريا بل
باطنيا
وروحيا، ذلك
لأن قوة
الباطن
وجماله أخلد
وأبقى من
جمال اظاهر
وقوته. فالزين
يعتبر رسولا
للحب
والرحمة. ولم
يكن أبدا ذا
خطورة على
الفتيات
اللواتي
يعلن في
الملأ حبه
لهن، لأنه لم
يكن صاحب نفس
أمارة
بالسوء.
وكانت للزين
صداقات
عديدة مع
أشخاص تعدهم
القرية من
الشواذ
والعجزة مثل
عشمانة
الطرشاء
وموسى
الأعرج
وبخيت الذي
ولد مشوها
ليست له شفة
وجنبه
الأيسر
مشلول. فقد
كان يعطف على
هؤلاء: اذا
رأى عشمانة
الطرشاء
قادمة، وهي
تخاف من كل
أحد، حمل
عنها الحطب
وداعبها. أما
موسى
الأعرج،
فرجل طاعن في
السن يعاني
في مشيه،
معدم بلا أهل
ولا أحد
يخدمه، أخذ
الزين بيده
وبنو له بيتا
يأتيه في كل
يوم بالطعام.. ومن
هنا لم يكن
غريبا أن
تذيع أم
الزين أن
ابنها ولي من
أولياء
الله، وأن
يلقبه الشيخ
الحنين
بالمبروك،
فبفضله ساد
الحب وسادت
الرحمة. إن
شخصية بهذه
الصفات فرضت
على السارد
أن يعرض عن
الخارج (خارج
الشخصية) وأن
ينزع نحو
الداخل (داخل
الشخصية).
وإذا نحن
أخذنا بعين،
الاعتبار
المرحلة
التاريخية
والأدبية
التي ظهرت
فيها هذه
الرواية،
فإننا
سنكتشف أننا
إزاء سارد
بوضع
اعتباري
جديد من أهم
خصائصه
الاهتمام
بالواقع
الداخلي
اللامرئي
بدل الواقع
الخارجي
العيني،
وهذا التوجه
الجديد فرض
طرائف سردية
لم تكن
مستثمرة
بشكل كبير
فيما قبل. هكذا
نجد المحكي
النفسي
حاضرا بقوة
في مختلف
أشكاله، بما
له من فعالية
نفاذة الى
دواخل
الشخوص
وأعماقهم،
وهذان
نموذجان من
الشكل
التلفظي (وهو
شكل من أشكال
المحكي
النفسي)
نختارهما من
بين نماذج
كثيرة: -
"وكانت نعمة
[...] تحس أن
الزوار
سيجيئها من
حيث لا
تحتسب، كما
يقع قضاء
الله على
عباده، مثل
ما يولد
الناس
ويموتون
ويمرضون [...] لم
تكن تحس بفرح
أو خوف أو
أسى حين تفكر
في هذا،
ولكنها كانت
تشعر
بمسؤولية
كبيرة ستوضع
على كتفيها
في وقت ما" (ص 38). -
"كانوا في
دخيلتهم
يحتقرونه [...]
وكان يرتبط
في أذهانهم
بأمور يحلو
لهم أن
ينسوها:
الموت
والآخرة
والصلاة.
فعلق علـى
شخصه في
أذهانهم شيء
قديم كئيب
مثل نسيج
العنكبوت" (ص
73). وإن
كان المحكي
النفسي
التلفظي
حاضرا، فإن
المحكي
النفسي في
شكله
اللاتلفظي
هو الأكثر
هيمنة، وهذا
يوضح أن
السارد لم
يعرض بصفة
نهائية عن
الخارج بقدر
ما يحاول فهم
مختلف
الترابطات
والعلائق
القائمة بين
الداخل
والخارج،
يعني أنه من
خلال تفكيك
العلامات
الخارجية
يتمكن
السارد من
النفاذ الى
أعماق
الشخصية،
فهذا النمط
مز المحكي
النفسي
يستطيع أن
يمنح تعبيرا
فعالا لحياة
ذهنية بقيت
دون كغيظ،
بقيت مبهمة
وغامضة،
وبمعنى أنه
يتمكن من
ابراز ما لا
تستطيع
الشخصية
التعبير عنه
لفظا، يتمكن
من ولوع مجال
في الحياة
الداخلية
يكونت بحاجة
ماسة الى
وساطة سردية
ما دام يجمع
بين النفس
والجسد في أن
واحد. وهو
بهذا مجان
ينفلت من
التلفيظ،
لكنه يرتبط
بأعماق ما
وراء الوعي،
بأعماق تقع
تحت اللفظ Infra-verbal.
وهذان
نموذجان من
هذا الشكل
السردي
الفعال: -
"ويقع هذا
موقعا حسنا
في نفس
الزين،
فيستلقي على
قفاه ضاحكا،
ثم يضرب
الأرض بيديه
ويرفع رجليه
في الهواء
ويظن يضحك
بطريقته
الفذة" (ص 12-13). -
"كان منتشيا
دون شرب من
الضجة التي
تضج حوله،
يبتسم
ويضحك، يدخل
ويخرج بين
الناس، يهز
بالسوط
ويقفز في
الهواء،
يربت على كتف
هذا، ويجر
هذا من يده،
ويحث هذا على
الأكل،
ويحلف على
هذا بالطلاق
أن يشرب" (ص 97). وتزداد
فعالية
المحكي
النفسي
عندما يحدث
تناوب، في
المقطع
الواحد، بين
كل أشكاله:
فنجد
الشكلين
السابقين
الى جنب
الشكل
التشبيهي
الاستعاري،
وبهذا
التناوب
والزواج
يبلغ المحكي
النفسي
مستوى أعمق
في داخل
الوعي
اللفظي -
التحتي Conscience
Infra-verbal
مثلما يمتلك
قوة أدبية
تجعل القارئ
يتوقف عند
هذه
التشبيهات
والاستعارات،
وهذا نموذج
عن هذا
الزواج
الرائع
والفعال: "أصبح
الزين رسولا
للحب، ينقل
عطره من مكان
الى مكان.
كان الحب
يصيب قلبه
أول ما يصيب،
ثم ما يلبث
أن ينتقل منه
الى طلب غيره.
فكأنه سمسار
و دلال أو
ساعي بريد.
ينظر الزين
بعينيه
الصغيرتين
كعيني
الفأر،
التابعتين
في محجرين
غائرتين،
الى الفتاة
الجميلة،
فيصيبه منها
شيء لعله حب؟
وينوء قلبه
الأبكم بهذا
الحب،
فتحمله
قدماه
النحيلتان
الى أركان
البلد يجري
ها هنا وها
هنا كأنه
كلبة فقدت
جراءها،
ويلهج لسانه
بذكر الفتاة
ويصيح
باسمها حيث
كان" (ص 23). وإذا
كان المحكي
النفسي
حاضرا بشكل
يصعب معه
التمييز
بينه وبين
المحكي
العادي،
فإننا نجد
المونولوج
الداخلي
كذلك حاضرا
في مختلف
أشكاله
وأنماطه (المونولوج
المنقول،
المونولوج
المسرد)،
بحيث يضعنا
داخل الحياة
الداخلية
للشخصية
محترما
لفتها
الخاصة، أو
أنه يجعل من
الخطاب
الساردي
قناعا نسمع
من خلاله
الصوت
الداخلي
للشخصية،
وهذان
نموذجان من
هذا الشكل
السردي: "وكانت أم الزين تحس أن حياتها تنحدر للغروب [...] فهذا الزواج |