تضاريس الابداع الحر في التجربة الصوفية

ميثم الجنابي (كاتب واكاديمي عراقي يقيم في موسكو)

"فلنقتبس حرفا من حرف كما نقتبس نارا من نور"

                                                        (النفري)

إن الرؤية المتجددة في تذوق الابعاد المترامية بين عوالم الملك والملكوت هي التعبير الوجداني عن تضاريس الابداع الحر في تمثله حقائق التجربة الصوفية، هي رؤية لا تقف عند حد محدود وتعيد مع ذلك انتاج نفسها في كل ابداع اصيل.

الحرف: اعوجاج الخطوط واستقامة الروح

 الحرف هو ليس فقط ميدان المقارنات الممكنة للعقل (المنطقي) والوجد البياني والمعنى (الحدسي)، بل رمز الوجود وعنصر الكون والفساد (الصيرورة والانحلال، التركيب والتحليل) كما في موقف النفري القائل:

حرف لغات وتصريف

وتفرقة وتأليف

 وموصول ومقطوع

ومبهم ومعجم

وأشكال وهيئات

وفي موقف آخر:

الحرف ناري

الحرف قدري

الحرف دهري

الحرف خزانة سري

الحرف قادر على أن يكون عنصر اللغات وتصريف الامور وتفوقتها والربط والقطع والابهام والا عجام والأشكال والهيئات استنادا الى أن لكل منها حرفا، أي لكل وجود في الاستعداد

والهيئات حروفه، كما ان لكل لغة حروفها. أن يكون الحرف نارا وقدر المرء ومصيره وخزانة اسراره يعني انه سر المعنى القائم في الكلمة لان الكلمة هي وحدة حروف، ومعناها موقف وعقد ونية يتجلى في ظاهر الكلمة وباطنها (حقيقتها)، من هنا موقف النفري: المعرفة حرف جاء لمعنى فان اعربته بالمعنى الذي جاء له نطقت به. ولا يعني ذلك سوى ضرورة وحدة الظاهر والباطن بالنسبة للمعني المتشكل في الحرف التي وضعها في موقفه:

 لا تجمع بين حرفين في قول ولا عقد الا بي

 ولا تفرق بين حرفين في قول ولا عقد الا بي

بي يجتمع ما جمعت ويفترق ما فرقت

الزم النفري الروح المبدعة بضرورة تمسكها الدائم بوحدة الظاهر (الجمع بين حرفين) والباطن (العقد) بالحق. إذ بالحق فقط تجتمع حقائق الحروف ومهناها في الكلمة، وفيه تتفوق، أي أن للمواقف المتنوعة في الابداع معانيها حالما ترتبط بالحق وحالما تفترق عنه، وقد حدد ذلك علاقة الصوفي بالحرف، باعتباره عنصر المعاناة المخلصة ونغما في ابداع حقائق الكلمة واسرارها (بواطنها):

فلتقتبس حرفا من حرف

كما تقتس نارا من نور

اخرج باء من باء

واخرج ألفا من ألف

فاقتباس حقيقة الحرف من الحرف هو كاقتباس النار من النور، وهي العملية الأعمق في استخلاص الحقيقة، فالنور من النار هو المجرى الطبيعي لوجود الأشياء، بينما خروج النار من النور يفترض احتراق الأنا في صبرها من أجل تكثيف الحقائق في أشعة الباطن. ومن ثم ليس استخراج الباء من الباء والألف من الألف سوى استخراج النار من النور. بمعنى تكثيف حقائق الباء والألف او المكونات الضرورية والجوهرية للكلمة في كلمة الروح، لهذا طالب بالخروج من الحرف:

يا عبد اخرج من بين الحروف

فاذا جزت الحرف وقفت في الرؤية

واجعل الحرف وراءك والا فلا تفلح !

ان هذا الخروج والتجاوز والسباق هو الذي يجعل المبدع قادرا على السير مع الحروف في مقاصدها ومعانيها المتنوعة باعتبارها حروفا لكلمة الروح:

الحرف يسري حيث القصد

جيم جنة ! وجيم جحيم !

لم يقصد النفري بذلك سوى ان معاني الكلمة في مقاصدها لا في حروفها، أي في تطابق الحس والعقل والحدس فيها، بحيث يجعل منها تعبيرا عن الحقيقة فالأبداع ليس تركيبا للحروف في الكلمة، بل صهر للحروف في المعنى، أي تركيب الكلمة من معاناة المعنى، وقد اعطى ابن عربي لهذه الفكرة أبعادها الحسية والعقلية والذوقية (الملكية والملكوتية والجبروتية) في موقفه من العالم باعتباره كتابا سطورا ومرقوصا ومجهولا، فقد جعل من العالم كتابا ينبغي قراءة كلماته من اجل ادراك معناه، وجعل من المجهول حقيقته الحية لان المجهول يفترض جمع الهمة من أجل اكتشافه، فالسطور (بالتسطير) والمرقوم (بالترقيم) هما وجهان للمجهول. فكما ان المعرفة هي ادراك بين مجهولين، والانسان هو وجود بين طورين كذلك الكلمة هي وجود بين حرف ومعنى، من هنا تأويل ابن عربي تسمية حروف المعجم من عجمتها، وذلك لانها عجمة عن الناظر فيها معناها، فغياب المعنى او عجمة الحروف ينبع، من كونها "أئمة الألفاظ " التي يستحيل بدونها ادراك المعنى، كما يقول ابن عربي:

ان الحروف ائمة الالفاظ شهدت بذلك السـن الحفاظ وتقول لولا فيض وجودي ما بدت عند الكلام حقائق الألفاظ حاول ابن عربي أن يعطي لما اسماه النفري بسريان الحرف حيث القصد أبعادا شاملة في الصيرورة والكينونة، والوجود والابداع، فقد تكلم عن مراتب الحروف والكلمات والعالم كما لو انه اراد تنسيق وترتيب وتنغيم النسبة (العلاقة) بين الحس والعقل والحدس، والبيان والبرهان والعرفان، والطريقة والشريعة والحقيقة، والملك والملكوت والجبروت، والنماذج الاخرى في وحدة لها صعناها الخاص في الكلمة، فقد وجد في (ألم) القرآنية تجليا لثلاثية الملك والملكوت والجبروت، فالألف إشارة الى التوحيد او الواحد (الملكوت) والعيم اشارة للعلك الذي لا يهلك (الوجود) واللام اشارة للواسطة (الجبروت)، فكما يبدأ الميم (الكون والوجود، عالم الملك والشهادة) وجوده من اللام (الواسطة، عالم الجبروت) المرتبط بالألف (عالم الملكوت) كذلك الحال في (ألم)، حيث يربط اللام بين الألف والميم في كل واحد له معناه الخاص، أي معنى النسبة المتجانسة القائمة في كل ابداع.

ووضع ذلك في تأول الوجودي لكلمة الله في حروفها (ا ل ل ا ه) بالشكل الذي جعل منها نموذجا للصيرورة والكينونة، والوجود والإبداع. فالذات الإلهية (الألف) أمرت اللام الأولى الظاهرة (الوجود) بان تمد لام الباطن المدغومة (الملكوت)، والمد هو الواسطة (عالم الجبروت أو الإرادة). بمعنى الانتقال من الألف الجلية والظاهرة (الأولى) الى الألف الباطنة والمدغومة (الثانية) من خلال وحدة (جبروت الإرادة) الظاهر والباطن (الملك والملكوت). وصاغ هذه الفكرة بالشكل التالي: "اللام الملكوتية تتلقى ألف الوحدانية بغير واسطة فتورده على الجزء الجبروتي ليؤديه الى لام الشهادة والملك. فلما حصلت الأولية والأخوية والظاهرية والباطنية، أراد الله - كما قدم الألف أو الذات سنزهة عن الأشكال من كل الوجود بالحروف - أن يجعل الانتهاء نظير الابتداء". واعطى لهذه الكلمة (الله) تأويلها الطرائقي بحيث جعل من حروفها (ا ل ل اه) نموذجا للفنا، والبقاء. وكتب بهذا الصدد يقول " ان الانسان متعلق بالألف (الإلهية) تعلقا اضطراريا، فأظهرته اللام الاولي من العدم، ولما صح ظهوره وانتشر في الوجود وبطل تخلقه بالأسماء أفنته اللام الثانية بشهود الألف (المدغومة أو الغائبة) وتبقى ماء الهوية عند محو العباد". وهي تأويلات لها معناها وقيمتها عند ابن عربي، باعتبارها جزءا من نظام لسان الحال في تعبيره عن حقائق الوجود وتمثلها في القول والعمل من هنا استنتاجه القائل بان من يقرأ (ألم) بالطريقة الأولى فانه سوف يحضر بالكل للكل مع الكل، لهذا طالب المرء بالا يطلب الحق من الخارج ولا من الداخل، بل بنظر الكل في الكل لكي يجد الكل، وذلك لان الدخول والخروج من صفات الحدوث، وفي الحالة الثانية توصل الى ان رؤية (ألم) بعين الفناء والبقاء يؤدي الى ادراك المقام الذي تضمحل فيه أحوال السائرين وتتقدم فيه مقامات السالكين حتى " يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل ". وليس هذا الفناء والبقاء سوى الصيغة المعقولة لوحدة الإلهي والإنساني في الأزل. بمعنى استمرارية وحدتهما في الحرف والكلمة والحقيقة والمعنى، لهذا تكلم عن اشتراك مرتبة الحق (المطلق) ومرتبة الانسان في أن لكليهما ثلاثة حروف، في الإلهي هي الألف والراء واللام (أزل) وفي الانسان هي النون والصاد والضاد (ن ص ض)، والانساني يدخل في الإلهي (الأزلي) ويستمد مقوماته منه، وهو دخول يتجلى في الحرف والكلمة والمعنى، والبيان والبرهان والعرفان، والملك والملكوت والجبروت، ففي الحروف أ+ز+ل= - الأزل. وفي الإنسان أ+ن+س+ا+ن=أنسان, وفي حالة تنقيط الحروف أفقيا فان من الممكن رسمها (أو رؤيتها) بالشكل الذي تندرج فيه حروف الإنسان في حروف الأزل، وهو تلاعب مفتعل في الحروف ورسمها فقط لا في المعنى.

لقد لوى ابن عربي عنق الحروف بالشكل الذي جعلها تصرخ بحقيقة المعنى، ومن خلاله حاول الكشف عن النسبة الذائبة و(الذاتية) في وحدة الحرف والكلمة والمعنى، او الملك والملكوت والجبروت في مثال الإنسان. فالأزل في الحق ظاهر لانه بذاته أزلي، كما يقول ابن عربي، على عكس الإنسان، حيث خفي فيه الأزل فجهل، وهو خفاء يمكن تذليله بالقضاء على جهل الإنسان بحقيقة ذاته. فالإنسان هو عبارة عن وحدة الملك والملكوت والجبروت. وهي وحدة تراتبية في أعماقها، وذلك لاحتواء الملك على ظاهر وباطن، والجبروت على ظاهر (هو باطن الملك) وباطن هو ذاته، واحتواء الملكوت على ظاهر (هو باطن الجبروت)، وباطن هو ذاته، وهو الترابط الذي يكشف عن قيمته ومعناه في تحمس وعقل وتذوق النسبة القائمة فيه وتمثلها في معاناة الحق من خلال بلوغ الوحدة على مثال الإنسان الحق.

ذلك يعني ان اشكالية الظاهر والباطن في الإنسان شبيهة باشكالية المعنى في الحرف والكلمة، أي ان حقيقة كل منهما على قدر تجانس الظاهر والباطن، والحق والمعنى، فكما أن وحدة الانسان والحقيقة تتكون في مجرى معاناة صهر الظاهر والباطن، فكذلك المعنى الحق يتكون من حروف المعاناة المصهورة في الكلمة، فالحروف هي العناصر الجوهرية في تضاريس الإبداع الحر، لأنها توجد في كلمة الروح كما لو انها الضمير والمعنى، كالهاء في قولنا:

تقبل أنت بنفسك الخجل، وبصورتك حمرته

وتقبل انت بنفسك الوجل وبصورتك صفرته.

فالحروف هي ليست فقط عناصر تحتوي على عوالم الملك والملكوت والجبروت، بل وعلى امتزاجها المتنوع (من ملك وملكوت، وجبروت وملكوت وغيرها من النسب). ومن هذا الامتزاج تتكون معاني الكلمات باعتباره ابداعا تتوقف قيمته على كيفية النسب وتركيبها لان الابداع كلمة مثلما نسمي الشخص الواحد منا انسانا كما يقول ابن عربي، فعالم الكلمات ينشأ من عالم الحروف مثلما تنشأ الأجسام من الماء والتراب والنار والهواء، ذلك يعني ان الابداع الحر هو ذاك الذي يصهر نسب الحقائق الحية للملك والملكوت والجبروت يذيبها في تضاريس الإبداع الحر صهر لوحدة البيان والبرهان والعرفان في الكلمة والعبارة.

ب- الكلمة- نطق القلب ومنطق الثقافة

" الحقيقة في الكلمة هي أن تكون كلمة الروح روح الكلمة "

اذا كان الإبداع الحقيقي هو ذاك الذي يصهر نسب الحقائق الحية للملك والملكوت والجبروت في وحدة معقولة، فان الحقيقة المستقلة والمتميزة لهذه الوحدة تتجلى في كتابة المبدعين، وهي كتابة لا تتناهى، ولكل منها أقلامها، كما قال النفري مرة:

كتابة القوة بأقلام القوة

كتابة المعرفة بأقلام المعرفة

وكل كتابة فبأقلامها تسطر!

وهي حقيقة لها معناها العميق في الابداع الصوفي وذلك بسبب تسطيره في الكلمة نطق القلب ومنطق الثقافة او وحدة الحقيقة والمعنى.

فالثقافة تبدع منطقها في الرؤية والفعل. والقلوب تبدع المعاني المتجددة في الرؤية والأفعال. ومن ثم فان الثقافة تبدع في الكلمة نطقها ومنطقها بوصفهما وحدة البيان والبرهان والمصدر يستند اليه الجميع في استمداد المعنى وتجديده، أما التصوف فقد ذوب هذه الوحدة في تجارب الفناء في الحق والبقاء في الحقيقة، وجعل منها أسلوبا لنطق القلب، باعتباره نطق الحقيقة والمعنى. مما اعطى له إمكانية التعبير عنها في الكلمة من خلال وحدة الأبعاد البيانية والبرهانية والعرفانية في الحقيقة، والتعبير عنها في العبارة من خلال وحدة الأبعاد البيانية والبرهانية والعرفانية في المعنى.

ليست وحدة الأبعاد البيانية والبرهانية والعرفانية في الكلمة سوى ما أسميته بصهر نسب الحقائق الحية للملك والملكوت والجبروت في الإبداع الصوفي، فقد جسد التصوف هذه النسب في طرق الشيوخ وتجاربهم باعتبارها تمثلا واعيا ووجدانيا لمنطق الثقافة (الإسلامية). وليست وحدة الشريعة والطريقة والحقيقة، والحس والعقل والذوق، الجسدي والنفسي والروحي، الطبيعي والإنساني والملائكي، وكثير غيرها سوى الصيغ المتنوعة لوحدة الحقيقة والمعنى، والتي نعثر عليها في ابداع المصطلح الصوفي من حيث جمعه أبعاد البيان والبرهان والعرفان، ومن حيث تميز حقيقته وخصوصية معناه، أننا نشر الى جانب المئات من المصطلحات الخاصة بالطريق (الصوفي) في مقاماته وأحواله الكثير الذي يرفد بنية الرؤية الصوفية في مواقفها من قضايا واشكاليات الوجود والروح والعقائد والمعرفة والإنسان، مثل مصطلحات المرأة والتجلي والحلول (في الوجوديات)، وأم الكتاب والعقل الأول والظل الأول والعقاب (في العقليات) والافق المبين والبيت والسفر والموت والآن الدائم والسر (في السلوك الروحي والمعرفي)، وأرائك التوحيد وأئمة السماء والجنة (في العقائد الدينية) والشجرة وظل الإله ولسان الحال وحجة الحق ومرآة الحضرتين (في الإنسان).

فقد وجدوا في (المرآة) الكيان الذي ينعكس فيه الوجود وتشع صور الأشياء والكيان الذي تتوقف نصاعته وصفا" على كيفية صقله، لهذا تكلموا عن " مرآة الكون " إشارة الى الوجود الوحداني المطلق الذي تظهر فيه الأكوان وأوصافها وأحكامها وتختفي بظهورها ما تخفي وجه المرآة بظهور الصور فيها. وتكلموا عن " مرآة الوجود" إشارة ورمزا الى شكل ظهور وتعين الشؤون الباطنة أو حقائق الأشياء، والموجودات استنادا الى أن حقائق الأشياء والموجودات باطنة، بينما تعينها أو تجليها ظاهر. بهذا المعنى فان ظهور أو تعين الشؤون الباطنة هو مرآة لحقائقها.

وتكلموا عن " مرآة الحضرتين " إشارة ورمزا الى الانسان الكامل الذي يجمد في ذاته حركة الإمكان والوجوب، وتكلموا عن " مرآة القلب " إشارة الى نوعية ودرجة تطور المعارف، انطلاقا من انه على قدر صفاء المرآة (القلب) تنعكس صور الأشياء وحقائقها. وعندما تناولوا مصطلح (التجلي) فانهم تكلموا عن " تجل أول " إشارة الى تجلي الذات الإلهية لذاتها، أو الوجود الحق المحض والمطلق ومصدر كل وجود و" تجل ثان " إشارة الى ما أسموه بظهور أعيان الممكنات الثابتة وحقائق الممكنات في علم الله ووحدة العلم والقدرة بالنور الإلهي والرحمة الإلهية، وعندما تناولوا مفهوم (الحلول)، فانهم تكلموا عن "الحلول السرياني"، إشارة الى اتحاد جسمين أحدهما بالآخر كحلول ماء الورد في الورد، و" الحلول الجواري" إشارة الى كون أحد الجسمين ظرفا للآخر كحلول الماء في الكوز.

وأعطوا للعقل في العقليات تسميات متنوعة، فتارة يدعوه (بأم الكتاب) إشارة إلى انه مصدر ولادة العلوم والمعارف، وتارة (بالظل الأول) كناية عن العقل الأول واشارة إلى كونه الظل الأول المترتب على ظهور نور المطلق (الله)، وتارة اسموه (بالقلم) لأن به يجري خط المقادير والعلوم، وتارة (بالعقاب) إشارة الى العقل الأول، هو أعلى وأرفع من أي شيء وجد في عالم القدس. وشبيها بالعقاب الذي هو ارفع صعودا في طيرانه جوا من الطيور الأخرى، وتارة (بالبيضاء) لأنه أول تجليات النور الإلهي، وسمي بالبياض ليقابل سواد الغيب والمجهول لأنه أول موجود يرجح وجوده على عدمه، انطلاقا من أن الوجود بياض والعدم سواد، بحيث جعل ذلك أحد المتصوفة يقول في الفقر " إنه بياض يتبين فيه كل معدوم، وس اد ينعدم فيه كل موجود" قاصدا بذلك فقر الامكان. وتكلموا في القضايا الروحية - المعرفية عن (الأفق المبين) إشارة الى نهاية مقام القلب، وعن (بيت الحكمة) إشارة الى القلب الغارق في الإخلاص، وعن (بيت القدس) إشارة الى القلب الخالص من الاغيار، والحر من قيود الأشياء وعن (البيت المحرم) إشارة الى قلب الإنسان الكامل المتجرد للحق فقط، وعن(السفر)باعتباره يصير القلب نحو الحق ذكرا، وتكلموا فيه عن" السفر الأول" رمزا الى ادراك حقيقة الوحدة من خلال ازالة حجب الكثرة، وهو سفر التجرد من المظاهر والا غيار بقهر النفس وتربية الإررادة من أجل بلوغ الأفق المبين(أو نهاية مقام القلب)." والسفر الثاني" هو سفر الانصاف بصفات الحق والتحقق بها، أو ما أسموه أحيانا بالسير في الحق بالحق مع ما يترتب عليه من إدراك جديد لحقيقة الوحدة."والسفر الثالث "هو السير نحو عين الجمع، أي تذليل الكثرة في الوحدة، وصيرورة الولاية من خلال إزالة التقيد بالضدين (الظاهر والباطن). وأخيرا " السفر الرابع " وهو الرجوع من الحق الى الخلق، وذلك بشهود اندراج الحق في الخلق واضمحلال الخلق في الحق، أي بلوغ مقام البقاء بعد الفناء، والفرق بعد الجمع، وتكلموا عن (الموت) وألوانه. (فالصوت) هو إشارة الى قمع هوى النفس، وإحيائها بالهدى. وهو ألوان، فمنه ما هو "أحمر" إشارة الى مخالفة النفس، ومنه ما هو "أبيض" إشارة إلى ممارسة الجوع لأنه ينور الباطن ويبيض وجه القلب. إذ من ماتت بطنه حييت فطنته، وموت " أخضر" اشارة الى لبس المرقعات التي لا قيمة لها، والخضار صفة القناعة، وموت "اسود" إلى احتمال أذى الخلق، والنظر اليه باعتباره بلاء. وتكلموا في قضايا العقائد (الدينية) عن (أرائك التوحيد) إشارة الى أسماء الذات الإلهية، وذلك لكونها مظاهر الذات او كراسي جلوسها، وتكلموا عن (أئمة السماء) إشارة الى الأسماء الإلهية السبعة، التي أطلقت عليها تقاليد علم الكلام الصفات السبع وهي الحي والعالم والمريد والقادر والسميع والبصير والمتكلم، وتكلموا عن (جنات) عديدة منها "جنة الأفعال " إشارة الى الجنة الصورية الملموسة الحسية باعتبارها ثوابا على أعمال الصالحين، و"جنة الوراثة" إشارة الى جنة الأخلاق المترتبة على متابعة سيرة النبي و"جنة الصفا" إشارة الى الجنة المعنوية القلبية، و"جنة الذات " إشارة إلى مشاهدة ما أسموه بالجمال الاحدي (المطلق)، وتكلموا عن (مبادئ النهايات) إشارة الى فروض العبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج بوصفها منازل السالكين طريق الحق، فالصلاة هي الواسطة الحقيقية للوصول الى كمال القرب من الله. والزكاة هي بذل النغمى والروح والجسد بالاخلاص للحق. والصوم هو الامساك عما سوى الحق بالفناء فيه، والحج هو الوصول الى حقيقة المعرفة بالبقاء فيها بعد الفناء في الحق.

وفي الموقف من الإنسان، نظروا الى نموذجه المثالي في (الإنسان الكامل)، والكامل يتجلى تارة في مثال " الشجرة " إشارة إلى جمعه حقائق الإمكان والوجوب كالشجرة أصلها ثابت في الأرض وفروعها في السماء، فأعضاؤه كعروق الشجرة، وحقائقه الروحانية كفروعها، وتجليا الذاتي الدائم كثمارها وتارة أخرى وجدوا فيه " ظل الله " لأنه المتحقق بالحضرة الواحدية، لأنه يعتمد وجوده من وجودها، وتارة وجدوا فيه " لسان الحق" لأنه يتحقق بمظهرية الاسم الالهي المتكلم، وتارة هو "حجة الحق" على الخلق، لأن في وجوده تمثلا وتمثيلا للحق، وتارة هو " مرآة الحضرتين " أي الوجوب والإمكان كما في الشجرة.

كل ذلك يكشف عما في تنوع المصطلح الصوفي من تعبيرية عالية لخلجات الروح، واشتقاق نموذجي في تصويره للاحساس والعقل والحدس، فقد تمثل هذا التعبير والاشتقاق الأبعاد الحسية (المادية والبيانية والجمالية) والعقلية (المجردة) للثقافة الاسلامية في تعاملها مع قضايا الوجود والعقائد والمعرفة والأخلاق والاجتماع والسياسة والانسان.

فالثقافة تبدع تصوراتها وانطباعاتها وأحكامها عن الوجود الطبيعي والماورا طبيعي، عن الروح والجسد، والعقل والمعرفة والاجتماع والسياسة، والإنسان واشكالياته، فيما هو مناصب لتجاربها من قوالب التعبير المتنوعة في اللغة والرمز، والإشارة والعبارة والخط والرسم، والنحت والعمارة، والابداع الحقيقي فيها هو ذاك الذي يعبر عن وحدة تعرجاتها في الاستقامة، بمعنى ايجاد عين الاستقامة في الاعوجاج، كما دعاه" ابن عربي.

وقدم التصوف في موقفه من الكلمة وإبداعها أحد النماذج الرفيعة للثقافة، فالكلمة الصوفية (المصطلح الصوفي)، يعبران في استقامة الروح الخالصة عن اعوجاج الثقافة وانحرافاتها وانكساراتها وتعرجاتها الهائلة في ميادين البيان والبرهان، إننا نعثر فيهما على إخلاص لوحدة الحقيقة والمعنى، من هنا شفافية وحساسية المرآة والمتجليات والحلول السارية والجارية وأم الكتاب والظل والأفق المبين وبيت الحكمة وألوان الموت وأنواع السفر وأئمة السماء وأرائك التوحيد كما لو أن التصوف أراد الكشف عما وراء السريان والجريان والصفاء والظل والأفق والألوان من معان تعبر عن حقيقة الرؤية التي أبدعتها الثقافة في تجارب انتمائها لذاتها وإدراكها لقضايا وجودها التاريخي في ميادين ما وراء الطبيعي والأخلاق والاجتماع.

أعطى التصوف بما في ذلك لأشد الصيغ " تجريدا" التي بلورتها أيضا تقاليد الفقه والكلام وعلوم اللغة ملامح " الحمية " المفرطة وروح " الحلول " المثيرة، أما في الواقع فان حية التصوف وحلوله يعتمدان وجودهما من وجدان التعامل مع قضايا ا&#