يتيمة الدهر
خواطر ويوميات

سيف الرحبي

قافلة تسير في ليل دامس. من غير حداء ولا دليل ولا كلاب تنبح:

جنازة الليل الكبرى تمخر عباب الزمن.

***

في وقت من أوقات الغروب، ينفجر فيه قلب النيازك مشعلة حرائق في السماء، تصفية لحساب قديم، جراحا لا تشفى.

***

عند مجرى مسيل قديم، شاهد لأمل مرة عينين تنطفئان في الظلام. كان ذلك أول إشارة موت في جبل الوقائي والإشارات الذي غصت به حياته اللاحقة.

***

يقرأ المسافر في خطواته وهي تقدح المسافة أحداث الأرض والسماء خارطة أفلاك ومتاهات.

***

كل هذه الهشاشة. كل هذه الخديعة والارتباك لجمالك الكلي.

***

ذلك الغضب الذي ينتابنا في أوقات فراغ ما؟ تلك القوة الهادرة في الأعماق. ما يشبه انتقاما لا واعيا من مبدأ الكينونة نفسه. ربما هو الذي أشعل حروب العالم.

***

جنرالات يرضعون الليل والفراغ بمصاصات أطفال هرمين، مستلقين على أسرتهم المعدنية في المنازل المهجورة التي تعج بالعظايا

 


والرفات. لقد أنهكتهم الحروب والدسائس من

غير أن يعيشوا الحياة لحظة واحدة.

***

ليست الشكوى ولا غيرها ما يجدي أمام الملمات.

لأن من تفضي اليه إما ان يشمت فيك.

واما انه لا يصفي اليك وان تظاهر بذلك فهو

في واد آخر. وإما أن يعتبر نفسه وقع ضحية

ثرثرة مزعجة بالإمكان تفاديها. الصمت

ربما، أو الركض على حافة منحدرات

صخرية من غير الالتفات إلى الوراء، وأمامك المحيط.

***

جاء الى المقهى وهو يغالب ضحكة تنفلت بين

الحين والآخر، ليلتقي أصدقاءه، فهرعت اليه

الأشباح كسحرة يطيرون في الهواء.

***

تلك المرأة التي كان الجمال غريزة حياتها

الكبرى. تتغذى من مراعيه كما يتغذى النحل

من الأزهار. منعمة حتى في الشقاء: هبة

السماء لمتسكع لا يحلم بشيء.

***

لم يكن ويلفرد ثيسجر وهو يعبر الربع الخالي

في ذلك الزمان، يبحث عن وجاهة ومجد. وأي

شيء ومن ذلك في تلك الخارطة المترامية من

القدم والوحشة ؟ كان يمتحن ذاته، يضعها

على المحك وهو يقذف بها إلى أخطر صقع

للقسوة أنجبته الطبيعة في ولادتها القيصرية

العسيرة عبر التاريخ. كان ينجز ذاته في مرآة

صنيعها الذي تمتحن به عنفها الخاص.

 

ماذا تنتظر هذا الصباح

في هذه القرية النائية

تحلق ذقنك وتخرج إلى الغابة والحقول

نظيفا مضمخا بالاحلام

ترقب البط السابح في الهواء

والعقاعق، تقفر من شجرة إلى أخرى

تحت مظلة من السناجب..

وأمام حقل الذرة الغزير

(بحر اخضرار وعزلة)

المتمايل بفعل ريح خفيفة

تنام الأبقار والماعز في هدوء صيفي.

كل هذه المياه، ومازالت تمطر

كل هذه الفيضانات ومازالت ترعد.

أي قسمة اختارتها الآلهة بين الهنا والهناك

حيث اليباب والقحط

وحين ينزل المطر على الديار

تنشق الارض عن لهب بركان

مصعوقة، مرتبكة، ظامئة.

أي حكمة لا نعرفها؟

تعرف انه سؤال ساذج

مثل سذاجات أخرى نحبها.

لكن ماتعرفة جيدا

ان صحراءك ممتدة عبر جبال الكون

بأجمعه.

ملكة أولى

مستبدة وعاتية

***

الساعة الثانية عشرة ليلا

موعد نومك

أستطيع أن أراك عبر ضوء النافذة الشفيف

تتهاوين على السرير

من فرط التعب والصداع بيوم صاخب في

مدينة كبيرة

وفي الضوء نفسه تخلعين الأساور والأنهار

مزدانه بشحوبك والليل.

 


الحصان الذي هو من سلالة غريبة

من الأحصنة، والكباش. التيس بقرونه الكبيرة

يذكرني بوعول جبل الكور. وكذلك الدببة

الشرسة في الصحاري القطبية، تأكل العشب

الطري، تلتهمه بشهية، من غير أن تخدش

كبرياء الأرض. ولا تستبيح أسرارها

بانتصارات كاذبة.

***

لا أتذكر صديقا

إلا ويسبقني إليه تاريخ الخيانة

لا أتذكر عدوا

إلا وأرى فيه مستقبل البشر

كل عاصفة تقتلع جذورها في النهاية.

***

دوامة من الأعاصير هي حياتك

وأنت فيها غريق ضاحك.

***

لماذا لا ترى في الحقول الممتدة إلا ألمك

في الأرض الشائعة إلا الخيبة مشرقة

وضاءة تتنظر أمام كل منعطف.

ألهذا الحد بلغ بك القرف دون سواه؟ ألهذا

تهب في الأرض التي( ضاقت بما رحبت)

دليلا أعمى حيث تتجمع السحب كأجرام

ميتة.

***

يتماثلون للشفاء

أولئك الذين طالت بهم سكة الرحيل

***

لوسي: تنادي كلبها الغاطس في مستنقع

الدغل

صماء لا تسمع أصوات العالم

يالها من سعادة.

 

الهائمون أفواجا على درجاتهم

التي توارثوها عن أسلافهم

كما تتوارث شعوب أخرى

الجمال والحمير.

في مساء القرية القاتم

يتهامسون بأحاديث سحيقة

طواها النسيان.

لقد أدركتهم الشيخوخة وسط سماء

من العشب

***

غونتر غراس. انجب بطله أوسكار القزم الذي

يرفض ان يكبر، وسط هالة من الذعر والخوف

والحيرة قل نظيرها في تاريخ الادب. طريد

الجندرمة الذي اختفى وسط أمواج ملابس

المرأة الريفية وهي تحرث حقل البطاطا زارعا

بذرته في رحمها الرجراج، ويرحلان إلى حياة

هادئة حتى يعاوده دولاب الرعب مرة أخرى

ويغيب وسط تلاطم بحار الخشب والأساطيل

والمياه الهادرة لينجب أسطورة جديدة في

ذريته اللاحقة.

لحظة تكوين تليق بطفل يولد في هذا القرن

وربما في كل الأزمنة.

للأدب قوة الحياة أحيانا.

****

لم أكن قبيحة ولا جميلة. لا خير ولا

شريرة

ولست لي علاقة بنسب المقاييس

كنت يتيمة الدهر؟ صرخة بحار تائه.

لذلك لم أر الأشياء والعالم

إلا بعيون جوارحي وحدها.

***

كلاب تنبح طوال الليل

شاحنات تعوي. ولا شيء آخر

هواجس وذكريات

ذئاب تحتضر في صخب المدينة.

 


الشاحنات جاءت من بلاد مجاورة

على متنها البضائع الثقيلة، والليل المحمول

على أكتاف جنود هلكوا في الحرب.

***

في هذه اللحظة

الشمس تغطس في المغيب. صفرة حالكة.

لاشك ستضيء أقواما أخرى تموت من البرد

ليل ألماني قصير

شمس رحيمة بالكاد تبزغ من بين أفيال

الغيوم

التي تتهادى بجحافلها في الأفق

***

ضيف الضيوف: هكذا نعت نيتشهه بطله وهو

يرحل في أرجاء البسيطة مبشرا بمقدم إنسان

جديد.

في أي عصر سالف أو قادم سيأتي وفي أي

ارض؟

***

التيس بلحيته الطويلة وقرونه الأطول والذي

يشبه وعول جبل الكور وجبال أخرى في

عمان.

ارقبه هذا الصباح (الجمعة)منفصلا كعادته

عن القطيع في المرعى المكتظ بالنباتات

والأعشاب التي توشك أن تكون خمائل

وأجمات. يرعى بطمأنينة، يحك رأسه أحيانا

من ذبابة خضراء تطن. يرمق القطيع بمؤخرة

عينه كأنما ينزو أو حلما راوده البارحة حول

نعجة في القطيع. الحصان النادر يشرئب

بعنقه نحو سماء بعيدة غير التي نرى دخانها،

بينما قرينه يقف منتصبا في لحظة هياج

وانقضاض. السماء غائمة كعادتها.

ديك يسقن وسط دجاجات مترفة.

انها الظهيرة. ظهيرة العتمة.

 

التليفون الذي سقط من جيبي فتنأثرث

أحشاؤه كقتيل في غابة.

***

القتلى يسدون الطريق صراخا واحتجاجا

يملآون الفضاء بالنحيب

من تحت مخدتي اسمع ضجيج القادمين من

الأفق

بحارة وقراصنة. رعاة إبل ومتسكعين

شعراء. وقتلى في الحرب عبثية.

***

كان يزهو بخيلاء فتوحاته حين سقط في

مستنقع الفضلات غاطسا من غير اثر.

***

لو اجتمع المفكرون العرب ذات مرة على ارض

متاخمة لهرب العدو من فوره. ليس خوفا بالطبع.

وانما راحة من ضجيجهم وإستيهاماتهم و...

ليبحث عن ارض اخرى.

***

العلبة التي رميتها البارحة على حافة

الساقية، مشعة في ضوء البروق بعزلتها

الصباحية، تدافع عن حقها في الوجود ضد

القدم الساحقة.

كل صباح أصل إلى حدود ذلك القصر

المهجور. أقف أمامه، صامتا مهيبا تعوي فيه

 


الريح. ويبدو من فرط حضوره وهيمنته على

بقية أجزاء المنطقة كثقب الأوزون وهو

يجتذب المجرات الهائمة في مجاله

المغناطيسي. تخيلته أحد قصور دراكولا

وربما هنا صور المخرج الألماني هرتزوغ

فيلمه عن الكونت التشهير. اقف منتظرا ربما

يطل من إحدى شرفاته كلاوس كينسكي في

شكل در اكولا ويدعوني إلى موائده الباذخة.

***

كل تلك الأوقات التي صرفناها بالتفكير في

الموت. كل تلك الارتجافات والهواجس، وهو

لم ينفق لحظة في التفكير فينا. وحين يأتي

بصواعقه المباغتة. ليس ثمة مجال التفكير.

ليس ثمة كائن اصلأ.

أي نبع لا يطاله الجفاف مقذوف في عرينك

أيها الفناء؟

***

اليوم أعدت قراءة محور كومبروفيتش في

مجلة (نزوى) أديب ضد الأدب. ضد نفسه. ضد

كومبروفيتش. يحلم بقتله بمحوه كيلا تهيمن

الصورة على الأصل الذي كانه. كيلا يصبح

عبدا لكومبروفيتش. حيث الأدب متشربا ماء

الحياة حتى أقاصيه. متدفقا عنيفا متمايزا

مثل مذنب يجر ذيله البخاري في سماء خالية

من النجوم والعلامات. جمال فطري متوحش.

ترى أليست رواية (الإرهابي) نوعا من سيرة

لهذا الكاتب وبقليل من الاستقصاء. تلك

الرواية التي ترجمها سعدي يوسف على نحو

رائع ؟

الا يمكن ان يكون الإرهابي القاتل هو الرغبة

التي تنبثق من بين اضلاع كومبروفيتش لقتل

صورته. لعبة مرايا الذات في تشظيها

 

وازدواجها بين الاصل والصورة. الفن

والحياة ؟

كوميروفيتش. درس للأدباء المتبجحين

بفخامتهم الأدبية.

***

للغربان نواح الثكلى وهي تعكف على

بيوضها، مهمهمة بالمأساة. كل الولادات

يختزلها نواح غراب.

***

أين ضوء النجوم الذي كان غائرا في العيون.

أين تلك القرى النجمية في مساءاتنا البعيدة ؟

***

يعود الراحلون إلى ديارهم الاولي، لتعميق

خرائب الروح والزوغان في المنازل المهجورة

التي تخلع مفاصلها الريح.

***

لوسي: كلب المرأة السماء الجميلة، اشتبك مع

كلب آخر. دارت معركة حامية الوطيس، لكن

من غير دم ولا جراح. تقلبات على العشب

وغمغمات ونباح كأنما الصراع في جوهره

كان صراعا جماليا للمتعة وليس شيئا آخر. 

***

في نزهة المساء التقي بالشاعر الأيسلندي

على دراجته يجوب الحقول. قبل أيام سألني

هل نجيب محفوظ تركي؟ اليوم يسألني عن

أشياء أخرى وعن ماذا أعمل. قلت له ربما

أكتب نصا جديدا أو أنعم بالطقس ومراقبة

الحيوانات وهذا يكفي. حدثني عن أيسلندا

الصغيرة والطقس الذي هو نقيض طقسنا على

طول الخط.

***

 


 السماء محتقنة كمخاض. زذاذ ناعم على

الرأس.

قبعة رجل عجوز تسقط في بركة آسنة. طيور

سوداء كثيفة تحلق على انخفاض لتحط على

قصر الكونت در اكولا مضيفة لمسة غموض

على وحشته. هيتشكوك يقترب بكاميراته

الخيبة بين الأشجار ليصور فيلمه (الطيور)

هرتروغ أنجز فيلمه ورحل.

***

أغرب الكلاب قاطبة، كلب جارتي النحاتة

الاسكتلندية، فهو يقضي وقته في النباح

مثلما تقضيه هي في نحت الأشكال والأجساد،

في نحت مخلوقاتها الخاصة، فكأنما نباحه

دعم معنوي لها في رحلتها اليومية. هو

يتسلى بنباحه كنداء للمجهول وهي بإزميل

الخلق الإبداعي ومغامرته في المجهول أيضا.

***

العالم موحش كأنما يجتر حطام ليلية

الأخيرة في قلبي: دمشق قبل عشرين عاما.

***

هذا الشيء جميل لولا.. هذه المرأة جميلة لولا..