للشيخ سعيد بن خلفان الخليلي المتوفي سنة 1287 للهجرة
نص في السلوك العماني

دراسة وتحقيق: وليد محمود خالص (أكاديمي بجامعة السلطان قابوس)


وأي مقام لا أروم انتهاءه

وفى مبدئي نور المصاحف غشاني

فصحح إيماني بكل حقيقة

بسر إلى أوج النهاية أنهاني

ومازج بالايمان روحي فاغتدى

مسوطا بجسمي في دمائي ولحمانى

فهام بحب عام في بحر ذكره

ولم يدر وجدان اصطبار وسلوان

سعيد بن خلفان الخليلي

شغل الباحث منذ زمن بالسلوك العماني دراسة لمفاصلة الهامة، وتحقيقا لنصوصه المخطوطة، فقدم دراسة موسعة عن الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي، وكتابه المتميز (إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك) الذي شرح فيه تائيتي ابن الفارض الصغرى والكبرى وفق منهج مبتكر، ورؤية لم يسبق إليها، وهو يعمل الآن على تحقيق ذلك المخطوط الضخم تمهيدا لاخراجه الى النور بحلة تليق به، وبمكانته العلمية والأدبية العالية، ويقدم الآن نصا قصيرا ظفر به وهو يجول في أوراق المخطوطات العمانية دارسا لها، ومستفيدا منها، وينضوي هذا النص تحت الاتجاه السلوكي سالف الذكر، وهو لأحد أعمدة هذا الاتجاه، ونريد به الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي تغمده الله رحمته.

وقد اقتضى منهج البحث أن يأتي وفق المحاور الآتية:

- لمحة عن السلوك العماني، ومفهومه العام.

- نبذة عن الشيخ الخليلي وجهاده الفكري.

- وصف المخطوط، وموضوعه، وعلمنا فيه.

- النص نفسه.

ونرجو أن يكون هذا العمل وغيره دافعا للدارسين للنظر باهتمام وجد للتراث العماني، والصبر على قراءة نفائسه، وبعد هذا نشره نشرا علميا بعيدا عن التسرع والعجلة اللتين رأيناهما تسمان الكثير من الكتب العمانية المطبوعة، وهي محتاجة الى مزيد من الجهد والتأني مما يتلاءم مع المنهج العلمي في تحقيق النصوص

لمحة عن السلوك العماني، ومفهومه العام

السلوك اتجاه بارز في الفكر العماني له أصوله، وتقاليده، ودرجاته، وقد أثر تأثيرا بينا في الحياة، وامتد هذا التأثير الى الأدب نفسه فظهرت معالمه في شعر ونثر كبار الأدباء العمانيين، ونلحظ هذا الاتجاه منذ زمن مبكر من عمر الثقافة العمانية إذ يطالعنا الشيخ أبو سعيد الكدمي، وهو من علماء القرن الرابع الهجري، ببعض الاشارات السلوكية التي من الممكن عدما الجذور الحقيقية لما سيؤول اليه هذا الاتجاه فيما بعد على يد أعلامه الكبار وقد لحظ الشيخ جاعد الخروصي وهو من كبار السلوكيين هذا الأمر في واحد من كتب الكدمي وهو (الاستقامة) حين قال مقرظا إياه:

يفوز بأنوار الحقيقة موجه

ويفرق يم الماء لما تموجا (1)

ومعلوم أن مصطلح الحقيقة من ألفاظ المتصوفة، والسلوكيين معا. ويستمر هذا الاتجاه حتى يستقر عند أربعة من الأعلام هم الشيخ جاعد بن خميس الخروصي، وابنه الشيخ ناصر، والشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، والشاعر الكبير أبو مسلم البهلاني، فكأن هؤلاء الأربعة يشكلون سلسلة ذهبية ودرس اللاحق فيها على السابق مستفيدا من علومه المتنوعة، وتجربته في الحياة مع الاحتفاظ بالتفرد الشخصي. والخصوصية الأدبية، كل على انفراد.

ومن المعلوم أن السلوك مصطلح صوفي يكثر الصوفية من ذكره، ويتلازم معه مصطلح أخر هو (الطريق)، وما يهمنا منا هو معرفة دلالته الصوفية، ومدى قرب هذه الدلالة أو بعدما عن الاتجاه الذي اصطنعه السلوكيون العمانيون، واتخذوه شعارا لهم، فالسلوك هو "تهذيب الأخلاق ليستعد العبد للوصول بتطهير نفسه عن الأخلاق الذميمة منكر حب الدنيا والجاه، ومثل الحقد والحسد والكبر، وبالنهج على الأخلاق الحميدة مثل العلم والحلم والحياء" (2)، وهو كذلك "انتقال من منزل عبادة الى منزل عبادة بالمعنى، وانتقال باللصورة من عمل مشروع على طريق القربى من الله الى عمل مشروع بطريق القربى من الله بفعل وترك، وانتقال بالعلم من مقام الى مقام ومن تجل الى تجل" (3)، فالسالك إذن هو "العبد الذي تاب عن هوي نفسه وشهواتها، واستقام في طريق الحق بالمجاهدة والطاعة والاخلاص" (4)، فالسلوك وفق ما تقدم هو "تربية الانسان الروحية الذهنية كما تظهر على مستوى السلوك النفسي... وهو تدريس على المستوى العملي يتمتع بكل ما للتدريس من مناهج وثوابت" (5). هذا ما تقرره كتب المصطلح الصوفي عن السلوك غير انه لم يصبح علما على هذا الاتجاه بل ظل التصوف هو الاسم الشرعي له، فكأن السلوك وفق المفهوم المتقدم يختص بجانب من التجربة الصوفية ولا ينتظم التجربة كلها، ولعل جانبها العملي التطبيقي هو أهم مظاهر هذا الجانب في حين تكفل جانب أخر بمعالجة الوجه الأخر من التصوف وهو جانبه النظري، وهما بمجموعهما يكونان التجربة الصوفية في وجوهها المختلفة. بيد أننا نلاحظ أن الآخذين بمنهج التصوف بمعناه العام لا الخاص في حياتهم وانتاجهم الفكري والأدبي من العمانيين قد عدلوا عن المصطلح الشائع وهو التصوف الى السلوك وهو أضيق من الأول بل ينضوي تحته، فعلى حد قول أحد الباحثين العمانيين إن «الشعر الذي تكون فيه نزعة صوفية يسمونه شعر السلوك» (6)، فهل أراد السلوكيون العمانيون تركيز اهتمامهم على الجانب العملي من التصوف وحده فاقتصروا على السلوك وتمسكوا به؟ إن ما بأيدينا من مخطوطات سلوكية يشير الى أمر مخالفا. إذ نجد فيها مباحث نظرية كثيرة وعميقة عن أحوال السالكين ومقاماتهم، وتوقف الشعر والنثر طويلا عند تلك الأحوال والمقامات شارحا وقائعها، ونافذا الى العمق منها، وجاءت الشروح لتقطع الشوط الى نهايته من خلال استبطانها حالات النفس وما يعتريها من شوائب داعية الى نبذها والأخذ بتلك الفضائل التي أسهبت كتب الصوفية في الحديث عنها، كما يحتل الجانب السلوكي حيزا لا يستهان به من المباحث السابقة، هذا هو واقع الأمر كما يظهر في أدبيات السلوك العماني، فمن منا توجب القول ان هناك أسبابا قوية حدت بالفكر والأدب العمانيين الى اتخاذ مصطلح السلوك وترك الأخر وهو التصوف، وقد وقفت في بحث سابق عند هذا الامر الهام، وأستطيع تلخيص ما توصلت اليه هناك مع اضافات بدت فيما بعد، ولعل أول الأسباب هو الاعتزار بالشخصية، والرغبة في التميز، فجميع الفرق تتخذ من هذا المصطلح شعارا لها فأثر الفكر العماني، والاباضي منه خصوصا، مصطلحا هو من داخل التصوف نفسه غير أن له خصوصية واضحة فاتخذه مصطلحا وشعارا، وسبب ثان نابع من تطور الحركة الصوفية نفسها، وهو إن المتصوفة «لم يهتموا قبل القرن السابع الهجري بتدوين مصنفات في السلوك، بل دونوا في الفكر الصوفي وعاشوا وفقا للسلوك الصوفي، ولم تتعدد المؤلفات في التصوف العملي والسلوك إلا بعد القرن السادس - السابع الهجري حيث دخل التصوف مرحلة التربية الصوفية ومناهج التسليك» (7)، فكأن الفكر الإباضي أراد في وقت متأخر نسبيا ان يشارك في هذا الموضوع فوجد أمامه وفرة فيجانب، ونقصا فيجانب أخر فأثر الثاني لكي يزيده عمقا وخصوبة، وسبب ثالث لعله من أهم الاسباب وأقواها، ويتمثل في كون السلوك ومدلوله العميق يشير الى النقاء الذي ظل محتفظا به من حيث التحامه الوثيق بالشريعة وأحكامها، ورغبة الفرد في اتخاذ طريق معين لعبادة ربه من خلال تلاوة القرآن الكريم والاوراد والعزلة الجزئية، بينما نرى التصوف يختلط بمؤثرات مختلفة تبعده عن منبعه الصافي، وهو الزمه، وتخله في مسارب فكرية متشعبة أوصلت بعض الفقهاء الى اتهام بعض الصوفية بالكفر وهو ما نأى الفكر الاباضي بنفسه عنه، واكتفى بالسلوك منهجا وطريقة في التفاعل مع الحياة وأحداثها.

ونحن وإن كنا لا نمتلك تعريفا خاصا للسلوك العماني غير أننا نستطيع تبين معالمه الكبرى من خلال الحياة الشخصية للسلوكيين من جهة، وانتاجهم الفكري والأدبي من جهة أخرى، ونذهب بعد فحص تينك الشقين الى أن السلوك العماني يفيد الى مدى بعيد من مجرى التصوف العام، وما قدمناه سابقا من تعريفات للسلوك بالمفهوم الصوفي، غير أنه يختط لنفسه طريقا فيها من التغاير والتفرد الشيء الكثير، فهو يأخذ من التصوف دعوته الى الزهد، والاعراض عن الدنيا، وأخذ النفس بالخشن من العيش، كما يفيد من مصطلحاته، ورسومه، ودرجاته، ويوظف ذلك كله في الشعر والنثر كلى حد سواء، وهو من جهة أخرى يختلف معه في مسائل أساسية تمس العقيدة مثل رؤية الله سبحانه وتعالى، فبينما نرى المتصوفة يقولون بها، إذ «أجمعوا على أن الله يرى بالابصار في الآخرة، وانه يرده المؤمنون دون الكافرين»،(8) نجد السلوكيين العمانيين يستمدون موقفهم في الرؤية من فكرهم الاباضي الذي يلخصه سماحة المفتي العام للسلطنة بقوله: "وذهب الى استحالتها- الرؤية- في الدنيا والآخرة أصحابنا الاباضية، وهو قول المعتزلة والجهمية والزيدية والامامية من الشيعة" (9) فهذا اختلاف جوهري بين الموقفين، كما يفترق السلوكيون العمانيون عن المتصوفة في قضية العزلة الكلية، والابتعاد عن الكسب، فبينما نرى التصوف يحبذها، وخصوصا في أطواره المتأخرة، نرى السلوكيين العمانيين على النقيض من هذا فهم يشاركون في الحياة، ولهم آراؤهم السياسية، والاجتماعية الهامة التي تنفع المجتمع، وتوجهه الى طريق الصلاح والاستقامة. واختلافا ثالث بينهما إذ يأخذ السلوك الأمور مأخذا لينا بعيدا عن الشطح والغلو، ويبتعد عن القضايا التي قال بها بعض المتصوفة مثل الحلول، ووحدة الوجود وما اليهما، وقد ألمحنا الى شيء من هذا فيما سبق، فكأن الشريعة بنقائها، والتصوف في مراحله الأولى كانا المقياسين اللذين فاء اليهما السلوكيون في أخذ ما يأخذون، وترك ما يتركون، ولم يكونوا في ذلك بدعا بين القوم، فمنذ زمن بعيد نقرأ للقشيري كلاما يشير الى هذا مفاده أن "أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأمراء والبدع، وتعظيم حرمات المشايخ، ورؤية أعذار الخلق، والمداومة على الأوراد، وترك ارتكاب الرخص والتأويلات" (10)، بيد أن هذه التقريرات أصابها شيء كثير من التبدل كما رأينا، وعودا الى ما سبق من مواقف السلوكيين العمانيين نستطيع أن نفهم السر الكامن خلف اهتمامهم بابن الفارض، ذلك الاهتمام الذي تجلى في التأثر بشعره تأثرا واضحا، اذ نلحظ ابن الفارض، ولمساته الشعرية بينة في شعرهم، كما تمثل الاهتمام به، وبشعره من خلال شرح شعره، والاعتناء به، رأينا هذا عند الشيخ ناصر بن أبي نبهان في كتابه الضخم (إيضاح نظم السلوك)، ونرى هذا الآن في هذا النص الذي نقدمه، وذلك لأن ابن الفارض تلاءم الى مدى بعيد مع النهج السلوكي العماني من حيث الالتزام بالشريعة، وتعظيم حرماتها، والابتعاد عن القول بالحلول، ووحدة الوجود، وتبنى ما أجمع عليه الدارسون من قوله بوحدة الشهود، وهو يتفق الى حد كبير مع توجهات السلوكيين العمانيين، ومحافظتهم على الشريعة والتزامهم بأحكامها، فإذا استضأنا بقول الفاضل أحمد بن سعود السيابي وهو يحاول تقديم تصور متكامل للسلوك حين يذهب الى أنه «يقوم على عمق التأمل في الوجود، والتعمق في علم الكلام والفلسفة والمنطق والخلوة وكثرة الأوراد»، (11) نقول إذا ضممنا هذا النص الى ما قررناه سابقا تمكنا من تميز المعالم الكبرى للسلوك العماني من جهة، ومكامن الاختلاف بينه وبين التصوف من جهة أخرى.

وتبقى قضية المصطلح الذي أخذ به الاتجاه السلوكي، فقد ذكرنا أنه يفيد من المصطلح الصوفي عموما، وهذا حق، غير أن قراءة هذا المصطلح وفهمه بحاجة الى دقة وحذر شديدين، وقد كانت مشكلة المصطلح الصوفي من أعقد المشاكل التي واجهت التصوف خلال سيرته الطويلة، فبينما نجد غيرهم يأخذون ألفاظهم على ظاهرها، ويفهمونها وفق ذلك الظاهر، نرى المتصوفة يلحون على خطأ تلك النظرة، وكأنهم شعروا أنها تفرغ التجربة الصوفية من عمقها، وثرائها الكامنين، ولذلك راحوا يقولون، ويكررون القول من أن هذه الألفاظ لها دلالات خاصة لا تدرك إلا من خلال الفهم الخاص لها ضمن الاطار العام لهيكل التصوف نفسه، ومن هنا رأينا السبكي مثلا ينبه بقوة الى هذا الأمر بقوله: «الله الله في ألفاظ جرت عن بعض سادات القوم لم يعنوا بها ظواهرها، وإنما عنوا بها أمورا صحيحة»،(12) ويؤكد صاحب التصرف هذا الشيء حين يقول: «... فلما كان الأمر كذلك اصطلحت هذه الطائفة على ألفاظ في علومها تعارفوها بينهم، ورمزوا بها فأدركه صاحبه، وخفي على السامع الذي لم يحل مقامه، فإما أن يحسن ظنه بالقائل فيقبله، ويرجع الى نفسه فيحكم عليها بقصور فهمه عنها، أو يسوه ظنه به فيهوس قائله وينسبه الى الهذيان».(13) بل ذهب بعض المتصوفة ومنهم ابن عربي الى تحريم قراءة كتبهم إلا لمن وجد في نفسه الاستعداد والقدرة على فهم تلك الألفاظ فهما حقيقيا يبتعد بها عن ظواهرها، ويغور معها الى العمق حيث يدرك الرمز البعيد والمعنى الباطن،(14) ولهذا توجب على من يتعامل مع كتب السلوكيين العمانيين وشعرهم أن يولي هذا الجانب اهتماما خاصا كلى اعتبارا أنهم يمتحون من البئر نفسها، تلك التي متح منها المتصوفة الأوائل مع النظر الى اختلاف المنطلقات والأسس العقائدية بينهم وبين غيرهم.

نبذة عن الشيخ الخليلي وجهاده الفكري (15)

يعد الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي في المقدمة من علماء عمان وشعرائها، ولم ينل هذه المكانة العالية إلا من خلال مواقفه الفكرية والدينية من جهة، وانتاجه العلمي والشعري من جهة أخرى، فهو ينتمي الى أسرة عريقة ذات أثر كبير في تاريخ عمان، إذ نقرأ في سلسلة نسبه عددا من الأئمة مثل الإمام الخليل بن عبدالله بن عمر بن محمد بن الإمام الخليلي بن شاذان بن الإمام الصلت بن مالك بن بلعرب، ولا شك في أن هذه السلسلة قد حملت وارثها من المسؤولية والأمانة الشيء الكثير.

وحين يبدأ حياته في كنف جده لأبيه الشيخ أحمد بن صالح بعد وفاة والده وهو طفل صغير، ينشأ في رعاية صالحة تتسم بالتقوى والعلم معا، ففي بوشر يولد، ويكبر سنة 1226 للهجرة، أو 1236 للهجرة على خلاف، ويستقبله الجد والبيت محفوفا بالعناية، وموجها للطريق الذي سيبرع فيه فيما بعد، وهو طريق العلم والعمل معا، ولم يلبث الطفل إلا قليلا حتى يرسله الجد الى مسقط ليتزود من العلم ما شاء له التزود، وهناك يلتقي بطائفة من العلماء يأخذ عنهم، ويتزود منهم، مثل الشيخ سعيد بن عامر الطيواني، والشيخ حماد البسط، غير أن واحدا من العلماء سيكون له شأن أي شأن في التأثير عليه مما لم يتهيأ لغيره، ونريد به الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي، المتوفى سنة 1263 للهجرة، فقد كان الشيخ ناصر من أجلت العلماء، وكبار السلوكيين، ولا ريب ان الطالب نهل من الجانبين معا مما ظهر جليا فيما بعد في مواقفه، وانتاجه الفكري والشعري على حد سواء. وقد حفظ الشيخ سعيد لأستاذه أياديه البيضاء فظل يذكره مقرونا بالاحترام، وكان الشيخ من جانبه يرعى هذا الطالب النابه، ويتوسم فيه الخير، ولذلك نراه يشير عليه أن يشرح منظومته في علم الصرف، فينصرف الطالب لتحقيق تلك الاشارة، وتكون ثمرة هذا الانصراف كتابه مقاليد التصريف الذي صرح في مقدمته بهذا الأمر حين يقول: «... ولما اطلع على نظمها- قصيدة مقاليد التصريف - العالم الرباني، والبحر النوراني وحيد دهره بلا ممانعة، وفريد عصره بلا ممانعة أبو محمد ناصر بن العلامة المولوي الولي أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي أمرني أن أثبت عليها شرحا لطيفا مختصرا» (16)، وتستمر مرحلة الطلب حتى يشعر الشيخ أن زاده من العلم يؤهله للخروج الى الحياة والتأليف معا، فنراه بعد مدة يتولى منصب قاضي القضاة في إمامة عزان بن قيس وهو منصب رفيع بلا شك، غير أن مكانته الحقيقية تتمثل في «دوره الفعال في تحريك مجرى الأحداث باعتباره رجلا من رجال السياسة والدين في الدولة... ومفسرا وداعية للعقيدة الاباضية التي عمل سرا على المحافظة على بعثها منذ البداية الأولى لبعث الامامة الاباضية»،(17) فنجده وفق ما تقدم مشاركا في اطفاء العصبية القبلية التي ثارت في وقته بحكمته، وسداد رأيه، بالاضافة الى أجوبته الغزيرة للكثير من المسائل الفقهية والعقائدية التي كانت ترد عليه، ونحن نولي هذا الجانب من حياة المحقق الخليلي أهمية خاصة وذلك لأن نهجه السلوكي الذي أخذ به لم يتركه معزولا عن مجتمعه وما يموج به من أحداث، وهو ما ألمحنا اليه فيما سبق في قضية الاختلاف بينما التصوف والسلوك العماني، فهو لم يدع الأمور تسير على أعنتها تاركا اياها على غاربها، مؤثرا العزلة والانصراف الى العبادة والتبتل، بل هدته عبادته وتقواه الى تلك الموازنة المعتدلة بين الحياة والسلوك، فكانت النتيجة أن سخر علمه، وما حصله من زاد ثقافي في خدمة مجتمعه، وما يعتقد انه نافع مفيد لذلك المجتمع، ولم يتخذ الخلاص الفردي طريقا كما فعل كثير من المتصوفة، بل كان في الصميم من الأحداث مشتركا فيها، مكتويا بنارها، وقد اتبع هذا النهج الجمهرة من السلوكيين العمانيين إن لم يكونوا كلهم مثل الشيخ جاعد الخروصي، وولده الشيخ ناصر وغيرهما مما يؤكد ذلك التوجه الذي قررناه فيما سبق ونعود لابرازه هنا.

وبعد تلك الحياة الحافلة بالأحداث، الفنية بالعلم والتأليف ينتقل المحقق الخليلي الى جوار ربه سنة 1287 للهجرة، وقد بلغ من العمر سبعة وخمسين عاما.

ونستطيع القول إن المحقق الخليلي ترك تراثا فكريا وشعريا هاما يتمثل في قسمين، أولهما أولئك الطلاب الذين درسوا عليه، وأفادوا منه، وثانيهما تلك الكتب التي تركها، وكانت زادا طيبا لمن جاء بعده، ولم يتمكن من الجلوس اليه، أما الطلاب فهم كثر نذكر منهم الشيخ جمعة بن خصيف الهنائي، والشيخ عمرو بن عدي بن عمرو من بني بطاش، أما الطلاب غير المباشرين فهم أكثر، أولئك الذين لم يلتقوا به ولكنهم قرأوا كتبه، وساروا على نهجه، وتعلموا من سيرته وسلوكه.

ويبقى الشق الثاني وهو الكتب التي تركها وعالجت علوما وفنونا مختلفة في العقائد والفقه وعلوم العربية والسلوك مثل: مظهر الخافي بنظم الكافي في علمي العروض والقوافي، ومقاليد التصريف، وسمط الجوهر الرفيع في علم البديع، والنواميس الرحمانية في تسهيل الطريق الى العلوم النورانية وغيرها كثير، غير أن ديوانه الذي تضمن تجربته الطويلة الثرية في الحياة والسلوك لم يطبع حتى الآن طبعة علمية محققة،(18) ونرى أن هذا الديوان بطبعته المنتظرة سيقدم الكثير للاتجاه السلوكي، وسيكون رافدا هاما في درسه والكشف عن مراحله ورموزه.

وصف المخطوط، وموضوعه، وعملنا فيه

تحتفظ خزانة معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي بالسيب بمجموع مخطوط رقمه (111) يقع بأربعمائة واثنتين وستين صفحة من القطع المتوسط، مكتوب بخط واضح يضم خمسة نصوص هي:

1- شرح قصيدة حياة المنهج.

2- لامية السلوك.

كلاهما عن أبي نبهان في السلوك.

3- جواب المحقق الخليلي فيما استشكل من فتاوي العلامة ناصر بن أبي نبهان.

4- شرح عن المحقق الخليلي لبعض أبيات ميمية ابن الفارض: شربنا على ذكر الحبيب مدامة.

5- حل الرموز ومفتاح الكنوز في السلوك للعلامة عبدالسلام بن الشيخ أحمد بن الشيخ الزاهد غانم المقدسي.

وقد نسخ المجموع كله سعيد بن قاسم بن سالم بن سعيد البحري، وانتهى منه في 22 رجب سنة 1261 للهجرة.

ويتبين من عنوانات النصوص أنها في علم السلوك سوى الثالث فقد غلب عليه الفقه، وهي جميعا لم تحقق تحقيقا علميا حتى الآن مما يعني أن هذه النصوص، وغيرها كثير تلك التي عالجت السلوك بحاجة الى فحص، ونظر تمهيدا لدراسة هذا الجانب الهام من الحياة الفكرية، والأدبية العمانية وفق القاعدة المنهجية التي تصر على تهيئة النصوص تهيئة علمية في سبيل الاستنتاج منها، والبناء عليها للخروج بنتائج رصينة عمادها التثبت واليقين، لا التسريح والهوى.

وما يهمنا منا النص الرابع، وهو شرح المحقق الخليلي لبعض أبيات من ميمية ابن الفارض، ويحتل في المجموع أحدى عشرة صفحة يبدأ من الصفحة الثالثة والأربعين بعد الثلاثمائة، وينتهي في الصفحة الثالثة والخمسين بعد الثلاثمائة، كتب بخط واضح بالأسود، كما كتبت الأبيات بخط أغلظ تمييزا لها عن الشرح، وتضم الصفحة خمسة عشر سطرا، ويضم السطر الواحد عشر كلمات على وجه التقريب، والمجموع كله بحالة جيدة، وهو خال من التآكل أو الطمس اللذين يصيبان المخطوطات عادة بسبب الزمن، أو سوء الحفظ إلا في حالات نادرة.

ويدل تاريخ النسخ وهو 1261 للهجرة على أنه كتب في حياة المحقق الخليلي، وليس فيه ما يشير الى انه قد قريء عليه، غير أن تلك المعاصرة ترفع من قيمته ونفاسته، ولا يعلم الباحث بوجود نسخة أخرى من هذا المخطوط، فهي إذن نسخة وحيدة، ولعل هناك نسخة أخرى منه تحتفظ بها احدى المكتبات الخاصة غير أن ذلك في علم الغيب حتى الآن.

وواضح من النص انه شرح لبعض أبيات من قصيدة عمر بن الفارض الميمية، وهي التي تسمى الخمرية أيضا هي اعتبار ان موضوعها الرئيسي هو الخمرة التي أراد بها المحبة الالهية، وقد ظفرت هذه القصيدة باعتناء الشراع باللغتين العربية والفارسية،(19) ونالت من اهتمامهم ما نالته التائية الكبرى بحسبان أنهما تمثلان بجلاء مواقف ابن الفارض وأفكاره الرئيسية من جهة، وتبينان سيرته الروحية والوجودية من جهة أخرى، فهناك سبعة من الشروح المعروفة المفردة لها برأسها عدا شروحها الأخرى في سياق الديوان كله، وهو عدد كبير بالقياس لقصيدة واحدة، ويأتي شرح المحقق الخليلي ليضاف الى تلك الشروح ويقدم رؤية أخرى لعلها لا تتفق في كثير من جوانبها مع الشروح المتقدمة اعتمادا على ان الجمهرة من الشراع السابقين كانوا من الصوفية المتأثرين بنزعات غير اسلامية، وكان بعضهم من ذوي المشارب المتطرفة القائلين بالحلول ووحدة الوجود، وهو ما يتناقض مع الاتجاه السلوكي العماني، كما بينا سابقا، فاذا أضفنا الى ما تقدم أن من تصدى للحديث عن تلك الشروح من