وجها لوجه

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

انجمار برجمان
مها لطفي (كاتبة ومترجمة من لبنان)
  


أعزائي زملاء العمل...

سنقوم بعمل فيلم يدور بشكل ما حول محاولة انتحار.. عمليا هو يتعلق كنت سأقول(كالمعتاد) بالحياة. والحب والموت. لأنه في الواقع لا يوجد ما هو اهم من ذلك لنشغل بالنا به ونفكر فيه. أن نقلق بسببه وأن نسعد من أجله.. وهكذا.

لو سألني انسان صادق عن سبب كتابتي لهذا الفيلم لما استطعت أن أجيبه اجابة واضحة ومباشرة وأظل محافظا على مصداقيتي.

أخذت مذ فترة من الزمن أعاني قلقا غير مبرر. كان يتعبني مثلما يتعب ألم الضرس الذي لم يجد له طبيب الأسنان سببا لا في تركيبة الضرس نفسه ولا في المريض المتألم.

أعطيت قلقي بضعة عناوين كل واحد منها أقل إقناعا من الآخر. قررت أن أبدأ البحث بطريقة منهجية.

شخصية أخرى بتقلباتها جاءت لتساعدني. وجدت تشابها بين تجاربها وتجاري غيرأن ظروفها كانت أبرز وأوضح من ظروفي واكثر مدعاة للألم.

وهكذا بدأت الشخصية الرئيسية في فيلمنا تأخذ شكلا: شخصية ذات مركز جيد" إمكانياتها كبيرة منظمة، ورفيعه المستوى في مهنتها. ومتزوجة زواجا مريحا من أحد زملائها. محاطة بكل ما ندعوه "أشياء الحياة الخيرة". إن انهيار هذه الشخصية المحترمة الصاعق السريع وولادتها الجديدة المؤلمة جدا هما ما حاولت أن أصفه.

ولقد استطعت، باستخدام ما لدي من مادة كأساس. أن أظهر أسباب الكارثة، وكذلك الإمكانيات المتاحة لهذه المرأة في المستقبل. بالنسبة لي فقد استفد ت استفادة كبيرة من هذه العملية، العذاب. الذي سبق أن تفشى، أصبح له اسم وعنوان. وبذلك فقد حرم من اشعاعه ويقظته. فإذا كانت هذه الأنشودة بإمكانها أن تكون ذات فائدة أيضا لإنسان آخر فلن يضيع جهدنا.

عندما نتابع بالنظر أحد معارفنا المقربين أو البعيدين بابتسامة شريرة أو شفوقة فهذا ليس شيئا سيئا أيضا. لأنه يمكن أن يتضمن مقارنات تقوينا حين نقيس تمايزنا ببؤس الآخرين.

في الواقع  ليس هنالك أيضا أي ضرر في أن نسلي أنفسنا بضع ساعات. الممثلون الوسيمون الموهوبون الذين يصورون بشكل معقول المواقف الحزينة. والمأساوية والمسلية, هم دائما يسعدون الآخرين مهما كانت تلك التعقيدات مؤلمة.

من جهة ثانية، فالسأم واللامبالاة يؤثران على صاغ الفيلم بطريقة رهيبة، وعندئذ يكون من العدل في تلك الحالة أن يلحقه العار, ويسخر منه علانية فيصبح ضحية خسارة مالية ضخمة.

ماذا أقول أكثر من ذلك؟ آه نعم، فكما ترون حجم هذا الكتاب فإن الفيلم سيكون طويلا في النهاية. بضعة كيلومترات تقريبا. حاولت عبثا أن أكثفه ولكن لكل شئ حجمه، وقد تعلمت أن أكون حذرا بشأن التدخل في حركات شخصياتي وحوارهم و الأ أقودهم في ذلك. عندما نقوم بالتدريب نجد نقاطا يتضح أنها أوضح من اللازم أو غير ضرورية.

الجزء، الأول (في الفيلم واقي بشكل متحذلق ملموس. الجزء الثاني محير غير ملموس: "أحلام" واقعية أكثر من الواقع. فيما يتعلق بذلك دعي أضيف تعليقا غريبا. "أنا أشك كثيرا بالأحلام والروى والتخيلات في الأدب والأفلام والمسرحيات". لأن العقلانية الزائدة لهذه الأمور تزخر باللاعفوية والترتيب المسبق. لذلك فعندما أنقل سلسلة من الأحلام. رغم معارضتي وشكي، والتي هي بالاضافة الى ذلك ليست أخلاقي. فإنني أحب أن أفكر بأن هذه"  الأحلام هي امتداد للواقع كذلك فهذه سلسلة؟  الأحداث الواقعية التي تصيب الشخصية الرئيسية خلال فترة هامة في حياتها. هناك شيء ذو دلالة يحدث. فبالرغم من أن جني هي طبيبة نفسية فهي لم تأخذ هذا الامتداد الواقعي بجدية. رغم معرفتها الواسعه، فإنها الى حد كبير أمية في تفكيرها داء منتشر بين الأطباء النفسانيين يمكن اعتبار هذا المرض مرضا وظيفيا. كانت جيني مقتنعة بشدة بأن الجبن هو الجبن والطاولة هي الطاولة، وطبعا ليس أقلها أهمية أن الانسان هو الانسان. هذه القناعة الأخيرة هي أحد الأشياء التي سوف تضطر الى تعديلها بطريقة مؤلمة عندما تدرك بومضة عين أنها هي نفسها مجرد مزيج, الآخرين ككل. وبصراحة لست أدري إذا كان بمقدورها أن تتحمل إدراكها هذا.

في تلك الحالة يبقى بديل ضعيف جدا ووحيد: أن تعود الى ما نسميه، من أجل البساطة والأمان. جيي ايزاكسون، مزيج خانق ساكن من الصفات المرسومة والنماذج المختلفة للتصرفات.

ومن ناحية ثانية، فإذا ما قبلت معرفتها الجديدة فإنها تترك نفسها تنساق بعيدا وبعيدا نحو مركز عالمها يقودها ضوء حدسها الى رحلة اكتشاف سوف تكشفها في آن الى الناس الآخرين في تصاميم لا نهاية لها.

هنالك بديل يؤكد: اللانهائية تصبح غير محتملة، الآلية تتكسر تحت  صعوبات الرحلة، يصيبها التعب من تزايد اتساع بعد نظرها ومن الملل الذي تسببه مثل هذه البصيرة. تتعب وتطفئ النور في اليقين الذي تجله بأنها إذا ما أطفأته النور فسيحل الظلام على أي حال - والهدوء.

أعتقد أنه من المهم أننا قلنا كل هذا نظرا لما له من أهمية إزاء موقفا من الفيلم الذي سنصنعه إنسانيا وفنيا.

أقصد أن نوع الفيلم الذي سنباشر عمله يقدم احتمالات خطيرة فنيا لا مكانية تدفق الأفكار في نوع من الإسهال الفكري - فأن نقرر في كل لحظة ما هو صواب وصادق وملائم يمكن أن يكون نوعا ما خداعا.

وكذلك فالجهد المبذول لا يجوز أن  يكون  ملحوظا. كل شئ  يجب أن يعطى انطباعا بأنه طبيعي  ومع ذلك يكون ممكنا أن نخلقه من مصادر مادتنا المحدودة. لننطلق إذن في مغامرة جديدة.:

المشهد هو العيادة النفعية في المستشفى العام. بعد الظهر من منتصف شهر يونيو / حزيران.

آخر مريضة عند جيني ذلك اليوم هي ماريا. واضح أنها كانت تبكي. تجلس محدودبة وذراعاها متدليتان على الجانبين. شعرها الأسود ينسدل على كفيها كثيفا ومتشابكا.. ووجهها الجميل وارما تكسوه البقع. تحملق جيني في عنصر الزينة الوحيد في الغرفة البيضاء العارية: لوحة زيتية بغيضة، ربما تكون هدية من أحد المرضى ذوى الميول الفنية، وهى تزيد من خواء الغرفة.

جيني: (بعد انتظار طويل) نحن نجلس هكذا منذ نصف ساعة. يجب أن أذهب سريعا وستكون لدينا فرصة أخرى للكلام يوم الاثنين.

ماريا: آه، تعالى.

جيني: لا أدري ما تعنين.

ماريا: أنت تعلمين جيدا أنني قد فقدت حشوة ضرس.

جيني: كلا، لا أعلم.

ماريا: البارحة حضرت الممرضة  و اخبرتني أنه يتوجب على الذهاب إلى طبيب الأسنان.

جيني: حسنا.

ماريا: أنت التي رتبت هذا الأمر اليس كذلك؟

جيني: صدقا، لا أدري ما الذي تتكلمين عنه. تنهض ماريا ببطء. وجهها شاحب جدا وعيونها يسكنها غضب كامن. تبصق في وجه جيني. تبقى جيني جالسة وتبدو عليها سيماء المفاجأة أكثر من الاضطراب.

جيني: اجلسي ودعينا نقلب هذا الموضوع.

(بسرعة البرق تمسك ماريا ملف أوراق موضوعا على الطاولة وتهوى به على رأس جيني بكل ما أوتيت من قوة. ترفع جيني يديها في الوقت المناسب لتبعد عن نفسها هذه الضربة).

جيني: (بغضب) لا تكوني غبية.

تتناثر محتويات الملف في مختلف أرجاء الأرضية. تمسك جيني بقبضتها كتف ماريا وتدفعها نحو أحد الكراسي.

جيني: ( بغضب) اهدئي واجلسي يا ماريا !

(تهدأ ماريا وتريح ظهرها على الكرسي وهى تنظر إلى جيني بتعبير جريح "تجلس جيني بقربها على كرسى أصفر خشبي).

جيني: إنك دائما تتذرعين بأسباب.

(ولكن نبرتها لم تعد عدائية. ترفع ذراعها وتريحها أولا على جبهتها ثم تصلب ذراعيها فوق رأسها كطفل مكتئب).

جيني: اعتقد انني أرسلتك إلى طبيب الأسنان كي يعطيك حقنة اليس كذلك؟ مسكن. أليس كذلك يا ماريا.

ماريا: سألت الممرضة فقالت لي قد اضطر لأخذ حقنة، وعندما قلت انني اعتقد أنها ليست ضرورية لأن الجذر كان تم حشوه، قالت من الأفضل أن اهيئ نفسي لحقنة على أي حال.

جيني: انت التي اختلقت كل هذا. لقد وعدتك الا تعطي أية حقن أو حبوب وأنا سأحافظ على كلمتي.

ماريا: اتريدين أن تعرفي ما هو خطؤك الخادع. حسنا، سأقول لك لأنني استنتجه. أنت غير قادرة على الحب! وما أعنيه بالحب هو الحب وليس ممارسة الجنس، ولو انني أشك بقدرتك على ممارسته.

هل تعلمين ما انت؟ انت تقريبا إنسانه غير حقيقية. حاولت أن أحبك كما انت لأنني اعتقدت انني اذا ما أحببت جيني باصرار عندئذ ربما سوف تصبح أكثر حقيقية، وأعني أقل اضطرابا وأكثر ثقة بالنفس. حسنا، ان الناس تفعل ذلك، أليس كذلك، عندما يعرفون أنهم محبوبون وحتى لو كان الذي يحبهم كلب. لكن لا أمل يرجى !

تنظر جيني بعيونها الكبيرة الزرقاء الرائعة الجمال، أجمل عيون في العالم، وكل ما أراه هو اضطرابها. ألم تحبى أحدا في حياتك ياجيني؟ (تضحك وتمد يدها وتضعها على فخذ جيني) ماذا تقولين اذا ما رفعت يدي وصفعت خدك؟ ماذا تقولين اذا ما خفضت يدي وبدأت بمداعبة صدرك؟ ماذا تقولين إذا.... إذا خفضت يدي أخر وبدأت بمداعبتك بين الساقين؟

جيني: انت لطيفة حقا ومقنعة جدا. ولكن عليك أن تتذكري أن على الطبيب فى معالجة هذه الحالة بعينها. المشكلة الكبيرة والتي لم يوجد لها حل حتى الآن هي كيف نتجنب التورط بين الطبيب والمريض.

ماريا: (بعد وقفة قصيرة) هل تحبين أن تكوني قاسية أثناء تأدية  المهنة.

جيني: الآن بدأت وضع الأمور في نصابها. انت تعرفين كما أعرف أنا ان العلاقة لن تفيد كلينا.

ماريا: على أي حال في النهاية ستخونينني.

جيني: ماذا تعنين " أخونك"؟ أنا طبيبتك وأنا أحاول أن أشفيك. أنها مسؤوليتي أن أجد الوسيلة لذلك.

ماريا: (مسرعة) هل انت متأكدة من ذلك؟ اعني أليس من الضروري أن نتشارك في تحمل المسؤولية.

جيني: هذا كلام لا يوصل إلى نتيجة.

ماريا: اعني اليس علينا تقاسم المسؤولية والمخاطرة في آن؟ لماذا اتحمل أنا المخاطرة وانت تأخذين على عاتقك الشئ الغامض غير المؤذى الذي يسمى المسؤولية؟

جيني: هذا غير ممكن عمليا.

ماريا: لم لا؟

جيني: مثل هذه الاختبارات جربت من قبل وكان نجاحها محدودا.

ماريا: نجاحها محدود. انت رائعة !

جيني: ماذا تفعلين الآن؟

ماريا: (بهدوء) إذا لن تمارسى فعل الحب معى؟

جيني: (مبتسمة) كلا، طبعا لن افعل. ولكن إذا ما كنت ترغبين في الاستمرار بمحاولتي علاجك فأنا سأفعل كل ما في وسعى بسعادة.

ماريا: انظري إلى لمدة دقيقة. كلا. انظري فعلأ. انظري في عيوني يا جيني. ماذا ترين؟

جيني: أرى انك تحاولين تمثيل دور ما.

ماريا: ماذا أمثل؟

جيني: الكرب. الخوف. الكرب على ما اعتقد.

ماريا: وماذا امثل الآن؟ انظري جيدا.

جيني: لا اعرف.

ماريا: كنت اقلدك.

(ضحكات)

جيني: لا استطيع أن أقول ذلك.

ماريا. كلا لا تستطيعين. (تتوقف) مسكينة ياجيني.

جيني: ليس هنالك ما يدعو للشفقة على.

ماريا: كلا، طبعا لا. انني أنا المدعاة للشفقة. الا تعتقدين أن الطقس رطب وحار؟

جيني: كان يبدو وكأن عاصفة تلوح في الأفق بعد الظهر.

ماريا: الا تشعرين أحيانا انك عاجزة، فاقدة الأمل والقوة بسبب عجزك.

جيني: ماذا تعنين.

ماريا: اعني كطبيبة نفسية.

جيني: لا اعتقد ذلك.

ماريا: أنا متأكدة أنه على الصفحة الأولى من كتابك الدراسي الأول قيل أن الطبيبة النفعية لا يجوز إطلاقا أن تشعر بالعجز واليأس، وأن تكون ضعيفة خائرة القوى. وإذا ما شعرت خلافا لأية قواعد بأنها عاجزة خائرة القوى فعليها الا تعترف بذلك. الا يوجد هذا على أول صفحة من كتابك الدراسي الرئيسي؟

 جيني: نعم، أنها تقول ذلك فعلا.

(تحاول ماريا تقبيل جيني ولكنها تدفعها بعيدا. ثم تبدأ ماريا بالضحك. تهز رأسها وتضحك. تنحني لتلتقط الأوراق المبعثرة على الأرض. تدفعها جيني جانبا وتلتقطها بنفسها. فجأة تغادر ماريا الغرفة وتفلق الباب دون إحداث أي صوت. تجلس جيني على الكرسي الأصفر وهى ترتجف).

في تلك الأمسية العاصفة من شهر يونيو تنتقل جيني إلى منزل جديها. أنهما يسكنان شقة فسيحة من طراز قديم في شارع هادئ بالقرب من حديقة عامة تحدها مياه فسيحة ولها ممرات مورقة بالقرب من المياه. وعلى الجانب الآخر هنالك كنيسة من العصر الفكتورى يرسل برجها العالي النحيل ظلاله على طول الشارع في الصباح الصيفي المبكر.

وفى هذا المساء بالذات تبدو البلدة مهجورة، فلا تجد جيني عناء في إيجاد موقف لسيارتها مباشرة عند المدخل المزخرف لبناء المنزل.

تدخل إلى الرواق بأناقته الرصينة التي أصبحت رثة بفعل الزمن: درج رخامي " سياج سلم نحاس، بساط أحمر سميك، زجاج شبابيك معشق لوحات على الجدران، موزاييك على الأرضية، حاملات مصابيح جدارية مميزة الشكل ترسل ضوءا موحشا على كل هذا البهاء.

قفص المصعد يرسل صريرا وهو يهبط ويتوقف متنهدا. يفتح باب المطعم جانبا وتظهر امرأة ضخمة متدثرة كليا بالسواد تتلمس طريقها إلى الخارج. تحمل بمقبضها عصاة بيضاء. توقف جيني فجأة اندفاعها لتساعد السيدة العجوز، فهي تبدو وكأنها في منزلها. بعد أن وقفت على أرض ثابتة "سارت بسرعة مذهلة نحو السلالم، تمسك باسياج بلا تردد وتبدأ نزولها نحو باب الشارع.

تدور إلى الخلف وكأنها تدرك أن هنالك من يراقبها. وجهها قوى وشاحب جدا. محجر عينها اليمنى محملقا أجوف. عندما تشاهدجيني تبتسم ابتسامة خابية وتدور باتجاه الباب الذي تفتحه دون أدنى صعوبة.

(الجدة امرأة مليئة بالحيوية وسيمة ذات عينين صافيتين وخدين لا يزالان أملسين موردين. تعانق حفيدتها بسعادة). الجدة. لو تعلمين كم أنا سعيدة برؤيتك ! أنا وجدك أصابتنا نشوة مفاجئة طوال اليوم. تعالى معي لأريك. وضعتك في غرفة كارين. لن تنزعجي هناك. والآن وفى فصل الصيف لا يصدر أي صوت عن الشارع. هل تفضلين وسادة أقسى؟ على ما أتذكر أنك..

جيني: كلا، شكرا يا جدتي هذا جيد.

الجدة: دعيني أرى الآن... لقد اخليت لك المكتب وإحدى الخزائن. استطيع أن أخلى الأخرى أيضا اذا لم يكن لديك متسع من المكان. أنها ملابس صيفية قديمة فحسب. لا أدري لم هي مازالت هنا. من الأفضل أن....

جيني: جدتي الحبيبة خزانة ومكتب أكثر من كاف. الجدة: اذا كنت بحاجة الى طاولة كتابة أكبر استطيع إدخال تلك الموجودة في غرفة كارل. من المستبعد حضوره هذا الصيف، وربما انت...

جيني: استطيع أن اتدبر أمري بهذه الطاولة.

الجدة: عديني أن تقولي لي إذا ما احتجت شيئا. أنا وجدك كنا ننتظر حضورك.

جيني: وأنا كذلك.

الجدة: والآن دعينا نذهب ونحيى جدك.

جيني: كيف حاله.

الجدة. اعتقد أنه أحسن ( تضحك ضحكة صغيرة) تعلمين أنه قد أصبح ظريفا جدا.

(دخول غرفة استقبال الجد والجدة مثل دخول العالم الذي مات بانتهاء الحرب العالمية الأولى. الستائر، كل ما هو معلق " البسط، المفروشات، الصور، حاملات المصابيح الجدارية الدائرية. الأبواب الفرنسية العالية، الساعة النحاسية، المدفأة المفتوحة، المرايا، التماثيل النصفية الصغيرة، أعداد لا تحصى من صور الأولاد والأحفاد والأصدقاء والأقارب. أواني الزهور وأصص النباتات.. كل شىء هنا يعيش حياته الهادئة الوديعة في ضوء النهار المريح للنظر وغسق الأماسى الطويلة. يجلس الجد في كرسى كبير مريح، الدلالة الوحيدة على مرضه السابق شحوبه. وهو نظيف الثياب حليق الذقن. الى جانب الكرسي طاولة منخفضة تتراكم عليها الكتب والجرائد والألبومات، وكذلك كأس من الشراب الصافى. مد الجد يده وأخذ يقرب جيني اليه، وبينما هما يتعانقان تنزلق نظارته الى الأسفل بصورة معوجة. تبدو على الاثنين علائم التأثر).

جيني: مرحبا يا جدي ! جئت لامكث فترة شهرين. ايريك يهديك السلام. انه في شيكاغو يتابع أعمال مؤتمر. لقد تكلمت معه على الهاتف وقال أن لديه الكثير ليخبرك به. جدتي تقول إنك تشعر بتحسن وهذا يبدو عليك. سوف تشرب فنجانا من الشاي معنا، أليس كذلك؟

(تعطيه الجده الشاى على صينية صغيرة تضعها على ذراع الكرسي. وعلى صحن شريحتان من الخبز المحمص مدهونتان بالمربى).

الجدة: وكيف حال أنا الصغيرة؟

جيني: ذهبت البارحة الى مخيم فروسية وما لبثت أن وقعت في حب فتى يكبرها بثلاثة أعوام. يخبرها عن ثورة العالم. والأمور على أحسن ما يرام.

الجدة: هل الولد في نفس المخيم أيضا؟

جيني: جدتي العزيزة لا تحملي هما. أنا اتمت الرابعة عشرة وتستطيع أن تعتني بنفسها.

الجدة: هل تأخذين سكرا؟

جيني: نعم شكرا. ثلاث قطع. جدتي ! هل صنعت الفطائر المستديرة: في الوقت الذي قررت اتباع نظام غذائي خاص.

الجدة: لم اسمع شيئا أغبي من هذا.

جيني: على أي حال بعد مخيم الفروسية ستذهب أنا لتمكث مع صديقتها المفضلة سكاين، ولن تعود للمنزل حتى بدء المدرسة.

الجدة: ومتى سيكون البيت الجديد جاهزا للانتقال اليه؟

جيني: أتمنى أن يكون ذلك عند بداية أغسطس. لقد أقسم البناؤون بالكتاب المقدس. لا أحد يعرف على أي حال. الجدة: وستنشغلين طوال فترة الصيف.

جيني: نعم.

الجدة: ألن تأخذي أية اجازة إطلاقا؟

جيني: آه، اريك وأنا قد نذهب إلى تيورمينا في أكتوبر. سوف نرى.

الجدة: فقط ما نوع هذا العمل؟

جيني: أنا أخذت مكان المشرف الطبي للعيادة السيكولوجية في المستشفى العام.

الجدة: أرجو أن يكون المردود المالي مرتفعا؟

 جيني: نعم، شكرا يا جدتي، المردود المالي جيد. الجدة. كيف ترين عملك؟

جيني: أنا من نوع البشر الذين يحبون ما هم فيه. أنا اشبهك. (الجدة التى انهت شرب شايها بدأت ترخو الجوارب، تلقى النظر على حفيدتها من فوق نظارتها)

الجدة: ما بالك؟

جيني: بالنسبة لي؟ أنا جيدة.

الجدة: هل هناك من خلاف بينك وبين أريك؟

جيني: (تضحك) كلا، قطفا كلا !

الجدة: هنالك شئ على أي حال.

جيني: أنا فقط مضطربة قليلا. لم أشف حتى الآن من تلك الانفلونزا التي أصابتني في الربيع. ربما أكون بحاجة إلى فيتامينات أو ما مشابه ذلك.

يسمع صوت نخير من كرسي الجد. تقف الجدة  فورا وتذهب اليه ثم تنادى جيني.

فتح الجد ألبوم صور قديما. هنالك صور من صيف بعيد عندما كانت جيني فتاة صغيرة وكان المنزل الكبير في الأرخبيل، مليئا بالأولاد والكبار.

الجدة:.اعتقد أن هذا كان صيف الثمانية والأربعين. نعم، لا ريب أنه ذلك الصيف لأن جريتا كانت حاملا وراجني كان مولودا في. بداية سبتمبر. كما كان عددنا كثيرا عندئذ! وذلك القارب البائس الذي كان لدينا والذي كان دائما يتحطم. كم كنت ازدريه.

(تقول الجدة هذا على سبيل الإغاظة بينما يبتسم الجد ابتسامة ساخرة. ثم يشير بأصبع طويل نحيل إلى صورة لجيني وهى ف&#