|
|||||
|
ألف
الأدب أن
يكون موضوعا
لأسئلة تعيد
النظر في
ماهيته
ووظائفه
ومكوناته
الجمالية
والمضمونية،
وبخاصة منذ
القرن
التاسع
عشرعندما
اتجهت
مجموعة من
الشعراء
والروائيين
الى التساؤل
عن غائية
الأدب
والكتابة،
ففتحوا
الباب أمام
نظرية الأدب
التي امتدت
فروعها
وأسئلتها في
القرن
العشرين
لتلامس هوية
الأدب
وعلائقه
باللغة
وبالعلوم
الانسانية،
ولتتساءل عن
الأسس
الابستمولوجية
التي تتيح
التفكير في
الأدب كحدث
متميز يوجد
في تماس دائم
مع بقية
الخطابات
ويطمح الى
اضفاء
مشروعية
نظرية على
مجاله
وأدواته
وغاياته،
وهذا ما جعل
سؤال: ما
الأدب؟
المتداول
منذ القديم،
يخرج في
العصر
الحديث، عن
نطاق تحديد
طبيعة الأدب
ومكانته ضمن
النشاطات
البشرية
وتعيين بعض
خصائصه، الى
محاولة
الاجابة على
سؤال
الأدبية، أي
المقاييس
والتحققات
النصية التي
تجعل من
كتابة ما
أدبا. لكن
قبل أن تصل
النظرية
الادبية،
منذ
الستينات،
الى هذا
الأفق القلص
العلمي الذي
لا يتوخى
مطابقة
نظرية الأدب
لنسق ثابت بل
يسعى الى
جعلها فضاء
للتفكير
النظري
المتباعد،
المقارن،
المجدد
للاسئلة،
فان سؤال ما
الأدب؟ قد مر
من مرحلة
الخصومة
الجالية في
الأربعينات،
عندما نشر
جان بول
سارتر
مقالاته
الشهيرة
بمجلة "الأزمنة
الحديثة"
قبل ان
ينشرها في
كتاب يحمل
عنوان "ما
الأدب؟" (1947).
وسرعان ما
أصبح هذا
الكتاب
منعطفا
يتوقف عنده
كلما طرحت
أسئلة الأدب
وخاصة ما
يتصل منها
بمسؤولية
الكاتب
والتزامه.
وليس معنى
هذا أن مثل
هذه القضايا
لم تطرح من
قبل، فلقد
كانت
متداولة
بصيغ مختلفة
منذ أن
تفجرتا قضية
الضابط
دويفوس في
نهاية القرن
التاسع
عشرونشر
إميل زولا
مقالاته
الشهيرة "أني
أتهم" ثم في
فترة ما بين
الحربين
العالميتين
من خلال
الثورة
السيريالية
ومن خلال
مواقف
أندريه جيد
بعد زيارته
للكونغو
وللاتحاد
السوفييتي،
ومن خلال
استكشاف
أندرية
مالرو لثورة
الصين، ثم
الحرب
الأهلية
باسبانيا
سنة 1936 وتكوين
جبهة الكتاب
المناهضين
للفاشيستية..
علامات
كثيرة
متوهجة على
طريق الأدب
العالمي
الحديث،
جعلت أسئلة
الالتزام
والمسؤولية
ودور الكاتب
في التغيير
تحظى
بالاهتمام
لتلبس
المبدع، من
جديد، رداءه
الاجتماعي
الذي خلعه
رواد
الحدائة منذ
منتصف القرن
التاسع عشر (مالارميه،
فلوبير،
بودلير،
جوتييه..)
عندما تحقق
نوع من
الاستقلال
الذاتي
للحقل
الأدبي
وتبلور
اتجاهان
متصارعان،
أدب
بورجوازي،
وأدب شعبي،
فظهر اتجاه
حداثي يدعو
لتخليص
الأدب من
المشاركة في
الصراع
الاجتماعي
والسياسي
وجعله مهتما
بالشكل
واللغة
وجمالية
الكتابة،
بعيدا عن
التسخير
والتوظيف..
لكن أهمية
كتاب سارتر
تأتي، أساسا
من كونها "لخصت"
تلك اللحظات
والاتجاهات
المتعارضة
وربطتها
بسياق جديد
محمل
بالأسئلة
والتحولات،
هو سياق ما
بعد الحرب
العالمية
الثانية في
فرنسا
وأوروبا. فضلا
عن ذلك - وهذا
انجاز بنفس
الأهمية -
فان سارتر
استعمل عدته
الفلسفية
الجامعة بين
الوجودية
والمنهج
الظاهراتي،
ليحلل ماهية
الكتابة
وعلائقها
بالقراءة
وبالجمهور
وبحركية
المجتمع
وأسئلته
المستقبلية،
من منظور لا
يقتصر على
نقد
السلبيات،
بل يتعداه
الى "أفق
البناء"
والبحث عن
دور للأدب
وللكاتب في
مسيرة
المجتمع
والانسان
نحو ما يسميه
الفيلسوف
كانط "مدينة
الغايات".
وفي خضم هذه
التحليلات
المعتمدة
على ثقافة
واسعة، نحت
سارتر مفهوم
الالتزام
بدلالات
وتلاوين
متقاطعة
ومتكاملة
ليبعد عنه ما
يتهدده من
اختزال
وشعاراتية.
وكثيرا ما
ألح على أن
الالتزام
انما هو
وسيلة
لحماية قيمة
الحرية
بوصفها
فاعلة في
مجال تغيير
كل ما يشوه
حياة
الانسان: "وهكذا،
مهما تكن
الطريق التي
قادتك الى
الأدب،
ومهما تكن
الآراء التي
تنشرها، فان
الأدب يقذف
بك الى
المعركة،
فتكون
الكتابة
طريقة
لنشدان
الحرية؛
وسواء بدأت
عن طيب خاطر
أو مرغما،
فانك ملتزم (منخرط
في المعركة)".
(ص 82- النص
الفرنسي "ما
الأدب؟"). لا
يمكن أن ندرك
أبعاد كتاب "ما
الأدب؟" إذا
لم نستحضر
كتابات
سارتر
السابقة
عنه، وبخاصة
"الوجود
والعدم"،
ورواية "الغثيان".
ذلك أن هذا
الكتاب هو
حلقة ضمن
مشروع طموح
يتوخى
التأثير في
ثقافة
المجتمع
الفرنسي بل
وفي الثقافة
العالمية،
من خلال صوغ
أسئلة جديدة
ومحاولة
تقديم أجوبة
عبر أشكال
مختلفة من
التعبير (الأدب،
الفلسفة،
الصحافة،
الاذاعة،
السينما،
التلفزة،
المحاضرات...)
الى جانب
المواقف
والنشاطات
التي تخرج
الثقافة
والأدب من
المستوى
النظري الى
مستوى
الممارسة (البراكسيس)
التي فتن بها
سارتر
وجعلها أفقا
لفلسفته
الساعية الى
زواج متوازن
بين الذات
الحرة
والغيرية
الجماعية
الضامنة
لتشييد "مدينة
الغايات".
يتحدث
سارتر، في
هذا الكتاب،
عن الأدب
ولكنه
يستهدف
ويلامس
مجالات
وقضايا أوسع
ذات طابع كلي.
وهذه خاصة
نجدها عند
الفلاسفة
الذين
اهتموا
بالأدب
وجعلوه
موضوعا
لتحليلاتهم
وتنظيراتهم. سنعود
- في فقرة
لاحقة - الى
عرض ومناقشة
تصورات
سارتر عن
الكتابة
والالتزام.
لكننا نريد،
الآن، أن
نتوقف قليلا
عند
التأثيرات
والانعكاسات
التي خلفها
كتاب "ما
الأدب؟" في
حقل الأدب
العربي
الحديث منذ
الخمسينات،
بوصفه قد
تزامن مع
لحظة تمفصل
ثقافية
وسياسية
أعطت للأدب
العربي
ابداعات
مغايرة لما
قبلها. وهذا
لا يعني
مطلقا أن
التيارات
الفكرية
والأدبية
الأجنبية
تمارس
تأثيرا
حاسما،
وانما هي
عناصر مكونة
لسيرورة
المثاقفة
ولتجلياتها
المتباينة
والمعقدة.
وكثيرا ما
تكون طرائق
النقل
والترجمة
والتصادي
حاملة
لرواسب
سلبية تضبب
المفاهيم
وتنس هالات
تقديسية
تعوق
التفاعل
الخلاق.
لكننا نعلم
أن ليس النقد
وحده هو ما
يرسم ملامح
الأدب
وذائقة
المتلقين،
هناك أيضا،
وأساسا،
انجازات
المبدعين
وقدرتهم على
صهر ما يعتمل
في تجاربهم
وفي أحشاء
المجتمع
المتحول،
النابض
بإيقاعات
جديدة. إلا
أن "سلطة"
النقد كثيرا
ما تميل الى
التقعيد
الضيق والى
التصنيفات
الثابتة في
مجال الأدب
المتغير
باستمرار.
وقد تبدو
تأثيرات
السلطة
النقدية ذات
ثقل اذا
استندت الى
مرجعية "عالمية"
فتنت
الألباب
والأقلام في
مرحلة معينة...
لأجل ذلك،
يكون من
المفيد أن
نعود الى بعض
المحطات
والمفاهيم
لمراجعتها
على ضوء ما
تراكم في
مجال
الابداع
والتنظير،
وعلى ضوء
أسئلة تتشكل
من خلال
المعيش
والمعاينة
والرصد. من
هنا جاءت
فكرة هذا
الملف عن "تحولات
مفهوم
الالتزام في
الأدب
العربي
الحديث". وهي
لا تقصد الى
الدراسة
المدققة،
التفصيلية
القائمة على
الاستبار
الميداني
واستجواب
أكبر عدد
ممكن من
النقاد
والكتاب
والقراء،
وانما نتوخى
اعادة طرح
مفهوم
الالتزام من
منظور
إشكالي
يربطه
بالأسئلة
الواهنة،
عند بعض
مبدعينا
ونقادنا،
ويغربل
حصيلة رحلة
المفهوم
وفلسفته
طوال ما يزيد
على نصف قرن
من الزمن. ونحن
ننطلق من
مفهوم
الالتزام
السارتري
تحديدا، لا
من الدلالة
العامة لما
توحي به كلمة
التزام من
انشغال
المبدع
بقضايا
القبيلة أو
المجتمع أو
العشيرة،
واتخاذ
مواقف تجاه
قضايا
سياسية أو
دينية. فهذه
الدلالة قد
وجدت منذ وجد
الأدب، ولا
نكاد نعثر
على مبدع لم
يتفاعل مع
هموم
وصراعات
مجتمعه.
لكننا، كما
أشرنا من
قبل، نجد أن
مفهوم
الالتزام قد
تبلورت
ملامحه من
خلال الجهد
التحليلي
والتنظيري
الذي بذله
سارتر، ومن
خلال ردود
الفعل
والخصومات
الجدالية
التي أثارها.
فأصبح من
الممكن،
قياسا الى ما
اقترحه
سارتر،
اختبار
اجرائية
المفهوم
وتنسبيه على
ضوء مفاهيم
وممارسات
أدبية أخرى
ما انفك حقل
الأدب
العالمي
يفرزها. من
هذه
الزاوية،
تكون العودة
الى
الالتزام
السارتري
نقطة انطلاق
لاعادة
استجلاء
التغيرات
التي طرأت
على مفهوم
الأدب
والكتابة
والقراءة.
وقد يكون
أدبنا
محتاجا أكثر
الى عمليات "التفريغ"
وإعادة
النظر فيما
تراكم لدينا
من خلال
المثاقفة
التي تفتقر
الى الكثير
من
الاستيعاب
والتمثل
والتدقيق. بالفعل،
مر نصف قرن
على ظهور
مفهوم
الالتزام
السارتري
وعلى ما
أثاره من
جدالات
وخصومات،
وارتاد
الأدب
الفرنسي
والعالمي
والعربي
مجالات
وطرائق أخرى
في الابداع
والكتابة،
وهو ما يوحي
للبعض بأن
قضية
الالتزام
أصبحت
متجاوزة
وغير مؤثرة..
لكننا عندما
ندقق النظر،
نجد أن بصمات
مفهوم
الالتزام ما
تزال سارية
المفعول عند
جزء من
الكتاب ولكن
بفهم مغاير،
يتفق على
مسؤولية
المبدع الا
انه يسلك
طريقة نوعية
في تحقيق تلك
المسؤولية.
وفي مجال
الأدب
العربي
الحديث، لا
نظن أن
القضية قد
أصبحت
متجاوزة،
وذلك بسبب
عدم الوضوح
الذي يطبع
علاقة النقد
بالنص
الأدبي
وبالقارئ
تحت ضغط
المشكلات
الاجتماعية
والسياسية
التي تجعل
معظم النقاد
يتحرزون من
المجاهرة
باستقلالية
الأدب عن
الخطابات
الايديولوجية.
لكن واقع
الابداع، في
نماذجه
الجيدة،
يشخص نوعا
آخر من "الالتزام"
لا تكون فيه
القيمة
الفنية
والرؤية
الذاتية أقل
من المضمون
ودلالاته
المختلفة. ومن
هذا
المنظور،
نريد أن
نستعيد لحظة
الالتزام
عند سارتر
وما لقيته من
دحض
ومقاومة، ثم
نتابع
تجليات
ومصير
الالتزام في
ساحة الأدب
العربي
الحديث، قبل
أن نتوقف عند
سؤال ماذا
يستطيع
الأدب
اليوم؟ 1-
مفهوم
الالتزام
السارتري في
الميزان كثيرا
ما نغفل ان
سارتر (1905-1980) قبل
أن يطل على
القراء عبر
مجلته "الأزمنة
الحديثة"
بمقالاته
الشهيرة "ما
الأدب؟"،
كان له وجود
في الساحة
الأدبية
الفرنسية من
خلال روايته
"الغثيان"
وكتابه
الفلسفي "الكينونة
والعدم".
بتعبير آخر
كان سارتر قد
قطع أشواطا
في مغامرته "الوجودية"
المتوسلة
منذ البدء،
بالمزاوجة
بين الابداع
الأدبي
والتحليل
الفكري،
الفلسفي. ولم
يكن هذان
الكتابان
يحملان
أطروحات
الالتزام
ومفاهيم "التشييد"
الايجابي
لمجتمع
مغاير،
وانما كانا
ينتقدان
البورجوازية
ومواضعاتها
المتكلسة
ويسخران من
لزوجتها
وقيمها
المسيحية
الموروثة..
كان ما يميز
صوت سارتر،
عند
انطلاقته،
هو الحفر
الحاد
لابراز قيمة
الحرية وهي
تواجه
الوصاية،
وسوء النية
وطمس
مسؤولية
الفرد في أن
يصنع حياته
بعيدا عن
الماهيات
المسبقة
العلفية
للوجود.. و
خلال تجربة
الحرب
العالمية
الثانية (1939- 1944)
وانخراط
سارتر في
المقاومة،
بدأ سارتر
ينتقل من
النقد
بالسلب الى
البحث عن
امكانات
تصور مجتمع
يستجيب
لضرورات
الثورة
وتفجير
طاقات
الحرية
الماسورة
داخل
معتقدات
وممارسات
مهترئة،
متداعية. ومن
المزاوجة
بين سياق
خارجي (نهاية
الحرب
العالمية
الثانية،
ضرورة تشييد
أوروبا
المحطمة
وتحديثها،
استقرار
الحرب
الباردة بين
قطبين
يستأثران
بقرارات
مصير العالم...)
وبين أسئلة
الثقافة
والأدب
المتراكمة
في فرنسا،
نستطيع أن
نفهم
انعطافة
سارتر
القوية،
الحاسمة نحو
الدعوة الى
التزام
الأدب
والكتاب،
وسعيه الى
ادماج
تحليله
للكتابة
وبواعثها
وغاياتها
ضمن مشروع
أوسع يتخطى
الأدب الى
تغيير
المجتمع
الفرنسي
وتقريبه من
ثورته
الجذرية "المنتظرة". وأسئلة
الثقافة
الفرنسية
بين الحربين
وأثناءهما،
كانت تتطلع
الى الخروج
من مفهوم
مالارمي
للأدب أراد
أن يبتعد به
عن كل غائية
اجتماعية (مثلما
كان عليه
أيام
فولتير،
وكومونات
باريس،
وفيكتور
هيجو، واميل
زولا..) ليغدو
الابداع
مستقلا
تماما عن أي
استخدام أو
توجيه. واذا
كان ذلك
المفهوم
الحداثي
للأدب الذي
دعا اليه
فلوبير
ومالارميه
وبودلير
وجوتييه
وآخرون، قد
لقي بعض
الصدى
والتأثير،
فان بدايات
القرن
العشرين
وثلاثينياته
قد زعزعت تلك
التصورات
الثقافية
والأدبية
وأعادت طرح
علائق الأدب
بالسياسة
والشأن
الاجتماعي
طرحا قويا
تواكبه
الأحداث
والتغيرات
الجذرية،
وفي طليعتها
قيام الثورة
الروسية سنة
1917 وتبلور بعض
ملامح
الواقعية
الاشتراكية.
وداخل فرنسا
نفسها،
تجمعت أكثر
من علامة
وحركة لتنزع
عن الأدب
حياده
وحداثته
المتأملة
وتعيده الى
أتون
المجادلة
والصراع:
انطلاقا من
قضية الضابط
دريفوس
ومرورا
بزولا ثم
الحركة
السريالية
ومواقف
اندريه جيد،
ووصولا الى
استيحاء
اندريه
مالرو لثورة
الصين
وانخراط
كتاب أوروبا
الى جانب
الجمهوريين
الاسبانيين
في حربهم ضد
الفاشيين..
أحداث
ووقائع
كثيرة أخرجت
الأدب، في
فرنسا، من "استقلاليته"،
وبلورت
الفرز بين
أدباء
مناهضين
للتعامل مع
المحتل
الألماني
ومنخرطين في
مقاومة
النازية
والفاشية،
وبين كتاب
متعاونين مع
الألمان
ومناصرين
لليمين من
أمثال شارل
هوراس،
وبييي دريو
لاروشيل... كل
ذلك يبعث على
القول بأن
الشروط
توافرت
لسارتر
ليضطلع
بتنظير تلك
الممارسات
والأحداث
والأسئلة
وصياغتها
اعتمادا على
معرفته
الفلسفية
والفنية
وعلى قدرته
الجدالية
المتميزة
بأسلوبها
الحاد
وتوليداتها
المنطقية
الملتحمة. ولا
بأس من
التذكير بأن
"قوة" سارتر
لا تعود الى
قدرة فلسفية
خارقة، ولا
الى نسق فكري
محكم، بقدر
ما تعود - حسب
غالبية من
كتبوا عنه -
الى موهبته
في اختيار
المفاهيم
والأفكار
المناسبة
لمشروعه من
ركام
قراءاته
الواسعة
للاتجاهات
الفلسفية
الأساسية (هيجل،
نيتشه،
هيدجر،
ماركس،
هوسيريل...)
وللنصوص
الأدبية (دوس
باسوس،
فولكنير،
سلين،
اندريه جيد،
مالرو...)، لم
يكن سارتر
يهتم بصوغ
متناسق،
ملتحم
لفلسفته
الوجودية،
بقدر ما كان
يحرص على "امتصاص:
كل ما يبدو
خادما
لمشروعه
الطموح
المتطلع الى
تحريك
المجتمع
الفرنسي ثم
الانساني
عبر خطاب
يجسد "المثقف
الشامل"
والثورة
الشاملة
المجاوزة
لأخطاء
الستالينية
وانفلاقات
الدوجماتية.
ومن ثم فان
علاقته
بالوجودية،
كما طرحها
هيدجر، جاءت
"محرفة"
لفكر هذا
الأخير الذي
أبدى لسارتر
امتعاضه مما
فعله
بفلسفته
المشيدة على
أمس دقيقة
ومعقدة... على
كل حال، هذا "اختيار"
أقدم عليه
سارتر، ربما
تحت وطأة
مقاصده
البراجماتية
وفي سياق
النجاح
الواسع الذي
حققته
فلسفته
وجعلت منه "ضميرا
لعصره"
يستفتى في كل
صغيرة
وكبيرة،
ويطوف انحاء
العالم
ليشهد على
مشكلاته
وصراعاته.
لكن علينا ان
نستحضر ذلك
ونحن نستعيد
التوجهات
الأساسية في
تحليلات
سارتر للأدب
وتحديده
لمفهوم
الالتزام. فما
هي، اذن،
المحاور
والأفكار
التي تؤطر
مفهوم
الالتزام
عند سارتر؟ تحتل
الحرية،
فكرة
ومفهوما
وشعارا،
مكانة واسعة
في تحليلات "ما
الأدب؟"،
وهي، كما
نعلم، حجر
أساس في
فلسفة سارتر
الوجودية.
وبالنسبة
للأدب، تغدو
الحرية شرطا
جوهريا عند
المنتج وعند
المتلقي
تتحكم في
التعاقد
بينهما
وتصير أفقا
لهما، بل
وغاية في حد
ذاتها: "أعلى
هذا النحو،
لا يكون
الكتاب، مثل
الأداة،
وسيلة لغاية
ما، بل انه
يطرح نفسه
بوصفه غاية
لحرية
القارئ" (1).
وحرية
القارئ
توازيها
حرية الكاتب
عند المنطلق
لأن «... أحد
حوافز
الابداع
الفني
الأساسية
هي،
بالتأكيد،
الحاجة الى
أن نشعر أننا
جوهريون
قياسا الى
العالم»(ص50). الابداع
تحركه
الحرية،
والقارئ هو
الذي يعطي
وجودا للنص
إذا مارس
حويته: «دان
المجهود
الموحد
للكاتب
والقارئ هو
ما يتيح
انبثاق ذلك
الشيء
الملموس
والمتخيل
الذي هو عمل
الفكر. وليس
هناك فن إلا
من أجل الآخر
وبواسطته» (ص 55). واذا
كنا قد
انطلقنا، في
قراءتنا لـ"ما
الأدب؟"، من
هذه الفكرة،
فلأنها ذات
أهمية بالغة
في اطروحة
سارتر عن
الالتزام
وفي تحديد
الجهة التي
كان يخاطبها
ويخاصمها.
ذلك أن سارتر
ما فتئ يردد
بأن تدخله
النظري،
الجدالي،
هذا انما
أنجزه لينقذ
الأدب
الفرنسي
الذي أصبح
بدون قراء أو
يكاد،
منغلقا على
دائرة ضيقة
تجتر بأن
الأدب لا
علاقة له بما
سواه، وأنه
ابداع في
المطلق
واحتفاء
باللغة
والصيغ
البلاغية...
لهؤلاء يعلن
سارتر منذ
البداية: "لانقاذ
الأدب،
يتحتم اتخاذ
موقف داخل
أدبنا".
وانطلاقا من
فكرة
الحرية،
يبرز شراكة
الكاتب
والقارئ
وامتداد ذلك
على المجتمع
ومشكلاته
العديدة
الموروثة عن
زمن
الاحتلال
وعن خسائر
الحرب
واهتزاز
القيم. والجزء
الثاني من
فكرة
الحرية، بعد
أن أعاد
تحديدها كما
رأينا، هو
ربط الأدب
بتحقيق هذه
الحرية
للمجتمع
بكامله،
استجابة
لجدلية
فاعلة دلل
عليها من
التاريخ في
شقيها
السالب
والموجب،
واقترح
مفهوم "الأدب
الملموس"
ليكون أفقا
مجسدا
لتحرير
المجتمع
وجعل ثورته
دائمة: "هكذا،
سيكون الأدب
الملموس
تركيبا بين
السلب بوصفه
قوة انتزاع
للمعطى،
وبين
المشروع
بوصفه
تخطيطا
لنظام
مستقبلي.
سيكون ذلك
الأدب
احتفالا،
مرآة من لهب
تحرق كل ما
ينعكس
عليها،
وكرما أي
ابتداعا
حرا، وهبة.
ولكن اذا كان
على هذا
الأدب
الملموس أن
يجمع بين
هذين
المظهرين
المتكاملين
للحرية،
فإنه لا يكفي
أن نمنح
الكاتب حرية
قول كل شيء:
يجب أن يكتب
من أجل جمهور
يتوافر على
حرية تغيير
كل شيء؟ وهذا
مهناه، فضلا
عن محو
الطبقات
وازالة كل
دكتاتورية،
التجديد
المستمر للا
طارات
والقلب
الدائم
للنظام
بمجرد ما
ينزع الى
التجمد.
بكلمة
واحدة،
الأدب هو في
جوهره،
ذاتية مجتمع
يعيش ثورة
دائمة". (ص 195) نتبين
بوضوح، أن
خطاب سارتر
عن الأدب لم
يكن متصورا
على الكتابة
وأسئلتها
المتفرعة،
وانما كان
جزءا من تصور
عام لتغيير
المجتمع
وتثويره،
ولبسط
مجموعة
أفكار تشكل
منظومته
الفلسفية
الوجودية
التي كانت،
آنذاك، في
مرحلة مخاض
وتحول على
ضوء سياق ما
بعد الحرب
العالمية.
لكن سارتر في
هذا الكتاب،
لم يجعل من
الالتزام
شعارا
سياسيا
يتقيا
التحريض
والتعبئة،
بل حرص على
تقديمه
بوصفه
مفهوما
فلسفيا
تقشيد من
حوله رؤية
للعالم
قوامها
الحرية
المسؤولة عن
تغيير
المجتمع نحو
الأفضل. وفي
تحليله
لمعنى
الكتابة
وغائيتها
وجمهورها،
توقف طويلا
عند اللغة
وما تشتمل
عليه من سلطة
مادية
ورمزية، إذ
ذهب الى أن
كل كلمة تسهم
في كشف
العالم
وبلورة وعي
بضرورة
تغييره. وهذه
السلطة
تكتسبها من
سياق
الاستعمال
ومن شكل
الكتابة
النثرية
تحديدا، لأن
وظيفة اللغة
حينئذ
تتمثل،
أساسا، في
التواصل
والحوار
ومجابهة
الواقع
القائم بوعي
حر يرفض
الاستلاب.
ومن ثم، نجد
أن المقالات
الاربع
المضمنة في
كتابه "ما
الأدب؟"
تسعي الى
تقديم أجوبة
متناسقة
تمتح من
الفلسفة
والتاريخ
والسوسيولوجيا
وتعتمد
منهجا
تحليليا
ينصب على
القضايا
الفكرية
وعلى
الأحداث
المعيشة في
الآن نفسه.
ومن خلال
الأعمال
الأدبية
الكثيرة
التي يستشهد
بها
والوقائع
المختلفة
التي ارتبطت
بعصره أو
بعصور سابقة
من تاريخ
الأدب، ندرك
أن الالتزام
عند سارتر
ليس اختزالا
لفنى الأدب
في وصفة
شعارية. ففي
فصل "ما
الكتابة؟"
يميز سارتر
بين خصوصيات
الأشكال
التعبيرية
الفنية
المختلفة
ويلتقط
تلاوينها
قبل ان ينتهي
الى ان
الكتابة
النثرية
تتوخى الكشف
عما تنطوي
عليه الحياة
من تعقيدات
واشتباكات
انطلاقا من
موقف الكاتب
ومسؤوليته
في ممارسة
حرية
التعبير؟
وهذا الكشف
لا يكون قويا
ومقنعا الا
من خلال فنية
الأسلوب
والشكل.
الكتابة،
عنده، كشف
لما نعيشه في
الحاضر
ونتخذ منه
موقفا، وهو
الأحق بأن
نجعل منه
مادة
لابداعنا
الفني. وعن
سؤال لماذا
نكتب؟ يعطي
الأسبقية
للذات؛ نحن
نكتب لنعبر
عن ذاتنا، عن
فهمها
للحرية
وللعصر الذي
تعانقه. وكل
كتابة هي
بمثابة نداء
نوجهه
للقارئ الذي
يشارك فعليا
في اعطاء
وجود للنص من
خلال حريته
ووعيه
المعبر
عنهما في
عملية
القراءة...
أما لمن
نكتب؟
فلقارئ
ملموس،
مادام الأدب
لا يوجد إلا
من خلال
التعاقد بين
حريتين
مسؤولتين.
لكن واقع
الحال، كما
يلاحظ سارتر
عبر تحليل
مطول، هو أن
الكاتب يعيش
محاصرا
بوعيه
الشقي، لانه
يكتب في
مجتمع تسوده
الفوارق من
كل نوع،
وتنتصب
داخله
العراقيل
أمام ممارسة
الناس
لحرياتهم.
ومن ثم يتحتم
على الكاتب
ان يسعى الى
ازالة موانع
الحرية
ليعرف طريقه
الى قارئه
الحر، والى
أكبر عدد.
ممكن من
القراء. أما
في مقالة "موقف
الكاتب سنة
1947". فان سارتر
يكشف عن
الأفق
السياسي
الذي يتطلع
اليه والذي
يعتبره
الصورة
المثلى
الملائمة
لوجود
وازدهار ما
يسميه "الأدب
الشامل" (La littéreature
totale) فبعد أن
يحلل مسألة
الأجيال
واختلافها
انطلاقا من
فهمها
للتاريخ
وأوالياته،
ويوضح أهمية
النسبية في
التقييم
والتمييز،
يربط مستقبل
الأدب
بالوقائع
الواهنة
وبالشروط
التي تشرط
انتاج
الكتاب
والمبدعين
وتحتم عليها
اتخاذ موقف
من التكتلات
والمنظمات
الضاغطة.
وهكذا،
ينتقد قوى
اليمين
وايديولوجيتها
ثم يعرج على
الستالينية
المضطهدة
لحرية الفكر
والتعبير
والتي تريد
أن تجعل من
الكتاب
والمثقفين
كلاب حراسة
يمجدون
السلطة
القائمة
ويدافعون
عنها. وفي
مقابل ذلك،
يلح سارتر
على
الممارسة
التي تؤلف
بين النقد
والتشييد
لتعطي للأدب
وظيفته
الملتزمة
داخل اطار
اشتراكي.
يقول: "...
بالفعل، فقط
داخل مجموعة
اشتراكية،
يستحق الأدب
- وقد فهم
أخيرا جوهره
وأنجز
تركيبا بين
البرا كسيس
والقول، بين
السلب
والبناء،
بين الفعل
والتملك
والكينونة - (يستحق)
أن يحمل اسم
أدب شامل".(ص 288) ما
نلاحظه ونود
ابرازه، هو
أن سارتر
حريص في هذا
الكتاب -
البيان على
أن يدلل على
ضرورة
الالتزام من
داخل تاريخ
الأدب
الفرنسي
وبمفاهيم
فلسفية لها
كفاية نظرية
تطو بها بملي
الظرفية؟
لكنه، في
الآن نفسه،
مشدود الى
الأسئلة
المجتمعية
والسياسية
التي هي
مطروحة بعد
الحرب
الكبرى وفي
فترة
الانتقال
الى عصر
التكنولوجيا
المتسارعة
والى العيش
في بنيات
أكثر تعقيدا
يتجاذبها
الصراع
المحتد بين
قطبين
مهيمنين:
الاتحاد
السوفييتي
والولايات
المتحدة
الأمريكية.
ولعل هذا هو
ما يفسر
مسألتين
لافتتين
للنظر في
تحليلات
سارتر:
مهادنة
الشيوعيين
الفرنسيين
الذين كانوا
قوة سياسية
راجحة
آنذاك،
والسعي الى
بلورة طريق
ثالثة
تستقطب
مجموعة
القيم التي
كانت بصدد
التكون
والمخاض،
وتبدو أشبه
ما تكون
باليوتوبيا
التي يستعير
لها سارتر،
من عند كانط،
اسم مدينة
الغايات": "ومادامت
القراءة
تكشف للقراء
حويتهم،
فلنغتنم
الفرصة
لنذكرهم بأن
ذلك
المستقبل
الذي
يتموضعون
داخله
ليحكموا على
الحاضر، ما
هو إلا ذلك
الذي يلتحق
فيه الانسان
بنفسه
ويتحقق
داخله أخيرا
بوصفه كلية (Une
totalité) وذلك
من خلال قيام
"مدينة
الغايات"." (ص
349) ونحن نعيد قراءة "ما الأدب؟" بعد مرور أكثر من خمسين سنة على صدوره، يلفت نظرنا نجاح سارتر في أن يجعل من الأدب ذاته موضوعا للتحليل المتصل بمجموع القضايا الاجتماعية والايديولوجية غير المنفصلة عن مشاغل الفكر الفلسفي والسياسي؟ وحجته في ذلك أنه: "... في كل فترة يكون الأدب برمته هو الايديولوجيا، لأنه يشكل ال | |||||