معنى
كلمة
المقامة في
اللغة
المقامة
- بفتح الميم -
لفظ تعددت
الآراء في
تعريفة، على
نحو اكسب هذا
اللفظ
مدلولات
كثيرة تطورت
عن الزمن. ففي
اللعة
المقامة من "المقام:
موضع
القدمين"(1)،
والمقام،
والقامة -
بضم الميم-
تعنيان،
الإقامة أو"الموضع
الذي ثقيم
فيه"(2) ومن ثم
وردت لفظة "المقامة"
بمعنى
الموضع ؟ أي
موضع الجنة
في الآية
الكريمة "وحسنت
مستقرا
ومقاما"(3) "أي
حسنت ومنظرا
وطابت مقتلا
ومنزلا"(4).
وتعني لفظة "المقامة
بالفتح "
المجلس
والجماعة من
الناس"
(5) كما تعني
الموضوع "
المقامة
المقام"
"المنبر أو
المنزلة
الحسنة "(6)،
ولعل هذا
الاوتباط
بين لفظة (المقام
)، ورمز من
رموز
العقيدة هو
ما جعل لفظة (المقامة)
ترتبط بعد
ذلك بمعنى
الموعظة أو
بعبارة أدق
بالمجلس
الذي تلقى
فيه المواعظ
(7)
لتتضمن
بعد ذلك معنى
"الخطاب
المواعظ"(8). -
أهم مؤلفي
المقامات
والاشكالياتا
التي ارتبطت
بهذا الفن: أما
المقامة
باعتبارها
جنسا ادبيا،
فهي فن يعتد
جذوره الى
القرن
الرابع
الهجري، حيث
ابتدع في أول
ما ابتدع -
كما يذهب بعض
الباحثين -
على يد ابن
دويد (أبوبكر
محمد بن
الحسن )
المتوفى في
سنة "321-994م"
(9). إلا أن
المقامة
عنده لم تأخذ
شكلها الفني
المحكم، إذ
وردت في شكل
وسائل أو
أحاديث. واستمرت
المقامة بعد
ذلك لتتشكل
فنيا على يد
كتابها،
وتأخذ
شهرتها مع
بديع الزمان
الهمذاني (أبوالفضل
أحمد بن
الحسين بن
يحيى بن سعيد)
المتوفى في
عام "398هـ- 1007م"(10)،
ومع آخرين من
أمثلة: ابن
مشرف
القيرواني (أبو
عبدالله بن
ابي سعيد
محمد)
المتوفى في
عام "460هـ- 1068م"(11).
وابن فاقيا (أبو
القاسم
عبدالله
عبدالباقي
بن محمد بن
حسن بن داود
لم المتوفى
في سنة "485هـ- 1092م
"(12).والحريري (
أبو محمد
القاسم بن
علي بن محمد
الحريري)
المتوفى في عام
516هـ(13). ونحن
حين ندرس اية
مقامة من
المقامات -
قارئين
معاصرين -
نشر حقا
ازاءها
بمشاعر
متباينة، اذ
نواجه جنسا
أدبيا عربيا
خالصا في عر
وبته، ورغم
اقتناعنا
بذلك، فإن
غياب أسباب
نشأته وعدم
وضوحها،
يجعلان
المقامة
تبدو كأنها "زهرة
برية لا يدري
كيف تفتحت "(14)،
إن الشعور
بغرابة
المقامة
يرجع أيضا
إلى أننا نجد
لكثير من
الانماط
الأدبية
معادلا لها
في الثقافات
الأخرى،
بينما نغمى
الامر لا
يتحقق
بالسبة
للمقامة. ان
البحث في فن
المقامة قد
دعا الى
ضرورة الكشف
عن الأسباب
الاجتماعية،
والثقافية،
والدينية
التي ألحت
على قيام هذا
الجنس
الأدبي. كما
ارتبط هذا
البحث فيما
ارتبط
باشكاليات
تعلقت
باختلاف
الآراء حول
نشأة هذا
الفن،
وتصنيفه ضمن
الأنواع
الأدبية. فعن
نشأة هذا
الجس الادبي
يذهب بعض
الباحثين
الى ان ابن
أريد هو ملهم
فن
المقامات،
وأن كل من
كتب المقامة
من بعده كان
مقلدا له،
وأن بديع
الزمان
الهمذاني
حين كتب
مقاماته
تأثر به، تلك
المقامات
التي لم تكن
سرى معارضة
لرسائل ابن
أريد التي
كان في
الأساس
يلقيها على
طلابه
لتعليمهم
اللغة
والأدب
وأساليب
البلاغة.(15). ورغم
شيوع الرأي
السابق، فإن
انتفاء
الدليل
القاطع به
جعل الآخرين
يعارضون هذا
الرأي
ويرفضونه
بشدة (16). فمن
أمثلة
هؤلاء؟
الحريري
الذي يذهب
إلى أن أول
من فتر باب
المقامات هو
بديع الزمان
الهمذاني. (17). أما
عن تصنيف هذا
الجس الأدبي
ضمن الأنواع
الأدبية. فقد
صنفه - بعض
الدارسين -
على أنه قصة.(18)
وفي حقيقة
الأمر ان
النظر الى
المقامة من
هذا المنظور
يطرح سؤالا
هاما، وهو
اذا كانت
المقامة قصة
؟ تمتد
بجذورها الى
القرن
الرابع
الهجري، فهل
يعني ذلك أن
العرب سبقوا
الكتاب
الغربيين في
هذا الجنس
الأدبي؟
والذي لم
يعرفه الغرب
إلا في عهود
متأخرة ؟ وهل
يعني ذلك أن
العرب
اساتذة
للغرب في
كتابة
الأعمال السردية
؟ حيث
ان المجال لا
يتسع للبحث
عن اجابات
لتلك
الامثلة
فاننا نكتفي
بطرحها
لمجرد
التنويه الى
ان قضية
الاسبقية في
كتابة
الأعمال
السردية بين
الشرق
والغرب،
قضية شغلت
عقول
الدارسين في
مجال
المقامة،
كما احتفلت
الاراء
وتضاربت
حولها(9ا). واذا
كان بعض
الباحثين قد
صنف المقامة
باعتبارها
قصة، فان
البعض الآخر
يذهب الى عكس
ذلك اذ يرى
ان المقامة
ليت قصة، وما
ينبغي لها ان
تكون، وإنما
هي حديث أدبي
بليغ، ليس
فيه من القصة
إلا الظاهر
فقط، وان
الغاية من
المقامة
التعليم،
والأساس
فيها هو
العرض
الخارجي لان
المعنى ليس
بشي ء مهم،
ومن ثم يغلب
على المقامة
الثورة
اللفظية،
والأساليب
الانيقة
الممتازة،
كما يتضح
منها
التباري في
ابتكار صور
التعبير
التي لا
تتعدى حدود
السطحية.(20) ومما
لا شك فيه ان
احدا لا
يجادل في
النتيجة
التعليمية
للمقامة،
ولا في
الغاية
منها، وإنما
كل الجدال
حول تصنيف
هذا النوع
الأدبي، اذ
نجد الآخرين
يقفون موقفا
آخر تجاهه،
فيرون
المقامة
تارة حكاية
خرافية،
وتارة أخرى
ليمت كذلك،
معللين
رأيهم بأن
المقامة منذ
ان عرفت عرفت
فنا مدونا،
ذا راو
محدد
وسمات فنية
ثابتة، وان
الجمهور
الموجه اليه
جمهور لا يمت
بصلة إلى
جمهور
الحكاية
الشفاهية (21).
كما اننا نجد
فريقا ثالثا
يقف موقفا
آخر مختلفا
تماما اذ يرى
المقامة
ليمت قصة ولا
حكاية
خرافية، ومن
ثم فهي ليمت
بقصة ولا
بغير قصة (22).
الأمر الذي
يبين
استمرارية
اشكالية
تصنيف فن
المقامات
ضمن الانماط
الادبية. ان
الهدف من هذا
التمهيد عن
المقامة هوا
لتعريف
بالمصطلح،
وايضاح أهم
مؤلفي
المقامات
وأشهرهم،
فضلا عن
ابراز
القضايا
والاشكاليات
التي ارتبطت
بدراسة هذا
الفن
الأدبي،
الذي ظل
مستمرا معنا
بحيث لا
نبالغ اذا
قلنا: إن
المقامة -
بعد الشعر -
كانت أكثر
الاجناس
الادبية
انتشارا بين
الناس على
مدى عشرة
قرون منذ
نشأتها. وأن
هذا الفن
استمر معنا
حتى نهاية
القرن
التاسع عشرا
لميلادي
وبداية
القرن
العشرين اذ
تطالعنا
مقامات "ابي
الحارث"
للبرواني. -
من هو
البرواني؟ البرواني
هو: محمد بن
علي بن خميس
من أصول
عمانية ولد
في جزيرة (زنجبار)
, بجنوب شرق
افريقيا منة
1878م وتوفى سنة
1953 م. عاش
البرواني
بجزيرة
زنجبار منذ
مولده الى ان
توفى، ولم
يتركها الا
لرحلات
طويلة الى
مصر وبلاد
الشام،
والتي اهتم
البرواني
بتدوين
تفاصيلها
وتفاصيل
المدن التي
زارها ابان
تلك الرحلات
شاملا في
كتابه "رحلة
ابي الحارث"
معلومات عن
مواقع المدن
مثل: السويس
وبور سعيد
والقاهرة
وبيروت
ودمشق ويافا..
الخ ومضمنا
اياه عادات
وتقاليد تلك
المدن
بالاضافة
الى كل ما
لفت انتباهه
وكان غريبا
عليه.(23) كانت
للبرواني
مؤلفات أخرى
نثرية
وشعرية
بجانب
المؤلف
السابق إلا
ان معظم
مؤلفاته
فقدت
بزنجبار
ابان ثورة
الزنوج على
العرب. فمن
القليل الذي
وصل الينا
كانت مؤلف
مقاماته
الذي تحت
عنوان "من
مقامات ابي
الحارث" حيث
طبعت الطبعة
الأولى
للكتاب
بالقاهرة.(24) ومقامات
ابي الحارث
التي يمكن ان
نسميها
بمقامات
البروائي
نسبة الى
مؤلفها
عبارة عن خصى
مقامات
عنوانها
البرواني
بعناوين تضم
اسماء أماكن
جغرافية -
كما سيأتي
تفصيلا - وفي
رأينا ان هذه
المقامات
تعكس بشكل او
بآخر ثقافة
البرواني،
اذ يتضح من
الوهلة
الأولى تأثر
البرواني
بسابقيه من
كتاب
المقامات
فهو ينهج
نهجهم في هذا
الفن، كما
يتضح من
تضمينه
مقاماته
نصوصا دينية
واخري ادبية:
بلاغية
وشعبية
وثالثة
تاريخية، ان
البرواني
كان شغوفا
بالاطلاع
والقراءة اذ
من المستحيل
ان يضمن
مقاماته
نصوصا أخرى
دون ان يكون
له دراية بها
او اطلاع
مسبق عليها. لم
يكن
البرواني
خريجا
لمدرسة او
جامعة
بعينها،
ولكن
انحداره من
والدين
شغوفين
بالعلم
والثقافة قد
نما فيه حسر
الاطلاع
والقراءة،
لا سيما وان
البرواني قد
نشأ في اسرة
ثرية، وبيت
ضمن مكتبة
كبيرة احتوت
على امهات
الكتب
العربية في
مختلف
المجالات.
ومن ثم ثقف
البرواني
ذاته ثقافة
ذاتية مطلعا
من مكتبة
والديه على
كتب من مثل:
ألف ليلة
وليلة،
وكليلة
ودمنة، وكتب
المعلقات،
والكامل في
اللفة
والادب، كما
قرأ
البرواني
كتب الرحلات
القديمة من
امثلة تحفة
النظار،
ومروج الذهب.
وقراءات
البرواني لم
تكن فقط في
الادب بل
شملت ايضا
كتب الفقه
لاسيما
الفقه
السني، كما
شملت ايضا
كتب التاريخ
ومن الجدير
بالذكر ان
ثقافة
البرواني لم
تكن ثقافة
عربية فقط،
بل ايضا
ثقافة
انجليزية إذ
كان
البرواني
يجيد اللغة
الانجليزية. -
الهدف من
قراءتنا
لمقامات
البرواني: إن
الهدف من
قراءتنا
لمقامات
البرواني هو
محاولة
الكشف عن
بنية هذه
المقامات،
والى اي مدى
تتسق هذه
البنية، أم
تختلف في
نسقها العام
مع بنية
المقامات
الاخرى. إذ
المقامة كأي
جس ادبي لها
بنية فنية
عامة تكاد
تكون ثابتة
في كل
المقامات،
وتتمثل
مفردات هذه
البنية في
الاطلالة
التمهيدية
التي تتضمن
اسناد فعل
القول او حكي
احداث
المقامة الى
راو بعينه.
وعادة ما
تبدأ هذه
الاطلالة
بفعل من
الافعال
التي تحتوي
على معنى
الرواية مثل:
حكى - قال - حدث. كما
تقوم
المقامة على
شخصيتين
اساسيتين
هما: شخصية
الراوي: الذي
يقوم برواية
أحداث
المقامة
ومغامرات
بطلها،
وشخصية
البطل: الذي
هو في الاغلب
الأعم شخص
مسن أو شيخ
جرب دروب
الحياة،
وعلى دراية
بمعاكسات
الزمان
والحظ، ومن
ثم يقوم في
المقامة
بدور المفيد
للآخر من
جمهور
سامعيه، اذ
يلقي عليهم
تجارب حياته
ومعر فته
الواسعة،
ويجعلهم
يستفيدون من
سعة ثقافته
اللغوية
والأدبية
والبلاغية. وبالاضافة
الى ما تتسم
به شخصية
البطل من
دراية
ثقافية
متنوعة، فهي
شخصية تتسم
ايضا
بالذكاء
الحاد مما
يؤهلها الى
الظهور
بمظاهر
مختلفة،
وهيئات
متعددة
تحتال بها
على الناس،
الأمر الذي
يجعل من هذه
الشخصية "شخصية
عادية"
تتقمص
وتتنكر في
شخصيات
متنوعة. أما
الحدث في
المقامة فهو
ليس ذا أهمية
اذ يطغى عليه
وتنامي
الحبكة كثرة
توظيف
الاساليب
البلاغية،
التي تأتي
على نحو سردي
يكشف عن "الغرابة
المتعمدة في
انتقاء
المفردة
المستعملة
في السرد،
وعلى
معمارية
اسلوبية
شديدة
التنميق،
عالية
الاناقة،
بديعة
النسيج الى
حد يمكن معه
تشبيهها
بالا صباغ
التي
يصطنعها
الرسام في
انجاز لوحة
من لوحاته.(25) ان
المبالغة في
التلاعب
بالالفاظ
والاساليب
البلاغية لم
تكن فقط
حائلا دون
تنامي الحدث
والحبكة في
المقامة، بل
ايضا في رسم
شخصيات
المقامة، إذ
تبدو
الشخصيات
ضعيفة
الملامح
ضئيلة الدور.
الامر الذي
يؤثر ايضا
على عنصر
الحوار في
المقامة،
فيظهر عادة
حوارا بسيطا
بين الراوي
والبطل،
ويخلو من اية
ابعاد نفسية. أما
عن عنصري
الزمان
والمكان في
المقامة،
فانهما
يقومان بدور
تجريبي
ينتهي
بانتهاء
أحداث
المقامة.
فضلا عن ان
الزمان في
المقامة
سكوني لا
يساعد على
انشاء الشيء
او تناميه،
والمكان
خلفية
صامتة، تقع
فيها احداث
المقامة
التي غالبا
ما تعنون
باسماء
البلدان
كاشارة
للموا ضع
الجغرافية
التي دارت
فيها
المقامة. كما
يخلو المكان
من سمة
الحركة، وان
وجدت فيه
فإنها
مرتبطة
بحركة تجوال
البطل
وانتقاله من
مكان لآخر. وأخيرا
عن موضوعات
المقامة،
تتنوع ما بين
مواضيع
أدبية او
لغوية او
بلاغية أو
اجتماعية:
تتضمن نقدا
أو وصفا او
فكاهة او
مدحا او ذما.
ولكل مقامة
موضوعها
المستقل بها:
فهناك
المقامة
الادبية،
والمقامة
الاجتماعية،
والمقامة
التاريخية..
الغ إلا انه
لا يوجد رابط
بين موضوعات
المقامات
سرى المؤلف
والراوي
والبطل
الواحد. تلك
كانت أهم
خطوط البنية
الفنية
للمقامة،
والتي
توصلنا
اليها من
خلال
اطلاعنا على
الدراسات
التي تناولت
المقامات.
وقد رأينا ان
نعرض اليها
بايجاز حتى
يتمنى لنا
الدخول في
تحليل بنية
نصوص مقامات
البرواني من
خلال قراءة
أولية لهذه
النصوص.
وعليه يجدر
بنا ان نعرف
مكون هذه
البنية -
اولأ - إلا ,وهو
النص. -
تعريف النص: النص
رغم مسربة
تعريفه
بوصفه
مصطلحا،
لتعدد
معايير هذا
التعريف
ومداخله،
ومنطلقاته،
فتطيع القول
ان معناه في
الاصطلاح: "كائن
لغوي، فهو
يطلق على ما
به يظهر
المعنى: أي
الثكل
الصوتي
المسموع من
الكلام او
الشكل
المرئي منه
عندما يترجم
الى مكتوب"(26)
وعليه، النص
نسيج من
الكلمات
يترابط
بعضها ببعض
وهذا النسيج
ذو وجهين:وجه
الدال ووجه
المدلول. وجه
الدال: هو
كائن مركب
وحداته جمل،
لا يدركها
الفكر الا
منظمة
ومرتبة، ولا
يمكن ان تنجز
باعتبارها
نصا إلا عند
التلفظ بها،
فتتخذ حيزا
يكون بها
النص كائنا
مستقلا فيحل
بذلك في
الزمان
والمكان. أما
وجه المدلول:
فمرجعه الى
ما يطلق عليه
عالم الخطاب
الذي هو: "جملة
من الاحداث
او الوقائع،
يؤديها عدد
من الذوات
تجري في
الزمن
والفضاء،
وهي نفسها
تخضع في
جريانها
للمدى
والتتابع
والترتيب"(27). وبهذا
المفهوم
يصبر النص
عالما مرتبا
ومنظما من
حيث وجهيه،
وأن عملية
تحويل
الاحداث،
التي تمثل
عالم الخطاب
الي ألفاظ،
هي التي تكون
لنا نصا. ولكي
نصل الى هذين
الوجهين في
النصوص
الخمسة
لمقامات
البرواني،
فإننا سنلقي
نظرة شاملة
على تلك
النصوص - بما
يمكن أن
نسميه
بالقراءة
الأولى ؟- من
أجل الكشف عن
مفردات
النصوص من
حيث طرائق
الابتداء
والسرد
والتأليف..
الخ، حتى
تتضح لنا
مدلولات تلك النصوص،
ومجموع
السمات التي
تتعلق
بشكلها
وبنائها. -
اولا: طرائق
الابتداء أو
الحكي: ان
طرائق
الابتداء أو
الحكي في
المقامات
الخمس
للبرواني،
نجدها جميعا
تستهل باحدي
العبارتين: "حدث
هلال بن اياس
قال:...."(28). أو "حكي
هلال بن اياس
قال:...."(29). إذن،
البرواني
يلجأ الى
توظيف صيغ
الاسناد:
التي كانت
شائعة في
الثقافة
العربية
الكلاسيكية،
والتي بها "يصير
الملفوظ نصا
أدبيا حين
يصدر عن سند
معترف به "(30)
مما ينم على
حرص
البرواني في
اثبات الصدق
لاخبار
مقاماته
بردها الى
راو
بعينه
هو "هلال بن
إياس" الذي
يتكرر مع كل
المقامات
فهو راويها،
والشاهد
العيان على
أحداثها. وبالرجوع
الى طبيعة
الافعال
الموظفة في
النسق
الاستهلالي
لمقامات
البرواني،
نجدها
افعالا مثل:
حدث، قال وهي
أفعال "تنتمي
الى الماضي
وتحمل في
طياتها مموت
راو ينبعث
منها"( 31). والراوي
الذي نقصده
هنا ليمر
الراوي
المباشر
هلال بن
اياس، بل راو
آخر، راو
ضمني يتوارى
خلف الاسناد. بمعنى
ان عبارة
طحدث او حكى
هلال بن اياس"
تعني ان هلال
بن اياس
يخاطب
البرواني
المؤلف، وان
هلال سيقوم
بنقل أقوال
البطل، وحكى
مغامرته الى
البرواني.
بدليل توظيف
الفعل
الماضي (قال )
في جملة
الاستهلال "حكى
هلال بن اياس
قال:...."
فالفعل
الماضي (قال )
يوضح "أن
الراوي ينب
اليه حق
رواية ما قال
به راو آخر"(32)،إذ
ان (قال ) تخلق
مقاما ثالثا
للخطاب، ذلك
لأنها
تستلزم وجود
مخاطب (بفتح
الطاء) وهذا
المخاطب ليس
البرواني
فقط، بل ايضا
القارئ
الضمني
للمقامات. والذي
يؤكد ما نذهب
اليه طبيعة
الفعلين (حدث،
وحكى) في
المعنى،
ففضلا عما
ينطويان
عليه من
معاني
الرواية،
انهما أيضا
يتضمنان قصد
المتكلم في
نقل الخبر
الى السامع:
لأن الفعلين
وان لد يؤكدا
على جارحة
السمع - لكن
على أقل
تقدير
يثيران
اليها؟ لأن
الحديث
والحكى لابد
لهما من باث
ومتقبل. هذا
فضلا عن ان
توظيف
البرواني
لهذين
الفعلين
اللذين
يوحيان
بالسماع، مع
اثبات فعل
الحكى برده
الى ناطقه
المباشر -
هلال بن اياس
- بواسطة
الفعل
الماضي (قال )،
يدل على ان
البرواني
راو ضمني قد
سمع خبر
المقامات من
ناطقها
المباشر،
وأن هذا
الراوي
الضمني يقف
في موقف وسط
بين الراوي
الأول
الاصلي،
هلال بن اياس
والمستقبل
اوالسامع،
كما ان
التدقيق في
اختيار
الفعل (قال )
بما فيه من
معاني النطق
المباشر،
وبتحديد اسم
الناطق،
يعطي السند
نوعا من
الثبوت
والتأكيد. -
ثانيا:
الشخصيات: اذا
كانت "الشخصية
في الحكي هي
مجموع ما
يقال عنها
باللغة،
بالاضافة
الى ما تفعله
وما تقوله"(33)،
وأن هذه
العناصر هي
التي تكون
الابعاد
المختلفة
للشخصية.
فاننا
بالبحث عن
هذا العنصر
في مقامات
البرواني
وداخل نطاق
المفهوم
السابق،
وجدنا ان
الشخصيتين
الاساسيتين
او بما يمكن
ان نسميهما
الشخصيتين
الرئيسيتين
تمثلتا في كل
من شخصية
البطل،
وشخصية
الراوي،
اللتين يركز
عليهما
البرواني
بشكل بارز. فعن
شخصية
البطل، بطل
مقامات
البرواني هو
"الحارث بن
الارقم
ويكنى بأبي
الهيثم "(34)،
الذي يسلط
عليه
البرواني
الضوء من حيث
´مظهره
الخارجي،
وسلوكه
وبعده
الفكري
والنفسي. فشخصية
البطل في
المقامات
تبدو من حيث
مظهرها
الخارجي
شخصية مسنة "شيخ"(35)،
عجوز، طويل
القامة كما
يتضح من وصف
البرواني له
في ة وله: "شوذب
طوال"(36)، "طويل
النجاد"( 37)،
وهذا الشيخ
تارة في حالة
ترف ورخاء،
اذ يبدو "برجل
عليه حلة من
لبد"( 38)، و"شملة
من الاطمار"(39)
"يتبختر بين
الصفوف" (40)، و"
يتوسط قومه
واخذانه"(41)،
وتارة أخرى
يظهر في حالة
بؤس ومعاناة
لاهيما حين
تأتي عليه
الايام
فيبدو "طويل
السبال، رث
الجسم
والسربال"(42)،
"ذو لحية كثة
وهيئة رثة "(43)،
"قد حنى
الدهر
صعدته،
وابتزت
الايام جدته"(44
). وبتدقيق
النظر في
الوصف
المظهري
لشخصية
البطل، نجد
انه وصف يجمع
بين الشيء
ونقيضه: قوة،
وضعف. وان
هذا التضاد
البين في
الوصف هو ما
يجعل هذه
الشخصية
شخصية مميزة
تقع في مركز
الاهتمام،
وتجذب
الانظار ليس
فقط بالنسبة
لنا بوصفنا
متلقين
للمقامة، بل
ايضا
بالنسبة
للعناصر
الفنية
الاخرى في
المقامة، إذ
يبدو
التركيز على
هذه الشخصية
يطغى على
بقية
العناصر. كما
ان هذا
التناقض
البين من حيث
المظهر
الخارجي
يتسق وما
تتسم به هذه
الشخصية من
مقدرة
التحول
والتقمص
لشخصيات
مختلفة عبر
مواقف
المقامة. أما
عن سلوك
شخصية
البطل،
فسلوك هذه
الشخصية لا
يختلف عن
هيئتها
الخارجية من
حيث التناقض
؟ إذ يظهر
البطل في
مقامات
البرواني
شخصا يعتد
بنفسه،
فخورا
بأصوله
العرقية
والقبلية،
كما يتضح من
قوله: "اني من
سلالة سروات
القبائل،
والكرام
الافاضل "( 45) "نبيه
القدر أرفل
في ثوب وفير
"(46)، ذو "جاه
وسطوة وسعة
وثروة "(47)،
ولا يقف
تفاخر البطل
عند حد
الاعتزار
بأصله
العرقي
وماله، بل
يمتد الى
التفاخر
الثقافي
باظهار
مهارته
اللغوية
والبلاغية،
وسعة مداركه.
(48) وعلى
الصعيد
الاخر من
سلوك هذا
البطل نلمس (أنا)
النقيض، اذ (أنا)
التفاخر
والاعتداد
بالذات
تنقلب الى (أنا)
ذليلة تطلب
من الراوي
العفو
والمغفرة،
والتستر على
الخطأ، ومن
ثم ينشد
الحارث هلال
بن اياس اعذب
الشعر،
وألطف
الكلمات حتى
ينال رضاه. (49)
وتمتد هذه (الأنا)
في الذلة الى
حد الاخذ
بحيل
الاحتيال
فتؤثر على
الاخر
بخطابها
الواعظ،
وبما تتقمصا
من مظاهر
المتسول
ضحية نوائب
الزمن، ومن
ثم تطرح
ذاتها
مثالا، وتشد
الى السلوك
الو اجب
اتباعه بهدف
الافلات من
انياب الزمن.
وحين تفشل
هذه (الأنا)
في اقناع
الاخوين بما
اوتيت من حيل
ووسائل
تمكنها من
ملء حقائبها
فلا مانع من
التنصل
تماما عن
العزة
بالذات،
وطلب
المقابل
المادي
جهارا ازاء
أي موضوع
تطرحه، سواء
أكان موضوعا
اخلاقيا او
دينيا او
بلاغيا، بل
تعتبر هذا
المقابل
المادي حقا
مكتسبا لها،(
50) ومن ثم يطرق
الحارث
موائد
الطعام "ويأخذ
وجوه
الرقاق،
ويفقأ عيون
الاطباق
ويمش الحشاش
والعظام،
ويفتك
بالشواء..."( 51). ان
ما سبق هو
السلوك
المتناقض
لشخصية
البطل، أما
عن الجانب
الفكري لهذه
الشخصية،
فالحارث بن
الارقم
شخصية تتسم
بحدة الذكاء
كما يتضح من
وصف الراوي
لها اذ يقول
عنها: "أظهر
من ذكائه ( اي
الحارث ) ما
قصر عنه اياس
"(52). وذكاء
الحارث ذكاء
ممزوج
بالمكر
والدهاء كما
يتضح من
كفاءته في
تقمص شخصيات
مختلفة عبر
مواقف
المقامات،
وعليه يظهر
الحارث تارة
موصيا أو
واعظا
اخلاقيا
يدعو الى
صورة
الانسان
المأمولة
بكل ما فيها
من مثالية
ملائكية.
وتارة أخرى
يبدو الحارث
عليما
بأحوال
الزمان
وتقلباته،
ومن ثم يتخذ
من ذاته
مثالا حيا
ونموذجا
لاقناع
الآخر
بتفادي صروف
الدهر. وتارة
ثالثة يتحول
الحارث الى
واعظ ديني
اقرب ما يكون
الى صورة "المطوف"
العصري،
فيعلم الناس
أمور دينهم
ودنياهم،
ويوجههم
التوجيه
الصحيح نحو
مناسك الحج.
وتارة رابعة
يتقمص
الحارث
شخصية عالم
البلاغة
فيباري
سامعيه
بموهبته
الفائقة في
علم البيان.
وتارة خامسة
ينزل الحارث
من القمم
السامقة بكل
ما فيها من
جمال وكمال
الى أرض
الواقع
فيصبه
انسانا
عاديا
يعتريه ما
يعترى
الانسان من
عوامل
النقص، حين
يأتي عليه
الزمان،
فنجد الحارث
شيخا سنا
يتبادل
السباب
والشتائم مع
زوجته
الشابة (53). ان
الحارث عبر
المواقف
السابقة
يبدو شديد
الاقناع
بالنسبة
للاخرين،
وهو عين ما
يتضح من قول
سامعيه في
موقف
التباري
بعلم البديع
- مثلا -
فيقولون له: "لقد
بلغت من
البلاغة
أسمى الرتب"(54)،
ويصفونه في
موضع آخر
بقولهم انه "يخلب
العقول بسحر
روائعه،
ويبهرنا
بطرائفه،
ويشنف
الاذان
بطرائفه.(55). ان
تأثير
الحارث
والاستفادة
منه لا
يقتصران على
سامعيه فقط،
بل ايضا على
الراوي ذاته.
كما يتضح من
وصف تجربته
معه اذ يقول
هلال بن
ايامي: "أخذت
استخرج
دفائن
اخباره،
واستنثل
كنائن
اسراره "(56).
والحارث في
سيبل
الاقناع
والبلوغ الى
الهدف لا
يعتمد بما
أوتي من
موهبة
الخطاب
فحسب، بل
يلجأ ايضا
الى القاء
الشعر (57)،
ويسانده في
ذلك ما لديه
من ادبيان
يسمع الصم،
وينزل العصم
"(58) ومن "لسان
ذلق ولفظ لبق
"(59). الامر
الذي يجعل من
هذه الشخصية
بكل ما فيها
من ذكاء
ومكر،
ودراية
ثقافية
واسعة،
وموهبة
نثرية
وشعرية،
وقدرة فائقة
على التنكر،
شخصية ذات
نسيج خاص ؟
وهي بعبارة
الراوي
فريدة عصرها.
(
60) ومن الجانب
الفكري لهذه
الشخصية الى
جانبها
النفسي، نجد
شخصية
الحارث
شخصية يتسم
جانبها
النفسي
بالايمان
بالله
وبالغيب
والدين
الاسلامي
كما يتضح من
تلفظها
الدائم
بالآيات
القرآنية،( 61)
ومن إلمامها
بفرائض
العبادة
ومنامك الحر.
(92). وشخصية
الحارث
شخصية تؤمن
باليوم
الآخر وزوال
الدنيا كما
يتضح من
وعظها
للآخرين إذ
يقول الحارث:
"واعلموا ان
الدنيا سراب
بقيعة،
وحلاوتها
سموم نقيعة،
وبهجتها ضوء
الحباحب،..
فلا تغرنكم
بحطامها،...
انها خداعة
مكارة"(63). وبطل مقامات البرواني، شخصية، مرت في تركيبها النفسي بتجارب كثيرة وخبرات متنوعة كما يتضح من وصف الراوي للحارث اذ يقول عنه: "أقد حلب الدهر اشطريه، |