المشهد المسرحي العربي
بانتظار مهرج محترم

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

نازك الاعرجي (ناقدة من العراق)


لا يملك الباحث في تاريخ التجربة المسرحية العربية إلا أن يدهش وهو يلاحظ سقوط معظم محاولات انهاض الحركة المسرحية في مستنقع الكوميديا الرثة. ولا يملك إلا أن يتساءل: هل نحن شعب ليس بحاجة الى مسرح؟ أم ان عوامل قاهرة عملت دائما على إعاقة جهود التأسيس لخطاب مسرحي ذي خصوصية، وان استعار أشكاله وانماطه من الغرب، إلا انه يحاول العثور على ملامحه المحلية القادرة على التعبير عن التوق الجمعي لقول كلمة الإنسان في زمانه الموصول ما بين الماضي والمستقبل.

حاول الكثير من الباحثين في تاريخ المسرح العربي معاندة الوقائع التاريخية فافترضوا أن جميع الأنشطة الحكائية-، والملاهي الشعبية هي إرهاصات مسرحية. بل ذهب البعض الى القول بأنها مسرح حقيقي، وإنها "مسرحنا" مقابل المسرح اليوناني وتجلياته وصولا الى المدارس والانواع المسرحية التي انتشرت في الغرب طيلة الألف والخمسمائة سنة الماضية.

وهكذا نجد باحثا يفترض ان "المقامات" هي جذر المسرح العربي. بينما يرى آخر ان الألعاب والملاهي هي ذلك الجذر. في حين يرى آخر ان الاراجوز هو أصل الممارسة المسرحية العربية، وذهب بعض المسرحيين المعاصرين الى أقصى حد حين استنبطوا من بعض هذه الانشطة ما افترضوا انه تطوير لخطابها يمكن ان ينتج خطابا مسرحيا عربيا معاصرا.

بل ذهب بعض الباحثين الى التجاوز على الأنماط اللاتشخيصية، فنسبوا اليها إمكانات درامية كامنة، كالحكواتي والقصاص.

ويظل التساؤل غير المشبع يدور حول نقطتين: هل انبثقت هذه التعبيرات من حاجة الناس، أو حاجة مؤديها الى التعبير عن خطاب فكري واجتماعي وسياسي ملح في أزمنة انتاجها؟ ولماذا لم تتطور تلك التعبيرات الى صيغ درامية أكثر جدية في خطابها وأهدافها وأساليب اتصالها بالجمهور.

ونحن حين نصف الجهد والتوجه بـ" الجدية" فإننا لا نوميء الى استبعاد الكوميديا. بل على العكس تماما، فان ما يثير الدهشة إننا، على الرغم من شيوع الهزليات والمهازل على خشبات مسارحنا، نفتقد الكوميديا المحقة، تلك التي استحق عنها "اريوفو" جائزة نوبل.

وهكذا، يفترض بنا ونحن نتأمل في واقع مسرحنا أن ندهش، ليس فقط لانه لم ينجب تشيكوف وكامو وبيكيت وإبسن.. الخ، بل ولأنه لم ينجب "داريوفو" على الرغم من وفرة الفنانين الكوميديين المرموقين في تاريخ المسرح العربي الذين نالوا الشهرة والمجد والمال، ولكنهم عجزوا عن إدراك عبقرية الكوميديا.

أم أنهم أحجموا عن ذلك؟

ترى، ما سر داريوفو، بما اننا بصدد التأمل في غياب الكوميديا المحقة في حياتنا المسرحية؟

وصف بيان الأكاديمية السويدية "داريوفو" بأنه: "مثل المهرج في العصور الوسطى، يختطف السلطة ويعيد للمستضعفين كرامتهم".

ولذلك، ولأنه بمزيج من الضحك والجد يفتح عيوننا على الظلم والفساد في المجتمع، استحق جائزة نوبل.

وعلى الرغم من أن هذا الكلام "كبير" ويلتبس لدينا بالمحظورات. إلا أن بإمكاننا أن نتخيل حسرة عشرات المسرحيين العرب وقد أدركوا فداحة ما فاتهم حين فصلوا ما بين الجد والضحك.

ولكن، من كان يتخيل أن الكوميديا يمكن أن تختطف جائزة نوبل في يوم من الأيام، إن داريوفو نفسه فوجئ بذلك، وكذلك الإيطاليون الذين واكبوا تجربته العنيدة لعقود طويلة.

***

التجربة العنيدة إذن هي المفتاح السحري، فقد مضى داريوفو في منهجه الذي صار سر وجوده ومبرر كينونته. ولعشرات السنين لم يشغله سوى اهز يد من العمل وتطوير تجربته والبحث عن جمهوره الحقيقي، وعن الوسائل المثلى لتجاوز الصعوبات والمعوقات.

فقد تعلم من بيئته إن الضحك يفتح عقول الناس ويجعلهم قادرين على إدراك أفكار ما كان يمكن إدراكها بطريقة أخرى. فعمد إلى الحكايات التراثية ووقائع الحياة المعاشة ليقدم من مزيجها المبدع نصوصا مسرحية ساخرة مكتوبة بخلفية جادة ترفض المساومة. وحين أدرك عجز الأنماط المسرحية التقليدية عن اجتذاب الجمهور عمد إلى ابتكار نمط مسرحي جديد، عماده النص والممثل وتوجه به إلى جمهور الطبقة الوسطى والطبقات الفقيرة. ولم ينتظر الجمهور، بل ذهب اليه حيث هو، في المعامل والمقاهي والقرى، فاستطاع بذلك اكتساب دور اجتماعي سياسي في مجتمعه. وبتوفره على ثقة جمهوره استطاع مواصلة هذا الدور والتفرغ للمزيد من الإجادة والبراعة.

ولم يكن طريق داريوفو مفروشا بالزهور، ولا بالإعلانات الضخمة أو ميزانيات الإنتاج، أو أسماء النجوم اللامعة. بل على العكس فقد أدى تمسكه بمواقفه ومصادماته الدائمة مع الدولة والكنيسة والأحز اب اليمينية واليسارية، إلى وقوعه تحت خط التهديد الجدي والمحاربة الشرسة.

فما الذي يجعل الفنان على هذه الدرجة من الجرأة والصلابة والمقاومة والعناد؟

إنه، ببساطة إدراكه لمسؤوليته "الشخصية" عن مصيره الفردي والجمعي معا. ان إدراك المسؤولية الشخصية هو ما يشد من عزيمة الإنسان على انتزاع حقا في التعبير عن هذه المسؤولية وممارستها بالوسائل التي تتيحها له قدراته ووعيه.

ولا شك إن الكثيرين قد تساءلوا بمناسبة نوبل داريوفو، وربما قبل ذلك أيضا. لماذا ليس لدينا "مفكر ومسرح"، فنانون رصينو الوعي والفكر، يتخذون المسرح رسالة حياة ولا ينتظرون من وراثه القطاف العاجل لثمار مادية أو أدبية؟ لماذا ليس لدينا "مضحكون جادون" يدركون قيمة مواهبهم ولا يستثمرونها من أجل مرابح شخصية أو يخجلون مما يعتقدون أنه موقع اجتماعي هش للممثل الكوميدي.

ولماذا - الرصينون والمضحكون لدينا على قدر من الهشاشة تجعلهم مشاريع مؤقتة قلقة تنتظر المكاسب والاعتراف والتطمينات، فان لم تحصل عليها وفق توقيت محدد انهارت أو انحرفت أو انسحبت غارقة في السوداوية؟

في تقديرنا، إن ذلك يعود في بعض جوانبه إلى عقدة مركزية يمكن تلخيصه بـ" عدم الانتماء إلى الواقع" ويمكن تطوير هذا المفهوم بتأمل وجهه الأخر وهو: "انتفاء الشعور بالمسؤولية الشخصية إزاء المحيط اعتبارا من أصغر وحدات المحيط وحتى أوسعها.

إن إنسان هذه المنطقة يحمل إرثا عميق الجذور وشديد القسوة حول ما يتعلق بمسألة انتماء الفرد إلى الكون. ولا يعود ذلك إلى العقائد الدينية القديمة التي كانت تربط الإنسان الفرد بالآلهة، بل بالوسائل التي كانت السلطات السياسية – الدينية تحافظ بها على دورها كوسيط ددنصف إلهيه، بين الفرد والآلهة، وهي وسائل بالغة القسوة تقوم على أساس واحد هو أن الفرد ليس سوى خادم مملوك للآلهة، وبالتالي لوكلائها في الأرض: الحكام والكهنة.

ويتوارث هذا الإرث كر هن الحاكم والمحكوم على مر الأزمان.. ولكننا تحت تأثير التحولات التي عصفت بالعالم. منذ أوائل هذا القرن، وانفتاحنا على ثقافات العالم، وخروجنا الي حيث منابعها، والعصرنة التي غزت حياتنا، اندفعنا إلى خوض تلك الاندفاعات الى مرحلة المسرح الذهبية في الستينات.

إلا إن مرحلة الستينات كانت مرحلة استقطابات سياسية حادة وأخطار مصيرية رزحت تحت غطاء ثقيل من الشعارات والتوترات وأخطر تلك الشعارات على الثقافة والفنون، ذلك الذي يحمل المثقف والفنان مسؤولية "الحفاظ على الصف الوطني من الانشقاق".

ففي ظل هذا الشعار أحبطت الرؤى الفكرية والفلسفية وكبحت الأفكار وقننت اللفة ووضعت السدود في مجرى الأفكار حتى ركدت أو تسربت إلى الأعماق المظلمة.

وبعبارة أوضح فقد أعيد وضع الفرد في المكان الوحيد اللائق به: "في خدمة الوسيط نصف الإلهي".

وهكذا، وفي ظل الشعار المعروف: "في هذه المرحلة العصيبة التي تمر بها أمتنا". جرى التفاعل بين ما يريده الفرد المبدع وما تعلمه واستقاه من تجارب ومعارف الآخرين في عالم صفير تختزله وسائل الاتصالات والمواصلات خارقة السرعة، وبين ما يريده الحاكم من تجيير كامل لرؤى المبدع لصالح مشاريعه، أو على الأقل تحييد تلك الرؤى بحيث لا تشير إطلاقا إلى أي نشوز في الرؤية الجمعية لتلك المشاريع.

وبعبارة أكثر وضوحا قطع صلة المبدع بواقعه، أو تمييعها إلى درجة تفقدها فعاليتها، وهذا أحد وجهي العملة. اما الإرث الموغل في القدم فانه يقلب على الدوام وجهها الآخر: "إحباط الشعور بالمسؤولية الشخصية إزاء المحيط".

إن ما فعله داريوفو لم يكن سوى التقاط حاد لوعي متقد الوسائل في مخاطبة الجمهور. وبالمقابل، فقد التقطت الأكاديمية السويدية قيمة هذا الفنان "المهرج".

فالأمر لا يتعلق بمنح جائزة لمسرحي، حيث يعج العالم بمسرحيين يصارعون معضلة التوجه نحو الجمهور للاستيلاء على اهتمامه، وبالأحرى على ولائه.

ان الأمر يتعلق بمنح الجائزة لكوميديان.. مهرج تحديدا.

وإذا ما كان داريوفو وريثا لسلسلة طويلة من المهرجين الذين اختطفوا سلطة الخطاب المسرحي من وظائفها الوعظية الجامدة وانطلقوا نحو جمهورهم بعيدا عن سيطرة الكنائس والقصور في أوروبا طيلة قرون طويلة، منذ العصور الوسطى وحتى عصرنا الحالي، فهل كان لدينا نحن أيضا مهرجونا، وأين نجد آثارهم، وكيف نتقصى أخبارهم، ومن هم ورثتهم في زماننا.

جذور الارتجال التمثيلي

بإمكاننا مبدئيا العودة الى التاريخ القديم، عندما كانت التعبيرات الدرامية الاولي وقفا على الطقوس الدينية والعبادات. تلك الصيغ الصارمة التي لا مكان فيها للانسان من حيث هي علاقة سرية بين الآلهة وممثليها على الأرض. وفي تلك الأزمنة كان التدوين يتم تحت إشراف صارم من المعبد والقصر فلم يصلنا إلا القليل عما كان الناس يبتكرونه لإشباع غريزتهم الدرامية. ونعني بذلك تحديدا الاستعراض والكوميديا والارتجال.

فالمدونات التي توميء إلى التجربة الدر امية الطقسية وافرة، وقد أصبحنا متأكدين الآن من أن احتفالات رأس السنة البابلية كانت تشمل تمثيلا لموت وقيامة مرد وخ وطقوس الزواج المقدس، وتلاوة قصة الخليقة. كما ان مراثي المدن تتضمن إشارات واضحة على أنها كانت تمثل أمام جمهور. ولكن ذلك كله يظل في إطار الطقوس الدينية. أما الإشارات إلى الارتجال وبوادر اللغة النقدية. وبالتالي الكوميديا فقد تجلت في:

1- الحكواتي: وهناك إشارات حول "رواة قصص عموميين يجمعون حولهم في الأماكن العامة العديد من المستمعين المتحمسين لكي يتعلموا شيئا عن الأعمال العظيمة التي حققها الأبطال"

2- الارتجال التمثيلي: أو أدب المنافسات، أو "الرجل ضد الرجل" وهي ترجمة للكلمة البابلية «تسيتو» حيث يتبادل ممثلان النقد اللاذع من موقع تمثيلي لا يلبث أن يتخذ صفة واقعية فيأخذان بالاشتباك اللفظي بصفتهما الشخصية".

وسوف نرى إن هذا النوع من الارتجال التمثيلي قد وجد في العصر الجاهلي، وعرف بـ "المناظرة" ثم تطور ليعرف في العصر الأموي بـ "النقائض" ولا تنطوي النقيضة على بغض. بل لا تعدو إن تكون رياضة في المهاجاة لشحذ البيان.

أما في العصر الحديث فقد عرف بـ" الإخباري" وقدم في بغداد في مطلع هذا القرن على نطاق واسع، ويعتمد الإخباري على التهكم والسخرية والوصف المضحك الذي يوجهه المتحاوران إلى بعضهما البعض ولم يلبث أن تطور في منتصف القرن إلى مشاهد هزلية لا تخلو من عقدة دراسية

بسيطة.

وهناك نوع آخر للارتجال التمثيلي في العراق القديم عرف بمحاورة السيد والعبد، أو التشاؤم والسخرية، وهو تطوير للنوع السابق من حيث انطو ائه على هدف يتمثل في خلق أفكار جديدة، ثورية وعبثية. وقد عرفت هذه المحاورات لدى الأ غارقة الذين استخدموها كما يرى "توينبي" واسطة للجدل الفلسفي. ويصف "جاكوبسون" في كتابه "ما قبل الفلسفة" بان تلك المحاورات ابلغ تعبير عن مكتشفات العقل الرافديني في تلك الحقبة، حيث "ما من شيء إلا ويعوزه الخير، وما من شيء جدير باهتمام الإنسان".

3- الاستعراض: وأوسعها تتم على الجانب الشعبي من احتفالات رأس السنة البابلية. ففي حين تجري الطقوس التمثيلية داخل المعبد وفي سرية تامة، ينطلق الناس في الشوارع ليمثلوا فوضى العالم مدمجة بالحزن على موت إله الخصب، فتطلق عربة هر دوخ لتسيرني الشوارع دون سائق فتثير الرعب والفوضى وقد تصحبها الهة "عشتار" لتقوم بالنواح على الإله، في حين يمثل الجمهور حربا تجتاح الشوارع. وقد تزاد جرعة الفوضى في النهاية بإطلاق يد أحد المجرمين متنكرا في لباس الملك للعبث بالمدينة، وهذا لإعطاء صورة هي الأقرب إلى الفوضى قبل إن ينبري مردوخ إلى تنظيم الكون.

فلماذا لم تتطور فنون القول والتشخيص والاستعراض في العراق القديم ومصر الفرعونية. فلأن الاتجاهات ذات النزعة الفردية في الفن كانت تقمع في مهدها. فقد كان "الفن فنا رسميا وليس فرديا"، كما يرى طه باقر. إن أهم سببين لانقراض الطقوس الدينية والاستعراضية القديمة اقتصارها على وظيفتها الدينية، وعدم اتخاذها الإنسان مادة وموضوعا لها.

أما في اليونان

وهذا على العكس مما جرى في اليونان. ففي الأساس كانت الطقوس الدينية هي ذاتها، وان كانت تقام من أجل بعث الإله "ديوينزوس" وحتى الطقس الشعبي المنطلق في الشوارع بعيدا عن أسرار الطقس الديني كان مشابها لما كان يجري في العراق القديم. لكن اليونانيين انطلقوا من التمثيلية

الطقسية المصاحبة لبعث "ديوينزوس" فبلغوا تراجيديا اسخيليوس التي نعرفها. ولعلهم وجدوا في الطقوس الشعبية المهاد الملائم للعروض المسرحية التي واصلت تطورها لتبلغ ذرى الكوميديا.

فمنذ الإزاحة الكبرى التي أحدثها الكتاب الأغارقة ونجحوا في فصل الخطاب المسرحي عن الطقس الديني، حتى انتقلت الدراما إلى فضاءات إنسانية بدخول مآسي البشر وحلولها محل مآسي الآلهة وأنصاف الآلهة.

ولم تكن تلك الانتقالية ترفأ فكريا، بل كانت تعبيرا عن ضيق الناس بتصلب الطقس الديني ووظيفته الاستعادية الثقيلة على البشر الذين صاروا يتطلبون رؤية ذواتهم في الدراما.

يرى المؤرخون ان التراجيديا الإغريقية لم تستغرق سوى قرن ونصف القرن، إذ لم تلبث إن اكتسحتها الطقوس الدنيوية التي يقدمها الممثلون الجوالون. وفي هذه المرحلة بدأت حقبة "الكوميديا الاتيكية القديمة" التي تميزت بالنقد السياسي والسخرية من الشخصيات المعاصرة ومن عادات العصر. ومن ابرز رموزها يوربيدس وارستوفانيس.

إلا إن تقييد الحريات السياسية في أثينا في القرن الرابع قبل الميلاد عمل على الحد من جموح الكوميديا مما دفع مؤلفي المسرح إلى التحايل على قوانين الرقابة من أجل التوغل في حياة المجتمع بطريقة هجائية ساخرة، والهدف واضح، وهو توجيه الرأي العام من خلال التسلية، وقد

وصفت هذه المرحلة بمرحلة "الكوميديا الاتيكية الوسطى" وكان الحكام يمارسون خلالها رقابة تنعق في قوتها قوة القانون. وهكذا اتسعت المحظورات ابتداء من حظر الافتراء على الأصوات، ثم حظر نقد الكهنة والقضاة، ثم حظر الطعن بالشعب حتى انتهى الأمر بمنع التصدي بالمحاكاة الساخرة لأي مواطن.

وتنتهي قوانين القمع بإخراس الكوميديا. لذا فقد شاع الهزل وتولى الجوالون والمهرجون التعبير عن الحياة بعيدا عن المسارح ورقابة الدولة، في القرى وعلى الطرقات مستخدمين وسائل التعبير والتوصيل المناسبة. الهزل، المحاكاة الساخرة، الألعاب، الارتجال واللغة الخشنة.

وسوف نرى إن هذا الانقلاب يتكرر مرة بعد أخرى عبر التاريخ وصولأ إلى عصرنا الحالي في هيئة حقب مسرحية يبدأ المسرح فيها "دينيا تعليميا" ثم ينتهي إلى الانجذاب إلى جمهور الطبقات الدنيا محطما القوالب الجامدة رافضا الوظيفة الوعظية متخذا الكوميديا والترفيه وسيلة للتعبير عن الذات الجمعية.

مضحكون عبر التاريخ

وعلى الرغم من إن الطقوس الدينية القديمة "الرافدينية والفرعونية" لم يتسن لها التمهل الى دراما، ومن ثم الى كوميديا، فاننا سوف نلاحظ "وهذا مهم جدا" إن اندفاع الناس نحو التعبير عن أنفسهم من خلال الكوميديا، وعلى أيدي المضحكين قد تم رصده عبر التاريخ، إلا انه ارتبط دائما بالنماذج الهامشية، اجتماعيا وثقافيا. ويعيد المؤرخون ذلك إلى بداوة المجتمع العربي - الإسلامي، أو إلى القبلية التي لا تعترف بالنزعة الفردية، أو إلى المحاذيو الدينية التي حالت دون ترجمة التراجيديات اليونانية.. إلى أخر الأسباب المعروفة والتي تداولها الباحثون طيلة عقود من الزمان في محاولة لتفسير غياب الظاهرة المسرحية لدينا.

في العصر الأموي شاعت الانشطة الحكائية والتشخيصية، ولعل أهم ما يكن الاشارة اليه هنا التطور الذي طرأ على وظيفة "القصاص" التي بدأت على عهد الخلفاء الراشدين دينية خالصة، سرعان ما تحولت الى نصف دينية ونصف دنيوية نتيجة إقبال العوام على القصاصين. ونتيجة للتغيرات الديموغرافية والطبقية الناتجة عن الفتوحات فقد حصل التفاعل المتوقع بين القاص وجمهوره، فالعناية بالجمهور الواسع المتنوع هي سمة الحياة المدينية. وبالمقابل فقد عملت ثقافات وخلفيات المجموعات السكانية المتنوعة على التأثير في الخطاب الأدبي والفني وحتى الفكري عن طريق التيارات النشطة للمعتقدات والموروثات والعادات واللغات واللهجات والخلفيات التاريخية لفئات المجتمع.

يصف محمد زكي مبارك هذه المتغيرات في كتابه "النثر الفني في القرن الرابع الهجري" بأنها "انتقال من التقليد إلى التجديد" حيث التقليد سمة العصر العربي الخالص بينما التجديد سمة عصر برز فيه تأثير الموالي الذين صاروا يتطلبون "من يستطيع مخاطبتهم".

وقد تجلى تأثير الأدب في ذلك العصر بظهور أدب رفيع يصور أخلاق الناس في المجتمع الإسلامي في حياته العادية، وبظهور أدب المقامات وهو أدب نقدي هجائي لاذع اتخذ من فخامة اللغة وسيلة للترفع عن الواقع شكلا ومقاربته مضمونا، وكذلك بشيوع أدب السمر الذي لا يعرف مؤلفوه، كما جاء في كتاب "آدم متيز" "الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري" وهي كتب تزخر بقصص الفروسية والنوادع وحكايات العوام ودهاء النساء.

فإذن، كانت هناك العامة التي اجتذبت اهتمام القصاصين. وقد بدأ هذا الاهتمام في الأساس كجزء من الوظيفة الدينية الوعظية للقص، ثم عبر محاولة بعض القصاصين إيجاد علاقة بين المسائل القرائية وما شاع في المصر من حكايات وأقوال.

وفي مرحلة تالية، ونتيجة لتحسس القصاصين ميول العامة والاستجابة لها جعلوا "يجملون" قصصهم. الأمر الذي عرضهم لسخط المتصوفة الذين وصفوا القصاصين بأنهم "دجاجلة" كما جاء في كتاب ابن الجوزي "القصاص والمذكرين".

فما هي عناصر تجميل القصر التي عمد اليها "الدجاجلة".

1- استخدام الديكور، مثل الباس المنبر الخرق الملونة.

2- المكياج: مثل التبخر بالزيت والكمون لإكساب الوجه. اللون الأصفر، وحمل أحدهم ما اذا شمه سال دمعه.

3- المؤثرات الصوتية: مثل الضرب على سطوح خشبية للايحاء بالذرى الدرامية.

4- التمثيل: مثل خرق الثياب والإيقاع بالقدم، ورمي النفس من على المنبر تواجدا، والتخاشن زيادة على ما في قلب الواعظ، والارتعاد والتباكي تصنعا.

ويحكي ابن الجوزي عن قاص شوهد يقص في الناس وهو قائم على أربع، وذلك "ليحكي عبدالرحمن بن عوف على الصراط يوم القيامة".

إن ما وجده ابن الجوزي علامات انحطاط لفن القص يرده "شارل بلات" في كتابه "الجاحظ في البصرة وبغداد وسامراء" تطويرا للجانب الحركي والإيمائي، اقترابا من المسرح.

إلا إننا يجب الا نغفل عن حقيقة إن وقوع فن القص تحت ضغط متطلبات مزاج العامة، وانسياق القصاصين إلى تلبية تلك المتطلبات، ربما يكونان قد حالا دون تطور الحكاية كممارسة دراسية جادة تستجيب لشروط تخلق الدراما من رحم الحكاية.

لقد جسدت مهنة القص داخل قوالبها وتحولت الى استلهام السير البطولية الشعبية، ليتحول القصاص إلى حكواتي واصل وجوده حتى بدايات هذا القرن قبل أن تنهيه ومسائل الترفيه الحديثة، واسعة الانتشار كالسينما والاذاعة.

إننا في الواقع لا نراهن على تجربة القصاص باعتبارها جذرا للتجربة المسرحية الغربية، فالتجربة التشخيصية الأهم هي تجربة "المخرجين".

مخرجون مهرجون .. لكن!

إذا كان القصاصون والحكواتية رواة قصص وقول، وإن كانوا قد استخدموا التقليد لجذب الجمهور، فان المخرجين قدموا بوادر التمثيل الكوميدي الناقد لكن أخبارهم التي شاعت في القرن الثاني للهجرة سرعان ما تلاشت، في حين ظلت أخبار ال&