|
|||||
|
يمثل
هذا البحث
المقدسة
والفصل
الاول من
كتاب "الحداثة"
(La Modernite) الصادر
في باريس،
ومؤلفه هو
اليكيس نوس
الأستاذ في
جامعة
مونتريال
بكندا، وقد
صدر عن
المطبوعات
الجامعية
الفرنسية 1999. (Alexis
Nouss: La Modernite, P.U.F. 1995) وقد
اخترنا هذا
البحث
للترجمة الى
العربية
لانه يقدم
صورة دقيقة
عن مفهوم
الحداثة
وكيفية
تشكله في
الغرب
الاوروبي
لأول مرة.
فهو يتتبع
بشكل تاريخي
نشوء
المفهوم منذ
البداية
وحتى اليوم.
ونحن بحاجة
الى مثل هذه
الدراسات
الدقيقة
وخصوصا فيما
يتعلق
بمفاهيم
شديدة
الاهمية
كمفهوم
الحداثة.
ولقد أرفقنا
الترجمة
بالكثير من
الهوامش
والشروحات
الشخصية لكي
تصبح سهلة
المنال
بالنسبة
للقارئ
العربي. محاولة
لتعريف
الحداثة توطئة "نحن
نتابع
الحداثة في
تحولاتها
التي لا
تتوقف،
ولكننا لا
نتوصل أبدا
الى القبض
عليها..
الحداثة هي
اللحظة
ذاتها، انها
ذلك الطائر
الموجود في
كل مكان ولا
مكان،
وعندما نريد
ان نقبض عليه
حيا فانه
يفتح جناحيه
ويطير
متحولا الى
قبضة من
المقاطع
والحروف". (اوكتافيوباز،
خطاب
ستوكهولم
لنيل جائزة
نوبل، 1990). ان
كلام
اكتافيوباز
(1) هذا لا يشجع
كثيرا على
التوصل الى
تحديد دقيق
او صارم
لمفهوم
الحداثة.
فهذا
المفهوم ما
ان نحاول
القبض عليه
او تحديده
حتى يتبخر في
الهواء.
وبالتالي
فيستحيل
علينا
التوصل الى
ذلك اللهم
الا اذا
تحولنا الى
علماء
بالطيور
الثقافية
على حد تعبير
المجاز
الوارد في
كلام الأديب
المكسيكي
الشهير.
ويمكننا
عندئذ أن
نتبع نصيحة
الشاعر
الفرنسي جاك
بريفير(2)
الواردة في
نصه: "لكي
نرسم صورة
لعصفور".
يقول فيه:
ينبغي ان
نرسم القفص
بعد ان نترك
الباب
مفتوحا، ثم
نكسر كل
القضبان
والطير في
الداخل. ان
أحدى
الصعوبات
التي
تواجهنا
تتعلق
بطبيعة
القفص ذاته..
والسؤال
المطروح هو:
ما هو
المنظور
الذي ينبغي
ان فتبناه
لكي نقبض على
الحداثة؟ ما
هي الشبكة
التحليلية
التي ينبغي
ان نعتمدها؟
فالحداثة
تتجلى
بصفتها
ظاهرة
شمولية.
ويمكن القبض
على جوانبها
في مختلف
الحقول
الاساسية
للمعرفة (3)
دون ان يكون
من السهل
علينا ان
نتوصل الى
وحدتها او
القبض عليها
كوحدة. هناك
صعوبتان
تعترضان
طريقنا. الأولى:
هي الفرق في
المتاهة
المفهومية
التي تجعل من
الحداثة ~
غائما
يستعصي على
الامساك أو
الإدراك،
اللهم إلا
على هيئة
الحداد أو
الحيرة
الاحراجية.
والثانية: هي
انه يخشى أن
نحول
الحداثة الى
مفهوم فضفاض
واسع الى
درجة انه
يميع وينقد
معناه
الخصوصي أو
المحدد. أقصد
الى درجة ان
كل ظواهر
قرننا أو
تجلياته
تنضوي تحته
دون أي تمييز.
نحن نريد على
العكس ان
نبين ان
الحداثة هي
وعي أخلاقي
وجمالي جديد.
انها وعي
تولد لأول
مرة في
الثقافة
الأوروبية.
وهذا الوعي
يمتلك تراثا
واضح
المعالم في
التاريخ
الغربي. وهو
يشتغل على
الطريقة
النقدية (أو
التمحيصية)
التي تشكلت
تدريجيا عبر
القرون.
ويمكننا
بسهولة ان
نحدد السمات
الأكثر
ثباتا
وديمومة
لهذه
المنهجية
النقدية.(4).
هناك أناس
يلحون على
الجوانب
المتقلبة
والهاربة
والتي لا
يمكن القبض
عليها من
الحداثة (5).
وهم يتذمرون
من ذلك.
ويحاولون
تحاشيا عن
طريق فلسفة
المعرفة
المعيارية
والتوجيهية.
ولكن ينبغي
أن نذكرهم
بأن معنى
الحداثة أو
جوهرها
يتمثل في كل
فترة (بالنسبة
للذات
الفردية كما
الجماعية) في
البحث عن
معنى
تاريخيتها. إن
مقاربات
الحداثة
متنوعة تنوع
المناهج
والعلوم،
لنذكر أولا
روادها،
فبودلير هو
الذي بلور
لأول مرة
جماليات
الحداثة،
وماركس
وفيبر
وسيميل (6) هم
الذين
بلوروها في
ساحة علم
الاجتماع.
وهيجل او
نيتشة هما
اللذان
بلوراها في
ساحة
الفلسفة.
وفرويد هو
الذي صاغها
في ساحة
الانثربولوجيا
(أو علم
الانسان).
وأما
بنيامين (7)
فقد تحدث عما
قبل تاريخ
الحداثة.
ويمكننا أن
نذكر
أخلافهم
الذين مشوا
على الخط
نفسه: أي
جرينبرج،
وادورنو،
وتورين،
وهابرماز،
وبالاندييه،
وفوكو،
وشيزنو،
وليوتار،
وميشونيك..(8)
ولكن اقامة
الحواجز
العازلة بين
هذه
المجالات
المعرفية
المختلفة
سرعان ما
تبدو هشة
وغير مقنعة.
فهذه
المجالات
المعرفية من
شعرية -
جمالية، او
سوسيولوجية،
أو فلسفية،..
الخ ليست
منعزلة عن
بعضها البعض
وانما هناك
تداخلات
وتواصلات
فيما بينها.
فالحداثة هي
واحدة في
نهاية
المطاف حتى
لو اختلفت
تجلياتها
بحسب المجال
الذي تتموضع
فيه. وذلك
لان الحداثة
تفرض على كل
المجالات
المعرفية
صيفها: أي
التبعثر
والتشتت (بحسب
رأي فريسبي،
1986)، أو
الهجانة
والنغولة (بحسب
نظرية
لاتور، 1991) او
عدم النقاء (بحسب
رأي
سكاربيتا،
1985)(9). إن
قضية المنهج
تفرض نفسها
فورا لانها
من الاهمية
بمكان،
فالاختراع
الحديث من
ديكارت الى
هوسيرل هو في
معظم
الأحيان
مسألة منهج
لا مسألة
مضمون.
والشيء
البالغ
الدلالة هو
ان ليفيناس (10)
يعتبر فكر
دريدا وكأنه
يمثل قطيعة
في تاريخ
الفكر تشبه
القطيعة
الكانطية (انظر
كتاب: أسماء
اعلام،
منشورات
فاتا
مورجانا، 1976).
وهو بذلك يلح
على الأثر
التواصلي
لهذه
القطيعة في
تاريخ الفكر
الغربي. وأما
هـ. روزنبرج (11)
فيعمد مثل
هذه الظاهرة
باسم "تراث
ما هو جديد".
وهذا هو
عنوان كتابه
الصادر عن
دار نشر "مينوي"
في باريس عام
1962. ولكن علم
التأويل (12)
الفلسفي
يفهم هذه
الظاهرة على
أساس انها
أثر فوق
تاريخي او
يعبر
التاريخ.
انها عبارة
عن أثر
تراكمي لا
اضافي
للتتريث. ولكن
الا يمكن وصف
ما يؤبد في
الوقت الذي
يجدد بأنه
منهج أكثر
منه نموذج (او
موديل)؟ هذا
من جهة. وأما
من جهة أخرى
فيمكن القول
بأن الحداثة
تهدف
باستمرار
الى تقرير
المصير
ذاتيا أو الى
الاستقلالية
الذاتية (13). وبما
انها تهدف
الى تحقيق
ذلك فانه
ينبغي عليها
أن تزود
نفسها
بوسائل
النقد
الذاتي، أي
بمنهج مشكل
من المنطق
والبلاغة في
آن معا. ما
المنهجية
التي يمكن
اعتبارها
حديثة
اليوم؟ كيف
يمكن أن نكتب
نقدا
للحداثة؟
ينبغي أن
نعلم انه قد
ظهرت في
الآونة
الأخيرة
ثلاثة كتب
تحت هذا
العنوان: نقد
الحداثة.
أولها ر ج.
كلير (1984) وكان
نقدا قاسيا.
وثانيها
لآلان تورين
(1992) وكان
متفائلا
بمستقبل
الحداثة أو
بمصيرها.
وثالثها لـ.
س هيكل (منشورات
لارمدتان، 1992)
وكان ذا توجه
فوضوي.(14) هل
ينبغي علينا
بأن نقوم
باركيولوجيا
الحداثة؟ (15)
في الواقع ان
هناك عدة
طبقات
للحداثة،
أقصد عدة
طبقات
تأسيسية. فالطبقة
العلمية
تتمثل (بجاليليو
وكوبر نيكوس)،
والفلسفية (بديكارت)،
والسياسية (بالثورة
الفرنسية)،
والتكنولوجية
(بالثورة
الصناعية)
والجمالية
الفنية (برامبو
او
مالارميه،
بمانيه او
بسيزان،
بفاجنر أو
بماهلر)(6ا)،
والنقدية (بنيتشه)...
الخ، ولكن
المنهجية
الحفرية (أو
الاركيولوجية)
التي نتبعها
تابعة
لفرويد أكثر
من غيره
لانها تكشف
عن الطابع
التناقضي
للتركيبات
المتتالية
للحداثة.
ولكن هذه
التركيبات
تتجلى على
هيئة
متزامنة
وهنا يكمن
وجه التناقض.
كما أن
منهجيتنا
الحفرية
أقرب الى
المنهجية
الجينالوجية
لميشيل (17)
فوكو لأنها
تهتم ليس
بالتركيبات
الجامدة
وانما
بتحيينات
الثوابت
المقالية (أو
الاستدلالية
المنطقية لم.
وهذا ما يفسر
لنا سبب
الأهمية
التي تتخذها
فلسفة
التاريخ ضمن
هذا
المنظور، أو
لتحقيق هذا
الفرض. كان
بودلير يعرف
الحداثة
بأنها نقطة
التقاطع ما
بين الأبدي /
والعابر. ان
دراستنا
ينبغي أن
تأخذ بعين
الاعتبار
كلا
البعدين، أي
البعد
الأبدي
والبعد
الزائل أو
العابر
للحداثة.
وهكذا لا
نسقط في
التبعثر
المتشظي
كليا، ولا في
النظام
الناجز
والمغلق على
نفسه. وانما
نظل في حدود
الشبكة
المفتوحة. ان
كتابنا هذا
يريد أن يقدم
نفسه على
النحو
التالي: أي
لا كفهرس أو
بيان عام (مانيفست)
وانما كنص
على عقل
الحداثة (أو
كبلورة لعقل
الحداثة).
وهذا العقل
ليس هو
العقلانية
الحداثوية
لعصر
التنوير،(8ا)
وانما هو عقل
ديناميكي
مفتوح، أي لا
دوغمائي
مغلق. هناك
ملاحظتان
تفرضان
نفسيهما في
نهاية
المطاف،
الأولى هي ان
دراسة
الحداثة
تستفيد من
الإضاءة غير
المباشرة
التي قدمها
لها النجاح
الإعلامي (ان
لم يكن
النظري)
لموجة ما بعد
الحداثة.(19) ان
المناقشة
الدائرة
حاليا حول ما
بعد الحداثة
التي تعترف
بتبقيتها
للحداثة
تدور على نمط
جدالي أو
تبجيلي. وهذه
المناقشة
تجبرنا على
توضيح
الصورة
وتحديد
ماهية "الحديث"
بشكل أفضل.
والثانية هي
أن الحداثة
لا تعود تبدو
كشي ء جامد
أو ثابت،
وانما
كمجموعة من
النماذج
التي يجري
التركيز على
بعضها دون
البعض الآخر
بحسب
الفترات
التي يتجسد
فيها. ففي
سماء
التاريخ
نلاحظ أن
الحداثة تشع
كتلاحق
متغير من
كوكبات
النجوم على
حد تعبير غال
جدا على
أدورنو
وبنيامين. فا
لحداثة ليست
ذات جوهر
لازمني،
وانما تجد
على العكس
طبيعتها
المتغيرة
والمتحركة
والمتعددة
الأشكال في
تاريخية
تجليا تها(20)،
أو في "فوق –
تاريخيتها"
أو طابعها
الذي يخترق
التاريخ (انظر
بهذا الصدد
ميشونيك، 1988،
ص 227). كان
بودلير يرى
ان "رسام
الحياة
الحديثة"
سوف يختار
منزله في
الرقم، في
الحركة، في
الزائل
العابر،
واللانهائي"
(1968، ص 1، 11).(21) الفصل
الأول الحداثة: تاريخ
الكلمة
والمصطلح (La
modernite) نقصد
التاريخ هنا
بالمعنى
الجينالوجي (أي
الأصلي-
النشوئي)،
وذلك لان
الحداثة
تنسج شبكة من
الاستعادات
والتكرارات
أو البدء من
جديد
باستمرار.
وبالتالي
فلا يمكن
فهمها عن
طريق النظرة
الكليانية
الشمولية. فهي
عبارة عن
معرفة
متقطعة
التقت حولها
قراءتان:
الأولى
لوالتر
بنيامين
والثانية
لميشيل فوكو
(22). كلاهما
التقى
بالآخر في
قراءته
للحداثة أو
في فهمه لها. كان
بنيامين
يقول: ينبغي
أن نكسر
استمرارية
التاريخ (1983، ص
205). وأما ميشيل
فوكو فكان
يقول: "ينبغي
أن نكشف عن
كل القطيعات
أو التقطعات
التي
تخترقنا".(23)
ان تاريخ
الحداثة
يبدو لنا
بمثابة
الشبكة
المتداخلة
أو الترس
وذلك على
هيئة
التعبير
الخطي
اللاواعي
لدى فرويد،
أو اسقاط
الألوان
السائلة على
اللوحة
الموضوعة
على الأرض
كما هو عليه
الحال لدى
بولوك، أو
الارتجال
لدى كولتران
أو كولمان.(24)
وهكذا بلغت
التجريبية
أوجها في
الفن
الحديث،
وشهدنا
صرعات غريبة
عجيبة لم تكن
مألوفة من
قبل. وعندما
نطلع على هذا
التاريخ
نكتشف طبيعة
الحداثة
ذاتها. القدماء
جدا
والمحدثون
(من
القرن
الخامس الى
القرن
السادس عشر) منذ
انبثاقها
اللغوي
وبداية
مسارها
الاشتقاقي
فان الحداثة
كمفهوم راحت
تتفرع في
ثلاثة
اتجاهات
معنوية (25)
مرتبطة
بتحديد واحد
هيمن حتى
القرن
التاسع عشر.
يتمثل هذا
التحديد
بعلاقة
القطيعة او
الاستمرارية
مع ماض مرجعي
(أي يمثل
المرجعية).
ومن بين كل
اللفات
الأوروبية
ظهرت كلمة "حديث"
لأول مرة في
اللغة
الفرنسية
القديمة. كان
ذلك في القرن
الرابع عشر. (modernus)
وقد
اشتقت من
الكلمة
اللاتينية (sodernu)
التي
ظهرت في
القرن
الخامس
الميلادي.
وهي الفترة
التي تمثل
مرحلة
الانتقال من
العصور
اليونانية
القديمة الى
العصور
المسيحية.
وكلمة (modernus) اللاتينية
مشتقة من
الجذر (modo)
الذي يعني "حديثا،
أو الآن (بالضبط).
وهذا الجذر
بدوره مشتق
من كلمة (modus) التي
تعني "القياس".
والجذر
اللغوي
الهندي-
الأوروبي(med) يعني
القياس
بمعنى
التقدير أو
التثمين، أو
بمعنى
الوسيلة: أي
اتخاذ
تدابير
معينة بخصوص
ظاهرة ما.
هكذا نجد أن
البعد
القيمي أو
الأخلاقي
متزامن مع
المقصد
الكرنولوجي
الزمني في
كلمة "الحديث"
فهي تضم
المعنيين
معا. وهذا
الوجه
المزدوج أو
الإزدواجي
سوف يرافق
مفهوم
الحداثة في
جميع
تقلباته
ومناقشاته (بمعنى
أن الحداثة
زمنية
وقيمية في آن
معا).
وبالتالي
فان كلمة
حديث أو (modernus) اللاتينية
قد استخدمت
من أجل
التحقيب
الزمني أو
الفصل بين
العصور. وهي
تعني الزمن
الحالي
مضادة له
بالأزمنة
الأولى
للكنيسة ثم
للحضارة
الرومانية
ثم
للامبراطورية
الكارولينيجية.(26)
ثم جاءت
العصور
الوسطى لكي
تستخدم
المفهوم في
محاولة أكثر
اتساعا
بكثير
للتحقيب
الزمني. وذلك
لكي تتمايز
عن. الأزمنة
السابقة
المعتبرة
ايجابيا، بل
واحتمالا،
كنموذج
يحتذى. (انظر
بهذا الصدد
يوس، 1978، ص 165)yauss) هو
ناقد أدبي
ألماني
معاصر). ثم
جاءت "نهضة
القرن
الثاني عشر"
(27) لكي تدخل
معنى ثانيا
على مفهوم
الحداثة. وهو
معنى ذو طابع
ايجابي أو
مثمن. وقد
جمعت العصور
الوثنية
القديمة (من
يونانية
ورومانية)
والعصور
المسيحية في
بوتقة واحدة
واعتبرتهما
بمثابة
الماضي. ورأت
في نفسها
فترة ناضجة
ومتقدمة
بالقياس الى
هذا الماضي.
عندئذ ظهر
المصطلي
اللاتيني (modernuitas)
لأول مرة.
وأصبحت
العلاقة مع
العصور
اليونانية -
الرومانية
القديمة هي
علاقة تجاوز
وتمثل (أو
هضم)، وذلك
على غرار
المنظور
الصيحي لفهم
التاريخ. ومن
المعلوم أن
هذا المنظور
يعتبر "الجديد
بمثابة فداء
للقديم الذي
يتأسس عليه" (انظر
في. أوهلي،
الذي استشهد
به يوس، 1978، ص 167).
كان برنار
الشارتري(28)
قد تحدث عن
صورة
الأقزام
الذين يقفون
على اكتاف
العمالقة.
والواقع ان
هذه الصورة
تعبر بشكل
مجازي عن هذا
التصور الذي
يتجلى أيضا
من خلال
التأويل
التدريجي أو
الكشف
التدريجي عن
معنى النصوص.
ولكن هناك
مفهوما
ثالثا
استعادته
النهضة
الأولى
وترسخ في
الفترة
نفسها في
المعجم
الكهنوتي
لرجال الدين
(والواقع انه
ابتدأ يظهر
منذ القرن
الحادي عشر). وقد
أوكل
للحداثة
مكانة وسطى
أو وسيطة
انتظارا
للعصر
المقبل
والأخير
وتحضيرا له
في ذات الوقت.
واعتقدوا
بأن هذا
العصر سوف
يعيد امجاد
العصور
اليونانية -
الرومانية
القديمة. اذا
كان القرنان
الرابع عشر
والخامس عشر
قد شهدا
حركات
تجديدية
تركز على
المبتكرات
الفنية
واللاهوتية
أو الدينية
وإذا كان
القرن
الخامس عشر
قد شهد ظهور
كلمة "حديث"،
فان عصر
النهضة في
القرن
السادس عشر
هو الذي يمثل
الحد الفاصل
أو المرحلة
الأساسية
التي تفصل
بين العصور
اليونانية -
الرومانية
القديمة،
وبين العصور
الحديثة. وقد
تم هذا الفصل
والتمييز
على "ظهر
العصور
الوسطى" أو
ضد مصلحتها
كما يقول جاك
لو جوف (انظر
لو جوف، ص 71) (29).
نقصد
بالمبتكرات
أو
الابداعات
الفنية في
القرنين
الرابع عشر
والخامس عشر
ما حصل في
مجال
الموسيقى
على يد غيوم
دوما شو(30)،
وفي مجال
الرسم على يد
جيوتو.(31) لقد
رافقت اسم
عصر النهضة
تسميات
مجازية أخرى:
كالعودة من
المنفى، أو
الاستيقاظ،
أو البعث، أو
الخروج من
الظلمات.
وبالتالي
فان النهضة
لم تكن هي
التسمية
الوحيدة
التي أطلقت
على القرن
السادس عشر. القدماء
والمحدثون (الخصام
الشهير) إن
الحركة
الثقافية
التي تفتحت
في فرنسا في
القرن
السابع عشر
والتي
وازتها
حركات
مشابهة في
ايطاليا
وانجلترا
توضع لنا
بجلاء كيف ان
حداثة ما
يمكن أن تحل
محل حداثة
أخرى (أو كيف
ان الحداثة
الجديدة تحل
محل الحداثة
القديمة).
وفي القرن
التاسع عشر
راحت الحركة
الرومانطيقية
والتصنيع
بدورهما
يولدان
حداثة جديدة:
أي الحداثة
الحديثة،(32)
حداثتنا
التي لا تزال
نعيش عليها
حتى اليوم
والتي
يقبلها
البعض
ويرفضها
البعض الآخر. كانت
نهضة القرن
السادس عشر
قد أكدت على
القطيعة مع
تراث العصور
الوسطى وذلك
عن طريق
بلورة أشكال
جديدة من
الفكر، فهذه
الأشكال (أو
الصيغ) هي
التي أتاحت
لها أن تتحرر
من وصاية
الايديولوجيا
الدينية.
ولكنها وضعت
نفسها تحت
وصاية سلطة
أخرى لا تقل
اكراها
وقسرا: هي
سلطة العصور
اليونانية -
الرومانية
القديمة أو
التراث
الأغريقي-
اللاتيني.(33)
فقد أصبر هذا
التراث
بالنسبة
للنهضويين
الإنسانيين
مادة
للتبجيل
الأعمى.
وأصبر يخلع
المشروعية
على الحداثة
عن طريق
محاكاة
القديم
اليوناني-
الروماني أو
إعادة
تكراره. إن
"الخصام
الذي حصل بين
القدماء
والمحدثين"
في القرن
السابع عشر
كثف عن
اندلاع
معركة جديدة.
وقد تمثلت
هذه المرة
بالانقلاب
على ما مجده
عصر النهضة،
وبإدانة
العقم
الناتج عن
عبادة
القديم، ثم
من خلال ذلك
إدانة كل
استعباد
فكري. وكان
أبطال هذا
الانقلاب
الفكري هم
مونتيني،
وديكارت،
وباسكال. فقد
شقوا الطريق
نحو صياغة
مبادئ عقل
فردي جديد،
وكذلك صياغة
مبادئ
التقدم
الفلسفي
والعلمي
للروح
البشرية.
وهكذا عاد
التصور
الخطي
المستقيم
للتاريخ لكي
يحل محل
الفكر
الدوري (أو
الدائري)
لعصر النهضة
بمعنى ان
التاريخ
يتقدم بشكل
خطي مستقيم
إلى الأمام.
وهكذا
استبقوا على
الانتصارات
اللاحقة
لعصر
التنوير أو
قل مهدوا لها
الطريق. ولكن
هذا العصر لن
ينتصر إلا
بعد أن حقق
قفزة جديدة
أو تجاوزا
جديدا لما
سبق. لكي
نفهم هذا
التحول الذي
طرأ على
الفكر
الغربي يسهل
علينا أن
نستشهد
بصورة
بلاغية
جديدة عرفت
نجاحا كبيرا
فيما بعد من
فرانسيس
بيكون (34) الى
فونتينيل.(35) تقول
هذه الصورة
المجازية أو
البلاغية
بان حياة
البشرية هي
على غرار
حياة الفرد
الواحد من
الولادة الى
الشيخوخة.
ينتر عن ذلك
ان "القدماء"
كانوا
يعيشون
طفولة
الثقافة
والروح، وان
"المحدثين"
هم الذين
توصلوا الى
مرحلة النضج
والحكمة بعد
أن تراكمت
لديهم
المعرفة
والتجربة. ان
الحداثة،
لكي تحدد
ذاتها،
تتباهى
بامتلاك بعد
جديد عن طريق
استعارة
مفهوم
التقدم من
العلم. وهو
مفهوم مرتكز
على سلطة
العقل. وهي
إذ تستعيره
تطبقه على
الأدب والفن
بمعنى ان
مفهوم
التقدم نشأ
أولا في ساحة
العلوم
الطبيعية
والفيزيائية
قبل ان ينتقل
الى ساحة
الآداب
والفنون. كان
القدماء
والمحدثون
قد خاضوا
المعركة
فيما بينهم
في فرنسا
القرن
السابع عشر.
وكان من بين "القدماء"
بوالو(36)،
لافونتين (37)،
لابرويير (38).
وأما من جهة "المحدثين"
فنجد بيرو(39).
وفونتنيل.
ولكن بدون أن
ندخل في
تفاصيل هذا
الخصام
الشهير
دعونا نذكر
بما يلي.
كانت محاجاة
القدماء
تتمثل
بعبادة الفن
اليوناني-
الروماني
القديم
وتعتقد بأنه
وضع القواعد
الأساسية
والنهائية
لما هو
طبيعي،
وصالح،
وسليم. كما
كانوا
يقولون بأن
مرور القرون
المتطاولة
على هذه
الروائع
الفنية
القديمة
واحتفاظها
بعظمتها هو
أكبر دليل
على قيمتها
وأهميتها.
فبما أنها لم
تفقد قيمتها
على الرغم من
مرور مشات
السنين
عليها فان
هذا يعني
أنها روائع
خالدة وتمثل
الفن الصحيح
بامتياز.
ولكن
المحدثين
ردوا على هذه
المحاجة
قائلين
بتفوق
الاستلهام
المسيحي، أي
الحالي، على
الشعر
الاثني
القديم (أي
اليوناني-
الروماني).
كما نبهوا
الى ضعف
المحاجة
القائمة فقط
على هيبة ما
هو أقدم أو
سابق من حيث
الزمن.(40) فكون
الفن
اليوناني-
الروماني
سابقا على
المرحلة
المسيحية لا
يعني انه
أفضل منها
بالضرورة. ثم
ذكروا
بالتقدم
الذي حققته
التقنية
والعلم في
هذا العصر (أي
في القرن
السابع عشر).
ثم احتجوا
بفكرة
التحسن
المستمر
للبشرية
كلما تقدم
الزمن.
وبالتالي
فما هو آت
أفضل مما سبق
على عكس ما
يتوهمه
القدماء.
ولكن على
الرغم من كل
ذلك فان خصوم
الحداثة
وأنصارها
التقوا على
الاعتقاد
المشترك
التالي الذي
دام طيلة
القرن
الثامن عشر.
يقول هذا
الاعتقاد ان
القيم كونية
وأبدية
خالدة ومن
بينها "يشع
نموذج متعال
وفريد من
نوعه للجمال"
(انظر
كالينيسكو،
ص 31). كان "المحدثون"
يعتقدون -
وهنا يكمن
تمايزهم عن
القدماء- بأن
تقدم العلم
والمعارف
سوف يتيح
الاقتراب من
هذا المثال
الأعلى يوما
ما. ولم
يتعرض مفهوم
الكمال
الفني غير
القابل
للفساد
للاعتراض
اوللنقض قبل
القرن
التاسع عشر.
وهكذا لم
يحصل انقلاب
على العصور
القديمة من
يونانية
ورومانية،
ولم تكن
الحداثة
مضادة لها،
وانما كانت
فقط مضادة
لنتائجها.
ولكن ينبغي
أن نذكر هنا
بانها كانت
واثقة من
نفسها الى
الحد الذي
استطاعت فيه
تغيير
الصورة
المجازية
المستشهد
بها آنفا.
أقصد الصورة
التي تقول
بأن نمو
البشرية يتم
على غرار نمو
حياة الفرد.
وبالتالي
فانها نقضت
أو كذبت
مفهوم
التقدم
الخطي(41)
المستقيم.
والواقع انه
لو كانت هذه
الصورة
صحيحة لكان
ينبغي على
القرون
التالية أن
تتجاوزهن
حيث التطور
المرحلة
التي وصل
اليها القرن
السابع عشر،
ولكان ينبغي
على البشرية
أن تتوصل
حتما الى
مرحلة
الشيخوخة في
نهاية
المطاف. وقد
رد "المحدثون"
على هذه
المحاجة (أو
هذا التصور)
قائلين على
لسان "بيرو"
في "المقارنة
بين القدماء
والمحدثين"
بان البشرية
تشبه الرجل
الناضر الذي
لا يشيخ
والذي يحافظ
دائما على
جميع صفاته
أو خصائله (42).
وهكذا كان
الكلاسيكيون
يهلوسون أو
يحلمون
بتاريخ
يتجمد أو
جامد لا
يتحرك ولا
يتغير. ونعلم
أن عصر
التنوير
اللاحق لهم
أحل محل هذه
الصورة فكرة
التقدم
الخطي
المستقيم
السائر
دائما الى
الامام. وهذا
التصور يعطي
الأولوية
والأفضلية
في كل لحظة
لما هو حديث
أو لما هو
أحدث من حيث
الزمن. هكذا
نجد أن تصور
عصر التنوير(43)
لمسيرة
التاريخ
يختلف عن
تصور القرن
السابع عشر
فيما يخص هذه
النقطة (انظر
جاك لوجوف، ص
75). ولكن
على الرغم من
ذلك فقد كانت
لهذا الخصام
الشهير الذي
اندلع بين
القدماء
والمحدثين
أهميته. فقد
اضاف الى
المناقشة
الدائرة حول
الحداثة
مفهومين
جديدين هما:
التقدم
والمعاصرة (أو
التعاصرية). فالحديث
أصبح يعني أن
تكون في آن
واحد ابن
زمنك، وان
تساهم في
التطور
العام
للمعرفة (44).
وهذا ما نص
عليه
فينيلون في "رسالته
الموجهة الى
الاكاديمية".
يقول: "اذا ما
حصل لكم وأن
انتصرتم على
القدماء،
فانكم
مدينون لهم
بمجد
انتصاركم
عليهم". ان
ثوابت
الحداثة هذه
سوف تظل
سائدة.وأساسية
حتى نهاية
القرن
التاسع عشر.
بعدئذ سوف
تتعرض للنقد
الجذري.
ولكنها كانت
منتصرة في
وقتها وتخلع
على مصطلح
الحديث قيمة
الشيء
المتخرب
والمضاد
للأنظمة
السائدة أو
السابقة. وفي
الوقت ذاته
راحوا
يرسخون
العقل بصفته
الذروة
العليا
لمحاكمة
الأشياء أو
للحكم
عليها، سواء
أكانت هذه
المحاكمة
علمية أم
جمالية (فنية). في الواقع أن "محدثينا" في القرن السابع عشر كانوا يرهصون بالمأزق والانسدادات التي سوف تصطدم بها القرون المقبلة. وهي انسدادات ناتجة عن الهيمنة الشاملة للأيديولوجيا الكلاسيكية المسيطرة، هذه الايديولوجيا التي أصبحت تملي على الناس ما هو صحيح أو & | |||||