المتلبسون فصل من رواية

مبارك العامري


- شارت الى بيدها أن ابتعد لكنني وقفت متسمرا في مكاني. لم تكن بمفردها هذه المرة كانت تسير بمحاذاة امرأة أخري وطفل عمره في حدود التاسعة. خمنت أن يكون الطفل أخاها والمرأة أمها إلا انني سرعان ما غيرت استنتاجي حين اقتربت الوجوه الثلاثة مني واتضحت الملامح أكثر. لم تكن المرأة تشبهها في شيء ,لكن الطفل كان نسخة منها.

كانت المرأة ذات بشرة سمراء وجسم مكتنز، وعيناها على شكل محارتين صغيرتين فقدتا بريقهما الذي كان - بلا شك - أخاذا في يوم من الأيام. بينما مريم (عرفت اسمها من دفتر فواتير المحل الذي دخلته ) كانت متوسطة القوام ووجهها دائري، يشع بهاء ونضارة كبلورة, وعيناها واسعتان اتساع صفحة ماء الخليج, التي أرنو اليها كلما استبد بي الضيق والقرف. أشاعت بوجهها حين لم تكن بيني وبينها الا خطوات قليلة. لم أتمالك نفسي، حاولت أن اصرخ مناديا، إلا ان فمي بقي مفتوحا، مليئا بالمعرفة التي غارت شيئا فشيئا في الاعماق. كانت تسير بثقة متناهية, تلك الثقة التي تشعرك بأنك ضئيل أمام الآخر، غير قادر على المجابهة إلا بمعجزة. دخلت محلا للأخذية, كانت ممسكة الطفل بيدها اليمنى، وكنت المرأة القصيرة السمراء تسير بمحاذاتها من جهة اليسار. لا أدري كم من الوقت بقيت واقفا في مكاني بلا حراك وعيناي مصوبتان تجاه باب المحل. لم أشعر بالدقائق وهي تجري الواحدة تلو الاخري، لم اشعر بشيء، وحده العرق المتصب من جبيني كان نذير بؤس وخيبة أمل. سحبت رجلي بتثاقل, تمشيت قليلا على رصيف الشارع الفاصل بين مجمعات حي القرم التجاري. لم يكن هذا الحي بالصورة التي عليها الآن منذ عشر سنوات، كان هناك مجمع تجاري واحد أو مجمعان صغيران يلتف حولهما شارع قصير يشبه حدوة الحصان وكان يميز المنطقة في ذلك الوقت مطعمان راقيان, أحدهما صيني والآخر هندي وكنت أتردد عيهما برفقة الاصدقاء، وكان النادلون يعرفوننا واحدا واحدا، ويعتنون بخدمتنا بشكل ملحوظ. كانت المأكولات الصينية ذات الرائحة النفاذة والمذاق الحار تروق لي، وتفتح شهيتي لالتهام المزيد. كان المطعم الصيني قلعة مصغرة من تلك البلاد العريقة الشاسعة, بموسيقاه التقليدية, وديكوراته المبتكرة ؟ المجسدة لروح بلاده وتوابله وانحناءات العاملات حين يقدمن التحية لرواده, تلك الانحناءات المهذبة, المغرية في آن, والمثيرة للرغبات, واحد من الاصدقاء كان مغرما باحدي الصينيات, يأتي كل مساء اول الزبائن وبيده باقة غير متناقسة من الزهور المشكلة, يقطفها من الحديقة الصغيرة المجاورة

لموقف السيارات, وعند دخوله يقف هنيهة في صدر المطعم باحثا بلهفة عن حبيبته, وبمجرد ان يقع بصره عيها ينطلق مهرولا نحوها، وبحركة كوميدية يقدم لها الزهور.ثم يعود الى طاولته بجوار التنين الضخم المرسوم على الجدار, منتشيا بتلك الابتسامة الصافية الممتنة لفتاته.

أما المطعم الهندي، فكان مختلفا تماما عن تلك المطاعم الهندية الرديئة المنتشرة كالفطر في انحاء مسقط, كان اسمه تاج محل, تيمنا باسم التحفة المعمارية الجميلة التي صاغها أحد السلاطين المسلمين بالقرب من مدينة دلهي، تخليدا لذكرى زوجته, وهو واحد من روائع العمارة في العالم ومن عجائب الهند الخالدة.

كان للمطعم الهندي زبائنه الخاصون, الذين نادرا ما يترددون على المطاعم الاخري تجذبهم أجواؤه الغارقة في سحر تلك البلاد المتعددة الاثنيات المتفردة بطقوسها وأساطيرها. تبهرنا الموسيقى المنبعثة كالانين, حين ننصت اليها نشعر وكأنها ترجمة صادقة لمعاناة وعذابا- الانسان, وصوت حقيقي لروح الهند الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ الإنساني، كنا نلتقي، شخصان أو ثلاثة, على طاولة واحدة, فتهرع رئيسة النادلين الينا, تسبقها ابتسامتها الرقيقة ودفء ألوان ساريها، وبمجرد ان تصل بالقرب من الطاولة تحني رأسها وتطبق كفيها ببعضهما ثم تحركهما حركة خفيفة وهما مطبقتان بعد ان ترفعهما الى مقدمة وجهها. كانت تلك طريقة هندية اصيلة في تقديم التحية. كانت تفعل ذلك مع جميع الزبائن, تمارس طقسها الترحيبي وتنسحب, ثم يأتي نادل أخر مرتديا سروالا فضفافما وقميصا داكنا رماديا ومعتمرا عمامة بنجابية مطوية على طريقة المحاربين القدامي. يخفض رأسه بعض الشيء، وبكل تهذيب يضع أمامنا قائمة الطعام. مذاق الكاري اللاذع ورائحة التوابل تغرينا بالتهام كامل ما في أطباقنا من طعام, كانت شهياتنا مفتوحة, وصدورنا مفعمة بعبق الهند.

- هؤلاء الهنوا مختلفون عن أولئك الذين نصادفهم كل يوم وفي كل مكان.

قال وليد:
- انه اسلوب في اجتذاب الزبائن كغيره من اساليب الترويح، ليس إلا.

 قلت ناظرا ناحية وليد:
- ربما ما قلته صحيح، ولكن المهم هو الاحساس بخصوصية الطعام.

قال ناصر، وطيف ابتسامة خفيفة تلوح على وجهه:

- لم استمتع إلا بابتسامة ساندا وتناسق ردفيها.

لكزه وليد منبها.

- لا ترفع صوتك فساندا تعرف العربية.

رد ناصر وطيف تلك الابتسامة الماكرة مازال حاضرا:

- لا تخف فهي لا تفهم معنى تناسق الردفين.

ثم غرق في ضحكة مجلجلة لم نملك إلا وشاركناه اياها بكل تلقائية. ولم تكد حفلة الضحك تنتهي حتى وجدنا موهن واقفا بمحاذاة الطاولة وبيده فاتورة الحساب.

حين خرجنا كان المطر ينهمر بقوة, اشتهيت أن أحتسي قهوة في هذا الجو الماطر. اتجه ناصر ووليد الى سيارتيهما, بينما ذهبت أنا ناحية وسط الحي التجاري، ومفتشا عن مقهى. لم يدم بحثي طويلا فسرعان ما عثرت على بغيتي.

 شربت فنجان قهوتي بسرعة, كنت محرجا من أعين الموجودين, رغم قلتهم, فملابسي كانت مبللة, والجريدة التي وضعتها على رأسي في خروجي من المطعم لم تصمد تحت زخات المطر وقد رميتها بعد أن تحولت الى غربال لدن. توقف المطر قليلا، فسارعت الى الخارج تاركا أعين زبائن المقهى المتطفلة.

 خضت فيما يشبه البرك الصغيرة حتى وصلت الى كبينة هاتف عمومي على ناصية الشارع. اتصلت بالجريدة, قالوا لي إنهم بحثوا عني في كل مكان, وأنهم يريدونني لأمر هام.

سألت عبدالعزيز:

- ماذا تريدون مني

قال:

- الا تعرف لماذا يريدني؟

قال:

- رئيس التحرير هو الذي طلب تواجدك بصورة عاجلة.

قلت:

- أنا محرر مثلك.. من أين لي ان اعرف ؟

طلبت من عبدالعزيز أن يخبر رئيس التحرير بأنني في طريقي اليهم, ولن أتأخر. تركت كبينة الهاتف وأسرعت الى حيث اوقفت سيارتي. على بعد خطوات قليلة من السيارات رأيت محسن يتشاجر مع زنجيين من جنود المارينز. حين اقتربت منهم بادرني محسن والزبد يفوح من طرفي فمه:

- هؤلاء الزنوج مستعبدون في أمريكا. اسألني أنا. أعرفهم جيدا. لقد عشت خمس سنوات هناك وأعرف كيف يعاملون.

صرفت في وجهه:

- أتركهم وشأنهم وأذهب الى حال سبيلك.

- لا اتركهم حتى يرحلوا من هنا.

اخبرتهما بان الرجل مصاب بلوثة في عقله, وان من الافضل الا يستمعا اليه. لكن قاطعني بانجليزية شديدة الشبه بتلك التي يتحدث بها الامريكان:

 - أنا لست مجنونا، أنا بكامل عقلي. أنتم المجانين.

 ثم أردف:

- هؤلاء الزنوج المستعبدون هناك جاءوا مع اسيادهم.

نهرته طالبا ان يصمت. نظر الي بازدراء، وقبل ان ينصرف جمع بصاقه ورشق به وجه أحد الزنجيين.

أعرف محسن منذ ثلاث سنوات. اراه احيانا كثيرة يجوب ارصفة وأزقة حي القرم التجاري. وغالبا ما يجلس متقرفصا أمام مداخل المجمعات التجارية, يدخن ويكلم نفسه بصوت مرتفع. مرة وجدته جالسا يقرأ كتابا باللغة الانجليزية أمام باب المطعم الصيني. تجرأت وسألته عن الكتاب. قال:

- ديفيد كوبر فيلا لتشارلز ديكنز.

وأخذ يسرد علي مقاطع من الرواية. كان في ذروة العقل والوعي. دعوته لاحتساء فنجان قهوة في مقهى قريب. قال انه يريد شايا.

في المقهى أخذ يتحدث عن الكتب التي قرأها, أعمال ادبية بالغة الانجليزية, وكتب في الفيزياء وعلم الجينات. قال انه مغرم بمتابعة تطور علم الوراثة ولكنه يخشى على البشرية من جنون الاستنساخ. ادهشتني معرفته العلمية ومنطقه المرتب. كان في تلك اللحظات يبدو وكأنه أعقل الناس ولا يمت للجنون بأي صلة. سألته عن سر اهتمامه بالمسائل العلمية. قال:

- الكتب يا أخي تصنع المعجزات، ثم انه تخصصي.

صمت برهة, ثم أردف:

- كنت على وشك الحصول على درجة الدكتوراة في تخصص علمي دقيق لولا المرض الذي جعلني طريح الفراش اربعة اشهر اثر اصابتي جراء خطأ متعمد اثناء أحدى التجارب المخبرية.

ابتسمت غير مصدق ما أسمع. قلت في نفسي لم يبق غير ان يتذاكى علي هذا المخبول. حاولت أن أتعجل في احتساء الشاي رغم سخونته. قال محسن وكأنه احس بما يعتمل في رأسي:

- كأنك غير مصدق.. اقسم لك بالله بأن هذا ما حدث لي.

فضلت الصمت حتى لا اثيره فينتفض جنونه من مكمنه.

وبهدوء غريب واصل تداعياته:

- ولدت في ممباسا وعشت هناك في كنف عائلتي العمانية المحافظة حتى انهيت دراستي الثانوية ,ونظرا لتفوقي وحصولي على درجات مرتفعة في المواد العلمية أرسلني والدي الى جامعة نيروبي، وهناك التحقت بكلية العلوم. كان ابي رجل علم ودين, وكان متفقها في المذهب الاباضي، إلا انه كان في الوقت نفسه محبا للعلوم الحديثة, وهذه خاصية نادرا ما تجدها عند أقرانه. كان يحثني على مضاعفة الجهد في دراستي عن طريق الرسائل التي تصلني منه بانتظام أو عند زياراته للعاصمة بصحبة بعض اقاربي. وكنت مجتهدا بالفعل ومحافظ على قيمي الاخلاقية والدينية. توقف فجأة ليرتشف من كوبه رشفة كبيرة, ثم نظر الي وعلى وجهه ترتسم ابتسامة صافية وقال:

- يبدو انك مللت.

بادلته نظرة باسمة وطلبت منه ان يواصل. وضع سبابته على صدغه وكأنه يحاول ان يتذكر شيئا.. ثم قال:

- نسيت أن اقول لك ان في مدينتي ممباسا كانت تعيش جالية عمانية كبيرة, ومازال يوجد حتى الأن الكثير من الممباسيين ينحدرون من أصول عمانية, وقد تتلمذت في صغري على يد معلم اسمه علي الجهضمي، عمني القرأن حتى حفظته ومبادئ الدين والفقه والحساب.

نظرت خلسة الى ساعتي متذكرا بان علي أن أعود الى البيت لاستحم واغير ملابسي، فهناك سهرة تنتظرني في بيت وليد. رمقني محسن وأنا اختلس النظر الى ساعتي, فما كان منه إلا ان انتفض واقفا واخذ يقرأ بصوت عال وسط دهشة الموجودين بالمقهى (والعصر ان الانسان لفي خسر إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق  وتراصوا بالصبر). وما كاد ينتهي حتى انطلق كالرصاصة ناحية الباب, صفقه وراده

بقوة وخرج.

نقرت بسبابتي على المستطيل الزجاجي الفاصل بين صالة التحرير والممر الضيق المؤدي الى مكتب رئيس التحرير، كان عبدالعزيز وزميلان آخران داخل الصالة, كان عبدالعزيز منهمكا في الكتابة, لكنه حين سمع طرقات اصبعي رفع رأسه واشار ناحية مكتب الرئيس تأكيدا على وجوده بالداخل. بمجرد ان دلفت الى المكتب بادرتني سوسن السكرتيرة, قائلة:

- تأخرت كثيرا.. الاستاذ محمود ينتظرك منذ وقت طويل. قلت وأنا انظر الى عينيها الواسعتين الملونتين بعدستين لاصقتين خضراوين:

 - من أجل عينيك أنت فقط أنا جئت.

قالت وعلى محياها طيف ابتسامة ماكرة:

- يعني انتطار رئيس التحرير لا يهمك.

- لم اقل لا يهمني. هو مهم بالتأكيد، ولكن يوجد ما هو أهم منه. اتسع حيز الابتسامة على صفحة الوجه وانشغلت بالرد على الهاتف. دخت على الاستاذ محمود.

- استقبلني بمودة خالصة, كان مرحا وضحكته المجلجلة تدوي في ارجاء المكتب الواسع المغطاة جدرانه بطبقة مصقولة من خشب الساج. أشار بيده ان أجلس على الكرسي المحاذي لاحد طرفي الطاولة الاماميين, ثم قال:

 - اسمع يا ماجد لقد اخترك لتذهب الى الجبل الاخضر وتجري استطلاعا صحفيا موسعا مدعما بالصور عن المشاريع الجديدة هناك.. فما رأيك ؟

- على أتم الاستعداد.

أرجو ان تركز على الامكانيات السياحية التي يزخر بها الجبل الاخضر، خصوصا مناخه واشجاره التي يندر ان نجدها في مناطق أخرى من عمان.

 - طيب يا استاذ.

وقبل ان استأذن بالانصراف قال الاستاذ محمود وكأنه استدرك شيئا مهما:

- لا تشر في استطلاعك, لا من قريب او بعيد، الى حرب الجبل. ركز فقط على المقومات السياحية ومدى امكانية استثمارها اقتصاديا.

عند خروجي من المكتب استوقفتني سوسن. تناولت سماعة الهاتف وتحدثت مع الاستاذ محمود مستأذنة منه في الخروج. ثم اتصلت بزميلتها كريمة الموظفة بارشيف الجريدة وطلبت منها أن تحل مكانها. بعد ان وضعت السماعة التقطت حقيبتها من على الطاولة الجانبية الصغيرة الموضوع عليها جهاز فاكس صغير ومزهرية بيضاء بداخلها مجموعة منتقدة من الزهور. ثم قفزت من كرسيها, وبحركة مرحة اومأت لي بيدها, دلالة على أنها خارجة معي، واتبعت ذلك قائلة:

- خذني في طريقك, سيارتي في الورشة ولن ينتهي تصليحها إلا غدا. سأنزل في العذيبة, بيتنا هناك.

قلت:

- ولو يا سوسن.. حتى لو أردت أخر الدنيا. أنت في طريقي. أنا ذاهب الى السيب. قالت بفرح:

- السيب جميلة, أحب فيها البحر. عمي يسكن هناك قريبا من البحر. قلت ممازحا:

- أما أنا فأحب صعود الجبال.

ضحكت, ثم استحضرت بيت أبي القاسم الشابي الشهير:

من لا يحب صعود الجبال

                    يعش ابد الدهر بين الحفر

في تلك الاثناء نظرت اليها بكامل وجهي. كانت تحاول أن تكيف جسدها مع وضعية المقعد. تمد يديها يمينا وشمالا باحثة عن زر التحكم, وحين لامسته بأنامل يدها اليسرى رجع ظهر المعقد الى الخلف قليلا, فتنهدت وقالت:

 - الأن أخذت راحتي.

كنت أنظر الى جسدها باشتهاء، كانت العينان مصوبتين ناحية النهدين النافرين. فكرت "انهما يمامتان جميلتان تحاولان الانعتاق من الاسر". قلت والرغبة تشتعل في دمي:

- أطلقي حريتهما.

نظرت الي مندهشة, متسائلة:

- أطلق حرية من ؟

انتبهت الي, انني كنت أهلوس, فاستدركت بسرعة, وقلت:

 - اطلقي سراح بنات افكارك. فضفضي.

 تنهدت بعمق وقالت:

- ماذا أقول وماذا اترك.

قلت:

- يبدو ان صدرك مشحون بالهموم. تكلمي لا تخجلي.

التفتت الي. طالعتني وكأنها تراني أول مرة, ثم حنت رأسها وفتشت في حقيبتها عن شيء ما. أخرجت شرط كاسيت وناولتني اياه.

 قالت:

- به اغان باكستانية أرجو ان تعجبك.

سألتها باندهاش:

- ما علاقتك أنت بالاغاني الباكستانية ابتسمت وقالت:

- لا تستغرب فأنا نصفي باكستاني ونصفي عماني. كيف ؟

- أمي باكستانية وأبي عماني.

أدخلت الكاسيت في المسجل فانبثق شلال من الموسيقى. تذكرت, لقد سمعت مثلها في المطعم الهندي، ولكن ليست هي تماما.

 بعد هنيهة انسابت الموسيقى هادئة عذبة بايقاع مختلف وتدنت امرأة تغني بصوت فيه بحة . قلت لسوسن:

- ترجمي لي ما أسمع .

قالت:

- هذه قصيدة لمحمد إقبال والمغنية من المشهورات في باكستان .

قلت:

- كأم كلثوم مثلا

قالت:

- ليس تماما .

قلت:

- كأسمهان ا!

قالت بعد شيء من التردد:

كأسمهان .

لاحظت ان سوسن منسجمة مع الاغنية يتمايل جسدها يمينا ويسارا مع ايقاعاتها, وتردد كلماتها بكثير من النشوة . وفي ذروة هذا الانتشاء كانت يدها تهيم في الفراغ بحركات ايمائية مبهمة, كان ذلك يحدث بمحاذاة وجهي مباشرة . كنت مأخوذا بهذه الانوثة الطافحة, وهذا الالق الجميل لامرأة مسكونة بحضور مثير. رفعت يدي وببطء وضعت كفى فوق كفها اعتصرت راحتها ثم قربتها من شفتي وهبت عليها قبلأ مجنونة ؟ نظرت اليها وأنا ممسك بيدها, فرأيت كما يرى النائم, وجها مضينا كصفحة القمر مضرجا بحمرة خفيفة . في خضم ذك الغياب اللذيذ كادت السيارة ان تنحرف عن مسارها لولا اني تمالكت نفسي في اللحظة الاخيرة . فجأة قالت بكلمات هامسة:

- ماجد.. خفف السرعة والزم اليمين, فهذا الذي أمامك هو التقاطع المؤدي الى

بيتنا.

قبل ان تترك سوسن السيارة حدقت في وجهي بتمعن ثم قالت بعد لحظة صمت خلتها دهرا:

- شكرا .. ماجد.

وددت تلك اللحظة لو أمرغ وجهي في ديباج صدرها والثم كرزتي شفتيها، وأغيب, واغيب وأتماهى في الغياب .

منذ صغري وأنا أحلم بزيارة الجبل الاخضر، سمعت عنه الكثير من أفواه الكبار، وقرأت عنه, ولكن ما قرأته كان يسيرا, ولم يشبع نهمي. كنت أعيش بكل حواسي مع عبدالله الطائي وهو يرسم اسطورة الجبل . كانت الكلمات تخضر ثم تلتهب ثم تخضر

مرة أخرى أمام عيني وعات الحياة تولد طرية بهية من رحم الموت وكانت تنهض كالعنقاء تنهض من وسط الرماد منتفضة قوية ممتلئة بالتحدي. وها هي الفرصة تتاح لي اليوم ولن اجعلها تفلت مني، سأتشبت بها وأمتلكها بكل جوارحي. أعددت العدة لهذه الرحلة وأنا مفعم بفرح طفولي. جهزت اغراضي الشخصية, رتبت ملابسي ووضعتها في الحقيبة, أخذت معي جهاز تسجيل صغيرا وكاميرا. قلت لرئيس التحرير: لن احتاج الى مصور. فسوف اقوم بمهمة التصوير بنفسي.

قالت لي سوسن وهي تودعني عند باب المكتب:

- لا تنس ما اوصيتك به . تشكيلة على ذوقك من فواكه الجبل .

قالت ذلك واتبعته بابتسامة خجلى, ثم أحنت رأسها قليلا الى اسفل فانزلقت خصلات من شعرها مستنفرة على بلور عنقها الأمامي، وحين رفعت رأسها عادت الضفيرة الى وضعها الأول منسابة كخيوط من ذهب خلف الرقبة . كانت ملامح وجهها أنذاك تشي بامتزاج حضارتين, حضارة مجان والسند. تفاعل كيميائي عجيب ومبهر.

كانت ترتدي فستانا طويلا ملتصقا بجسدها. تأملت ذلك الجسد الممشوق مليا, تراءى لي كأنه تمثال بديع من المرمر. حاولت ان المسه, ان اجوس بأصابعي في انحناءاته, لكنها تصدت بطلف للمحاولة . كان الصمت مخيما حولنا، لكن وجيب صدري كان ممعنا في الصخب . فجأة فتح الاستاذ محمود باب مكتبه، نظر الي باستغراب, ثم ابتسم تلك الابتسامة المحيرة وقال:

- امازلت هنا؟ لقد أمرت الموظفين في النقليات ان يجهزوا لك سيارة . هيا ماذا

تنتظر ؟

قال ذلك وانسل مرة أخرى داخل مكتبه. صافحت سوسن على عجل ثم التقطت جهاز التسجيل والكاميرا من على الطاولة وخرجت .

قبل أن أترك مسقط فكرت أن اتناول غدائي في المطعم الصيني، المطعم يفتح في الثانية عشرة ظهرا ويغلق في الثالثة عصرا. عند وصولي بالقرب منه اكتشفت ان عشرين دقيقة ما تزال باقية حتى موعد فتحه. اوقفت السيارة في المواقف الفاصلة بينه وبين تلك الحديقة الصغيرة التي كان سعيد يقطف منها زهوره كل يوم ويقدمها لفتاته الصينية . قررت ان أتمشى بعض الوقت على رصيف الشارع المحاذي، كان الطقس غائما ولكنه لم يكن منذرا بسقوط أمطار. ثمة حب&#