|
|||||
|
لأول
مرة أقرأ
عملا أدبيا
للكاتب
السوري حليم
بركات الذي
ولد في قرية
الكفرون
السورية سنة
1933، ثم هاجر مع
أمه صبيا الى
بيروت
ليتخرج في
الجامعة
الأمريكية (ماجستير
في علم
الاجتماع)
ومن ثم يحصل
سنة 1966 على
دكتوراة في
علم النفس
الاجتماعي
من جامعة
ميتشجان في
الولايات
المتحدة، ثم
يعمل أستاذا
يه الجامعة
الأمريكية
والجامعة
اللبنانية
لينتقل
نهائيا الى
الولايات
المتحدة
ويعمل
أستاذا
وباحثا في
جامعاتها. هذا
المجتزأ
الببلوغرا
في ضروري
هنا، لأننا
بصدد وراية
تعتما
السيرة
الذاتية ولا
تغادر هذه
السيرة حيث
الشخوص
والأزمنة
والأمكنة
لكنها
تقدمها في
شكل روائي.
ومن خلال هذا
العمل
السردي
لسيرته
الذاتية
يحاكم حليم
بركات
المدينة
الآلية في
ذروة توحشها
التقني كما
تتجلى في
النموذج
الأمريكي
الذي يمنع
الاحتجاج ضد
القتل ويبيد
مجتمعات
بربرية
وأخرى
متحضرة
يحدوها الى
ذلك الجشع
والسيطرة
على اقتصاد
اله لم لتصب
جميع أنهار
العالم في
المجتمع
الامريكي. وفي
هذا السياق
يتطرق
الروائي
السوري الى
الصراع
العربي
والاسرائيلي
عندما يتحدث
عن الولد
المشوه
المصاب بمرض
الفيل الذي
من علاماته
تلك الذراع
الطويلة
القوية
الضخمة التي
يضرب بها في
كل اتجاه،
فكان أهله
مضطرين
دائما لأن
يدافعوا عنه
ويطالبوا
بقية
الأولاد أن
يتجنبوه
ويتفهموه
بحجة أنه
مريض وحساس
ومعقد. ويشير
الروائي
حليم بركات
في نصه الى
ان اسرائيل
هي هذا
الولد،
وأمريكا هي
الأهل "المضطرون"
لأن يدافعوا
عنه
باستمرار.
وهذه
المحاكمة
تعتمد على
المقارنة
بين هذا
النموذج
المدني
اللاانساني
ونموذج نقيض
هو القرية
السورية
التي ولد
فيها "الكفرون"
حيث تومض
وتتوهج في
النص نشيدا
انسانيا
جليلا يحمل
من طفولة
البشرية
ونقائها
وسموها
القيمي ما
يجعله نقيضا
جميلا يدين
بشاعة
التصحر
الانساني
الذي تشهده
الحضارة
التقنية
ونموذجها
الامريكي.
ورغم اكباري
لهذه الرؤية
الوطنية
الانسانية
التي تصدر
عنها رواية "طائر
الحوم"
لحليم بركات
الا انني
أسجل بدءا
ملاحظة مهمة
عندي تتعلق
بلفة الكاتب
العربية
طبعا. فأنا
ازاء الطبعة
الثانية من "طائر
الحوم" التي
صدرت عن دار
الأهالي في
دمشق في 159
صفحة من
القطع
المتوسط بعد
أن كانت
طبعتها
الأولى قد
صدرت في
المغرب. وقد
خص الكاتب
عبدالرحمن
منيف الطبعة
الثانية
بمقدمة شغلت
16 صفحة
تقريبا برر
في فقرة منها
لجوء الكاتب
بركات الى
عبارات
ومفردات من
اللهجة
العامية
السورية
زاعما أنها "كانت
وحدها التي
تؤدي المعنى
بدقة، وهي في
نغمر الوقت
اقرب الى
الفصحى،
ويمكن فهمها
بسهولة من
السياق..."
واعتقد أن
هذا التبرير
ليس دقيقا
لأن الكاتب
كان يعوض
بالعبارات
والمفردات
العامية
تمحل او شحة
زاده اللغوي
لأن ثمة
مفردات مثل (الكتام)
لها مرادفها
اللغوي
الفصيح "الامساك"
التي تستخدم
في المشرق،
ثم استخدام
مفردة "محسود"
بمعنى "حاسد"
ص 114. بل احيانا
نفاجأ
بتركيب شديد
الاضطراب،
خصوصا عندما
يتحدث عن "مجرد
مغامرة
طائشة من قبل
شباب مترف
عبثا
يحاولون ملء
الفراغ
الهائل في
حياتهم" ص 99،
فهو في الوقت
نفسه يعد
كلمة "شباب"
تدل على
المفرد
فيتبعها
بالصفة "مترف"
ثم بعد كلمة
واحدة يتصرف
مع كلمة "شباب"
نفسه وفي
السياق نفسه
على انها تدل
على الجمع
فيقول "يجدون"!
وفي أكثر من
موضع في النص
يتعامل مع
بعض وكأنها
تدل على
الجمع كقوله
مثلا "قرأت
أن بعض
الشباب
الأمريكيين
البيض
يعتدون على
المهاجرين
الكمبوديين.."
ص 138، والصحيح
أن يقول
يعتدي لأن (بعض)
تدل على
المفرد لا
على الجمع.
اضافة الى
استخدامات
غير مقبولة
من اديب
كحليم بركات
كقوله "يغني
للجنود
المنكسرة.." ص
131 لأن الجنود
ليست جمع
مؤنث !. وهذا
الاضطراب
اللغوي في
النص عائد
حسب اعتقادي
الى القطيعة
مع اللغة
العربية في
المهجر
الغربي حيث
التعامل
اليومي
قراءة
وكتابة مع
لفة أجنبية،
وهذا للأسف
ينسحب على
العديد من
الكتاب
العرب
المقيمين في
الغرب. واذا
كانت
اللامبالاة
ازاء سلامة
اللفة
العربية ذات
دوافع
أيديولوجية
عند البعض
فان ضعف لغة
حليم بركات
خلل وجودي
خصوصا وأنه
حريص على
التعبير عن
انتمائه
الوطني
والقومي
العربي،
وهذا
الانتماء
يبقى ناقصا
في ظل هزال
أبرز عناصر
تجليا
بالسبة الى
كاتب أديب،
الا أن هذه
الملاحظة لا
تلفي أهمية
النزوع
الشعري في
التعبير
السردي عند
حليم بركات
من خلال
اللجوء الى
تضمينات
مكثفة من
موروث الشعر
الشعبي
السوري من
جهة والى
اعتماد بعض
تقنيات
الشعر
الملحمي
الغنائي من
جهة ثانية
كتكرار بعض
الفقرات
التي بدت
الواحدة
وكأنها
لازمة في
النص، مع
احتفاظي
بملاحظة أن
هذا التكرار
الذي كان
ظاهره في
النص يعود في
المقام
الأول الى
محدودية
معجم حليم
بركات
اللغوي. بناء
الشخصية
يقوم
العمل على
شخصية
رئيسية
مكثفة قادرة
علي شد
القارئة
والقارئ
والغوص بهما
عبر
انهياراتها
وتداعياتها
الى عوالمها
المغلقة
وهذه
الشخصية
المتمثلة في
شخص الراوي
نفسه "حليم"
فاجأتنا
مرارا وهي
تقنعنا
بأدائها و "تخبطها"
بين الماضي
البعيد
والحاضر
المعيش الذي
من خلاله
تتفرع الرؤى
وتتوالد
مهرولة عبر
شرايين
الراوي الى
أرواحنا
ونحن نتلقى
أمثلة
الراوي
وكأنها
أسئلتنا نحن
ونتفاعل مع
أحاسيسه
وكأنها
احاسيسنا،
ونعجب
بسيرته التي
أطلق فيها
العنان
لبراءة
الأطفال
تفضح خفايا
هذا الكون
المت رجح بين
طلقة بندقية
وارتعاشة
جفن، بين
جناح طائرة
معدنية
وجناح طائر
حوم من لحم
ودم، بين
الهجرة
والعودة،
بين الحياة
والموت. وذلك
يكون من خلال
تأملات
ومشاعر
سربلت النص
الذي تحرك
سواكنه
الشخصية
الرئيسية
المدورة،
شخصية
الراوي
نفسه، بينما
ظلت شخصية
الزوج أو "الحبيبة"
باهتة مسطحة
عاجزة عن
اشعار
القارئ
بتفاعلها مع
الذي يدور
حولها او مع
فوران
الاحاسيس في
مخيلة
رفيقها الذي
لم يخف ذلك
عندما أشار
الى
لامبالاة
تلك الحبيبة
ازاء ما
يعتمل
داخله، والى
شرودها في
عوالمها
المغلقة
التي لم تفصح
عنها لتبقى
لغزا أمام
رفيقها
وأمامنا
كقراء. اذن
على امتداد
النص
تعترضنا
الشخصية
الرئيسية
وتستوقفنا
بشد
انتباهنا
واثارة
فضولنا
لنحاول
النفاذ الى
تلك العوالم
والمواضيع
المختلفة
التي يحملها
المؤلف نصه
سواء عندما
يرجع بنا الى
طفولته
الأولى في "الكفرون"
أو عندما
يسرد وقائع
حاضره
المعيش
الضاد
بالأمثلة
والتساؤلات.
ففي "طائر
الحوم" يفضي
الماضي الى
الحاضر
والمستقبل
معا. فمن
أعلى "جبال
شنندوه
الضيقة
المتشبعة
وسط نما بات
كفيفة ملونة"
في أمريكا
يرقب الراوي
طفولته في
الكفرون
ويتتبعها
ملتقطا فتات
عذابات
عانتها أمه
أو حبات قمح
تساقطت من
كفه وهو
يحاول الدنو
من طائر ذبيح.
أو يجمع لؤلؤ
دمعه الذي
نثره يوم فجع
بوالده الذي
عرق وتعب
وملأ الدنيا
فرحا وفتوة
شامخا
كتمثال
يوناني
يناجي الله،
ذلك الأب
الذي كانت
يده التي تضم
الدبوس
لتخوض
المعارك
صباحا تلتف
مساء حول
المنديل
وتديره في
الهواء خلال
رقصة
الدبكة،
وهذه اليد
التي كانت
أيضا تصافح
وتسامح بعد
أن تقتص هي
نفسها التي
احتوت يد
المؤلف
المرتجفة
يوم ودعه وهو
لا يزال صبيا
ذلك الوجه
الأبوي الذي
بلون العسل
المحروق
وداعا أبديا
بعد أن قبله
القبلة
الأخيرة. الماء
والذاكرة ومن
خلال الماء
الذي امتزج
فيه الماضي
بالحاضر
بالمستقبل
فجر المؤلف
كوامنه
فكانت "الأنهر"
أو الجداول
تناجي أجسام
الأطفال
العراة في "الكفرون"
والفتيات
الملفوفات
بثياب تشف عن
سحر غامض،
الجاذبات
الى كنوزهن
أعين الصبية
المتلهفة
التواقة الى
الإكتشاف
وملذات
تقشير
الرمان وقطف
المشمش. وكان
يلذ للكاتب
أن يقارن بين
كنوز جسد
صديقته
وكنوز الأرض
الأم
الصديقة في
آن معا. وفي
ذاكرة
المؤلف /البطل
تمتزج
شلالات نهر "البوتمك"
الجامحة في
أمريكا بتلك
الشلالات
الفرعية في "المخاضة"
بالكفرون.
ولأن المؤلف
قد عشق
الصراع
والحركة
فانه من خلال
كثافة الماء
هناك، من
خلال أغزر
الشلالات في
العالم ينفذ
الى "أنهره"
وشلالاته
المتدفقة من
ماضيه فحاول
اللحاق بذلك
الطفل الذي
ما فتئ يلهث
عاريا
يرافقه رذاذ
دموعه ورذاذ
عرقه ورذاذ
مطر تشح به
السماء ولا
تهبه الا
نادرا الأمر
الذي جعل أهل
قريته
يهاجرون
كالطيور
ويتوزعون
بين أصقاع
العالم بحثا
عن القوت كما
فعلت أمه و "نسيم
النبع"
وآخرون
أعياهم
البحث في جوف
قريتهم
الجاف ومضغ
خبز الخلطة (من
الشعير
والذرة
والقمح) مع
البصل و "الشنكليش"
هذا النوع من
الطعام الذي
أصبح فيما
بعد يمثل
جزءا من
الهوية
القومية
لأولئك
الذين
هاجروا من
قريته الى
الولايات
المتحدة أو
البرازيل أو
فرنسا. وبتلك
الذاكرة
التي ينشطها
العلو
والتحليق
فوق قمم
الجبال
يتسرب
المؤلف الى
مجامل مقفلة
وكنوز
ينثرها أمام
الأعين: بيوت
وموانئ
ونفوس تبحر
عطشى،
وعربات
تجرها
الخيول،
وهدير "بوسطة"
كالتي تغنت
بها فيروز،
وفتاة تحمل
قبقابها
بيديها كي لا
تزعج هدوء
المدينة
الملونة
المشعة،
فعندما
كانوا
يتوجهون الى
بيروت
بوابتهم الى
الهجرة
الكبرى كانت
أخته تصدق
مزاحه وهو
يشير الى
الصوت الذي
أصدره
ارتطام
قبقابها
بالاسفلت
فيحذرها من
أن ذلك الصوت
قد يوقظ
المدينة،
وكان هو
يشتهي
الحلوى لكنه
يكتم شهرته
فتقرأ أم
يوسف ذلك في
عينيه
وتشتري له
بعضا منها. ان
المؤلف
يراوح بين
مكان وجوده
في أمريكا
ومكان
الحكاية في
مخيلته
فتبزغ
الذكريات من
غصن حركته
نسمة عابرة،
أو من ورقة
سقطت على
كفه، أو من
يد حبيبته
التي حطت على
كتفه كعصفور
مرتجف،
فتحيله
الروائح
والأشياء
الى موطنه،
ولأن
الأجواء
التي
اختارها
المؤلف
للتأمل أو
الاشراف من
علو على
ماضيه كانت
تنسجم مع
مكونات ذلك
الماضي
الأساسية
كالما،
والريش
والتراب
والإخضرار
والاصفرار
بما توحي به
هذه
المفردات
وتدل عليه من
الحياة الى
الموت ومن
الاخصاب الى
الجفاف، ومن
التدفق الى
الجمود، ومن
الرحيل الى
العودة.. الخ.
جميعها
عوامل
مشتركة يحيل
واحدها الى
الآخر، ومن
خلالها كان
المؤلف
ينتقل من
مشهد الى
آخر، ومن ضفة
نهر في قريته
الى ضفة نهر
البوتمك،
ومن رائحة
الأوراق
اليابسة في
كفه وهو
يتجول في
غابات
أمريكا نفذ
الى تأمل
اخضرار
الشجر في "الكفرون"،
فكانت
المشاهد عبر
النص السردي
تتحرك
وتتدفق
متسابقة وهي
تغادر
الماضي لتشع
في الحاضر. وقد
نجح المؤلف
في هدم جدار
الحيز وجعله
يندمج بلحظة
التأمل
والكتابة،
وذلك من خلال
اختياره
للمكان
المناسب
الذي ينسجم
مع حيز
الحكاية
الذي اضطربت
فيه
الشخصيات
وبرزت منه
ملامح
الحكاية
وبوحها
وغموضها وكل
منافذها
المفضية الى
طفولته عبر
نشاط ذاكر ته
التي جعلت
الأحداث
تتراكب وتشع
كالجداول في
مظاهر
مختلفة بل
متناقضة
أحيانا. ولم
تكن حكاية
حليم مجرد
سيرة ذاتية
لإنسان عادي
بل تجاوزت
ذلك الى
حكاية أرض
وشعب،
فأطلعنا
الراوي، على
خفايا مراحل
حياته هو،
ومن خلالها
تفرع السرد
الى مسائل
أخرى أعم
وأهم ما فتئ
الانسان
العربي الى
اليوم يعائ
منها معاناة
تبدأ مع
ولادة
المواطن
العربي في
قريته حيث تم
تهميش
الضعفاء
الكادحين
واستنزافهم
من قبل ذوي
الجاه
والأغنياء
كالطبيب
الذي غرز
الابرة
وأفرغها في
لحم والد
حليم وذهب
ليشرب
القهوة مع
وجيه القرية
غير مبال
بموت المريض
أو حياته،
فقط كان يهمه
اقتسام
الليرات
الثماني
التي خلفها
المريض بعض
موته مع
القس،
فتألمت الأم
لذلك الظلم
والقهر الذي
ظل يلاحقها
شبحه مع طيف
الزوج
الراحل، ومع
خلال مشاعر
الأم ازاء
الطبيب
والقسر تسرب
الى المؤلف
كره مقيم
ازاء
الأغنياء
ورجال الدين.
ويسترسل
النص في وصف
هذه
المعاناة من
خلال شخصية
حليم القلقة
المتوترة
الحيوية
التي لم
تستقر على
حال، وظلت
تدرو حول
الحكاية
متحفزة
مزدحمة
بالأسئلة
باحثة عن
أجوبة تضيء
كل غموض
يعترضها
مسربلة
الأشياء
والأشخاص
والنظريات
برؤية ترفض
القيود
والأقنعة
الأمر الذي
ذكري
بشخصية، "عصيان"
في "مرافئ
المشرق"
لأمين معلوف. مقارنة
بين بطلين
مغتربين
لقد
ترك بطل "موانئ
المشرق"
الأقدار
تتحكم في
مصيره رغم
انه ولد في
منزل ثري
ورثه مع ثروة
عن أبيه وجده.
وكان يحب
الناس
ويحتقر
الفوارق
بينهم
اجتماعية
كانت ام
دينية أم
عرقية. ولكن
بينما كان "عصيان"
الذي نشأ
مدللا وهاجر
كي يدرس الطب
فيجد نفسه
منخرطا في
صفوف مقاومة
النازية
بالجيش
الفرنسي،
ويتعامل مع
قضايا
المشرق،
قضايا وطنه
وجذوره، بلا
مبالاة، فلا
فرق عنده في
أن يكون
عربيا أو
يهوديا، م
يحلم
بالسلام بين
شعوب يرفض
أفرادها أن
يتصافحوا،
فإننا نلاحظ
رفض حليم تلك
الأوهام "العصيانية"
أو
المعلوفية
بدءا من وهم
الديمقراطية
الغربية
التي يختلف
خطابها
الاعلامي عن
تطبيقها
الواقعي
خصوصا عندما
يتعلق الأمر
بحاكم
ومحكوم او
شعب قوي وآخر
ضعيف. كما
نلاحظ
اختلاف حليم
عن عصيان من
الناحية
العاطفية
فعصيان تزود
من يهودية
وأحبها بلا
عناء بينما
يكره حليم
حتى أن تجلس
بجانبه عجوز
يهودية في
الطائرة
تكره فاجني
وتتهمه
بالنازية
بالرغم من أن
ذلك
الموسيقار
العظيم مات
قبل أن يولد
هتلر بست
سنوات فأي
جدوى من
الحديث عن
سلام مع
أمثال هذه
التي قضت
حياتها تجمع
المال
لإسرائل؟
فلم يتردد
حليم في
استفزازها
وتحديها،
والأمر نفسه
حصل مع تلك
العجوز
الأمريكية
التي احتجت
على التكلم
بلغة عربية
في حديقة
أمريكية
عامة فحاول
التصدي لها
لولا اعتراض
حبيبته. انها
انفعالات
وأحاسيس
عربية أصيلة
ترفض
المغالطة
والمراوغة
والمجاملة
على حساب
الحقائق
التاريخية
والحقوق
المشروعة. ورغم
أن "عصيانا"
كان يتكلم من
حانة أو مقهى
في باريس (أرفض
الحرية) فانه
لم يتمكن من
كسر ذلك
الجدار الذي
ظل يلاحقا.ويطارده،
وهو كونه
انسانا بلا
هوية، فقد
هويته منذ
تزود جده
الطبيب جدته
المجنونة،
وتزوج والده
الأرمنية،
ثم تزوج هو
اليهودية،
ومنذ أن وجد
نفسه يكافح
من أجل قضية
لقنوه أنها
قضية العرب
واليهود معا
اقتنع بذلك
من غير نقاش،
وظل على هذا
الاقتناع
حتى بعد أن
بنى اليهود
الصهاينة
الحواجز
فقتلوا
الأطفال
وهدموا
المدن
وحرموه حبا
وابنته
وحياته.. فقد
عانق "كلارا"
بعد خروجه من
غياهب جنونه
الطويلة
واستأنف
حياته معها
رغم أنها
جعلت من
ابنته "اسرائيلية". أما
حليم الذي
يعيش في
أمريكا
القوة
العظمي ان لم
نقل الأعظم،
فتر كافر هو
وأهله وأهل
حبيبته من
أجل توفير
العيش
الكريم في
بلاد "العم
سام" رافضا
عجرفة وزيف
وظلم وتوحش
الحضارة
الأمريكية
القائمة على
التفوق
التقني وسحق
الإنساني
والعادل في
أمريكا
نفسها وفي
العالم،
فيرحل حليم
بحنينه الى
جذوره هو
وارضه التي
يعود اليها
المهاجرون
مثل "طيور
الحوم" رغم
ترصد
الصيادين
هناك وإثارة
الفزع في كل
من أراد
العودة،
وكأن
الصيادين
العرب
يفضلون
تشتيت
الطيور
المهاجرة
واجبارها
على البقاء
بعيدا. ولكن
رغم اختلاف
المواقف
وطريقة
تناول
المواضيع
تبقى
الأجواء
التي انطلق
منها النصان
واحدة، اذ أن
الأمر يتعلق
سيرة ذاتية
وفترات قصية
من حيوات يتم
الالتحام
بها مجددا من
مكان بعيد (من
مقهى أو حانة
في بار يمر
بالنسبة
لعصيان، ومن
فوق ذروة جبل
عال أو غاب
في أمريكا
بالنسبة
لحليم).
ويلتقي
النصان
بالذهاب
مباشرة الى
الطفولة
ومحيطها،
فرغم اختلاف
طرائق
التعبير
والأحداث،
فإن الأجواء
والفضاءات
تكاد تكون
متشابهة،
فقد كان
لحليم
عرزاله
أيضا، بناه
والده من
الأغصان
لينام فيها
صيفا، فأخذ
مكانه من
مخيلة حليم
تماما كما
أخذ من مخيلة
عصيان او
ذاكر ته
مكانه.لك
العرزال
الحجري على
قمة الجبل
الذي كان
عصيان يرافق
جده اليه. وكما
ارتبطت
علاقة حليم
بأمه
بالغياب،
فكانت الأم
فاعلة نشيطة
مكافحة الى
ان غيبها
المرض في
حالة من
اللاوعي،
ارتبطت
علاقة عصيان
بأمه وجدته
بغياب مشابه
يقيم في
لاوعي الطفل.
فللأم عند
الكاتبين
صورة واحدة
تقريبا تدعو
الى
التعاطف،
انها أم
مكافحة
معذبة في
صحوها
وغيبوبتها
ضحية في
صحتها
ومرضها. ولكن
اذا كان
عصيان قد بدا
منبهرا ازاء
ما يعترضه في
غربته
الباريسية
خاصة فإن
حليم يمتلك
رؤية نقدية
ازاء كل ما
يعترضه في
غربته
الامريكية،
وفي المقابل
يبدو مخلصا
لجذوره
متمسكا بها
بدءا من أمه
وممولا الى
حبيبته التي
اختارها من
وطنه مرورا
بالشرق
الدائم الى
الوجوه
والأماكن
والمأكولات
والروائي
والأغاني
الصادرة عن
طفولته
البعيدة،
التي يرى
فيها أسالته
وجوهره
وبابتعاده
عنها يشعر
أنه تائه أو
كأنه طائر
مبتور
الجناحين.
ولكنه كان
دائما تمسك
الواعي الذي
يرفض
التضليل
الذي يغيب
العادل
ويرفض
التعصب
الشوفيني
الأحمق في
الوقت نفسه. ان
مهارة
السارد تبقي
القارئ
منقادا له
متوغلا في
أدغال روحه
التي لم
يفارقها
المرح رغم
الهموم التي
تثقلها،
فيباغت "الحبيبة"
والقراء
بالنكات
والطرائف
التي تخفف من
تجهم النص في
بعض صفحاته
التي تستعرض
أفكار
الكاتب
ومواقفه. افكار
على مقاسات
الشخوص
وينبهر
القارئ
بتلاعب
المؤلف
بالأحداث،
بحيث يجعله
ينتظر
متشوقا
نهاية الحدث
فيفاجئا
بالانتقال
السلس الى
حدث آخر أفضى
اليه سابقا،
كما يفضي
السؤال الى
سؤال آخر
خصوصا وأنت
تحاول الدنو
من الشخصيات
التي أحضرها
الراوي الى
عالم حكايته
ورسم لها
أدوارا
مختلفة
ساعدت على
ابراز دور
شخصيته
المتغيرة
الأحوال
المتبدلة
الأطوار
التي وظفت
عوالم تلك
الشخصيات في
اضاءة جوانب
مهمة من
الحكاية وفي
مقل مواقف
البطل،
فألبسها
أحيانا
أفكاره
وجعلها
تنتفض
بواسطتها
داخل حيز
الرواية،
وكأن تلك
الأفكار
فصلت على
مقاسات تلك
الشخصيات
وليس العكس،
فيجعلك
تلتقي "مخولا"
وتمسح دموعه
المنسابة
وهو يصفي الى
"العتابا"
يؤديها والد
البطل،
وتقاسم "حليما"
ذلك الشعور
بالذنب الذي
انتابه
حينها وهو
يتأمل ذلك
الكائن الذي
شوهته العقد
والطبيعة
أيضا ليتجمل
بالإصغاء
الى غناء
والد حليم
العذب فبدا "مخول"
أليفا رائعا. والشاعر
نسيم النبع
الذي كان
يتدفق شعرا
شعبيا و "ميجنا"
"وعتابا"،
ويضرب الأرض
بقدميه
فيطرب
المتعبين
الساهرين من
حوله ويشيع
الحب والدفء
في القلوب
والأرواح
مثله مثل
اصدقاء حليم
وصديقاته
الصغيرات
اللواتي
امتزجت
ذكراهن في
مخيلته وفمه
بطعم المشمش
والرمان
والتراب
والماء في
قريته
الحبيبة
التي وصفها
وكأنها جنة
هائمة لا
يعرف أهلها
الحقد، واذا
ما تنازعوا
مرة صباحا
فان الدبكة
والميجنا
تجمعانهم في
المساء
فتتشابك
أيديهم
وتتعانق
ابتساماتهم،
وينسون في
خضم فرحهم
ورقصهم
الأحقاد
والضغائن
والتعب
والجوع. جميع
هذه
الشخصيات
تؤكد مهارة
حليم بركات
فيجعل
أفكاره
شخوصا تبدو
للقارئ
وكأنها من
لحم ودم. ومن
جهة ثانية
فان القارئ
يتوقف
باعجاب عند
مقدرة شخصية
حليم في
الحكاية على
ربط
العلاقات مع
الشخصيات
الأخرى سواء
كانت مستمرة
أو عابرة
كتلك الفتاة
السوداء
التي أراد أن
يعلمها كيف
تبسط كفيها
للماء وتشرب
منهما، أو
كموظفة
الحجز في
الطائرة،
التي دار
بينه وبينها
حوار طريف
جعلها تحلم
برجل يطل من
ليالي
شهرزاد، له
حريمه وخدمه
ويطير على
بساط الريح،
فقط لأن
مخاطبها
عربي رغم أن
جذورها
عربية من
ناحية أمها،
ولكن يبدو
أنها شاهدت
شريطا
سينمائيا من
بطولة عمر
الشريف اسمه
"حريم"
فأعجبتها
أوضاع
النساء فيه.
وأيضا كفتاة
المصعد التي
حاورها حليم
بشأن تمثال
جورج
واشنطن،
وكان الحوار
ذريعة فنية
لعرض
التمييز
العنصري
الذي يعان
منه زنوج
أمريكا بسبب
اختلاف لون
بشرتهم. انها
أحداث
ووقائع
وشخصيات
جعلت النص
حيويا أكثر
الى جانب دور
الشخصية
المحورية
التي تنشط
هذه الوقائع
بوجودها
المكثف
أينما حلت
وعلى امتداد
الرواية
بأزمنتها
وأمكنتها،
فالراوي /
البطل لا
يستصعب ولا
يستبعد،
تستهويه
المغامرة
والانطلاق،
ودائما
يحدوه مشهد
طائر الحوم
وهو يستعرض
أمام عينيه
أحلامه
ورقصه
وموته، يهز
كيانه من
الداخل
فيهزأ
بالموت فجأة
بعد أن كان
يرتجف أمامه
ويبكي،
يناديه،
يفتش عن
طريقة لهزمه
وتطويعه. انه
حقا شخصية
شجاعة
ومعقدة، لم
يخجلها
البوح، ولم
تلجمها
الحواجز
والكوابح
الدينية أو
السياسية
فتعرت كطفل
الرواية
وركضت بنا
عبر المجامل:
المعقول
منها وغير
المعقول،
فانهارت
الجدران
أمام جموحها
وهي تنتفض
معبرة في
براءة
الأطفال
تارة وفي
بلاغة
الفلاسفة
تارة أخرى
عما يختلج في
أعماقها من
كفر وايمان،
خير وشر، حب
وكره، غضب
ورضا، وحتى
تلك الذنوب
الصغيرة
التي تهز
ضميره الذي
ظل محتفظا
بطفولته كشف
عنها الكاتب:
ندمه وهو
يأكل حمائم
السلام، أو
هو يهدم
أعشاش
العصافير
رغم حبه
لطيور الحوم
والحمام،
سرقة البصل
من حديقة
الجارة
ومعاقبته عن
ذلك بالضرب.
ندمه وهو
يحرق يد أخته
الصغيرة عن
غير قصد، أو
ندمه لأنه
حلم بابنة
الجيران
تعانقه وهو
ينتهك براعم
جسدها.. انها
اعترافات
شجاعة قل أن
تصدر عن كاتب
عربي. اذن
بعد أن غصنا
في روح
المؤلف كما
كانت تغوص
الأسماك في
نهر الكفر ون
نتساءل:
لماذا اختار
حليم بركات
أن يتداعى
ويبوح من فوق
قمة جبل محاط
بغاب كثيف في
أمريكا؟ هل
خوفا من أن
يطمس الضجيج
ملامح
الحكاية
ويطغى على
هدوء الروح
وسكينتها
فينقطع
الخيط
الرابط بين
المؤلف
وماضيه؟ أم
لاعتقاد
المؤلف بأن
استحضار
الأرواح لا
يتم الا اذا
هيئ له الطقس
المناسب،
فتسلق الجبل
وأحاط نفسه
بالطبيعة
التي منها
كون نسيج
لغته،
الطبيعة
التي منها
انبثق
واليها يعود. لكننا
رأينا
المؤلف بعد
أن أكمل
رحلته داخل
ذاكر ته
ومخيلته وهو
يعود ليلتحم
من جديد بتلك
المدينة
الأمريكية
المليئة
بالضجيج،
فينسى كل شيء
ويعود الي
العمل
والحياة
اليومية
التي تسحق
الأرواح
مللا وضجرا،
لا جديد فيها
غير الفرح
الذي رافقه
بعد متعة
البوح أو
الخلاص. واذا استثنينا قفز الرواية أو الراوي عن مرحلة حياته في بيروت التي يفترض أن تكون أغنى من مرحلتي الكفر ون وأمريكا لأنها مرحلة الصبا والشباب، ومرحلة معاناة الأم في تربية حليم واخرته بعد موت أبيهم، فضلا عن تفرجه من بعيد على بيروت تطحنها الحرب الأهلية. علما أن الرواية لم تخل من نقد ذاتي على هذا الصعيد، اذا استثنينا ذلك الى جانب ما أشرنا اليه على صعيد لغة الرواية آنفا، لابد أن نقر بأن حليم بركات أبدع في وصف مكونات الطبيعة: الغيوم، الأنهار، الأشجار.. الخ، ولأن شخصية حليم كانت أيضا نامية متمردة تركض جيئة وذهابا بين الحاضر | |||||