الرحلة العمانية الأساطير، الأئمة الجبال، الأفلاج

أمجد ناصر (شاعر من الأردن يقيم في لندن)


مرة واحدة كنت بالقرب من عمان....

حدث ذلك في مطلع العام 1981 عندما زرت محافظة " المهرة " اليمنية الجنوبية (كانت يومها تسمى "المحافظة السادسة") في معية ثلة من الطلبة العرب المبتعثين الى عدن.

كنت، حينذاك "طالبا" من نوع خاص، أتلقى اقساطا كثيفة من العزلة والضجر والصمت أكثر مما أتلقى " العلوم " التي جئت للنهل منها، وكانت تلك " علوم " السمة المميزة للعصر، الطابعة متنه وحواشيه بتوقيعات الثلاثي: ماركس، انجلس، لينين على ما لقننا اياه، بإيمان العجائز الوطيد، اساتذة روس والمان،شرقيون ويمنيون " جنوبيون " متدرجون في مراقي "الاشتراكية العلمية".

كان ابتعاثي الى عدن المحروسة بأنصال الرواسي البركانية نوعا من العقوبة لشخص يقيم في مدينة يلعلع فيها كل شيء: الرصاص، القصائد، النساء، الشعارات، ملصقات الحياة والموت، التواريخ التي تكتب والتواريخ التي تمحى، لذلك تصرفت كما يتصرف المنفي: عداء وتجاهل للمكان الجديد واحتشاد بالحنين المرسل على عواهنه الى بيروت.

ولا أملك، الآن، سوى الاسف على خيلاء الفتوة التي جعلتني امشي على الأرض مرحا، منصرفا عن تقري الأزمنة المتعاقبة على الصهاريج الحجرية التي قورتها الجن، والروح الباسلة التي تناضل في الا شجار القليلة، والصلة التي تتجاوز التطير بين النافذة والغراب الاسود والصمت البليغ الذي يفرض نفسه سيدا أوحد على الظهيرات، والخلخال الفضي الذي يلمع في كاحل فضيم لامرأة تصعد الهوينى الى الحافلة العمومية والعيون السود الكحيلة التي طورت في احتجاب الجسد معجما خاصا لتراسل الاشواق وروائح البخور والعطور الشرقية الثقيلة المعششة ببعض الحوانيت الباقية من الحقبة الكولونيالية والخط البحري لشركة الهند الشرقية. وليس بلا دلالة ان تحضر عدن مقرونة بالجنة مرة، واخرى بالجحيم.

كما انه ليس بلا دلالة، عجائبية هذه المرة، ان تطيح المصائر بعلي سالم البيض آخر زعيم اشتراكي لليمن لاجئا سياسيا الى عمان !

لكنني، اليوم، لست في وارد استعادة صورة "اليمن الجنوبي" في ذهن الفتى النزق الذي كنته الا كمدخل لعمان.

وهو مدخل يبدو غريبا للوهلة الاولي.

فلم يكن هناك ما يجمع " اليمن الجنوبي" بعمان الا التنافر والخيارات المشدودة على طرفي نقيض  ففيما " الاباضية " هي المذهب السائد في عمان فان الغلبة للسنة الشوافع في جنوب اليمن.

وفي الوقت الذي كانت فيه عدن تولي وجهها شطر " الكتلة الشرقية " كانت عمان تدير وجهها جهة الغرب. في عدن كانت د" الاشتراكية العلمية " تجرب حظها العاثر في افقر مصر عربي وسط صراع الاجنحة الدامي في " الحزب الاشتراكي" فيما كانت ممسقط تخرج من وراء استار العزلة القاسية التي فرضها عليها انحطاط مصائر التاريخ وتجتث آخر المتمردات الكبرى في شبه الجزيرة العربية، حاثة الخطي للحاق بالعصر في طوره الغربي. وبسبب بقايا الثورة في ظفار وبيارقها المهزومة وكتبها الحمراء المبعثرة ذهبت الى "المحافظة السادسة " في ركب فتيان من الطيف العربي الواسع متطوعين بحماسة ثورية لتعليم الصغار والاميين من اهل الصقع ولا من الظفاريين مبادئ القراءة والكتابة.

وكانت تلك أقرب نقطة من عمان.

بل لعلها النقطة التي عبرت منها بعض الهجرات التاريخية للقبائل العربية الجنوبية التي هجرت مرابعها بعد انهيار سد مأرب واستقرت في عمان.

ويبدو أنني لم آنس في نفسي ميلا للتعليم ولا للبقاء في ذلك المكان فقفلت عائدا الى عدن.

ومذ ذلك انتهى تماسي العابر مع عمان.

كان الشعر والعمل الصحفي هما اللذان حملاني الى الاماكن التي زرتها وليس طلب الرحلة في حد ذاتها، فالحياة العربية العاصفة والمنشقة على نفسها تجعل الرحلة، حيث ترغب، دونها خرط القتاد.

فالشعر إذن، هذا الشغف العربي الذي لم تفتح له همة، كان بوابة دخولي الى عمان، فمسقط، عاصمة الديار العمانية، بادرت منذ عامين الى اقامة مهرجان شعري سنوي ينظما "النادي الثقافي" وهو مؤسسة حكومية تعني بالنشاطات الثقافية، بذلك تكون مسقط هي العاصمة الوحيدة في شبه الجزيرة العربية التي تستضيف مهرجانا مكرسا للشعر غير مصحوب بعدة المهرجانات الثقافية من فنون وفلكلور وترفيه.

وأحسب إن الأمر بادرة من الكتاب والشراء العمانيين المنضوين في " النادي الثقافي " ممن عرفوا الحياة الادبية العربية بتنوع صورها واتجاهاتها.

هكذا انطلقت من لندن الى ممسقط على متن " طيران الخليج " لسبع ليال بقين من شهر فبراير 98بصحبة الشاعر الفلسطيني محمد القيسي في رحلة استغرقت ثماني ساعات ونصف من الطيران المتواصل، كانت مثالا للعبور الخارق من الارض التي يهدر حدها بحر الظلمات الى الارض التي يسرح على حوافها خليج عمان خفيفا، أزرق كالأبد.

غادرنا لندن في مساء رمادي بارد ووصلنا مسقط في صباح مكلل ببركات الشمس التي كان لها في تلك الديار، شأن سائر بلاد الشرق العربي، معابد وتهاليل.

كانت في استقبالنا، بعد أن دلفنا الى قاعة المطار، موظفة سراء ترتدي زيا حديثا محتشما وتغطي رأسها بإحكام، لم يكن صعبا التعرف الينا، فلم تصل الى مطار مسقط في ذلك الصباح المبكر سوى الطائرة القادمة من لندن وليس بين ركابها ذوو الغلبة الانجليزية والهندية، ربما، سوى نحن الاثنين. قادتنا الموظفة الى قاعة خاصة واحضرت لنا قهوة سألتنا ان نرتاح ريثما تهيئ معاملات الدخول.قلت للشابة: هل أنت سودانية؟

فضحكت، واجابت بحركة من يدها: لا، لا، بل عمانية !

ثم أردفت: أمي ايرانية الأصل ووالدي عماني.

سألتني وهي تبتسم: ولم ظننت أنني سودانية؟

لم أقل لها: ان ذلك بسبب سمرتها الداكنة وملامحها الافريقية، بل قلت ربما بسبب لهجتك، فلست على معرفة باللهجة العمانية.

ويخيل الي ان مظن سؤالي لا يتعلق باللون والملمح فقط بل ايضا بما وقر في ذهني عن بلدان الخليج لجهة الاعتماد المفرط على العمالة الخارجية.

 وستبرهن لي الايام التي قضيتها في ربوع هذا البلد انني مخطئ. فأوجه الشبه بين عمان واخواتها في " مجلس التعاون الخليجي" ليست كبيرة، خصوصا، على هذا الصعيد، وسيتعين علينا ان نرى عمانيات وعمانيين يعملون في مرافق شتى جنبا الى جنب مع عرب وأجانب، فالخطاب السياسي الرسمي الذي وقعنا على شذرات منه هنا وهناك يدرج الاعتماد على العمالة العمانية مدرج الهدف الوطني العالي.

فرغنا من قهرتنا فعادت الشابة وقد أنجزت جانبا من معاملاتنا، فمهرنا جوازات سفرنا بالاختام الرسمية وهممنا بالخروج، لكن أحد افراد الشرطة طلب، في اللحظة الاخيرة، ان يرى الكيس البلاستيكي الذي يحمله محمد القيسي فوجد فيه " زجاجة" سوداء الغلاف، اسكتلندية المنشأ.

قال الشرطي: ان ادخال المشروب الى عمان ممنوع من قبل المسلمين. فرد القيسي: ولكنني ابتعتها من الطائرة الخليجية القادمة الى عمان ولم يقل لي أحد ما اذا كان المشروب ممنوعا هنا أم لا. فقال الشرطي: هذه هي التعليمات.

لاحظت اننا نحمل جوازي سفرنا بأيدينا، القيسي يحمل جواز سفر اردنيا وأنا جوازا بريطانيا.

الهذا، يا ترى، لم يطب الشرطي ان يرى شيئا من امتعتي مع انني كنت أحمل كيسا مطابقا للكيس " المشبوه" الذي يحمله زميلي؟ هكذا عن لي ان أتساءل فيما بعد.

كان على القيسي ان يحضر "مراسم " اتلاف الزجاجة الاسكتلندية سوداء الغلاف امام ناظريه ولكنه أعفي، أقله، من دفع الغرامة البالغة خمسة ريالات عمانية، أي ما يعادل خمسة عشر دولارا، نظرا لكونه شاعرا!

في باحة المطار الخارجية كان راشد المكتومي مندوب "النادي الثقافي" وثلاث كاتبات عمانيات يستقبلوننا، وقد تساءلوا عن سبب تأخرنا في الخروج فأبلغناهم بحديث "الزجاجة" فضحكوا قائلين ان هذا ما جرى للشعراء العرب "المسلمين" الذين حلوا قبلنا.

"مسقط" و "مطرح"

استغرقت الرحلة من مطار "السيب" الى فندق "الانتركونتيننتال" الواقع على "ساحل القرم" في العاصمة نحو عشرين دقيقة.

كانت المنطقة التي تمر بها السيارة منبسطة وخالية من العمران الذي اخذ يلوح ويكثف كلما اقتربنا من الساحل.

تقع مسقط على خليج عمان، في الجزء الجنوبي مما يسمي بـ "ساحل الباطنة" وتتصل شرقا بسلسة "جبال الحجر" التي تشكل قوسا عظيما يتجه من الشمال الشرقي للبلاد الى جنوبها الغربي.

والعاصمة العمانية تتكون، كما خبرنا لاحقا، من مدينتين اثنتين واحدة تدعى "مسقط" والاخري تبعد عنها نحو ميلين وتسمى "مطرح". والاثنتان تحتلان شريطا ساحليا ضيقا يقع تحت انظار الجبال الجرداء.

في الاولي تقع المرافق السلطانية والحكومية ويندر فيها وجود سكن أهلي أما الثانية فتتوافر على الاسواق الشعبية والسكني معا، وتختلط فيها سحن بشرية متنوعة، وان كان الملمح الآسيوي (الهندي) هو الغالب.

وباستثناء القصر والمرافق السلطانية وبعض اسواق "مطرح" وحاراتها القديمة فان أحياء العاصمة الاخري مثل "روي" و "ساحل القرم" و "الخوير" و "بوشر" حديثة العهد، ومعظمها تم تشييده بعد عام 1970، فحسب بعض المنشورات الحكومية التي تتحدث عن "النهضة"، وهي مصطلح يثير الى تسلم السلطان قابوس مقاليد الحكم في البلاد، فان العاصمة لم يتجاوز امتدادها على الساحل اكثر من نصف ميل في العهد السابق. عهد والد السطان قابوس المتسم بالغموض والعزلة فقد كانت رقعة العاصمة في العهد السابق مضغوطة بين قلعتي" الجلالي" و" الميراني " اللتين ترجعان أصداء الصراعات الداخلية والخارجية على المكان. وبهذا المعنى تعتبر مسقط بأحيائها الجديدة وحدائقها المستنبتة ومشبكات اتصالها وطرقها من احدث العواصم العربية منا.

ولا يخفى على الناظر، وهو يعبر شوارعها أن يلحظ نظافتها الاستثنائية، وليست النظافة متأتية من قلة الحركة (وهذه ظاهرة لافتة للنظر) بل من الجهود البلدية المبذولة على هذا الصعيد، والحال، فليسس غريبا أن تشاهد اكثر من يافطة مكتوب عليها "ممنوع البصق في الشوارع"، وقد انتهى الى علمنا ان البلدية تفرض غرامة مالية على كل من يضبط " متلبسا " بهذا الفعل القبيح!

لكن مسقط الحديثة لها أفتها ايضا، وهي آنة عربية الطابع، فكأن التحديث، في التصور العربي، هو قطع حبل السرة مع البيئة وخبرات الماضي واستجلاب مواد وانماط بناء وعيش "عصرية " لا تستقيم مع المحيط الطبيعي.

وفي مقالة للباحث هلال بن علي الهنائي يرى ان التطورات المعمارية التي شاعت مؤخرا في بلدان الخليج العربي تميزت باغفال الكثير من مبادئ اقتصاديات الطاقة التي تمت بلورتها عبر الزمن في الانماط المعمارية المحلية.

حدث ذلك على الرغم من كفاءة هذه الانماط المعمارية التقليدية في توفير بيئة حرارية ملائمة في جو المنطقة القاسي خلال مئات عديدة من السنين.

ونتج عن إهدار هذا الإرث، كما يرى الهنائي، إسرافا كبيرا في توليد واستهلاك الطاقة الكهربية لمواجهة الاحتياجات المتزايدة للبناء ونمط العيش الجديد والتي وصلت، في سلطنة عمان على سيبل المثال، إلى استهلاك 70% من الطاقة الكهربائية المولدة لتكييف المباني الحديثة ذات الكفاءة الحرارية المنخفضة.

ومشكلة عمان على هذا المستوى اكثر إلحاحا من سائر بلدان الخليج العربي الأخرى، نظرا لكون المخزون النفطي في السلطنة يقدر بحوالي 40 عاما، وهي فترة اقل من العمر الافتراضي لاي مبنى حديث. فالتحديث لم يقتصر على اهمال مواد البناء المستنبطة من البيئة والاستعاضة عنها بالاسمنت والحديد بل طاول، دون شك، إسلوب البناء التقليدي ونمط المعيشة نفسها.

ومن المؤكد آن التغلب على الحرارة العالية والرطوبة القياسية، خصوصا في المناطق الساحلية، كان هاجس العمارة التقليدية، فها هو ماركو بولو يصف مدينة "هرمز" العمانية في كتاب رحلته الى الصين فيقول،فالحرارة التي تنجم هنا مفرطة ولكن القوم يتزودون في كل بيت بنوافذ يدخلون بواسطتها الهواء إلى مختلف الطوابق والى كل شقة من شقق المنزل حسب الإرادة. فلولا هذه الوسيلة ما امكن العيش بتلك المنطقة ".

وهأنذا بعد ماركو بولو بقرون عديدة وفي فصل من أجمل فصول عمان، هو فصل الربيع، اجلس مع رفاقي الشعراء العرب والعمانيين في صالة من صالات " الانتركونتيننتال " العديدة في جو من التكييف الصناعي الذي تكتم هديره الكهربي التكنولوجيا الحديثة. ويمكن لنا ان نتخيل أي صورة من صور الجحيم ستكون عليه الحياة في هذا الطود الاسمنتي المحكم الاغلاق اذا ما انقطع التكييف الصناعي في صيف تتجاوز فيه الحرارة خمسين درجة مئوية مصحوبة برطوبة تبلغ نحو سبعين في المائة؟

رحلة مالك بن فهم

أزعم ان عمان ظلت حتى عهد قريب من اكثر الاقطاع العربية غموضا. اذ قلما يصادف المرء اسمها او صورتها في اخبار العرب التي لا تكف عن ادهاشنا بمدى سوئها، وفي الحال العربية فان " اللااخبار" هي حسب المثل الانجليزي، أخبار جيدة، مع ان الناس في داخلية عمان ما

يزالون الى يومنا هذا يبادرون الضيف بالسؤال عن الاخبار!

غير أن " غموض " عمان ليس متأتيا من قلة " الأخبار " فقط بل من الموقع الجغرافي والتكوين المذهبي وانكفاء البلاد على شؤونها ايضا. ولكننا اذا عدنا الى المراجع التاريخية العربية وادبيات الاخباريين العرب سنجد لها ذكرا حميدا، وقد نفاجأ ايضا اذا عرفنا انها كانت، يوما "مبراطورية" ذات شوكة تمكنت من بسط نفوذها على شرق افريقيا ووصل مجالها الحيوي الى الهند والصين.

ولنبدأ من حيث يرد اول ذكر لها في الوثائق التاريخية.

ويبدو، حسب ما جاء عند وندل فيليس الذي وضع كتابا عن تاريخ عمان لا ينقصه الهوى والابتسار، ان بطليموس هو أول مؤرخ أجنبي يأتي على ذكرها.

وهناك بعض الروايات التاريخية تشير الى وجود مملكة مزدهرة في عمان قبل وقوع الغزو الفارسي في عهد " قورش العظيم " الذي كانت من جملة مآثره اعادة اليهود الى فلسطين بعد سبيهم على يد نبوخذ نصر الكلداني.

اما المؤرخ العماني الامام نور الدين السالمي فيشير في كتابه القيم " تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان " الذي أهدانيه حفيده زاهر السالمي فيرجع اول وجود عربي في عمان الى فترة متقدمة على الاسلام، فيقول " وسمعت من يدعي المعرفة بذلك يقول: ان ذلك كان قبل الاسلام بألفي عام وذلك بعدما أرسل الله على سبأ سيل العرم وخرجت " قبائل " الأزد منها الى مكة وارسلوا روادهم في النواحي يرتادون الأمكنة، وتفرقوا من هنالك الى الاطراف وخرج مالك (بن فهم في جملة من خرج الى (جبال) السراة، ثم منها الى عمان ".

ومن المستبعد أن تكون هجرة الازد قد حدثت قبل الاسلام بألفي عام والمرجح، حسب اكثر الروايات تطابقا، بأنها حدثت في القرن الثامن قبل الميلاد.

اما قصة خروج مالك بن فهم زعيم قبائل الازد العربية الى عمان التي ترد عند اكثر من أخباري عربي بينهم المسعودي والسجستاني فهي على قدر معتبر من الطرافة والدلالة في آن.

فيروى ان ابناء اخي مالك بن فهم كانوا يسرحون بأغنامهم على طريق بيت جار لهم كانت لديه كلبة تنبحهم وتفرق شمل غنمهم كلما مروا، فما كان من احدهم الا ان رماها بسهم فقتلها. فرفع صاحب الكلبة الامر الى مالك فغضب وقال: لا أقيم ببلد ينال فيا جاري مثل هذا. ثم خرج من أرض السراة فيمن أطاعه من قومه ومن اتبعه من احياء " قضاعة " وسار متوجها الى عمان تاركا وراءه بني أخيه الذين اعتدوا على كلبة جاره.

وقد اعتزل عنهم ابنه جذيمة الابرش بن مالك فيمن والاه من الازد وسافر الى أرض العراق.

ويروى ايضا ان ابل زعيم الازد بعد ان قطة شوطا بعيدا عن "السراة" حنت الى مراعيها واقبلت تتلفت نحوها فأنشد مالك قصيدة منها هذا البيت:

فحني رويدا واستر يحي وبلغي

                        فهيهات منك اليوم تلك المألف

عبر مالك بن فهم في مسيرته الشاقة من "اليمامة" في أرض الحجاز الى "قلهات" القريبة من ميناء "صور" العماني مارا بحضرموت فوادي مسيلة ومنه الى "سيحوت".

وقد بلغه ان جيشا عرما من الفرس يعسكر في عمان فبعث برسالة الى "المرزبان" عامل الملك الفارسي على عمان يقول له فيها "لا بد لي من المقام في قطر من عمان وان تواسوني في الماء والمرعى، فان تركتموني طوعا نزلت في قطر من البلاد وحمدتكم وان أبيتم أقمت على كرهكم وان قاتلتموني قاتلتكم، ثم ان ظهرت عليكم قتلت المقاتلة وسبيت الذراري ولم اترك احدا منكم ينزل عمان أبدا". فرفض عامل الملك الفارسي طلبه فاستعد مالك لمقاتلته، وقيل ان الجيش الفارسي المرابط في عمان كان يبلغ زهاء ثلاثين ألف رجل فيما لم تتجاوز عزوة مالك بن فهم عشرة آلاف.

ويفيد بعض الروايات ان القتال بين الجيشين الذي دارت رحاه بالقرب من مدينة "نزوى" في وسط عمان، استمر نحو اربع سنوات كانت الغلبة فيه لاتباع مالك بن فهم، فاضطر "الفرس" الى عقد هدنة بين الطرفين لكن هذه الهدنة نقضت لاحقا فعاد رجال مالك الى منازلة الفرس وهزموهم مرة اخرى.

وحسب وندل فيليبس فان مالك هو اول حاكم عربي مستقل بسط نفوذه على ارجاء واسعة من عمان واستمر حكمه حسب الروايات العربية زهاء سبعين سنة وقتل خطأ على يد اصغر ابنائه واكثرهم حظوة لديه وقد بلغ من العمر العشرين بعد المائة.

والى مالك بن فهم ينسب بيت الشعر العربي القائل:

أعلمه الرماية كل يوم

ولما اشتد ساعده رماني

وتلك اشارة محزنة الى السهم الذي اطلقه عليه ابنه الصغير عندما كان مولجا حراسة مقره ظانا انه متسلل يريد الغدر بوالده !

ويبدو ان مالك بن فهم قد بسط نفوذه على البر والبحر وصارت تنسج حوله الاساطير، فها هو المؤرخ نور الدين السالمي ينقل في مؤلفه "تحفة الاعيان بسيرة أهل عمان" حديثا اورده المؤرخ العماني العوتبي في كتابه "الأنساب" عن ابن عباس يقول ان مالك هو الذي جاء ذكره في القرآن بانه كان يأخذ كل سفينة غصبا.

ويحيلنا هذا الى قصة موسى والخضر.

يقول السالمي في الرواية المعنعنة "فانطلق موسى والخضر ويوشع بن نون، حتى اذا ركبوا السفينة ولججوا خرق الخضر السفينة وموسى عليه السلام نائم. فقال اهل السفينة ماذا صنعت؟ خرقت سفيتننا واهلكتنا. فايقظوا موسى وقالوا ما صحب الناس اشر منكم. خرقتم سفينتنا في هذا المكان، فغضب موسى حتى قام شعره فخرج من مدرعته واحمرت عيناه واخذ برجل الخضر ليلقيه في البحر فقال "اخرقتها لتفرق أهلها لقد جئت شيئا امرا". قال له يوشع يا نبي الله اذكر العهد الذي عاهدته. قال صدقت. فرد غضبه وسكن شعره وجعل القوم ينزفون من سفينتهم الماء وهم منها على خطر عظيم وجلس موسى في ناحية السفينة يلوم نفسه، يقول لو كنت في غنى عن هذا في بني اسرائيل اقرأ لهم كتاب الله غدوة وعشية فما ادناني الى ما صنعت؟ فعلم الخضر ما يحدث به نفسه فضحك ثم قال "ألم أقل انك لن تستطيع معي صبرا".

أحدثت نفسك بكذا وكذا؟ قال موسى "لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا". فانطقوا حتى انتهوا الى عمان وكان الملك يريد ان ينتقل منها وكان كلما مرت سفينة اخذها وألقى أهلها، فاذا الناس على ساحل البحر لا يدرون ما يصنعون فلما قدمت سفينتهم قال أعوان الملك: اخرجوا عن هذه السفينة. قالوا ان شئتم فعلنا ولكنها مخرقة، فلما رأوها وخرقها قالوا لا حاجة لنا بها. فقال اصحاب السفينة جزاكم الله عنا خيرا فما صحب قوم قوما اعظم بركة منكم، واصلح الخضر السفينة فعادت كما كانت".

ولم يكن الملك الذي يأخذ كل سفينة غصبا سوى مالك بن فهم.

×××

الاخباريون العرب مولعون بالاسطوري والخارق. ولم يشاءوا ان يتركوا عمان دون نصيبها من القصص العجيب.

مثل ذلك ما يرويه العوتبي في "الانساب" عن مرور النبي سليمان بن داود صاحب الجن في عمان فيقول "ان سليمان بن داود عليهما السلام سار من ارض فارس في قلعة اصطخر الى عمان نصف يوم ونزل موضع القصر من سلوت من عمان، وهو بناء جديد كأنما رفع الصناع أيديهم منه في ذلك الوقت واذا عليه نسر فسأله نبي الله عليه السلام عنه فقال: يا نبي الله اخبرني ابي عن ابيه عن جده انه عهده على هذه الحال، فقال في ذلك بعض الشياطين الذين صحبوا سليمان عليه السلام:

"عدونا من قرى اصطخر.. الى القصر فقلناه

فان نسأل عن القصر.. ف&#