|
|||||
|
في
حوار ومع
جاكلين
بياتي، بعد
صدور رواية "الكلمات"
قال جون بول
سارتر: (لقد
قمت بتعلم
بطيء
للواقع،
رأيت أطفالا
يموتون من
الجوع، أمام
طفل يموت ما
قيمة رواية "الغثيان"
وواصل: "ماذا
يعني الادب
في عالم
جوعان؟ على
الكاتب ان
يصطف بجانب
اكبر عدد،
بجانب
ملياري جائع
اذا اراد ان
يخاطب
الجميع،
ويقرأ من طرف
الجميع .."
يمكن ان
نلاحظ كيف،
وبقدرة هذا
الاختيار
البطيء
والمتجدد
لواقع لم يعد
في عيني
سارتر
اوروبيا
صرفا، بل
توسع ليشمل
جرائم
وفظاعات
الاستعمار
الغربي
وصناعته
للجوع
والتخلف
والقهر
السياسي في
دول العالم
الثالث، ان
البروليتاري
الفرنسي
الاوروبي،
القاريء
المفترض في
فصل "لمن
نكتب؟" من
بيان
الالتزام "ما
الادب؟"
سيخلي
مكانته
لميارين من
الجائعين: "مادام
الكاتب لا
يستطيع
الكتابة
للمليارين
الذين
يعانون من
الجوع، فان
القلق سيثقل
ذاته".(1) كيف
يمكن ان نفهم
هذا التوسع
او التحويل
لدائرة
القراء؟
ينبغي في
اعتقادي
التسلح بما
نبه اليه
ادورنو،
ضرورة
استحضار
تاريخ
الافكار لكل
بلد على حدة
لفهم
الكيفية
التي طرحت
وتطرح بها
مسألة
الالتزام.
ففي فرنسا
كان مبدأ
الفن للفن
يسود في علم
الجمال في
ارتباط مع
التيارات
الاكاديمية،
او الرجعية،
مما يفسر
النبرة
الثورية ضد
هذا المبدأ
في كل احالة
على الوجود
والالتزام.
بينما عرفت
المانيا
تقليدا
راسخا اعتبر
غياب هدف
للفن امرا
مشبوها.. (2) هكذا
يمكننا ان
نلاحظ كيف ان
سارتر الذي
واجه في
اواخر
الاربعينات،
بالاضافة
الى اشكالات
ما بعد الحرب
من شك ويأس
حتى من جدوى
الادب، غصة
ومرارة عدم
تمكنه في زمن
الاحتلال من
كتابة نص
كرواية "صمت
البحر"
لفيركور، ذي
العظمة
البسيطة،
ومد
الارتباط
الحي
والشجاع
باللحظة في
كثافتها
ومخاطرها،
راوية "حية،
لاذعة،
ناجعة، بعد
سنة ونصف من
الهزيمة.."(3)
والذي
سيعتبر
انذاك
الكلمة
وبحكم ان
البعض شكك في
كرامته
الوطنية
ابان
الاحتلال،
كطلقات
الرصاص، ليس
سارتر الذي
اعتنق بعد
ذلك
الماوية،
وكتب مقدمة "المعذبون
في الارض"،
وفتح مجلة "الازمنة
الحديثة"
لقضايا
العالم
الثالث،
وصار يرى
بالتالي في
جياع العالم
قراء
محتملين
للادب
الملتزم. لا
مناص اذن،
وتأسيسا على
هذه
الواقعة، من
استحضار
السياق
الفكري الذي
طرحت فيه
مسألة
الالتزام في
الادب
العربي
وحددت اشكال
وعي الكتاب
بممارستهم
الابداعية
كما تجلت في
كتاباتهم
النظرية. وان
كان الغرض م
هذه الدراسة
ليس الاحاطة
بهذا السياق
في كليته.
لذا سنكتفي
بذكر
العناصر
التي سنتلمس
اثرها
وصداها في
كتابي "حياتي
في الشعر"
لصلاح
عبدالصبور،
و"تجربتي في
الشعر"
لعبدالوهاب
البياتي، و "كتابات
نترية
وحوارات
لأمل دنقل. لاحظ
عبدالكبير
الخطيبي ان
تأثير فلسفة
سارتر كان
مؤقتا في
الفكر
العربي "فلسفة
سارتر أتت في
مرحلة كان
العالم
العربي
يحتاج فيها
الى نوع من
الفلسفة
التحررية،
خاصة وأن هذا
العالم يعيش
في مرحلة
اقطاعية
متخلفة، هنا
كان بعض
الايجاب،
لكنه سطحي..."(4)
وتكمن هذه
السطحية - في
نظره - في عجز
هذه الفلسفة
عن التأثير
في مجرى
التاريغ
العربي، ثم
ان المفكرين
العرب لم
يعرفوا الا
سارتر
الخمسينات،
في الواقع
ورغم ترجمة
أعمال سارتر
الفلسفية (الوجود
والعدم،
المخيلة...)
ورغم أن
عبدالرحمن
بدوي روج
المذهب
الوجودي في
الميدان
الفلسفي،
فان الجانب
الأدبي
والنقدي في
انتاج سارتر
هو الذي أثار
اهتمام
الكتاب
وخصوصا
سيرته
الصاخبة في
الارتباط
بالشأن
العام،
وتوليد
مواقفه
الفكرية في
لجة الحياة
اليومية،
كانت مرحلة
الخروج من
استعمار مذل
الى قبضة
عسكرية او
حزبية
حديدية، وفي
ظل
ددليبرالية
عاطلة مائعة
أدفي حاجة
الى تمجيد
الحرية
والاختيار،
والى فكر ذي
طابع
انفجاري،
يتطور عبر
قطائع،
ويحدث جلجلة
دراسية،
وكان المثقف
المثقل
بإكراهات
ونماذج
الماضي
وتخلف واقع
اجتماعي
مزمن في حاجة
الى فلسفة
سلوكية،
تبرر موقفه
الاعتباري
الهش إزاء
قضايا عصره،
وإزاء مشاعر
القرف
والحزن
والعجز التي
تملأ نفسه.
هشامثة جعلت
المثقف
العربي يعيش
الحرية "كمحنة
لا كنعمة" (5)،
كما يؤكد
عبدالله
القروي. لذا
لم توظف
الوجودية
أبدا في
الوطن
العربي
كعقيدة
جماهيرية
كفيلة
بتغيير
التاريغ كما
تصور
الخطيبي،
فقد ملأت
الاشتراكية
الحيز
الشاغر
لذلك، بل
كفكر يساعد
المثقف في
إعادة صياغة
علاقته
بذاته
وبالواقع
الجديد الذي
يحس
بمسؤوليته
تجاهه. بهذا
المعنى نفهم
مقولة
عبدالله
القروي: "لا
يمكن اعتبار
الوجودية
والرمزية
والغنائية
الهائجة
مدارس
مستقلة
تنافس كل
واحدة منها
الواقعية.
انها مجرد
ألوان
لاتجاه واحد
يميز انتاج
المجتمع
الليبرالي،
وهو تحرير
الذات من كل
قيد، مهما
يكن. وكما ان
الدولة
الليبرالية
تنحل في
الدولة
القومية،
كذلك تنحل كل
الامثكال
المذكورة،
رغم تنوعها
الظاهر، في
الواقعية
التي تمثل
الاتجاه
الغالب على
المرحلة
القومية.."(6)
وانه لأمر
ذود لالة ان
يصدر كتاب "في
الثقافة
المصرية "لكاتبين
من "أنصار
الواقعية"
سنة 1955،
وبالتأثير
والضجة التي
ولدها، قبل
ترجمة غنيمي
هلال وجورج
طرابيشي
لكتاب "ما
الأدب؟"
بعدة سنوات (سنة
1961 بالنسبة
للأول 1967
بالنسبة
للثاني). كان
الحمامي
للواقعية
بكل أشكالها
شديدا. وقد
أخضعت كثير
من أفكار
سارتر
لتوحيد قصري
مع مبادئ
الواقعية
خصوصا في
شكلها
الاشتراكي.
فكان البعض
لا يميز
تماما بين
مفهوم
الالتزام
السارتري
ومفهوم الفن
الهادف في
الواقعية
الاشتراكية
كما سنرى عند
عبدالصبور.
وذهب البعض
الآخر الى ان
كل كاتب وفي
كل العصور
ملتزم بشكل
من الاشكال
بمعنى انه
ليس هناك وضع
اشكالي
للكتابة
والكاتب في
الواقع
المعاصر: "كل
شاعر عندنا
ملتزم على
طريقته
الخاصة،
فالشعراء
الرجعيون
ملتزمون
وشعراء
الشعب
ملتزمون".(7) هل
أنجز الكاتب
العربي اذن
قراءة آثمة
لفكر سارتر
حول
الالتزام؟
أليست
القراءة
الآثمة وفي
اطار
المثاقفة،
هي القراءة
الوحيدة
الممكنة
تاريخيا،
القراءة
المخترقة
بأفكار
وحاجات
المرحلة
وذوات
الكتاب
انفسهم؟
وكيف يمكن أن
نتلمس مسرلة
الالتزام
بين العديد
من القضايا
الفرعية،
كمسائل
الصدق
الواقعي
والفني
والمباشرة
او
التقريرية
والفنية،
التي شغلت
الكتاب،
وجعلتهم
يطرحون
عبرها مسألة
موقف الكاتب
ازاء قضايا
عصره وازاء
قضايا
الكتابة؟
أسئلة
سنحاول
الاجابة
عنها من خلال
مساءلة تصور
الشعراء
الثلاثة
لقضية
الالتزام في
الشعر: 1-
حين تراءى
الله لصلاح
عبدالصبور: "كنت
في صباي
الأول
متدينا أعمق
التدين، حتى
انني اذكر
ذات مرة أي
أخذت اصلي
ليلة كاملة،
طمعا في ان
أصل الى
المرتبة
التي تحدث
عنها بعض
الصالحين..
وما أزال في
قيام وقعود
وركوع
وسجود، وأنا
أرى الى نفسي
تصفو ركعة
بعد ركعة،
وروحي تشف
تسليما بعد
تسليم،
والليل يوغل
في سيرته،
وركبتاي
نتوءان
وتضعفان، ثم
اقوم من أحدى
سجداتي،
فاذا بي أرى
امامي هالة
من نور،
فيكاد ان
يغمى علي
هلعا وفزعا..".(8) تراءى
الله لصلاح
عبدالصبور
وهو في سن
الرابعة
عشرة، ولو لم
يوقف أهله
هذه التجربة
الروحية
العميقة
لفاض وضاع في
النور
المطلق الذي
تجلى له.
ادركه بعض
أهله حتى لا
يصيبه
الجنون (ص 130) هل
أخطأ
عبدالصبور
النبوة؟ وهل
افسد
الآخرون
التجربة
بتدخلهم،
ألم يقل
سارتر بأن
الآخر هو
الجحيم؟ أم
أن الله لا
يتجلى الا
مرة واحدة
فريدة
ومعجزة
وملغزة؟
سيحاول
تكرار
التجربة لكن
الله سيخذله
ويعرض عنه
كلية،
لتقوده
مشاعر
الاحباط
لانكار
معبوده
والبحث عن
معبود آخر.
سيجده ممثلا
في الماسي
الاجتماعية
للوجود
البشري،
وبعد ان كشفت
فظائع
الستالينية:
"فتشت عن
معبود آخر
غير
المجتمع،
فاهتديت الى
الانسان "بما
هو غاية
الكون،
واكتملت
الدورة "ومن
حيث انطلق
وصدر يعود" (ص
120) بعودته الى
الله
باعتباره
تجسيدا
للكمال. هذا
المزيج من
الحيرة
الابراهيمية
في البحث عن
معبود، ومن
العود
الأبدي
النيتشوي،
ومن العصاب
الصوفي الذي
ينكر الذات
ويدعوها
للكمال عبر
التماثل مع
المطلق، هو
الذي سيبصم
حياة ومواقف
عبدالصبور
اللاحقة.
فالنبوة
التي اخطأها
بالمجاهدة
ونفي الذات
والخشوع
المطلق
سيدركها
بالمشر
باعتباره
لفة كلية،
رؤيوية،
خلاقة تبدع
الكون من
جديد حتى أن "أشياء
كانت تبدو
ميتة لتشرئب
لتثبت
وجودها
وحياتها، ان
كنزا ما
ليفتر، وان
أرضا
لتكتشف، وان
وديانا
وجبالا
لتنجلي أمام
النظر، وان
حياة لتولد" (ص
23) لذا يستحق
الشعر
ايمانا
عظيما
بقدرته على
تشكيل الكون
وتنقيته في
نغمر الوقت،
فليعاد اذن
صياغة
التراتبية
بين الشاعر
والنبي
والفيلسوف.
هؤلاء الذين
تتملكهم
وتوحدهم "شهوة
اصلاح
العالم" (ص 103)
فأقصى ما
يطمح له
النبي
والفيلسوف
هو ان يحوزا
قبسا من نار
الشعر التي
يضطرم فيها
الشاعر "ففي
آثار كل نبي
عظيم او فيلس
في كبير قس
من الشعر" (ص 104).
انها نار
الوجدان
والانفعال،
لغة القلوب
التي يكون
أثرها على
الناس "أكثر
عمقا" (ص 104) من
كل نظرية
ومنهى
عقلاني. هل
يمكن بعد هذا
ان نطالب
الشاعر
بالالتزام
دون أن نسقط
في التبسيط
والابتذال؟
و "دعوى
الالتزام او
الهدف.. دعوى
قديمة عمرها
عمر الانسان"
(ص 86) ولم يقدم
لا ماركس ولا
سارتر (لا
فرق بين
نظريتيهما
لمسألة
الالتزام في
نظره) إلا
فصلا من فصول
مسلسل طويل
من محاولة
السيطرة على
الفن
وتوجيهه في
الصراع مع
الأبنية
الاجتماعية
والدينية. لم
يفرق
عبدالصبور
أبدا بين
التجربة
الشعرية
والتجربة
الدينية
خصوصا في
بعدها
الصوفي "ان
كتابة قصيدة
هي نوع من
الاجهاد، قد
يثاب عليه
الشاعر
بقصيدة أو لا
يثاب.. وهذا
الفتر ليمي
الا تنزلا من
الله" (ص 16)
وغاية كلتا
التجربتين
هي الظفر
بالنفس عبر
الانفصال
عنها
وتأملها وفي
ذلك تأمل
للعالم: "فالذات
بؤرة لصور
الكون
واشيائه" (ص 21)
وفي الظفر
بها خطوة نحو
الكمال،
والكمال
خطوة نحو
الله، لذا
يكون من
الطبيعي جدا
ان يسك
المشاعر نفس
مسلك الصوفي
ليرفع بينه
وبين
القصيدة
الحجاب. عليه: -
أن "ينزع عن
نفسه كل
شارات
الحياة
متجردا
كتجرد الحاج
الى قدس
الاقداس" (17). -
أن يخصب
وجوده
بالوحدة، لا
يولد الفن
العظيم "إلا
في ظلال
التوحد" (ص 9). -
أن ينتظر
التكليف
الشعري،
فكما ان
للانبياء من
تكليف
يبلغون فيها
درجة من
الحكمة
والصبر
والصلابة
تؤهلهم
للصدع بكلمة
الله،
فالشاعر
أيضا وحين
يبلغ من
الخامسة
والعشرين
يكون مدعوا
للتحول عن
النظر
الداخلي الى
النظرا
لخارجي. والى
"اتخاذ موقف
من الكون
والحياة" (ص 46)
ولا ينبغي ان
يفهم من هذا
ان الشاعر
مسؤول ازاء
قضايا عصره.
انه فقط
مسؤول ازاء
ضميره
ووجوده
الخاص، بشكل
مفرغ من كل
ارادة او
قصدية "فان
المسؤولية
كالضغينة
المختفية في
النفس،
وبخاصة عند
الفنانين،
فما تزال حتى
تجد لها
ميبلا الى
الظهور
والاستعلان"
(ص 109) ولكن كيف
يكون الكاتب
مسؤولا في
حياة كلها
عبودية
واسر، لا
يملك
الانسان
منها أي
مهرب، وحتى
الحرية التي
قد يدعو لها
البعض "حرية
دنيئة لا
تليق بعميد
الكون" (ص 95)
وهي في كل
الاحوال تحت
سترى
الضرورة. يبدو
ان صلاح
عبدالصبور،
الذي آثر من
الشعر
العربي أبا
العلاء
المعري
واعتبره
ثلاثة ارباع
الشعر
العربي،
لانه "علا
على نفسه
ليتحدث عن
الحالة
البشرية" (ص 156)
يغفر أبدا
للذين خطأوه
وهو صبي حين
تجلى له
الله،
وافسدوا تلك
اللحظة
النورانية،
الخاطفة
والفريدة
للنهل من
منبع
الحقيقة
المطلقة.
ربما آنذاك
عرف فضيلة
العزلة عن
الناس كشرط
ضروري لتصيد
القصيدة في
منبعها (ص 15)
ولم يكف عن
تمجيدها لا
في كتاب "حياتي
في الشعر" بل
في كل
كتاباته فقد
اعتبرها في
كتابه: "قصة
الضمير
المصري
الحديث"
ثاني
المراحل في
حياة النخبة
بعد استبانة
عيوب ونواقص
الواقع: "وثانيتها
الاعتزال
للتأمل في
هذه العيوب
والنواقص". (9)
وحين يعود
الشاعر
ليفعل في
الواقع
بقصياته،
ينبغي ان
يدرك بأن
شهوة
تفييرالعالم
تسكنه، لا
تعدو في كثير
من الاحيان
ان تكون غير
كتابة في
الرمل.
فكثيرا ما
يخيل للشاعر
ان مقرور
العالم عقاب
رباي للبشر "اذا
منحهم كل شي
ء، فلم
يحسنوا
استغلاله" (ص
96). 2-
عبدالوهاب
البياتي:
الشعر
والثورة
الابدية: "كيف
يمكن ان يكون
الشاعر
ملتزما
وعظيما في
نفس الوقت؟" (ص
389) (10) تبدو سيرة
عبدالوهاب
البياتي كما
رسمها في
كتابه "تجربتي
الشعرية"
هكذا فريسة
للجة من
النقائض
المتتالية
قيد له أن
يعيش فتنة
وقساوة
التردد
بينها منذ أن
رأى النورني
قرية فقيرة
وصامتة منذ
آلاف المنين
وسكن
بالموت، كما
لم يسكن شاعر
معاصر،
وعاشر كل
طفولته في
كنفه وهو
محاط بمقبرة
ومسلغ تتكرر
فيهما مشاهد
الدفن
والذبه
الحزينة
والمروعة.
آنذاك
سيختارا
لطفل الذي
ولد بداخله
الشاعر،
عدوه الابدي:
الموت، وكل
ما سيقوم به
طيلة سنوات
من "النبذ
والغربة
والوحشة
والصمت" (ص 456)
هي في العمق:
"نقيض للموت
وبديل له،
وانتصار
عليه" (ص 455)
ومنذ أيام
القرية
سيتسلح
الطفل بصمت
أخرس ويقوى
بدائية
همجية ويقوى
الوجود غير
المنظور،
وستصير ذاته
محفلا
لتعايش "المسافر
والشاعر
والشحاذ
الباحث عن
الله
والمستقبل
والمطر
والحب..." (ص 473)
في عالم
استوطنه
اللصوص
والاغنياء
وحصنوا
امتيازاتهم
بمطاردة
الشعراء
والثوار "كما
تطارد كلاب
الصيد عاشقا
ومتسولا
لنور
الكائنات
الأبدي.." (ص 473).
خرج الشاعر
من قريته نحو
مدينة لن
يصلها أبدا.
وحتى اذا وصل
فانه يظل
أمام
الأبواب
والأسرار
يبني على
هواه
نيسابوره
الجديدة،
مدينة
المستقبل،
ويتجرع
مرارة النفي
كشكل آخر
للحوت
بأبعاده
الثلاثة:
الوجودي
والطبقي
والابعاد من
الأرض. لكنه
وهو مسلح بكل
الحروب
الرائعة
التي ورثتها
ذاته من رغبة
البشرية
الموغلة. في
القدم في
اسكات القلق
المدمر أمام
ظلمات
العدم، من
جلجامش الى
جيفارا..
ومسلح على
النصوص
بوصية شبيهة
تماما
بالوصية
التي قدمها
جيس جريس
لنفسا في
سيرته "صورة
الفنان في
شبابه": "لن
اكرس نفسي
بعد الآن
لخدمة ما لا
يمكن ان
اتخذه محورا
لايماني،
أكان ذلك ما
يسمى
بالعائلة او
الوطن او
الكنيسة، بل
سأسعي لكي
أعبر عن نفسي
بأسلوب
استعيره من
الحياة
والفن بأقصى
ما استطيع من
حرية وكمال،
ستخدما في
الدفاع عن
نفسي تلك
الأسلحة
التي اسمح
لنفسي ان
تستخدمها من
النهائي الى
اللانهائي،
من المحنة
الاجتماعية
الى المحنة
الكونية. مما
هو كائن الى
ما سيكون،
وفق
ديالكتيك
وجودي "يتميز
باستبقاء
المتناقضات"
(ص 482) ويطارد
الحقيقة
الانسانية
في تجلياتها
المتعددة.
وان كان صلاح
عبدالصبور
قد رأى في
النبي قرينا
للشاعر في
شهوة تغيير
العالم، فان
البياتي يرى
في الثائر
صفو الشاعر
ورفيقا في
الكفاح من
أجل بناء
مدينة
المستقبل: "فابداع
شعر جديد هو
في العمق
ابداع انسان
جديد" (ص 402). لكن
الثائر يقف
ليعمر
المدينة
التي حررها
بينما يواصل
الشاعر
رحلته "لانه
متسكع وجواب
آفاق لا يقر
له قرار" (ص 403)
بهذا المعنى
يكون سؤال
الالتزام أو
عدمه
بالنسبة
للشاعر
الحقيقي
الذي يجعل من
ذاته جسرا
يعبره
العالم نحو
الكمال،
فيتجاوز
التمرد
الميتافيزيقي
على الواقع
الى وضع بديل
له "ثرثرة
ولفوا باطلا"
جديرا "بأنصاف
الشعراء
والاقزام
وغير
الموهوبين" (ص
411) الشعر
ثورة أبدية
تبدأ
باستيعاب
عميق للحاضر
الذي يموت في
كل لحظة ليلا
المستقبل،
وبإعلان
ولاء له "فالشاعر
الذي لا يعلن
ولاءه
للحاضر، ولا
يحدد موقفه
منه بصورة
واضحة
صريحة، ولا
يأخذ مكانه
بين صفوف
كادحيه
وجماهيره،
لن يكون له
مشرف منح
المستقبل
مثل هذا
الولاء.." (ص 405) الشاعر
في كتاب "تجربتي
الشعرية
ددمزيج من
النزوع
البروميثيوسي
في الصراع ضد
هاجس الموت،
والثوري
الذي يدرع
شطآن
التاريخ
بحثا عن
مدينة جديدة
لا ظلم ولا
قهر ولا غربة
فيها،
والانسان
الذي يجمع
مزق جسده
وروحه بحثا
عن حقيقته
الضائعة.
الشاعر محب
أعظم و"عظمة
الحب لا تكمن
في ديمومته
بقدر ما تكمن
في موته
وبعثه" ص (478). 3-
أمل دنقل:
الحياة
اليومية
وتوتر الشعر: ولد
أمل أنقل في
قرية قرب "الأقصر"
ونشأ في
الصعيد "بين
الصحراء
القريبة
والوادي
الضيق،
والقبائل
العربية
التي
استوطنت
هناك منذ
أيام الفتح
العربي.. كل
هذا أكسبني
حدة في
التعبير
وحدة في
الاحساس
بالصورة
والتناقض
بين الأشياء.."
(9) (ص 14) وحين
انتقل الى
المدينة بدأ
احتكاكه
الفعلي
بالواقع،
واقع
الهزائم
المريرة
وانقشاع
اوهام
الاثمتراكية،
ومحاصرة
الكلمة،
وتشكل وعيه
في ظل صراع
دائب بين
ثنائيات
متصارعة:
العرب
والصهيونية،
الخير
والشر،
التخلف
والتقدم،
القيد
والحرية،
وفي ظل حلم
ملحاح
بتغيير
الواقع،
وطالما هناك
حلم فثمة
شعر، ذلك "العلاج
الرائع،
والرجع
اللذيذ
والحذر" (ص 18).
الكيمياء
الساحرة
التي تعمل
على أن يتحول:
"الواقع الى
حلم والحلم
الى واقع" (ص 28).
لذا لم يفصل
أمل أبدا بين
الشعر
ووظيفته
الاجتماعية
والوطنية،
ينبغي ان
يكون كالخبز
الذي
يتقاسمه
الناس،
والهواء
الذي
يتنفسونه،
والسلاح
الذي
يرفعونه في
وجه
المظالم،
وهو "اخطر
انواع
الاسلحة
التي يمكن ان
تخاف منها
السلطة" (ص 49)
لأنه يربي
الوجدان
الوطني
والقومي على
الصمود
والمقاومة.
ففي البلدان
المتخلفة
تكون
الوظيفة
التعبوية
والتحسيسية
للشعرأهم
بكثيرهن
الوظيفة
الجمالية
التي "تصلح
للمجتمعات
المتقدمة لا
لمجتمعات
يناضل كل
أفرادها
للوصول الى
مستوى مقبول
من الحياة" ص
(28) والشاعر
ليس حرا في
القيام
بدوره
الطليعي في "ايقاظ
وعي الشعب،
ان وظيفته
ليست
اختيارية) (ص 35)،
فاما أن
يرتبط
بالآخرين
ويكتشف ذاته
من خلالهم،
أو أن يتقوقع
بشكل مرضي
داخل ذاته،
أو يتألق
بشكل كاذب
وانتهازي،
لهذا يكون
التناقض
الذي يزعمه
البعض بين
الفن
والالتزام
مجرد صنيعة
ددلأعداء
التقدم
والتغيير" (ص
35). غير أن
الالحاح على
الدور
الوطني
والوظيفة
الاجتماعية
للشعر لا
يعني السقوط
في فخاخ
السياسة،
بشعاراتها
الزاعقة
وتبريراتها
السطحية
وترديها في
تفاهة
المناصبة.
لأن الشعر
وهو يغوص في
الحياة
اليومية
ينحاز دائما
للحلم ضد
الواقع (ص 37).
ويعلنها
أنقل بوضوح
في وجه
السياسيين: "أنا
مع التزام
الشاعر،
ولكنني ضد
إلزامه. أنا
ضد أن يكون
الشعر
منتميا الى
حزب، أو
جماعة
سياسية، لأن
الشاعر ليس
بوقا لأحد،
هناك تناقض،
اذا كانت
السياسة فن
الممكن،
فالشعر هو فن
المتخيل" (ص 37). قد
يجد المشاعر
نفسه مضطرا
وفي عياق
تاريخي محدد
لقول شعر
جماهيري
تحريضي، لا
يتعب
القارئ، ولا
يرهقه بغموض
مصطنع. فيكون
آنذاك
الرهان
الأساسي
الذي يواجهه
هوا لتوفيق
بين المستوى
الفني
والتحريض.
بشكل يجعل
المباشرة
لفة ورموزا
وأساطير: "تبدو
عفوية
وتلقائية،
وإلا فقد
الشعر
خاصيته
الأولى وهي
خاصية أنه
يخاطب
الوجدان،
يتوسل
بالوجدان
الى الوجدان".(ص
44) آمن
أنقل وبقوة
بأن الشعر
قادر على
صناعة
الثورة، لا
على طريقة
السياسيين
المحترفين،
بل على طريقة
الحالمين
الذين يرون
فيه رؤية
لتغيير واقع
النامر
وعلاقتهم
ولتغيير
الأشياء في
حد ذاتها.
وان كانت
السلطة
تترصده،
ونادرا ما
تدع الشاعر
يفلت من
كماشتها،
وما دامت قد
افسدت كل
القضايا
الجميلة
التي ناضل من
أجلها، فقد
انتهى إلى ما
يشبه
المرارة
الثورية: "أنا
أعتقد أن
الهام جدا
بالنصبة
للشاعر
الآن، أو
بالنسبة لي
أنا هو اعادة
اكتشاف
الجمال".(ص 44) 4-
الشعر في
مجرى
التاريخ: تتماثل الأصول الاجتماعية للشعراء الثلاثة، فكلاهم عاش طفولته في قرية بسيطة يغمرها قنوط دائم، وخبر الحرمان واليأس والظلم الاجتماعي، وأبدت له الحياة وهو بعد غض وجهها الكاع الحزين فملأت نفسه بقلق داخلي موار، يتكشف في حالة انكسار وأسى دائم كما هو الحال عند عبدالصبور، أو في توثب دائم للتمرد والثورة على الإكراهات الوجودية والاجتماعية، كما هو الحال عند البياتي وأنقل. وكلاهم وبعد ان كون نفسه في قويته بما طالته يده من دواوين فحول الشعراء في الأزمنة القديمة وكتابات رواد النهضة العربية، هاجر الى المدينة لاتمام دراسته، وعاش كل مشاعر الاجتثاث من الجذور: الوحشة والعزلة والاغتراب الدائم. وحلم وهو في المدينة المزيفة التي تشبه "علبة السردين" بمدينة حقيقية يؤسها العشات، وتقوم على العدل والحرية والصدق، ولا مكان فيها "للصيارفة واللصوص والشطار والمخلوقات التي كانت بشرا" (البياتي ص 482) وبدأ، عبر مقاه ومجاس مخصومة، يحتك بالوسط الأدبي والمذاهب الفكرية السائدة آنذاك. ورغم ان أمل أنقل أصغر سنا من عبدالصبور والبياتي، فان الشعراء الثلاثة نهلوا تقريبا من نفس المصادر الثقافية، وان اختلفت درجة تأثرهم بها. فبالأضافة الى عيون التراث العربي والاسلامي، تفتحت أمامهم أبواب ثقافات عديدة عبر وها بخفة الشعراء، حتى أن كتاباتهم النظرية لا تظهر من عوامل تكوينهم إلا ما أجمله أنقل: "شذرات من الفكر الماركسي، لمحات من الفكر الوجودي، وكل الأشياء التي كانت موجودة حين ذاك" (ص 17) وكان من غير اللائق، أخلاقيا على الأقل، أن يظل هؤلاء الشعراء بمنأى عن قضايا عصرهم المأزوم. فكان الالتزام هو الجواب الذي طرحوه في وجه تاريخ عربي عفنته الهزائم والفقر والاستبداد والخنوع العام... انه ضرب من "الضغط التاريخيددعلى حد تعبير سارتر هذا الذي تعرض له الشعراء، ضغط جعل حياة وكتابات مواقف الشعراء محكومة في أدق تفاصيلها بما يثبه "مذاق التاريخ"، وجعل طرح مسألة الالتزام في حد ذاتها غير ذات جدوى. فقدر الشاعر بالسبة لهم هو ان يكون ملتزما، لا حرية ولا اختيار له في ذلك. والتزام الشاعر ينبع بالأساس من ضميره الحي المتوقد الذي يجعله في توتر دائم مع الواقع المتردي. وان ألقى عن كاهله مسؤوليته تلك فانه اختار الانتحار الأدبي والأخلاقي. لم يناقش الشعراء بجدية واسهاب اعفاء سارتر للشعر من مهام الالتزام، لأن الشاعر في نظره يستخدم اللغة كفاية لا كأداة، فاكتفى عبدالوهاب البياتي باستعارة بعض تعابير سارتر نفسه لمخالفته: "انا أخالف رأي سارتر الذي شبه الشاعر بمشعل الحرائق في هشيم اللغة، وأخرجه من فئة الملتزمين. فالشاعر- غارق حتى أذنيه - في بليال هذا العالم، وفي بليال الثورة والانسان" (ص 411) وتحاشى عبدالصبور مناقشة ذلك في كتابه "حياتي في الشعر" وان تطرق له بشكل مقتضب في محاضرة ألقاها بالجامعة الأمريكية حول تجربته في الشعر سنة 1979، فاعتبر موقف سارتر: "اهانة للشعر في الواقع، ان سارتر عندما طرح قضية الالتزام في فرنسا، بعد الحرب العالمية الثانية بهذا العنف، كان دافعه الاساسي هو تجريم بعض الأدبا، الفرنسيين الذين تعاونوا مع النازي أثناء فترة الحرب، وابراء صفحة البعض الآخر، معن التحقوا بالمقاومة. لكن هل يعني هذا ان الشاعر لا مسؤولية عليه؟ ان الشاعر يتحمل قدرا كبيرا من المسؤولية. ولكن مسؤوليته ازاء ضميره أولا". (11) أما أمل أنقل، ودون ان يشير الى سارتر، فقد بسط المسألة تبسيطا | |||||