مظاهر التفاعل بين اللغة والسياق الأجتماعي


عبدالله الحراصي (باحث وأكاديمي من سلطنة عمان)


مقدمة في المنهج:

يعتد مدي تحليل الخطاب في تعامله مع النص اللغوي الى ما هو أبعد من معاني الكلمات والجمل ومقاصل كاتبيها والسياق القريب الذي كتبت فيه ليشمل أساسا رؤية اللغة كممارسة اجتماعية فعلية ترتبط أساسا بمستويات اجتماعية أعلى كالسلطة والتغير الاجتماعي وصراع القوى داخل المجتمع الواحد. النص اللغوى يغدو هنا مفتاحا لقراءة الواقع الاجتماعي. وهذا هو سنحاول القيام به في هذه الدراسة، أي رؤية اللغة بحس نقدي يظهر ما تعكسه من عمليات اجتماعية كالتغير الاجتماعي والصراع وغيرهما.

قبل أن انتقل الى متن الدراسة ينبغي أن أتوقف عند أمر يفرضه على التراث النظري الذي تسير عليه هذه الدراسة وهو التحليل النقدي الاجتماعي للغة، هذا الأمر يتمثل في وجوبا توضيح موقفي كباحث من منهج البحث. ان المنهج النقدي يتجاوز الوصف البسيط للبنى اللغوية كالنحو والصرف وغيرهما ويتعمق الرؤية الفعل الاجتماعي للغة، أي اللغة بوصفها عاملا فاعلا في الحياة الاجتماعية، ويمضي هذا المنهج ليحاول ابرأن القوى التي تعمل خلف اللغة، وأشكال التفاعل والصراع بين هذه القوى، إن تحليلي لكتاب "بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود" للامام نور الدين

عبدالله بن حميد السالمي من منظور التحليل النقدي للخطاب، أي التحليل الذي يتعامل مع مؤسسات وقوى اجتماعية وبمفاهيم وتصورات لا تخلو من الحساسية الاجتماعية، لا يخل أبدا بموضوعية التحليل والطرح. يقول كل من نورمان فيركلاف وروث ودكاد (1997) في دراسة حديثة.

لا يرى التحليل النقدي للخطاب نفسه علما اجتماعيا محايدا وموضوعيا بل انه مشارك ومسؤول، انه شكل من أشكال التدخل في الممارسة الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية... والتحليل النقدي للخطاب ليمر استثناء للموضوعية العلمية المعتادة في العلم الاجتماعي : فالعلم الاجتماعي مرتبط على نحو جذري بالسياسات وأشكال صياغة السياسة، كما أثبته على نحو مقنع فوكو ( 1971 - 1979) على سيبل المثال.... غير أن هذا بكل تأكيد لا يوحي بأن التحليل النقدي للخطاب أقل علمية من أنواع البحث الأخرى، فمقاييس التحليل الدقيق والصارم والمنظم تنطبق على التحليل النقدي للخطاب بنفى المستوى من القوة كما هو معهود في الرؤى (العلمية ) الأخرى. (ص 258- 259، ترجمتي: الحراصي).

معنى هذا أن الحقيقة العلمية والموضوعية المطلقة التي تعلن فروع العلم السعي اليها عادة ليمت هدف التحليل النقدي للخطاب هذا التحليل موف أحاوله في هذه الدراسة. ان هذه الدراسة التحليلية لخطابين ظهرا في عمان في مطلع القرن تمسى بهذا المعنى الى "التدخل" معرفيا في الممارسة الاجتماعية في المجتمع العماني. الذي شهد حركة تطور كبيرة في مناحيه الحياتية، بدراسة تسهم في توضيح الجوانب الاجتماعية للفة ورؤية الأدوار التي تساهم فيها في ميدان التفاعل الاجتماعي، سعيا وراء هدف أعم يتمثل في تعزيز الحمى النقدي تجاه اللغة.

كتاب" بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود"

الكتاب الذي تتكون منه مادة هذه الدراسة هو "بذل المجهود في مخالفة النصاري واليهود" للامام ( 1) نور الدين عبدالله بن حميد السالمي. ظهرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب، وهي التي اعتمدناها في هذه الدراسة في عام 1995، وقد نشرته مكتبة الامام نورالدين السالمي، ويقع الكتاب في 80 صفحة من القطع المتوسط، ويتكون من مقدمة وستة فصول وخاتمة (2). الفصل الأول حمل عنوان "في التحذير من مدارس النصاري"، والثاني "في لباس النصاري"، والثالث "في تعليم اللغة الأجنبية"، والرابع "في حلق اللحى"، والخامس "في السبب الذي أدخل النصاري بلاد الاسلام "، أما الفصل السادس فحمل عنوان "في الشر على التناصر والتآزر والاستعداد للعدو بما يستطاع من قوة والتنبيه على غوائله". أما خاتمة الكتاب فقد احتوت على تنبيهات حول التحذير من مطبوعات النصاري ونحوها، وفي الطريق لتهذيب الأطفال.

قبل أن نله مباشرة في تحليل الكتاب نرى أنه من المهم أن نتعرض بالتحليل لقصة تدوين هذا الكتاب كما يرويها الامام السالمي حيث انها تحمل كثيرا من الدلالات التي تعين على اضاءة بعض التقاط الرئيسية في هذه الدوامة. يقول الامام السالمي في مقدمة الكتاب.

"هذا جواب لكتاب وملني من زنجبار، مجادلا فيا عن اخوان الكفر،

عبدة الدرهم والدينار، وذلك حين نزع الله حكومة زنجبار من أيدي المسلمين بما كبت أيديهم. وسلط عليهم عدوهم، بما تركوه من أوامر ربهم، فاحتلها النصاري بالمكر والخدائع ونصبوا لهم أنواع الحيل السالبة للدين، رغبة في سلب دينهم، كما سلبوا دنياهم فيكونون سراء، فمال اليهم من لا خلاق له من جهال السلمين، ومن زاغ عقله عن منن الدين، فتزينوا بملابسهم، وعوجوا السنتهم بلغاتهم، وخالطوهم في مدارسهم وعاو نوهم في محاكمهم التي هي بيت الظلم وستقر البوار، فصدرت مني اليهم إشارة بالنصيحة عن هذا الاعوجاج، ومطالبة الرجوع الى أقوم المنهاج، فصدر منهم هذا الهذيان، الذي يزعمون انه من الاحتجاج، فلم أر بدا من جوابهم، خوف الوعيد المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم : "إذا ظهرت البدع في أمتي فعلى العالم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل فعليا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه معرف ولا عدل.." (ص 6).

تشير هذه المقدمة بوضوح الى السبب الذي من أجله كتب هذا الكتاب. وان نظرنا الى تسلسل الأحداث المؤدية الى هذا التأليف لوجدناها تتكون من البنية التتابعية التالية :

- الحياة في زنجبار (قبل وممول الكفار) حياة اسلامية.

. وصول الكفار، وفرضهم لنمط حياة مغاير للنمط الاسلامي الموجود.

. محاولة تكيف مكان زنجبار المسمين مع هذا النمط الجديد المفروض من قبل سلطة أعلى.

. نصيحة اعتراضية من قبل الامام السالمي الى مكان زنجبار تدعوهم الى رفض نمط الحياة الجديد والعودة الى النمط الاسلامي المألوف.

. احتجاج من قبل بعض سكان زنجبار على نصيحة الامام السالمي.

- تدوين الكتاب كرد فعل على هذا الاحتجاج.

تسلسل الأحداث هذا يكثف لنا الكثير عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في تلك الفترة، غير أن تركيزنا هنا سينصب على ما يمكن تسميته بصدام خطابين داخل الثقافة العمانية والظروف التي أدت الى هذا الصدام. فالقضية الأمامية التي تشغل "بذل المجهود" ليست مجرد استفتاء ورفض فتوى وانما هو حالة تاريخية مر بها المجتمع العماني تأثر فيها بالمتغيرات التاريخية المتمثلة في التأثير الاستعماري الأوروبي والنمط الحياتي الذي نشأ في المجتمعات التي وجد فيها، هذا التأثير جاء على ثكل محاولة لما أسميه بالتكيف الثقافي والحضاري مع النمط الجديد، حيث كما يتول الامام السالمي "مال اليهم من لا خلاق له من جهال المسمين ومن زاغ عقله عن سنن الدين، فتزينوا بملابسهم، وعوجوا ألستنهم بلغاتهم، وخالطوهم في مدارسهم، وعاونوهم في محاكمهم".

ان نظرنا الى الأمر من ناحية خطابية لرأينا بوضوح خطابين في حالة صدام : خطاب الالتزام الديني والثبات الحياتي الذي يمثله الامام نور الدين السالمي والمؤلفون الذين يقتبس منهم في كتابه، وخطاب التكيف الذي يمثله محتجان من زنجبار. واشارة الامام السالمي الى "هذا الهذيان الذي يزعمون انه من الاحتجاج" تدل دلالة كبيرة ليس فقط على حدوث هذا الصدام فحصب وانما على تغير في بنية المجتمع بطرحه خطابات حياتية جديدة تحاول خلخلة ميادة الخطاب الديني وسيطرته المعهودة. فالرسالة القادمة من زنجبار ليست رسالة وصفية لنمط الحياة الجديد ومحاولة تبرير التعايش معه فقط، وانما كانت كما لاحظ الامام السالمي نفسه، مما "يزعمون انه من الاحتجاج" وهو ما نرى انه يفترض جرأة من قبل كتابه على الاحتجاج، وهي جرأة إن نظرنا اليها في سياقها التاريخي وفي شخصية المحتج عليه لرأينا أهميتها فقد كان الخطاب الديني هو السيطر في عمان، سيطرة لم يتجرأ على "الاحتجاج" عليها أحد طوال قرون عديدة، وكون الاحتجاج كان ضد الامام السالمي نفسه، فالقضية في غاية الأهمية والدلالة، ذلك ان الامام نور الدين السالمي كان يعتبر من أهم ممثلي مؤسسة العلماء الدينيين الذين كانوا في الواقع المسيطرين على النمط الحياتي المعيشي العماني بأكمله، حيث امتدت سلطتهم الى تعيين الامام وخلعه اضافة الى وظائفهم التقليدية في الاشراف على المستويات الحياتية العادية للمجتمع من خلال القضاء والافتاء. اذن ان صدور هذا الاحتجاج ضد الامام السالمي نفسه يعني أن تغيرا ما قد حدث في المجتمع جعل من حدوث هذا الاحتجاج ممكنا وعلنيا.

ومن الدلالات الأخرى التي تثير اليها هذه المقدمة القصيرة ارتباط مؤسسة العلماء في تلك الفترة بالواقع المعيشي للناس. فلس ذلك من استجابة الامام السالمي للتغير الذي حدث في النمط المعيشي لعمانيي زنجبار في أمرين هما استجابته الأولى التي تمثلة على شكل "اشارة بالنصيحة"، واستجابته الثانية التي تتجلى في كتاب "بذل المجهود" نفسه. وهنا يتوجب ان نثير الى نقطة غاية في الأهمية، وهو حياتية الوضع الثقافي انذاك، فاقضا يا التي كانت تطرح لم تكن أمورا نظرية عقائدية فحصب، وانما ظواهر حياتية معاشة كالمدارس وتعلم اللغات والملابس وغيرها. وعلى الرغم من ان رد الامام السالمي كان يمثل الثبات الديني وقياس الواقع بمقياس النصوص الدينية الأصلية المتمثلة في النص القرآني والسنة النبوية إلا أن التفاعل مع الأمور الحياتية للمجتمع ومحاولة التأثير في الواقع هو أمر ينبغي الاشارة اليه هنا باعتباره دلالة على مستوى من مستويات الالتزام الاجتماعي.

هذه الاشارة ذات أهمية لسبب اخر وهو أن المجتمع كان يتفاعل داخليا وان رؤية الذات وتحديد الهوية القومية والدينية كانت تتم من خلال صارمات هذه الذات الاجتماعية، أي ما يقوم به المسلمون العمانيون في زنجبار وليس من خلال خطاب تضادي مع الاخر، مواء أعان هذا الاخر مذهبيا أو دينيا أو قوميا.

إن نظرنا الى الكتاب من منظور حضاري أعلى، سنجد أنه رد فعل على التقاء حضارتين : الحضارة الاسلامية المتمثلة في مسلمي زنجبار ونمط حياتهم العربي الاسلامي، والحضارة الغربية المتمثلة في الانجليز ونمط الحياة الذي أوجد وه في زنجبار. ان الكتاب اذن محاولة للدفاع عن الهوية القومية (العمانية ) والدينية (الاعلامية ) ازاء هجمة من هوية تختلف في قوميتها (الانجليز) ودينها (النصاري واليهود). الكتاب بهذا المستوى يمثل اذن لحظة مهمة من لحظات التاريخ العماني، فهو يصور لحظة لقاء (أو، ان شئت، صدام ) حضارتين، ودفاع الحضارة الاسلامية عن ذاتها، ويعبر عن صراع بقاء حضاري.

الا أن هذا المستوى الحضاري ليسر ما يشغلنا هنا، حيث اننا سنركز على الداخل العماني فقط ومنعا ول تقديم رؤية لما نعتبره صدام خطابين داخل الثقافة العمانية، الخطاب السيطر وهو الخطاب الديني والخطاب الجديد وهو خطاب التكيف الاجتماعي، ما تبقى من هذه الدراسة سيخطو الخطوات التالية : متندم أولا الخطابين المتصادمين من خلال اطروحات كل منهما، والنسق التصوري الذي يجعل كل خطاب منهما مترابطا في ذاته ومتميزا عن الخطاب الاخر، ومن خلال الآليات الخطابية (اللغوية ) التي يقدم عبرها كل منهما أطروحاته. بعد هذا العرض سنحاول تشكيل صورة لما نسيه بلحظة الصدام الخطابي، ويتمثل هذا في وصف ديناميكية الصدام وحركيته من خلال تحليل للاليات التي عمد كل من الخطابين الى استخدامها، ثم ننتقل الى الاستنتاجات التي توصلت اليها هذه الدراسة.

الخطاب الديني: اطروحاته ونسقه التصوري

الخطاب الديني الذي يمثله الامام نورالدين السالمي هو فطاب يعتمد أساسا على قوة السلطة الدينية في عمان آنذاك، هذه السعلة التي اعتمرت زمنا طويلا في عمان اعتمدت على القوة الاجتماعية والسياسية النابهة من النصوص الاسلامية الأهلية وهي النص القرآني والنص النبوي اضافة الى التجارب الماضية في تطبيق الدين في الحياة الانسانية كفترة الخلفاء الراشدين أو الأئمة في عمان مثلا. واذا كان اهتمامنا ينصب على الجانب الاجتماعي من اللغة فاننا نرى أن هذه النصوص قد كان لها دور أساسي في وضع السلطات الاجتماعية في عمان، حيث كان دورها تبريريا لمكانة علماء الدين اضافة الى الدور الدفاعي. الهجومي الذي يتجلى خير تجل في الحالات التي يتعرض فيها  هذا الخطاب الى تحد أو "احتجاج" من خطابات أخرى، لا تنبع أساسا في طرحها من نفى المصادر الأهلية، وإنما من ممارسات وتجارب حياتية مغايرة كما سنرى لاحقا.

 تعتمد بنية الخطاب الاعلامي اذن على الاطروحات الكبرى (3) التالية :

- النصوص الأهلية تمثل حقيقة (الهية ) ولذا فهي صحيحة في ذاتها.

- صحة هذه النصوص تجلت أيضا في تطبيقها الذي اعتمر قرونا عديدة في عمان (فترة الائمة ).

- أي محاولة لتطيل هذه النصوص ودلالاتها وانعكاسها على الواقع الحياتي للناس هو بعد عن طريق الدين.

- أي بعد عن الدين يجب ايقافه.

إضافة الى هذه الاطروحات التي تميطي على الخطاب الاعلامي معوما فإن نظرة على نسته التصوري تضيء لنا جانبا مهما في هذا الخطاب. يقوم هذا الخطاب على مجموعة من الاستعارات التصورية،(4) الأساسية وهي ما أسميها بالاستعارات الاستراتيجية (5). الاستعارات التصورية الاستراتيجية للخطاب الديني هي كما يلي:

- الاسلام فضاء ذو حدود: هذه الاستعارة استراتيجية ليس في الخطاب الديني للامام السالمي فقط، وانما في الخطاب الديني الاسلامي على وجه العموم. وتنوم هذه الاستعارة على معرفتنا بالفضاءات المغلقة، كالغرفة، أو السيارة أو قاعة الدرس أو السينما، كما يوضح الشكل التالي الذي يمثل منططا تصوريا للفضاء المغلق :

فنجد أن الفضاءات المحدودة تحدد الداخل والخارج والحدود، فالشكل يوضع مستطيلا محدودا من جميع الجوانب، وثمة نقطتان نقطة تقع "داخله" والنقطة الأخرى "خارجه".

لقد أوضحت النظرية التجريبية (6) للاستعارة ان خبرتنا بالأشياء  المادية البسيطة في حياتنا ومعرفتنا بها تعيننا ملي تشكيل المفاهيم المجردة، ولهذا فإن معرفتنا بكون جسنا مثلا داخل غرفة معينة أو خارجها (كما يرضع الشكل بالنسبة لوضع النقطتين ) تنقل حصب مقتضيات الخطاب الديني لتثكل تصور الدين، فكما أنك قد تكون داخل الغرفة أو خارجها، كذلك فإنك اما أن تكون داخل الدين أوانك تخرج منه. ان هذه الاستعارة استراتيجية في الخطاب الديني فبنيتها تمكن ممثلي الخطاب الديني من تحديد الذات بصفتهم داخل فضاء الدين، وتحديد الاخر الذي يرى اما أنه يمارس حياته داخل اطار الدين أو انه قد جاء بفعل "يخرجه" من الدين.

ان نظرنا الى خطاب الثبات الذي يطرحه الامام السالمي فسجد تجليات هذه الرؤية التي تتحكم في تعامله مع التفاعل والصراع الاجتماعي. لنتأمل مثلا العبارتين التاليتين :

* دواهي عظمي ومصائب كبرى، يعلم ذلك جميع العقلاء، ولا يخفى الا على الجهلة الأغبياء فمن فوائدهم أنهم يخرجون هؤلاء الصبيان الذين يتعلمون في مدارسهم من دين الاعلام اخراجا حقيقيا بقلوبهم. (النبهاني: ص 10).

* وأما لبس ما كان شارا للكفر من يهودية أو نصرانية أو هجومية كالزنار ونحوه فهو شرك اجماعا، وخروج عن الملة الاسلامية. (ص 30).

- الاسلام طريق (أو صراط ) ستتيم والاسلام تحرك من موضع لاخر: وهنا فإن خبرتنا بالطرق والاتجاهات تنقل لتشكيل رؤية معينة ايديولوجية للدين. فتنقلنا من موضع لاخر، يفترض أن ثمة نقطة بداية وان ثمة طريقا ينبغي عبوره، وان ثمة هدفا نصل اليه. كما يثير المخطط التالي:

ان ربط الخط المستقيم بالتنقل الى هدف معين يعني ان الطريق للوصول الى الهدف يغدو طريقا مستقيما (السهم الأسود الداكن ). يثير المخطط أيضا الى الطرق المنحرفة عن الطريق المستقيم (الاسهم المنقطة ). ان هذا يعني انك اذا أردت الوصول الى الهدف فإن عليك أن تستخدم الطريق المستقيم (طريق الهداية أو الهدى)، أما اذا زغت عن الطريق وانحرفت فانك لن تصل الى الهدف المنشود، بل انك متصل الى أهداف غير محبذة كالكفر والجحيم (طريق الضلال ). ان معرفتنا بهذه الأمور البسيطة كالتنقل والطرق المستقيمة والانحراف عن الطرق تعيننا لتشكيل تصورات عن مفاهيم مجردة كالدين، فالدين هنا طريق يقود الانسان الى هدف السعادة الأبدية، وهو طريق ستقيم اذا ما انحرف عنه الانسان لن يمل الى النهاية المرجوة.

على المستوى الاجتماعي فإن هذه الاستعارة (الاسلام طريق ستقيم يوصل الى الجنة ) ترتبط أساسا بالوضع الاجتماعي للسطة الدينية في المجتمع العماني. فهذه الاستعارة التصويرية توفر الامكانية لتحديد الصحيح والخاطيء دينيا، وتحديد الذات والاخر الاجتماعي. ولذا فإنها عادة ما يستخدمها الخطاب الديني في محاولة تحديده للأطراف الأخرى، فهي توفر أخيرة يمكن بها تحديد الاخر "المنحرف " الذي "يضل" الناس، أي يبعدهم عن الطريق الصحيح.

ان لغة الامام السالمي في كتابه تظهر بجلاء تحكم هذه الرؤية التصورية للدين ودوره في الحياة في خطابه :

* فصدرت مني اليهم اشارة بالنصيحة عن هذا الاعوجاج ومطالبة الرجوع الى أقوم المنهاج. (ص 6).

* فآمنتم ببعض الكتاب وكفرتم ببعض، واستبدلتم بالرشد غيا، وبالهدى ضلالا (ص 29).

* وقوله تعالى : "ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السيل ". (ص 31).

هذه فيما نرى، وحسب مقتضيات هذه الدراسة هي الاستعارات الاستراتيجية التي تتحكم في الخطاب الديني للامام نور الدين السالمي. ان هذه الاستعارات تتماشى كما رأينا مع الطروحات الامامية للخطاب الديني وهو ما يجعله خطابا واضح المعالم منسجما تصوريا وخطابيا مع أطروحاته الكبرى وتفاصيل تلك الاطروحات كما هو موجود في الرؤية التي يطرحها الامام السالمي في "بذل المجهود". هذا الانسجام والترابط الداخلي للخطاب يعتمد أساسا على النسق التصوري الذي يقوم على تصورات."جغرافية" تحدد موقع الاطراف المشاركة في الصراع أو التفاعل الاجتماعي.

خطاب التكيف: أطروحاته ونسقه التصوري

يطرح المحتجان الزنجباريان رؤية مخالفة لرؤية الامام السالمي. هذه الرؤية، رغم اقرارها بأهمية النصوص الأصلية في تحديد نمط الحياة، إلا أنها تبرز عوامل حياتية تؤثر تأثيرا مباشرا في حياتهم. هذه العوامل هي عوامل حياتية تعتمد على التجربة والمعايشة وعلى الظرف الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي كانت تعيشا زنجبار آنئذ من خلال الاطروحات التالية :

- في زنجبار متغيرات حياتية اجتماعية واقتصادية وسياسية انتجت وضعا معيشيا مختلفا.

- الالتزام بالنصوص المقدسة كما يقدمه الخطاب الديني أمر غير ممكن بسبب المتغيرات.

- البقاء اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا يفترض مجاراة هذه المتغيرات، بسبب عدم ضرر هذه المتغيرات ضررا كبيرا من جانب وبسبب عدم وجود وسيلة أخرى غير هذه المجاراة والتكيف مع المتغيرات.

- في هذا الوضع لا سيبل الا التكيف والتغير.

كما سرى لاحقا أن خطاب التكيف يتميز بأمر غاية في الأهمية هو أنه لا يعتمد فقط على فكرة التكيف الذي لا مفر منه، رغم انها الاطروحة الرئيسية فيه، فهو يطرح أيضا رؤية أخرى مغايرة تماما للخطاب الديني، رؤية تعتمد على المشاهدة وتتمركز أساسا على اظهار الجوانب الايجابية للتغير. معنى هذا ان خطاب التكيف هو، فيما نرى، جزء بسيط من عملية تغير اجتماعي كبرى للخطاب فيها دوران أماميان : دور العاكس لهذا التغير ودور المشارك فيه. إن النصوص الاحتجاجية التي يوردها الامام السالمي في الكتاب تكثف بوضوح عن هذا التغير الذي كانت تعيشه زنجبار، لكنه في الوقت ذاته كان يعد جزءا مهما في عملية التغير ذاتها، فالتغير هنا قد أنتج خطابا (تنظيريا اجتماعيا) ومعرفة خاصة به، تؤسس لما سيستجد من مراحل عملية التغير هذه.

واذا نظرنا الى النسق التصوري لخطاب التكيف فاننا نلاحظ أمرا في غاية الأهمية وهو عدم وجود نسق تصوري متكامل مثلما هو عند الخطاب الديني الذي أمس نسته التصوري على مدى أجيال وجراء وجود فاعلية النصوص المقدمة التي كان لها دور أساسي في تشكيل النسق التصوري وليس للخطاب الديني فقط وانما للفرد العادي في المجتمع. ان مراد بعض مظاهر الاضطراب الداخلي لخطاب التكيف هو ما جادلنا فيه سابقا من أن خطاب التكيف مرحلة انتقالية فقط في عملية تغير اجتماعي كبرى.

في خطاب التكيف نجد أن الاستعارة الاستراتيجية الأمامية هي التكيف. وقبل أن أوفه كيف عملت هذه الاستعارة في المستوى الاجتماعي لمصلحة ممثلي هذا الخطاب ومنتجيه، سأوضح أولا بنيتها التصورية. ان هذه الاستعارة تقوم أساسا على وضعنا الجسمي في تفاعله مع البيئة حوله. فالوضع الأساسي الذي نعيش فيه هو الوضع العادي الذي تمارس فيه أجسامنا وظائفها دون الحاجة الى القيام بأفعال أخرى غير معتادة، ولكن نجد أحيانا أنفسنا في أوضاع تتطلب منا تغ