ديوان: "وهم الاسماء لصلاح نيازي
سومر أيضا.. وأيضا.. وأيضا

بنعيسى بوحمالة (ناقد ومترجم من المغرب)


1

انطلاقا من العرف المتواطأ عليها سوسيولوجيا ونقديا، القاضي بتشطير الصيرورة الشعرية الى عشريات متتالية تأوي كل واحدة منها، ارتكازا على جملة من الاعتبارات العمرية والتاريخية والابداعية، مجموعة من الشعراء المتجانسين لا من حيث التصور ولا من حيث الرؤيا الشعرية، سيكون قدر فئة وافية من الشعراء المعاصرين في العراق الانحشار على شاكلة ما جرى لنظراء لهم في أقطار عربية أخرى، وذلك لقاء بروزهم الشعري، صدفويا، من جهة بعيد الشعراء الرواد ومن جهة ثانية قبيل جيل الستينات، بسنوات ضئيلة لا غير في منطقة عازلة كثيرا ما تم التغاضي عنها، ان اعلاميا او نقديا، وكأنما الامر من قبيل العقاب الرمزي، فيما خلا حالات محدودة، لأسماء وتجارب شعرية شاء لها سوء الطالع، أو الحري مكر التاريخ الأدبي، أن تنتسب الى تلك المنطقة البرزخية المتضايقة الفاصلة بين مساحتي نفوذ شعري لجيلين قويين، متماسكين: جيل الرواد المحصن بسمعة اعلامية ونقدية سوف تتعدى المجال العراقي لتطول الرقعة الشعرية، والثقافية، والعربية برمتها، وجيل الستينات المصنف كأحد انبه الاجيال الستينية العربية، واوفرها وعيا ومراسا ولياقة بالكتابة الشعرية الطليعية.

هذه الفئة الواسعة من الشعراء سيجري اذن، بناء على مسوغ كالذي سطرناه، توصيف المحسوبين عليها لدى القائمين على الشأن الشعري والنقدي العراقي بنعت "الملاصقين"، أي المتماسين، زمنيا وابداعيا، مع الأسماء الأربعة الاساسية التي اعتبرتها نازك الملائكة، ضمن مصنفها النقدي "قضايا الشعر المعاصر"، المدشنة الفعلية لنموذج القصيدة الجديدة، متكئة في هذا الاعتبار على قرينتي الجدة النصية والتداول القرائي، وهكذا فان نحن نحينا جانبا، وفقا لتحليلها، أسماء كل من نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وعبدالوهاب البياتي، وشاذل طاقة، علاوة على بلند الحيدري، الذي وان احترزت على ادراج اسمه هو الآخر الى خانة الريادة يبقى له، بكيفية او بأخرى، موقعه الاعتباري المماثل لوضع هذه الاسماء الاربعة، فان أسماء كصالح جواد الطعمة، ورشيد ياسين، ومحمود البريكان، وراضي مهدي السعيد، وعلي الحلي، ومحمد جميل شلش، والفريد سمعان، وسعدي يوسف، وعاتكة الخزرجي، ولميعة عباس عمارة، وعبدالرزاق عبدالواحد، ويوسف الصائغ، وموسى النقدي، ورشدي العامل، وهاشم الطعان، وشفيق الكمالي، وحنظلة حسين، وكاظم نعمة التميمي، ومحمد راضي جعفر، وأكرم الوتري، وكاظم جواد، وحسين مردان، وصلاح نيازي، سيكون قدرها، مثلما ألمعنا الى ذلك، أو سيراد لها، لا فرق، ان تؤثث، ليس أكثر، حواشي المشهد الشعري الخمسيني الذي مثلت الاسماء الخمسة المذكورة نواته الصلبة او بؤرته الضاربة.

2

وعلى الغرار من أية مجموعة شعرية لزم ان تخضع فئة "الملاصقين" لقانون الانتقاء الزامتي الصارم، نقصد انحدار مؤشر منجزها التصوري والشعري الشامل، وبوتيرة قياسية لافتة في وضعيتها هي بالخصوص، من صعيد الكثرة الكاثرة من الاسماء والتجارب الى مستوى القلة القليلة التي اقتدرت، بفضل ما حازته من مؤهلات معرفية صلبة وممكنات تخيلية مقنعة، على مواصلة الطريق بدأب ومواظبة ملحوظين، والنتيجة المتعينة هي أنه من بين ذلك الكم الهائل من الاسماء والتجارب فبة جد محدودة فقط من الاصوات الشعرية هي التي انفكت حاضرة، حضورا شعريا ايجابيا ما في ذلك شك، اذ أعفى الايقاع الحثيث، ان لم نقل الرهيب، للتطور الشعري، مدارك وتقنيات، على اسماء وتجارب عديدة من الاجيال الستينية والسبعينية والثمانينية، عراقيا وعربيا، فما بالنا بجيل الرواد ومن لاصقهم من الشعراء.

ان الانصياع، شبه الوثني، لشعرية القصيدة، ومنح الاولوية لحاجاتها التعبيرية والرؤياوية لهو رهان من الجسامة بمكان، ومما لا يخفى انه بقدر ما ينجر الشاعر في مغالبة اغواء الواقع، والايديولوجيا، الذي قد يوقعه في مطب الابتذال والاخبار الجاهز والوعظية الباردة فيزري بوازع التعالي الشعري، بما هو مطمح أية قصيدة جديرة بهذه التسمية، يقوى على متابعة سبيل الكتابة الشعرية، مع ما تستتبعه هذه المتابعة من مشاق كيانية وروحية لا توصف ويوفق بالتالي، الى انضاج وعيه الجمالي واقتياد رؤياه الى جغرافيات تخييلية غير مطروقة بالمرة او تمت مناوشتها ليس إلا، يستوجب تغورها أقصى ما يمكن من التجاسر والمجازفة، ان اغواء الواقع، والايديولوجيا، لهو بمثابة اكراه ضاغط قد يفضي، اذا ما هونت المخيلة من عاقبته، الى الاجهاز على شعرية القصيدة، تماما كما اغتياله للوعي الجمالي واجهاضه للطاقة الرؤياوية، والابقاء، في المحصلة، على الخبرة الكتابية متواضعة، بل ثابتة مكتفية باعادة انتاج ذاتها، وترتيب مراسيم حتف صاحبها، فعليا ورمزيا.

ولعل (فترة 1958- 1963 كانت أسوأ فترة مرت بها "الواقعية" في الشعر العراقي، لا تماثلها الا فترة حرب السويس، 1956، من طغيان النثرية والتقريرية والخطابية وسطحية الفكر طغيانا لا حد له)(1)، أما الأسماء التي تمكنت من الافلات من بين فكي كماشة هذه الواقعية التي كانت تعلي من قيمة المضمون وتنتصر لمبادئ الالتزام والتحريض والتثوير وتنظر الى التجريب الشكلي كمجرد ميوعة برجوازية، والانتقال بمشروعها الشعري الى ضفة الأمان والكفاية الابداعيين، أي موالاة المشترط الفني، فكانت على درجة من الندرة وسيجسد محمود البريكان، الشيء الذي يكاد يجمع عليه كافة فرقاء الشأن الشعري بالعراق، رأس حربة تلك الانعطافة الشعرية الوازنة في ظرفية تاريخية دقيقة وحرجة، قطريا وقوميا وكونيا، و (يلتقي مع البريكان في هذه "الفنية" حنظل حسين في بعض قصائده كـ "العائدون من القرية" خاصة، وصلاح نيازي في "المتقاعد" وبعض مقاطع من قصيدته الطويلة "كابوس في فضة الشمس")(2)، وبمقدورنا ان نردف الى هذه الأسماء الثلاثة كلا من سعدي يوسف، وعبدالرزاق عبدالواحد، ويوسف الصائغ، ورشدي العامل، وهذه الأسماء في مجموعها هي التي استطاعت، كما تفصح عن ذلك وقائع سيرتها الكتابية، صيانة استمرارها الشعري، بشكل متفاوت بطبيعة الحال، نقصد مع تغاير طرائق الكتابة والتمثل الشعري والتباين النسبي او الجذري في الرؤية للعالم، في حين انقضت، فعليا ورمزيا، باقي الأسماء بعد أن أطبقت عليها الكماشة الموصوفة بفكيها الشرسين واكتفت، منذئذ، بأخلاقية كسولة في الكتابة والتخييل.

وفي هذا المضمار فان من بين ما ميز تجربة صلاح نيازي الشعرية وخول لها هامشا حيويا للاغتناء والنضوج والتمدد هو انتماء الشاعر، مما يشاركه فيه شعراء آخرون عراقيون وعرب، الى الحقل الاكاديمي وتمتعه برصيد معرفي واعتناقه، مثل كل الاكاديميين الجادين والمستنيرين لقيم التحصيل، والاجهاد، والتواضع الفكري المستديم، فمعروف عنه انه انتصب غداة مجيئه الى انجلترا، في مطلع الستينات، الى كلية الدراسات الشرقية ونال منها شهادة الدكتوراة، ومن هذا الضوء فهو يشكل، الى جوار مواطنه محمود البريكان وشعراء عرب آخرين، كجبرا ابراهيم جبرا، وخليل حاوي وفؤاد رفقة، ومحمد السرغيني.. ما يصح نعته بتيار محدد في فضاء الحداثة الشعرية العربية وذلك بالنظر الى كون هؤلاء لم يحدث ان كتبوا نصوصهم كيفما اتفق، بل كتبوها في كنف ما تلح به عليهم مداركهم الفكرية والثقافية التي تأتت لهم جراء تقوقعهم الاكاديمي، ومن ثم حرصهم، كملمح دال وجامع في موقف مخصوص كهذا، على المزاوجة بين حد التفكير وحد الاستبصار، وبتعبير مواز اتفاقهم الضمني على جعل القصيدة فسحة إنشائية لتمرير أسئلة الفكر وكشوفات الحدس دفعة واحدة، ولعنت هذه المعادلة وضراوتها فان الكلفة التي أدتها، ولا تزال، تجاربهم الشعرية يجلوها ميسم الاقلال الكتابي في مقابل وفرة الإصدارات الشعرية لدى شعراء آخرين يتدبرون المسألة الشعرية من زاوية كونها مسألة حدس فحسب، سواء من مجايليهم أو من غيرهم. إن (الفكر يجب ان يتخفى داخل البيت الشعري كما تتوارى فضيلة الغذاء في قلب فاكهة. فالفاكهة غذاء، بيد أنها لا تتلامح سوى كعنصر تشهي. نحن لا ندرك ما عدا المتعة وإنما نحن نتلقى أيضا جوهر ا) (3) هذه هي الصورة التي سعى هؤلاء الشعراء، كل من ناحيته، إلى تفصيلها لقصيدتهم: إعطاؤها وجها ناعما نعومة فاكهة، رخوة، مستلذة ومدها، في ذات الوقت، بمنسوب فكري لن تخطئه القراءة الحصيفة.

مما ورد في الكلمة التقديمية لديوانه الخامس، " الصهيل المعلب "، إن (شعر صلاح نيازي هو توليفة بين الشعر العربي والشعر الإنجليزي لم، وهكذا فعلى منوال ما يحفل به شعره من تعايش ذكي بين هاجس التعقيل، ان شئنا، وهاجس الإيهام، فهو يوائم كذلك بين اللغة العربية واللغة الإنجليزية على نحو واع وحاذق، مذكرا إيانا بواحد من عناصر الامتياز في شعر بدر شاكر السياب، إذ كان الوحيد من بين أقرانه الرواد، ممن تابعوا دراستهم الجامعية، الذي انتمى، في دار المعلمين العالية ببغداد أواخر الأربعينات، إلى قسم اللغة الإنجليزية، لكن هذا لم يمنعا البتة من مداومة الاهتمام باللغة العربية، بل والتقاط نبضها ورونقها الصافيين من النصوص التراثية الباذخة، وإذا ما كانت تصوره المرويات المختلفة لسيرته متأبطا، الشيء الذي لا يخلو من دلالة ومن مغزى، كراسة شعرية للشاعرة الإنجليزية اديث سيتويل في يد و"حماسة" أبي تمام في اليد الأخرى، فان تجربة صلاح نيازي تسفر من جهتها عن مدى التوفق إلى المواءمة المسؤولة والفطنة بين المتحصل اللغوي العربي في ألقه التراثي الجاذب وبين المعجم اللغوي الإنجليزي في مذاقه الأدبي الرفيع مثلما توضح ذلك التأثيرات المكشوفة أو المضمرة لأعمال وليام شكسبير،

ووليام بليك، وايلان توماس، وت. س اليوت، وشيموس هيني.. في نصوصه، إن إتقانه للغة الإنجليزية تجلوه، إن أردنا التوسع، وذلك بما لا يدع مجالا للتحفظ سواء دراسته الموسومة

"قلعتا المتنبي وشكسبير"- المنشورة في العدد (35) 1997 من مجلة " الاغتراب الأدبي " اللندنية التي يرأس تحريرها منذ 1985- والتي لا تعبر، من منظورنا، عن مفزع نقدي ومعرفي مقارني وكفى وإنما هي تؤشر على المساحة الشعرية، وضمنيا الثقافية، التي تجوبها قصيدة صلاح نيازي، أي استنادها المتوازن على مرجعيتين شعريتين لهما ثقلهما الذي لا ينكر، أو، بالأولى، على متخيلين شعريين تغنم من اكتنازهما الحضاري الشيء الكثير، أو ترجمته الأحترافية لرواية "عوليس"، للكاتب الايرلندي جيمس جويس، إحدى عيون الفن الروائي في القرن العشرين لغة وتقنية وخيالا، والتي ينشرها عبر حلقات متسلسلة في المجلة المذكورة.

فعلى امتداد ما يناهز ثلاثة عقود لم يصدر الشاعر إلا خمس مجموعات شعرية، وهو رقم في غير ما حاجة إلى تعليق عندما تجري مقايسته بالغزارة الإنتاجية التي وسمت السيرة الكتابية للرواد

و"الملاصقين" سواء بسواء، إن الدليل الأوفى، إذن، على عسورة الإنشاء الشعري لديه، على تهيبه الفكري والتخيلي المداوم، كونه لم يوقع، لحد الآن،. سوى خمسة عناوين هي: " كابوس في فضة الشمس " - قصيدة واحدة طويلة - بغداد 1962، " المفكر بين الدرع البرونزي واللحم البشري" - قصيدة واحدة طويلة 0 بغداد 1974، (كما صدرت في طبعتين أخريين إحداهما بالقاهرة )، "الهجرة إلى الداخل، بغداد 1917، "نحن"، بغداد 1979، " الصهيل المعلب " دار رياض الريس، لندن 1988، وأخيرا داوهم الأسماء "، دار الرافد، لندن 1996. وإذا نحن أردنا اختزال تجربة المجموعات الشعرية الأربع الأولي فليس هناك أفضل من القول بأنها تستمري، في الغالب الأعم، مجمل المشترطات الكتابية لشعرية الريادة مادامت قد انكتبت أساسا في ظل

الأوفاق الأسلوبية والتخييلية لهذه الشعرية التي وجهت نصوص جل الأسماء الخمسينية، العراقية والعربية، المتميزة. لكنها تمثل، بالإضافة إلى هذا الملمح المشترك، محفلا لتقاطع هاجس التعقيل وهاجس الإيهام، المشار إليه قبل حين، وكذلك نطاقا لشعرنة، وليس لقصدية أو توثيق، واقع مركب، مفارقي، تبدو إزاءه الأنا الشعرية، المتلفظة في عرض التجربة، والمقذوفة، على الغرار من أيما سقوط ديني أو أسطوري، إلى برانية عالم قاس، بارد، ومتجهم، وحيث يتوجب عليها أن تضحك ووجهها ملتصق بالتراب كما يقول الفيلسوف الوجودي جورج جوسدورف، منشدة، وبقوة، إلى مسقط رأسها الرمزي، ومن فرط ضراوة هذا الانقذاف وحرقة هذا الانشداد سترتدي التجربة إهابا كابوسيا، ممضا، ومفزعا وتضحي قراءتها بالمقابل، محفوفة بنصيب من التوجس والقلق والتوتر والواقع إن شعره، على وجه الإطلاق، ليس في مكنته أبدا أن يختار، ومقتضاه الرؤياوي المركزي على هذه الدرجة من الاحتقان والدرامية، جانب المهادنة أو المخاتلة، (ولو جاز لنا التعبير فاننا نفضل تشبيهه بغابة كبيرة كثيفة، يشقها اكثر من نهر، إلا أن هذه الأنهار ليست مثالية لقوارب النزهة والأحلام الرومانسية، ذلك أنها لا تخلو من تماسيح هائلة وجائعة ).

(4).

3

أكيد إن الديران الثالث، " الهجرة إلى الداخل " يهيئ للقراءة انطباعا منزاحا شيئا ما، بحيث يتراءى كما لو كان لونا من استراحة رؤياوية في مسار الشاعر الكتابي، ضربا من استجماع النفس، إذ (من خلال هذه الهجرة إلى الذات يجد الشاعر بعض الراحة، لكنه مازال يرى طيف

" زينب "، وما زالت " بابل " تذكره بالخيط الذي عقده على إصبعه قبل أن يرحل (5). فالأنة الشعرية وهي تلوذ، وامتصاصا للعياء، الى الدواخل الجوانية والسراديب الحميمية، متنصلة، مؤقتا، من برانية صلدة، مستخشنة، لن تلبث إن تستأنف، توسطا بالديوان الرابع، " الصهيل المعلب "، إنقذافها الكياني الفاجع في أتون برانية يلوح معها العراق، مسقط الرأس الرمزي المستحيل، نقطة الضوء اليتيمة في سديميتها المطبقة، وهو نفسر ما يشف عنه الديوان الخامس، داوهم الأسماء"، حتى لكأنما المقصدية الشعرية في هذا الأخير أيضا تكريس للعاطفة النوستاجية المكينة في مخيلة الشاعر وتنويع على نبرتها السالفة ليس الا. ففي " وهم الأسماء"  يعود لصلاح نيازي توهجه الأول الذي حققه في (كابوس في فضة الشمس ) و( المفكر) و(الهجرة إلى الداخل ) و(نحن ) ثم (الصهيل المعلب )،(6) غير انه يصر، كعادته، إن (يقدم لنا العراق الذاكرة ممتزجا بمكابدات الغربة في مختلف الاصقاع الاوروبية والاندلسية والمغربية، ويقدم لنا حصيلة ناضجة من حصاد خبراته الطويلة مع المنفى مكانا وزمانا، جسدا وروحا (...) هذا الديوان مغمس بالحزن والحكمة، وهو نبض عارم من الحنين الى الوطن والاماكن والأصدقاء الذين كانوا يشغلونها، هو حنين الى السياب ولميعة عباس عمارة وجيكور وبويب وابن زريق البغدادي وعبدالكريم قاسم..(7)، ويضم الديوان سبع قصائد هي كالتالي: " هل وصلت الطائرة بعد، "عشتار والقمر"، "حفلة زواج "، "التعدد"، "قلعة درة"، "وهم الاسماء"، وأخيرا "استحالات ابن تومرت"، وهي قصيدة غير تامة على نحو ما يذهب اليه هامش ايضاحي يذيلها مع أنها اطول هذه القصائد جميعا، وتنقسم الى اربع قصائد فرعية هي: "الصحراء- الرحيل الى بغداد"، "مشارف بغداد"، "الجذر" ثم "الماء".

ولا شك في ان الطباعة الانيقة، الباذخة، للديوان، سيان من حيث ورقه الصقيل الملون او من حيث الرسومات والتخطيطات الداخلية، الجميلة والوظيفية، المنجزة من قبل الفنان فراس يوسف، لا تعدو كونها، وذلك بصرف النظر عن مفعولها البصري، والقرائي، مؤثثات اخراجية غايتها الاشارية العميقة التخفيف على نشاطية التقبل الشعري للديوان من وعشاء الانفعالات والتهيؤات التي سبق وأن ألفتنا اليها، وبصيغة رديفة الالتفاف على (أفق انتظار القراءة، الذي لا محيد له عند انفتاحه على شعر صلاح نيازي بوجه عام عن استنفار مخزونه من العوالم والمواقف والصور المتجهمة جهومة اللحظة الرؤياوية التي يشيدها الديوان، لقد (ولد الشاعر في ذلك المناخ الشعري حيث النخيل الوارف والفرات والأحزان المتوارثة )(8)، أي في السويداء من أرض سومر، في صلب ثقافتها المتعالية التي دلت البشر، كما يؤكد على ذلك عالم السومريات ذائع الصيت صاموئيل نوح كريمي، على جوهرهم المدني وارشدتهم الى خطوتهم الأولى في التاريخ، ولأنه مشروط بهذا الانتماء ومعني بتبعاته فان اتخاذ مسقط الرأس الرمزي موضوعا للحنين الشعري، بل وأيضا للتفكير الشعري.. توريط الأنا الشعرية في توضعات مكانية وتاريخية وروحية مستدقة، في تضاعينها تباشر رغبتها المستهامة في الانعتاق من برانية الوجود والتصالح مع رحمية متخيلة.. بتعبير آخر التصميم على سومرة العالم وتلوين كل ذرة، كل جزئية فيه بأطياف من ذاكرة طفولية، حبورية - أسيانة، تلك هي المهمة التعبيرية التي ينهض بها الديوان وتتناوب قصائده على أدوارها المتتالية والمتداخلة في وقت واحد.

وإذ تختار الكتابة الشعرية لها موضعين في برانية العالم، التي هي منفى الذات الكاتبة، للتحقق النصي هما لندن ومالقا فان هذا التقوقع لمما يمكن أخذه مأخذ تباعد جغرافي، مبرح وجدانيا ما في ذلك ريب، بين الأنا الشعرية وموطنها الرمزي، البدئي، أي توافر مسافة فعلية - مستهامة بين الكاتب وموضوع الكتابة تقي من فورية التموقف الرؤياوي وعجلته، وتسعف، بدون أدنى شك، على الامساك بزمام الموضوع وتقصي اشارياته المختلفة والمتراكبة.

فان (نتحدث عن المضمون معناه كوننا نتحدث عن تنظيم منسق للعالم )(9)، والتنظيم المنسق يعني، من بين ما يعنيه، في هذا الموقف الشعري تحديدا اسقاط الهوية السومرية، لا من حيث الشخوص الفاعلة في النسيبى التخييلي ولا من حيث تفضية هذا النسيج أو تزمينه، ففيما يخص الشخوص، وخارج الأنا الشعرية التي توظف إما اتكاء على ضمير المتكلم المتصل، أو من خلال تعريتها عن ذاتها، وتلابسها الأيقوني الدال مع اسم الشاعر وذلك على نحو ما نجده في ذلك الحوار المتبادل بينها وبين عشتار، الهة الخصب والجمال، والحرب ايضا، في المتخيل الميثولوجي البابلي:

كدت أسمعها تصيح باسمي: صلاح

منذ سنوات بعيدة، والمخلب في خاصرتي

وحين أكون وحيدا اسمع اسمي، ألتفت فلا أرى احدا.

قصيدة:" عشتار و القمر".

لكن الى جانب هذين المقامين سوف نكتشفها، أي الانا الشعرية، في قصيدة "استحالات ابن تومرت"، متقمصة شخصية الزعيم الروحي والتاريخي الموحدي، المهدي بن توعرت، وجاعلة المغرب والاندلس والعراق، هكذا، ينصب في بوتقة مكانية وتاريخية واحدة، والظاهر ان تقنية كهذه لا يمكن تسميتها من غير تقنية قصيدة القناع مادامت الأنا المشرية قد استهواها التواري، في رحاب القصيدة، بتحفيز من الشاعر بطبيعة الحال، خلف شخصية روحية - تاريخية، وهي تقنية فات ان توسل بها، كما نعلم، شعراء معاصرون آخرون.(10)

خارج الأنا الشعرية إذن يحضر سجل مكثف ومنوع من الرموز التي تنخرط في توضعات نصية ومقامات تخييلية متراوحة يؤول ناتج فعلها الترميزي والدلالي، في المحصلة، الى الحساب

الرؤياوي للأنا الشعرية بما هي الناظم الاساسي للتلفظ الشعري، فمن الرموز الدينية يمكننا الإيماء الى " نوح "، ومن الرموز الاسطورية هناك " عشتار"، " الكاهن ".. ومن الرموز التاريخية تجدر الاشارة الى " السومري "،"سميراميس"، "هارون الرشيد"، "عبد الكريم قاسم"، "سمير عبد الوهاب"  اما الرموز الثقافية فيمثلها كل من "ابي حيان التوحيدي"، و" ابن زريق البغدادي"،،ابدر شاكر السياب "، " لميعة عباس عمارة "، " ابراهيم زاير"- مشاعر وتشكيلي عراقي مات منتحرا، عدد من الأصوات الشعرية الموهوبة والواعدة في جيل الستينات العراقي – " هارتلي "، " عطيل".. هذا عدا رموز رجالية، عراقية وعربية، غائمة أو عرضية، يتم استحضارها من باب الصداقة مثل: " عدنان البراك "، " قاسم الخطاط "، "فيصل الحلبي"، " سي علي "، "سمير بن يوسف الصيدلي"، او انثوية ذات نبرة تراثية مشبعة كـ "عفراء "، " سعاد "، " زينب ".

ومن حيث التفضية فان الوحدات المكانية المحايثة في النسيج التخييلي هي، وذلك بحسب تواردها في الديوان: مطار هيثرو، بغداد، اور، الهاوية، المدينة بستان زامل، المدن، الشاطئ الرملي، الديسكو، الفندق، قاعة الامتحان، قلعة دزة، مدينتنا (الناصرية مضمرة ) دكان، صيدلية، الحارة، الصحراء، الزقورة، البراري، الكوخ، الرصافة، طنجة.. وسواء انماز بعض هذه الوحدات بصفة الترا حب والاطلاقية، كالمدن، والهاوية، والصحراء، والبراري.. أو بخصيصة الضالة والانغلاق، كالفندق والقاعة والمقهى، والقلعة.. أو كان بعضه الآخر محدد القسمات بسبب من علميته، كبغداد، وأور، وطنجة، فان مال هذه الوحدات بأسرها، متصادية ومتفاعلة، الى فضاء مرجعي أوسع بداخله تستثمر ممكناتها ويعاد تقويل هيئاتها وهندساتها، هو حتما الفضاء

السومري، الفضاء الذي تفترشه تجربة هذا الديوان. وبمجرد ما تصطنع المخيلة الشعرية لهذه الشخوص مواطن اقدامها في جغرافيا رمزية متوخاة لذاتها تنطلق دينامية الحكي الشعري وتتواتر معه الحالات والوقائع والتواريخ، هذه الدينامية التي يحركها، نحويا وشعريا، فعل المضارعة، تماشيا مع الدافعية الترهينية التي تستحكم في أي صنيع لا شعري ولا سردي، وتدعمها أواليات التداعي، والتذكر، والاستبطان، والحوار.. وفي خضم هذه الدينامية يجري تفصيل البنية المشهدية وتلوين عناصرها، أفراد المحكيات وتشخيصها، تفعيل تيمات الانتظار، والقلق، والتعاطف والحب، والفرح، والحلم.. مع تزويد الحكي بما يكفي من التغطية الايقاعية المناسبة، استحثاثا من المخيلة الشعرية، من وراء هذه العمليات، لصدقية مفترضة قد تنطلي على القراءة:

أسمع بوضوح ارتطام الموج،

ونخيل الرافدين والزنابيل الخوص

أشتم رائحة الديرم والعباءات السود

سيهبط عما قليل: السياب ولميعة عباس عمارة

ويجري بيننا بويب والمطر

سيهبط عبد الك