الادب والنقد والالتزام والايديولوجيا

صبري حافظ (ناقد واكاديمي من مصر)


ما زال في النفس شيء من قضية الالتزام واشكالياتها المعقدة منذ بدأت التعامل مع الادب، وشرعت في الدخول الى حقل انتاجه قبل ما يقرب من اربعين عاما، فشكرا للصديق العزيز محمد برادة الذي دعاني الى الاسهام في مشروعه المهم هذا لاعادة التفكير من جديد، وفي هذا المفترق الحساس من تطور الثقافة العربية في هذه القضية. فقد اصبحت مسألة الالتزام خلال العقدين الاخيرين من المسائل المسكوت عنها في الجدول النقدي. والمسكوت عنه عادة لا يقل فاعلية عن المصرح به، لانه يتحول الى شيء متفق عليه اشد انواع الاتفاق، وهو الاتفاق الذي يتم دون اتفاق كما قال يوسف ادريس في واحدة من روائع اقاصيصه. كما اصبحت امرا مضمرا اقرب ما يكون الى البديهيات والمسلمات، وما يتحول الى مسلمات يحتاج كل فترة من الزمن الى التمحيص والتدقيق.

كما ان غياب المفهوم من ساحة الجدل النقدي ادى الى شيء من الخلط وكثير من البلبلة بشأن ماهية الادب عامة وعلاقته بالايديولوجيا، في زمن كتر فيه الحديث عن نهاية الايديولوجيا، وهو حديث يخلط نهاية ايديولوجيا بعينها، او بالاحرى تجليا معينا، من تجليها السوفييتي وتوابعه – بالايديولوجية – بمعناها الفلسفي الشامل. وبغض الطرف في الصراع الذي كان دئرا بين ايديولوجيتين على مدى العقود القليلة الماضية, فيما عرف بالحرب الباردة، لايعني بأي حال من الاحوال نهاية الايديولوجية، لان ما يعرف الان بالنظام العالمي الجديد مرة، او بالعولمة او الكوكبة الاخرى، هو في حقيقة الامر من تجليات احكام ايديولوجية بعينها – هي الايديولوجية الرأسمالية الاستعمارية – قبضتها على العالم، في غياب معارضة قوية لهذه الايديولوجية.

لذلك لابد من العودة الى تمحيص المفاهيم الأساسية الضرورية للتعامل مع تحولات مفهوم الالتزام في الأدب، وأول هذه المفاهيم هو مفهوم الأيديولوجيا ذاته. ولا يوجد مفهوم أثار الكثير من الجدل واشتد حوله الخلاف مثل مفهوم الأيديولوجيا. ويعود المصطلح الى مرحلة اعقاب الثورة الفرنسية حينما اتهم نابليون ما كانوا يسمون بالمنظرين idéologues بصياغة مذاهب أدت الى تدهور البلاد، وألقى على عاتقهم مسؤولية انهيار مبادئ الثورة الواضحة: الحرية والإخاء والمساواة، واكتسب مصطلح ايديولوجيا منذ ذلك الوقت دلالات سلبية سيئة، وهي السلبية التي كرسها ماركس فيما بعد- وخاصة في أعمال المرحلة الأولى من تطوره الفكري، وهجومه الحاد على الأيديولوجيا الألمانية، وما تنطوي عليه من اهتمام بنقد الأفكار وصياغة التجريدات على حساب الاهتمام بتجذرها في الواقع المادي والاجتماعي. وبرغم تبدل وضع الايديولوجيا، واهتمام مجموعة من العلوم الاجتماعية بها، الا ان هذه المسحة السلبية التي صاحبت الصياغة الباكرة للمفهوم في القرن الماضي ظلت لصيقة به الى أمد غير قصير، بصورة أصبح من العسير معها على أي شخص - سياسيا كان أو مثقفا- أن يعترف بأنه ايديولوجي، واصبح وصف أي نص او وجهة نظر بأنها ايديولوجية، نوعا من النقد الذي يقترب من مشارف الوصم، ويصل هذا الوصم ذروته حينما يتعلق الأمر بالأدب، بصورة اصبحت الايديولوجيا فيه سلاحا يستخدم ضد نوع بعينه من الأدب، ويسكت عنه إزاء أنواع أخرى لا تقل أيديولوجية عنه، ولكن في الاتجاه المضاد.

لكن الأيديولوجيا، ولأنها أهم كثيرا من هذا كله وأكثر تعقيدا، تجاوزت تلك البدايات السلبية، واصبحت مرادفا لمجموعة معقدة من التصورات والمفاهيم، فهي مرة مرادف العقيدة الدينية أو غير الدينية، أو أي تفكير له طبيعة شمولية يقينية تطمح الى تقديم تفسير كلي للعالم. وهي الأخرى بنية مراوغة كامنة في طبيعة العلاقة بين صيغ الوعي الحقيقي او الزائف وبين الوجود المادي للانسان. وهذه العلاقة هي ما تعبر عنها الايديولوجيا بخلق نسق من التفكير يموه على التناقضات الاجتماعية ويخفيها، وليس الاخفاء 0ائما عملا سلبيا، ولكنه قد يكون في كثير من الأحيان هو السبيل الوحيد للتفلب الموقوت على هذه التناقضات بتجاهلها. وهي ثالثة الصيغ التي يتحقق عبرها تحويل الذاتي الى موضوعي واسقاطه على الواقع في نوع من الوعي المقلوب. وهذا التحويل ليس مجرد نوع من التوهم وإنما هو نابع من أن الفكر دائمة ما يعبر عن نفسه في الواقع، والعكس بالعكس، حينما يعبر الواقع عن نفسه من خلال مجموعة من التجريدات التي تساعدنا على استيعابه وتصور قوانين حركته. فالوعي المقلوب هو في حقيقة الأمر- وكما برهن ماركس في نقده لفيورباخ - نوع من التعويض عن واقع مقلوب، ومن التخلص المريح من تناقضاته، نوعا من التوهم المفهومي. لأن هذا الوعي المقلوب يعيد خلق الواقع مفهوميا بطريقة تنطوي على حل تجريدي او خيالي لبعض تناقضاته المستعصية على الحل. لكنه في الوقت نفسه وهو يبني تجريداته على ظواهر الواقع يخفي حوكيته الدفينة او بنيته الجوهرية العميقة، ومن هنا فان الامر ينطوي على قلب مزدوج للواقع وللتصور المفهومي عنه في آن. لكن أهم ملاحظات ماركس على مفهوم الايديولوجيا هي أن التغطية على تناقضات الواقع بالأيديولوجيا او الوعي المقلوب هي في حقيقة الامر مساهمة فاعلة في انتاج هذه التناقضات. ومن أجلى صور هذا الوعي المقلوب في حاضرنا هو القول بنهاية الايديولوجيا وموتها، لأن هذا القول في حد ذاته، وهو قول ايديولوجي، يموه على الواقع ويساهم في انتاج تناقضاته وتعميق تأثيرها السلبي على الكثيرين.

لكن الأيديولوجيا ايضا في تعريفها الماركسي الاشمل هي التعبير الكلي، اوالتعبيرالمفهومي المجرد، عن صيغ الوعي الاجتماعي التي تتجسد في كل البنى الفوقية الموازية للبنى التحتية والمعبرة عنها. وهي بهذا مجموع الأفكارا لسياسية المرتبطة بمماع طبقة معينة، وهي في الوقت نفسه مجموع الافكار المناهضة التي تمكن أعداء هذه الطبقة من كشف تناقضات أيديولوجيتها وتقليص قيمة الرأسمال الرمزي الذي تنطوي عليه. أي انها عند جرا مشي مثلا هي الوعي بتناقضات الواقع وصيغ التعبير السائدة عنه في وقت واحد، انها البنية الفوقية الشاملة، والتي تنطوي على كل الصيغ القانونية والسياسية والفلسفية. انها المفهوم الذي يغطي كل صيغ الوعي والممارسة عند جرامشي، أو بمعنى آخر، كما يقول في (مذكرات من السجن) هي "تصور العالم المضمر والذي يسفر عن نفسه في الفن، والقانون، والنشاط الاقتصادي، وكل التجليات الفردية والجمعية للحياة".(1)

وبالتالي فان بنية هذه الصيغ تتناسب من حيث مدى تماسكها او تهلهلها مع طبيعة المصالح، ونوعية التناقضات الثاوية في الواقع الذي تصدر عنه هذه الايديولوجيا كما يؤكد لوكاتش في (التاريخ والوعي الطبقي).(2) وأهم ما أكده لوكاتش بالنسبة للايديولوجيا كذلك في كتابه المهم ذلك هو قدرة الايديولوجيات السائدة والقديمة - والتي تمتلك لهذين السببين السيطرة والقدم قدرة فائقة على الانتشار والتأثير- على تلويث الايديولوجيات المناهضة لها وترك ترسباتها فيها.(3) فالأيديولوجيا ليست مجرد نسق من الافكار، ولكنها تتجاوز هذا النسق الى القدرة على تخليق الاتجاهات الملموسة وبلورة التوجهات التي تؤدي الى الفعل والممارسة، ومن هنا فانها تتفشى في كل الممارسات الاجتماعية من اللغة ومجموعة الأعراف والتقاليد وحتى الفن والأدب. انها كما يقول جرامشي "هي الأرض التي يتحرك عليها الانسان، يكتسب وعيه، ويحدد موقعه، ويمارس نضاله".(4) وهي بذلك الوسيلة التي تمارس بها طبقة هيمنتها على غيرها من الطبقات، أو يمارس بها خطاب هيمنته على غيره من الخطابات، أو تمارس بها دولة هيمنتها على غيرها من الدول.

ومنذ أن رد جرامشي الاعتبار للأيديولوجيا من خلال هذا التعريف الشامل اشتغل كثير من المفكرين وعلماء الاجتماع على المفهوم بطريقة وسعت دلالاته وعمقتها بحيث أصبحت دراستها هي دراسة الطريقة التي تساهم بها المعاني والدلالات ومحتويات النظم الارشادية المختلفة في تعزيز علاقات الهيمنة، ولذلك فهي وثيقة الصلة بحركية القوة - بالمعنى الذي طورتها به دراسات ميشيل فوكو- ومدى تخلل علاقاتها لكل الخطابات والبنى الاجتماعية. بحيث تصبح الأيديولوجيا بهذا المعنى هي القوة اللامرئية التي تربط أعضاء أي مجتمع بعضهم ببعض من خلال ما تقدمه لهم من قيم مشتركة، ورؤى مماثلة، وأعراف جمعية واحدة، ومنذ هذه الجرامشية المهمة ارتبط تحليل الأيديولوجيا بتحليل اللغة والخطاب، باعتبارهما مستودع علاقات القوى وصائفها في وقت واحد. واصبح مفهوم الأيديولوجيا أكثر تعقيدا وشمولا، وهناك اسهامات كثيرة في هذا المجال نذكر منها اسهام كورنيليوس كاستوريادس وبلورته المهمة للمتخيل الاجتماعي  social maginary في هذا المجال، وما ينطوي عليه من قضية التركيب الرمزي للعالم الاجتماعي في تاريخانيته، وهو تركيب يؤدي الى تخليق عالم المعاني والمفاهيم والقيم والدلالات في مختلف مجالات الممارسة. فقد انتقل كاستوريادس بالمتخيل الاجتماعي من مرحلة التصور الانعكاسي البسيط، الى مرحلة الفاعلية في تخليق أي علاقة ممكنة بين الواقع واي تصور عنه. ولذلك فالمتخيل الاجتماعي هو ما تكون عبره أي جماعة، وأي مجتمع، وأي دولة تصورها عن نفسها، ومدى مغايرتها لغيرها من الجماعات او المجتمعات أو الدول. وبسبب هذا المتخيل الاجتماعي لم تعد الايديولوجيا خطابا يستمد مشر وعيته من احالته الى عوالم متسامية، عوالم الآلهة او الارواح او الاساطير، وانما أصبحت مرقوشة في أديم الحياة الاجتماعية ذاتها، وكل الممارسات والخطابات التي تصدر عنها، وتمارس فعاليتها بها. انها تسعي الى التمويه على النروق الاجتماعية والعرضية دون الاستناد الى قوى عليا. وقد أصبحت لذلك لا مرئية تتجلى من خلال تشظي الواقع بقدر ما تتجلى عبر تماسكه.

وبعد كاستوريادس قام عالم الاجتماع الفرنسي الكبير بيبر بورديو بالنقلة التالية في دراسة الايديولوجيا من خلال دراساته الشيقة عن اللغة والسلطة الرمزية، وعمليات تخليق ما دعاه برأس المال الرمزي والعنف الرمزي. فكل ممارسات التبادل اللغوي عنده، من الحديث العادي وحتى انتاج الاعمال الادبية والفنية هي ممارسات تنطوي على علاقات قوة تصاغ من خلال بنية عالم رمزي كامل أقرب ما تكون الى أي تصور مجسد للأيديولوجيا. فا لانسان لا يتحدث من أجل ابلاغ رسالة فحسب، ولكنه يريد كذلك أن يجعل الحديث مقبولا من الآخرين، أو أن يضفي عليه مكانة معينة، أو أن يكرس المكانة التي يحوزها بالفعل، او حتى أن يصبح محبوبا من شخص بعينه، فالتبادل اللغوي يدور في حقل ملغوم بالعلاقات الاجتماعية وعلاقات القوى. ولهذا فأي تبادل يتم فوق ما دعاه جرا مشي بالأرضية التي يمارس عليها الانسان حياته، ويكتسب وعيه ويحدد موقعه وموقفه. ذلك لان صياغة بورديو لكل هذه المفاهيم (6) تنطلق جميعا من صياغته لانتاج ما يدعوه باللغة ذات الشرعية او المصداقية الاجتماعية، أو بمعنى آخر اللغة المهيمنة التي تمارس هيمنتها الرمزية من خلال ما تنطوي عليه من عنف رمزي ضد كل من لا يخضع لتلك الهيمنة ويسلم بها. ويقدم بورديو في كتابه الشيق (اللغة والسلطة الرمزية) عددا من الأمثلة على هذه الهيمنة، وعلى الذين يعترفون بمشروعية خطاب ما دون القدرة على سارسته بكفاءة، فيفرضون قواعد هذا الخطاب على أنفسهم، ويمارسون من خلال هذا الفرض عنفه الرمزي ضدهم. مثل الخطيب الذي يشعر بالاحباط والمهانة بسبب خطئه في قواعد النحو التي لا يجيدها، ولكنه يعترف بسطوتها عليه، وهو ما يدعوه بورديو بالاعتراف دون معرفة reconnaissance sans connaissance مثل الذين يخضعون لسطوة الشيخ برغم جهلهم لتعاليم الدين، وعدم قدرتهم على تمييز ما اذا كان هذا الشيخ منافقا يخدعهم او يخلص لهم النصيحة والتوجيه. وقد استطاع بورديو ان يوضح حركية عمليات انتاج مشروعية الخطاب من خلال اعادة انتاج كل الامكانيات المتيمة لهذه المشروعية.

وما تشهده الساحة العربية في السنوات الأخيرة من اعادة انتاج كل الامكانيات المتيمة لسيطرة خطاب الاسلام السياسي- من المساجد، الى اشرطة الدعوة، الى مؤسسات النشر، الى التأكيد على نوع معين من التعليم... الخ - مثلا يؤكد مصداقية هذا التحليل.

وحتى لا نستطرد في تناول نظريات الايديولوجيا المختلفة (7) والتي يمكن أن تمتد الى دراسة موسعة في هذا الموضوع وحده، لابد من العودة الى موضوعنا، وهو الالتزام في الأدب الذي ينطلق من تصور ضمني او مضمر للايديولوجيا. فلا يمكن بعد كل ما قدمته عن الايديولوجيا اذن القول بنهاية الايديولوجيا، إلا اذا كان من الممكن تصور نهاية الانسان معها، وكل ممارساته الاجتماعية في اللغة والخطاب، لذلك فان أي تصور للأدب، مهما بالغ في الابتعاد عن الايديولوجيا، أو أعلن انكاره لها ومناهضته لمفاهيمها، ينطوي سواء أراد أم لم يرد، على بعد ايديولوجي واضر. فالأدب خطاب يتخلق فوق هذه الارضية وينطوي عليها، ويمارس فعالياته فيها، انه خطاب مشبع بالايديولوجيا، تجيء اليه القيم والعلاقات بعد ان تكون قد تشبعت بعلاقات القوى الاجتماعية والاخلاقية والسياسية... الخ. ومن وظيفة النقد الكشف عن هذه الابعاد المضمرة، والتعرف على ايديولوجيا النصوص التي يتناولها. وهي وظيفة لا ترتبط بكشف ايديولوجيا النصوص وحدها، وانما بالتعرف على التحولات التي انتابت مفاهيمها الاساسية على امتداد تاريخ الأدب الحديث. فقد بدأ أدبنا الحديث واعيا برسا لته الاجتماعية والقومية منذ بواكيره الاولي. ووعي الأدب برسا لته جزء لا يتجزأ من وعيه بايديولوجيته، حتى وان لم يدعها بذلك، فلم تكن الدعوة للالتزام من الامور المطروحة مثلا على شباب الأدبا، في مطلع القرن، وانما الدعوة الى خلق أدب قومي يعبر عن مطامر الأمة، ويروا سعيها الى تحقيق هويتها، وبلورة مطامحها، ونيل استقلالها من المستعمر الأجنبي.(8) فقد كانت الدعوة الى أدب وفن قوميين هي الجناح الأدبي والتعبير الثقافي عن الدعوة الى الاستقلال الوطني، والى تأسيس كيان سياسي

مصري مستقل عن المستعمر الانجليزي، يناضل من أجل تحقيق الجلاء والاستقلال، فالأدب يتحرك دائما فوق هذه الارضية التي قال جرا مشي بأن كل شيء يتخلق فيها ويتحرك فوقها.

ثم اضاف سلامة موسى (1887-1958) في كتاباته النقدية (9) بعدا آخر الى هذا البعد القومي، وهو البعد الاجتماعي. عندما طلب من الأديب وعيا خاصا بظروف مجتمعه وبمتغيرات هذا المجتمع، وأقام علاقة وثيقة بين الظروف الاجتماعية التي يصدر عنها الأديب ويتوجه اليها بأدبه، وبين طبيعة هذا الأدب ونوعيته، فالأدب عنده تاريخي، أي وثيق العلاقة بالظروف التاريخية التي ينشأ فيها، وبالمرحلة الزمنية التي يعبر عنها. وهذه التاريخية هي التي تلقي على عاتق الاديب مسؤولية التعبير عن الجماهير الصامتة، أي عن الشعب في تعبير سلامة موسى. فالأدب عنده للشعب، وليس للخاصة من المترفين، كما كان الحال في أدب الخلفاء، وندماه مجالس سمر المرفهين في ليالي الأنس والطرب. وبذلك يقوم الأدب في هذه الحالة بدور مهم يتناسب عادة مع مكانة الشعب وواقعه، وله في هذا المجال تعبير جميل هو أن الأدب حتى ولو كان شعبيا، فان واقعه لا يختلف كثيرا عن واقع من يكتب لهم، فلما كان الأدب يكتب للخاصة والخلفاء، حظي الأدبا، بالمركز والجاه، وعندما صار الأدب "شعبيا خالصا في كتاب ألف ليلة وليلة مثلا، كانت الشعوب لا تزال في التراب، فلم يرتفع هذا الأدب عن التراب"(10) هذه العلاقة الجدلية بين حال الأدب وحال من يكتب لهم، هي من العلاقات المضمرة في مفهوم الالتزام الذي سيتطور بعد ذلك بعقدين من الزمان. لكن هذه العلاقة الجدلية عند سلامة موسى كانت تتسم بالبساطة التي تقترب من حدود الميكانيكية، فبرغم وضاءة سلاحظته الجميلة تلك والتي تفسر لنا سرتاي المكانة الأدبية لواحدة من أهم روائع الأدب العربي، وأكثرها تأثيرا في الآداب الانسانية حتى اليوم، الا وهي (ألف ليلة وليلة) فان العلاقة الاجتماعية التي يسوغها سلامة موسى لكون الأدب الشعبي في التراب لأن الشعب ذاته كان في التراب هي علاقة ميكانيكية الى حد كبير، لا تفسر لنا سر تأثير هذا الأدب الذي نبع من التراب، وحيويته التي تجاوزت كل ما تنطوي عليه آداب السادة والحكام من فاعلية وتأثير برغم تمتعها بالتمرغ في ذهب الحاكم وعز الجاه، ولا تفسر لنا استمرار هذه الفاعلية بعد زمنها بوقت طويل.

وهناك ملاحظة لامعة أخرى في كتاب سلامة موسى الرائد ذاك،(11) وهي العلاقة بين الأسلوب وبين التجربة الأدبية التي يتخلق عبرها، فالاساليب البلاغية القديمة هي بنت الأدب الذي كان يعد تعبيرا بلاغيا عن تاريخ قديم يستهدف الاهتمام به الغاء الاهتمام بالحاضر، والانشغال عن مشافله، واستخدام أساليب هذه التجربة في التعبير عن الواقع المعاصر هو نوع من التعمية على هذا الواقع والتمويه عليه. فالأسلوب جزء أساسي من مكونات التجربة، وليس مجرد وعاء ينصب فيه محتواها.ولا يعني هذا أن الأدب القديم لم يتمتع بالبصيرة التي اخترقت في أحيان كثيرة حجب المستقبل، فهو يعترف بأن أبا العلاء المعري وابن رشد وابن حزم وغيرهم مازالوا اكثر تقدما من حيث الوعي بجوهر الواقع والانسان من كثير من الأدبا، المعاصرين، ومن هنا فالمعرفة بهذا التراث تعني المعرفة بالحاضر والوعي به والفاعلية فيه، ولذلك دعا الى الاهتمام بالتراث ولكن بمنهي جديد، بعيدا عن النظرة القديمة للأدب، والموقف المتحجر منه، وينطلق بعد هذا كله الى التعامل مع الاتجاه الايديولوجي للكاتب والذي تساهم في صياغته ظروف البيئة الموضوعية التي عاشها منذ طفولته الباكرة.(12) وهو في هذا المجال متأثر الى حد كبير بأفكار الناقد الفرنسي سانت بيف وزميله هيبوليت تين، فالعلاقة بين الكاتب والمجتمع عنده تنهض على أفكارهما، وتتسم بما اتسمت به هذه الأفكار من نزعة أقرب الى الطبيعة منها الى الواقعية ذات البعد الجدلي الخلاق، لأن الواقعية الحقة تمني الوعي الفردي دورا دون انكار فاعلية السياق الاجتماعي والأطر المرجعية التي يصدر عنها، وتأثيرهما عليه.

وكانت كتابات سلامة موسى الباكرة تلك تتويجا لجهود طويلة من الفكر العقلاي الذي بدأ مع رفاعة الطهطاوي (1801- 1873) ومحمد عياد الطنطاوي (1810- 1861) واحمد فارس الشدياق (1804- 1887) وشبلي شميل (1850-1917) وعبدالرحمن الكواكبي ( 1874- 1922) وفرح انطون (1884-1958) وغيرهم. كانت تتويجا لمسيرة طويلة من التفكير العقلي ساهم فيها معه طه حسين العظيم (1889-1973) وواصلها بعده محمد مندور (1907-1965) وربما كان محمد مندور من أكثر كتاب جيله وعيا بأيديولوجيا الأدب وبعد عرف بعد ذلك، وبفضل اسهاماته المتميزة بالالتزام، وقد كانت أولى معرفتي بهذه القضية على يديه، وبعد فترة غير قصيرة على مرحلة الارهاصات الجنينية لهذا المفهوم. فقد اعقبت عودته من باريس، والتي تكون فيها عقليا ومعرفيا كما يقول لنا في اكثر من نص من نصوصه الذاتية، طرح قضية مهمة في الواقع الادبي في مصر في الاربعينات هي الفن للفن أم الفن للحياة. وأحسب ان هذا الطرح يمكن اعتباره بأثر رجعي أول تجليات الانشغال ببشائر المفهوم أو مقدماته، لأن الذين قالوا بأن الفن لابد أن يكون للحياة كانوا بلاشك الرواد الأوائل لمفهوم الالتزام، وان جاء الالتزام عندهم غائما ملتبسا التباس مصطلح الحياة ذاته.

وهنا انتقل من جانب الدراسة في هذا الصدد، الى جانب الشهادة، لان هذا الملف يجمع بين الاثنين. كنت ما أزال طالبا جامعيا عندما تعرفت على هذا المفهوم لأول مرة، في أحد اللقاءين النادرين اللذين التقيت فيهما محمد مندور. وكانت المعركة التي تستقطب اهتمام القراء في هذا الوقت، مطالع الستينات، وبعد ان اصبح محمد مندور واحدا من نجوم الحياة الثقافية الكبار، هي المعركة الحامية التي دارت بين محمد مندور من ناحية ورشاد رشدي وتلامذته من ناحية أخرى. وكانت معركة حول تفسير مناهج التعامل مع الأدب، ودور ت.س. اليوت خاصة في هذا المجال، وهي المعركة التي انتصرت فيها آراء محمد مندور على آراء معارضيه وكنستها من فوق أرض الواقع بقوة وتمكن.

وقد لعبت مجلة (الآداب) في ذلك دورا كبيرا في اشاعة مفهوم الالتزام السارتري في الواقع الأدبي.

وكانت هذه المعركة قد سبقتها معارك عديدة بين محمود العالم وعدد من أقطاب المدرسة التقليدية، ومع انني لم أشهد صولات العالم وجولاته في المنتديات الأدبية، لأنني ما أن وفدت الى القاهرة للتحصيل الجامعي حتى كان هذا الناقد الكبير قد غاب وراء الأسرار، إلا أنني قرأت كثيرا من وقائعها، وسمعت عنها معن شاهدوها وعاشوا بعض فصولها، كانت كل هذه المعارك قد وفرت السياق الذي ظهر فيه جيلنا من الكتاب، وجعلت الكثير من التصورات الاساسية لمفهوم الالتزام بصعناه السارتري الذي يجعل لحرية الفرد ومسؤوليته عن اختياراته دورا لا يقل عن دور الظروف الموضوعية التي تؤثر على فهمه للواقع وفاعليته فيه، من التصورات المضمرة في كل تناول للأدب وقتها.

لكن هذا الجيل، ولأسباب عديدة، أكثرها موضوعي، وأقلها شخصي، كان أميل الى اسقاط البعد الأيديولوجي الى قاع المعالجة دون اهمال دوره تماما، كانت هناك الرغبة في التمرد على الآباء، ولكنها كانت مصحوبة بالتوق الى البناء فوق انجازاتهم وتطوير هذه الانجازات، وكان لكل من غالب هلسة ومحيي الدين محمد- الذي توقف وهو في وهر البدايات المؤتلقة - دور كبير في هذا الاتجاه الذي أصبحت له الغلبة في الكتابة الابداعية والنقدية على السواء. فقد بدأ بالدخول بمفهوم الالتزام ذاته الى محراب البنية الفنية، والتعامل مع خصوصية الفن دون تجاهل دور كل الاطر المرجعية التي يصدر عنها. وربما كان للضربة القاصمة التي لحقت بالحلم العربي الذي نشأ عليه هذا الجيل بجائحة 1967 دور في انضاج هذا السعي والوصول بها الى مرقي جديد. وقد صاحبت هذه الخطوة الجديدة التي تهتم بخصوصية العمل الابداعي وتبحث في دلالات بنيته وتناظر هذه البنى مع البنى التحتية الاعمق في المجتمع تعرف هذا الجيل على انجازات النظرية النقدية الجديدة. والواقع أن انجازات هذه النظرية والتي بدأت منذ الشكليين الروس واستمرت مع البنيويين الفرنسيين وما بعدهم هي التي ساهمت في بلورة النقلة النقدية في مفهوم الالتزام، وعلاقة الأدب بالايديولوجيا، وجماليات الشكل ومحتوى هذه الجماليات الفلسفي والاجتماعي على السواء. فلم يعد مفهوم الالتزام عندي- وعند عدد كبير من اقراني- هو هذا الالتزام المباشر بقضايا المقهورين وان ظل لهذه القضايا موقع اساسي في تفكيري، وانما هو مدى جودة التعبير الفني وقدرته على خلق بنية مناظرة لبنية الواقع، وليس سشابهته الخارجية لملامح هذا الواقع العرضية، فقد قال ارسطو العظيم منذ أكثر من عشرين قرنا بان المستحيل الممكن خير من الواقعي غير المحتمل.