خواء
الآمال التنويرية والعدمية تدق الأبواب

ديفيد لاين
خميسي بوغرارة (اكاديمي من الجزائر)


هذه ترجمة لفصل عنوانه "ما بعد الحداثة  تاريخ فكرة" اخترته من كتاب ألفه الأستاذ ديفيد لاين بعنوان ما بعد الحداثة Postmodernity (مطابع الجامعة المفتوحة، باكنجم، الطبعة الثانية، 1999). يرى المؤلف في هذا الكتاب أن ما بعد الحداثة تمثل "إشكالية" قيمة تلفت انتباهنا إلى مسائل أساسية تخص التغير في المجتمعات المعاصرة وتدعونا الى المشاركة في النقاش الدائر حول طبيعة المجتمعات الحالية ووجهتها المستقبلية فى ظرف يتسم بالعولمة والشمولية. كما يذهب إلا أن التداخل بين ما بعد الحداثة وما بعد الحداثية يشير إلى أن الاجتماعي والثقافي ينتميان الى نفس المجال رغم أن معنى النقاش ما بعد الحديث للأسف يدور فى جو من البحث المجرد دون مرجعة أساسية ترسخه فى الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

"لقد تخطت عاصفة العالم الثلجية عتبة الباب و...قلبت نظام الروح"

                                                        ليونارد كوهن، "المستقبل"

هل ما بعد الحداثة فكرة، تجربة ثقافية، وضعية اجتماعية، أم هي كل هذه في آن واحد؟ مما لا شك فيه أن ما بعد الحداثة توجد كفكرة أو شكل من أشكال التحليل النقدي في أذهان المثقفين وفي وسائل الإعلام، وقد تمخضت منذ الثمانينيات عن جدال حاد، غاضب تارة وقلق تارة أخرى، شمل العديد من الاختصاصات من الجغرافيا وعلم الألوهية الى الفلسفة والعلوم السياسية، ثم امتد في التسعينات الى الاختصاصات التطبيقية أكثر التي أخذت تتساءل عما قد تعنيه "الممارسة مابعد الحديثة" في علوم التسيير والعمل الاجتماعي والتعليم والقانون.

أما النزاع القائم حول "ما بعد الحداثة" في ميادين الفن والهندسة المعمارية والنقد الأدبي والسينمائي فهو أقدم، فبناية ملحق المتحف الوطني فنتوري Venturi في لندن والروايات مثل آيات شيطانية" Satanic Verses و "المريض الإنجليزي"The English Patient  والأفلام مثل Blade Runner وPulp Fiction  كل هذه شكلت في وقت ما بؤرة هذا النزاع؛ كذلك ظهرت اشارات إلى ما بعد الحداثة في وسائل الإعلام الأكثر شعبية تذهب من السخرية والاستهتار الى مسلسل من ثلاث حلقات عنوانه "الحقيقة" أو "الشيء الحقيقي" The Real Thing على شاشة التليفزيون البريطاني BBC في بداية التسعينيات. وهكذا نجد أن ما بعد الحديث قد تسرب من مسام جدران الأبراج العاجية وهو بذلك يدل بالنسبة للكثير على ضرب من التجربة اليومية المعيشة.

غير أن فكرة ما بعد الحداثة قد تكون في نهاية المطاف وهما من أوهام الخيال الأكاديمي الجامح أو المبالغة الشعبية أو الآمال المتطرفة الخائبة، كما نجدها، أي ما بعد الحداثة، عرضة للانتقاد القائل أنها، رغم أنفها، يمكن أن تعتبر ظاهرة غريبة خاصة بالغرب، ولذلك يجب التخلي عنها لصالح عبارة أنسب مثل "عصر الشمولية" “global age” (1)، الا أن مثل هذه الاعتراضات يمكن ردها كما سنرى فيما بعد. ان مفهوم ما بعد الحداثة يستحق التحري والبحث لأنه يلفت انتباهنا إلى سلسلة من الأسئلة الهامة ويشحذ ذكاءنا وحساسيتنا، ويساعدنا على النظر إلى بعض القضايا على أنها مشكلات قابلة للشرح والتحليل، ويجبرنا على النظر إلى أبعد من القضايا التقنية الضيقة المنفصلة وعلى الاشتباك مع التغير التاريخي بشكل عام. ولكن أود أولا أن أبدأ بتقفي النصب الاجتماعي والفكري لما بعد الحداثة، فما هو إذن تاريخ هذه الفكرة ؟ هناك سلسلة من الأفكار الغربية تبدأ بفكرة "العناية الإلهية" التي تتحول بعد ذلك الى فكرة "التقدم" ثم تتغير مرة أخرى الى فكرة "العدمية"، ولو أن لكل من هذه المفاهيم حمولته من الدلالات المتميزة الا أن هذا المخطط يمثل منطلقا مناسبا. وتتعلق العناية الإلهية بتكفل الإله بالكون بعد خلقه وتحكمه في عملية التاريخ بحيث تتقدم تقدما خطيا نحو هدف محدد، ومن دعاة هذه الفكرة في القرن الرابع عشر المفكر المسيحي أوغسطين هيبو الذي سيكون لتأملاته في "مدينة الإله" The City of God  الأثر العميق في تشكيل الحضارة الغربية، وتنفي نزعة العناية الإلهية وجود أي حركة تكرارية أو دائرية في التاريخ موحية بذلك بالأمل الموجه نحو المستقبل عوض الاستسلام والتشاؤم.(2)

غير أنه تم الجمع بسهولة، خاصة تحت تأثير الفكر التنويري في بداياته، بين التأكيد على حركة التاريخ باتجاه الأمام والاعتقاد بأن الأمور عموما تتجه نحو التحسن، وقد دفع تحرر العقل من قبضة العصور الوسطى والفكر التقليدي إلى الاعتقاد بأنه بمقدور البشرية تحقيق تقدم أكثر وأسرع. وتكمن المفارقة في أن المعلقين المسيحيين أنفسهم كثيرا ما شجعوا هذه النظرة. ولكن التأكيد على دور العقل والتقليل من دور التدخل الإلهي أديا إلى زرع البذرات الأولى لنوع مادي من العناية الإلهية، أي فكرة التقدم،(3) وحلت شقتنا في حواسنا محل شقتنا في القوانين الإلهية، وبذلك ظهرت الى الوجود النظرة العلمية الحديثة للعالم، وفي نفس الوقت بدأت أوروبا تهيمن على العالم سياسيا واقتصاديا، كما يرى آنثوني جيدينس": Anthony Giddens

"لقد شكل نمو البأس الأوروبي العامل المساعد المادي للفرضية القائلة بأن النظرة الجديدة للعالم تأسست على قاعدة متينة وفرت في نفس الوقت الأمن والأمان والتحرر من دوجماتية التقاليد."(4)

ولكن ما مدى متانة هذه القاعدة؟

رغم أن هدف التنوير، وبالتالي مشروع الحداثة، هو القضاء على الشك والتأرجح إلا أن العقل المستقل لن يتخلى عن شكوكه أبدا، وهي شكوك ضرورية إذا أراد أن يتجنب السقوط في "الدوجماتية"، وهكذا أصبحت نسبية المعرفة تتخلل الفكر الحديث وتلازمه، ولكن لأن القوانين الطبيعية الشاملة مازالت مرغوبا فيها في عملية المحاكاة المادية للفكر الإلهي كان ينظر إلى النسبية كشيء مزعج. أما اليوم فالتسليم المتزايد بأن ملاحظاتنا، مهما كانت دقيقة، تعتمد على فرضيات، وأن تلك الفرضيات لها علاقة بتصورات مختلفة للعالم وبمواقع سلطوية، جعل النسبية تبدو وكأنها موقف طبيعي، وهنا يرى أولئك المتأثرون بنيتشه Nietzsche عدم جدوى أحلام الحداثة بالشمولية والكونية.(5) وهكذا بدأ جنين العدمية يتشكل في أحشاء الحداثة.

وبلغ الإيمان بفكرة التقدم أوجه في قمة الطمأنينة الفيكتورية والاستعمار الأوروبي واستئناس العالم الجديد في أمريكا الشمالية، وقد وجد هذا الإيمان مبرراته في ملاحظة (موجهة بعض الشيء) بعض الظواهر والأحداث، إذ أن الآمال لم تفتر كلية بالرغم مما توالى من الأحداث المحبطة كالحرب العالمية الأولى وأزمة 1929، فقد احتفلت البشرية سنة 1933 بمناسبة معرض شيكاغو العالمي "قرن من التقدم"، وفي نفس السنة اعتلى هتلر سدة الحكم في ألمانيا واعدا بالتقدم من خلال الاشتراكية الوطنية، بسياراتها الميكانيكية ومخططاتها الصحية. ثم خفقت شعلة الإيمان بالتقدم وكادت أن تنطفئ من جرا، الحرب العالمية الثانية فقط لتنتعش اصطناعيا بواسطة تطور علمي تكنولوجي ضخم وانفجار استهلاكي لم يشهد له نظير، وفي هذا الجو بالذات تكرس مفهوم الحداثة كتجسيد لهذه التحولات. غير أن الضرر كان قد حدث، فالاستعمار انهار بانتزاع المستعمرات الواحدة بعد الأخرى لاستقلالها السياسي، وبدأت الشعوب تهاجر من منطقة الى أخرى عبر العالم بشكل متزايد كما بدأت مساوي التطور الصناعي تتجلى بشكل مرعب في تدهور البيئة وتناقص الموارد غير المتجددة وتآكل طبقة.

وكانت نتيجة كل هذه المستجدات (وليس هذا متصورا على المستوى الفكري) وضع كل المعتقدات الموروثة موضع السؤال العميق، ففي الغرب أدت ثورة ثقافية كبيرة الر. تليين الحدود القديمة أو زعزعتها، وقد طرحت الستينات تحديات ثقافية وسياسية على غاية من الأهمية فتحت المجال واسعا أمام امكانية إعادة صياغة التقاليد والأذواق، أي أطلق العنان لـ "الثورة التعبيرية" the expressive revolu  كما ظهرت إلى الوجود حركات اجتماعية جديدة ووجدت التشكيكية مؤونتها في حرب الفيتنام وفضيحة ووترجيت، وبموازاة هذه التطورات ازدهرت الحركات الديمقراطية في أوروبا الشرقية وأعطت ثمارها في سقوط الشيوعية. وهكذا أصبحت فترة 1789- 1989 رمزا لقرنين من الزمن يمثلان عمر الحداثة التي تجسدت سياسيا في البحث عن عالم عقلاني - من الثورة الفرنسية الى سقوط اشتراكية الدولة البيروقراطية.

ومع تبدد أحلام التغريب الحمقاء وتعالي الأصوات المعارضة (كالإسلام السني مثلا) ازدادت حدة مساءلة فكرة عالمية المعرفة أو الثقافة أكثر من أي وقت مضى، (7) وبدأ يتجلى أن التقدم بواسطة التطور الصناعي والنمو الاقتصادي له جوانبه السلبية الهامة. فبقدر ما أتت العقلانية بالأحلام اللذيذة كانت أيضا مصدرا للكثير من الكوابيس، أما لاعقلانيات المخدرات والديانات الجديدة فهي تعد بأشياء أحسن. كما لوحظ أخول كبير في الشرعية السياسية وفتور في حافز المواطن للعسل، وراح المفكرون والمثقفون يتنازعون حول ما اذا كانت هذه الأزمة كارثة أم فرصة جديدة، وراحوا يبحثون عن مصطلحات جديدة للتعبير عن الوضعية الناشئة، ومن بين هذه المصطلحات مصطلح "ما بعد الحداثة"، هذه الأخيرة التي يجب مقارنتها بمصطلحات أخرى. قد يفضلها البعض. تتشكل من بادئات أخرى تسبق كلمة "حداثة" أو مفاهيم أخرى. كمفهوم العولمة مثلا. لا تحمل اشارة واضحة الى فكرة "الحديث".

ان المخطط الذي يربط العناية الإلهية بفكرة التقدم ومن ثمة بالعدمية يبدو بسيطا ولكنه على غاية من الأهمية، وبالطبع يمكن أن يقال إن جذور العدمية ضاربة في الزمن وأن الإيمان بالعناية الإلهية والتقدم مازال موجودا اليوم ويتمتع بصحة فكرية جيدة. كما يمكن أن نلاحظ أن هناك تصورين لكل من هذه المفاهيم الثلاثة، تصور سطحي وتصور جاد معمق ؟ ففي التصور الأول يبدو أن العنائية Providentialism لا شيء أكثر من القضاء والقدر وأن التقدمية  Progressivism دائما متفائلة بشكل أعمى وأن العدمية Nihilism لامبالية ولا مسؤولة تماما. ولكن إذا تمعنا في الأمر من حيث محاولة إدراك التغيرات الكبرى في الوعي الاجتماعي التي تلهم القوى التكتونية الاجتماعية وتجسدها، فان هذا المخطط يسلط الضوء على المزاجات والأحوال الناشئة. واذا اتسمت الحال ما بعد الحديثة بشيء من العدمية فذلك معناه أن الواقع والحقيقة تغشاهما الضبابية وأن اثبات الحقيقة لم يعد بالسهولة التي كان يبدو عليها من قبل، وهذا لا يعني بالضرورة أن الإنسان قد فقد القدرة على الإيمان تماما أو أنه يقف مشلولا أمام افتقار الوجود الى معنى واضح ثابت.

إن مصطلح "ما بعد الحديث" يستعمل في هذا النص بمعنى استنفاد. وليس بالضرورة موت. الحداثة واستهلاكها، ومن حيث كونه أداة تحليلية خامة من الأحسن أن نفرق بين "ما بعد الحداثية" Postmodernism حيث التأكيد على البعد الثقافي، و "ما بعد الحداثة"Postmodernity  حيث نركز على البعد الاجتماعي.(8) أقول أداة "خامة" لأسباب سنتعرض لها بشكل أعمق فيما بعد تكمن أساسا في عدم امكانية استخلاص الثقافي من الاجتماعي مهما كان ذلك مرغوبا فيه، وهناك احساس قوي بأن الاجتماعي أصبح ثقافيا أكثر فأكثر. ويتعلق مصطلح "ما بعد الحداثية" هنا بالظواهر الثقافية والفكرية وبإنتاج المنتجات الرمزية وتوزيعها واستهلاكها، ويتمثل أحد الأمثلة من الجانب الفكري في التخلي في فلسفة العلوم عن مبدأ "التأسيسية" foundationalism، أي النظرة القائلة ان العلم مبني على أمس متينة من الحقائق الثابتة، وأدى هذا الى ما عرف بـ "حروب العلوم" في التسعينات. بالإضافة الى هذا تسائل ما بعد الحداثية كل المعتقدات والالتزامات الأساسية في التنوير الأوروبي، وكما يقول جاري وولي Gary  "تستهدف ما بعد الحداثية الإطاحة بثالوث التنوير. العقل، الطبيعة، التقدم. الذي يبدو وأنه أطاح بالثالوث السابق."(9) ولكن يمكن ملاحظة ما بعد الحداثية في الحياة اليومية في تعتم الحدود بين الثقافة "الراقية" والثقافة "الدنيا"، وانهيار الترتيبات السلمية في المعرفة والذوق والتصور، والاهتمام بالمحلي عوض الكوني أو الشمولي. فالعلم إذ يتخلى عن صلابته ومتانة أسسه تتزعزع سلطتة وتضعف مكانته ويصبح الشعار "تعلم من لاس فيجاس" (او من السكان الأصليين أو من الطبيعة)، ووراء كل هذا يكمن ضياع "الكلممركزية" ttrism logocer  في زخم الخطابات وتعددها، في الكتب وشاشات التليفزيون، في الكلمة والصورة، في النص والتعبير. أما ما بعد الحداثة فهي، بالإضافة إلى التركيز على استنفاد الحداثة، تتعلق بالتغيرات الاجتماعية المفترضة، وهنا تتضخم بعض مميزات ما بعد الحداثة في حين يتقلص البعض الآخر ويفقد أهميته لتتولد تشكيلات اجتماعية جديدة. وبينما تبدو الظروف الناتجة الجديدة عادية في نظر المطلعين على الحداثة إلا أنها تستدعي إعادة النظر، فالبعض يرى أن حافز الحداثة التنظيمي السابق تزعزع بفعل التشتت والاختلاف الجامحين اللذين يميزان الحاضر،(10) فإما أن نوعا جديدا من المجتمع مازالت ملامحه غير واضحة قد ظهر إلى الوجود (موقف زيجمونت باومن Zygmunt Bauman) أو أن مرحلة جديدة من الرأسمالية قد حلت (موقف ديفيد هارفي David Harvey) وفي كلتا الحالتين هناك إعادة نظر في أنماط التحليل الاجتماعي والممارسة السياسية السابقة إذ أن موازين القوى تتغير والتكتلات تتفكك وتتشكل من جديد، وفي كلتا الحالتين أيضا هناك مسألتان جوهريتان: هيمنة المعلومات الجديدة وتطور تكنولوجيات التواصل التي تسهل توسع العلاقات الاجتماعية أكثر فأكثر مثل العولمة والاستهلاكية مما قد يؤدي إلى زعزعة أهمية الإنتاج التقليدية.

وفي نهاية المطاف لا يمكن فهم ما بعد الحداثية بدون ما بعد الحداثة، مثلما لا يمكن فهم الثقافي بدون الاجتماعي أو العكس. لقد أعادت النقاشات ما بعد الحديثة فتح مسألة تداخل الاجتماعي والثقافي وتخللهما لبعضهما البعض، وكما يرى أحسن المعلقين، لكي نفهم التغير الاجتماعي يجب أن نفهم التغير الثقافي.(11) وفي نفس الوقت يقف هذا الكتاب عند عتبة المساواة بين الثقافي والاجتماعي أو اختزال أحدهما إلى الآخر، إذ أن علاقات السلطة وتداخلاتها التي تسم المجال الاجتماعي لا يمكن أن تدرك فقط من خلال مفاهيم أو تصورات مثل "المجتمع" أو "الاجتماعي"، كما أن معناها لا يتضح أكثر بالاعتماد على مفهوم الثقافة. إن المجال الاجتماعي بالمعنى المستعمل هنا يتعلق بالاقتصاد والدولة -الأمة والعرقية والمنطقة والجنس البسيكوثقافي والطبقة.

آباء ما بعد الحداثة

لكي يتسنى لنا فهم التيارات الأساسية في الفكر ما بعد الحديث يجدر بنا أن نرجع قليلا الى الوراء لنستجوب أولئك المفكرين الذين استبقوا ما بعد الحداثة، ومن دون شك أن أهم مفكر في هذا الصدد هو فريد يريك نيتشه (1844-1900)  Friedrich Nietzsche ، فهو بحق مفكر ما بعد حديث سابق لأوانه. وقد صرح في 1888 أن "العدمية أضحت تدق على الأبواب"، وبالفعل فإن "أغرب الضيوف هذا" كان مثارا للشكوك والمخاوف في أوروبا، أما بالنسبة لنيتشه فالحقيقة "هي فقط تبلور أو تصلب الصور المجازية القديمة"، ويجب فهم هذا التعبير في سياق أوروبا التنويرية كما يجب إعادة تذويب الصور المجازية لنبين أنها معتقدات بشرية أو وجهة نظر هذه الفئة الاجتماعية أو تلك. لقد كرس نيتشه حياته للكشف عن خواء الآمال التنويرية، إلا أن أعماله بدأت تفهم فقط، وبشيه من الثأر لتجاهلها، بعد مضي قرن كامل من الزمن (12)

يدور أحد أهم موضوعات النقاش ما بعد الحديث حول الواقع reality (أو الحقيقة) أو عدمه أو تعدده، وتمثل العدمية المفهوم النيتشوي الأكثر مطابقة للتعبير عن سيولة ولامحدودية الحقيقة أو الواقع.(13) وعندما تنصب نظرة العقل الحديث، المشككة المواضبة، على العقل نفسه تتولد <لعدمية، وهي تهاجم العقلانية أينما كانت، في الفن أو في الفلسفة أو في العلوم، حيث ان الأنظمة التي تسمي نفسها أنظمة عقلية (أو فكرية) هي في الحقيقة أنظمة إقناع، وهكذا يتم اسقاط القناع عن إدعاءاتها باكتشاف الحقيقة لتبدو كما يقول نيتشة فقط كتجليات لـ "إرداة السلطة"، أي أن أولئك الذين يدعون يضعون أنفسهم في منزلة أعلى من أولئك الذين يدعى عليهم وبذلك يهيمنون عليهم.

لقد اكتسب نيتشه شهرة كبيرة عندما صرح بـ "موت الإله"، ولو أن الكثير يرون أن هذه الصيغة ليست الا تعبيرا مجازيا عن فقدان الأمس الفلسفية ولكنها أيضا تمثل شكلا جادا من أشكال ضد الألوهية. وعلى كل حال فإن نيتشه يعني أنه لم يعد بإمكاننا التأكد من أي شيء، فالأخلاق كذبة والحقيقة خيال، ولا يبقى أمامنا الا الخيار الدايونايسي (نسبة إلى الإله الإغرقي دايونايسوس، إله المسرح والخمر) المتمثل في تقبل العدمية والعيش بدون أوهام أو إدعاءات ولكن بتحمس وفرح. وينجم عن كل هذا زوال الفرق بين الحقيقة والخطأ، هناك فقط الضلال والأوهام، ولم يبق أي مؤمن أو ضمان لأسباب الاختلاف - مثل الإله - خارج لفتنا ومفاهيمها، ويتم الكشف عن الاختلاف أيضا كجزء من إرادة السلطة، وهي نقطة تربط فكر نيتشه بفكر مارتن هايدجر Martin Heidegger الذي سنتعرض له بعد قليل.

قد تبدو الصدمات الكونية مجردة وروحية بعض الشيء إلا أن كارل ماركس (1818-1883) قد سبق نيتشه بعقدين من الزمن عندما نظر إلى نفس العملية في صورة دنيوية أكثر، فما اعتبره نيتشه مشكلة بالنسبة للعلوم والفلسفة والميتافيزيقا أوعزه ماركس إلى "آليات النظام الاقتصادي البرجوازي، العادية البسيطة".(14) وبمعنى آخر: في النظام الرأسمالي يسمح الناس للسوق بتنظيم حياتهم، وحتى حياتهم الداخلية، وبمعادلة كل شيء بقيمته التجارية - أي الأسلعة" - نجد أنفسنا نبحث عن الأجوبة المناسبة للأسئلة التي تتعلق بالنجاعة والشرف وحتى الحقيقة في ساحة السوق؛ ويمكن أيضا أن نفهم العدمية بهذا المعنى العملي اليومي.

وفي الظرف ما بعد الحديث أصبح اقتباس ماركس وانجلس Engels لكلمات بروسبيرو Prospero في مسرحية شيكسبير "العاصفة": The Tempest "كل ما هو صلب يذوب ويصبح هواء" الجملة المستشهد بها أكثر من غيرها من البيان الشيوعي(15)  The Communist Manifeso  وبالمناسبة فإن صلابة الحياة اليومية على شفتي بروسبيرو، بما في ذلك الحياة البشرية نفسها، هي فقط مظهر خارجي يجب أن يترك مكانه لحقيقة أو واقع أكبر. فبالنسبة لماركس ما بعد المعصرن postmodernised تذوب الحقائق التي يعتقد أنها صلبة في حمام الحوامض الكاشطة البرجوازية حيث تتحلل الدلالة والحقيقة نفسهما، وفي عدمية نيتشه يتم قلب الوضعية تماما، حيث أن غياب "الحقيقة الكبرى" يشكل في نظره بداية الحياة بدون أوهام.

إن ثاني أهم مفكر فيما قبل تاريخ ما بعد الحداثة هو مارتن هايدجر (1889-1976) الذي نال شهرة واسعة بكتابه "الكينونة والزمن"Being and Time.  لقد اهتم هايدجر على الخصوص بطبيعة التفكير عند البشر وذهب من خلال قراءته لبرنتانو Brentano  دوستوفيسكي Dostoevsky وكيركجارد Kierkegaard إلا أن الاضطلاع بالمشكلات التاريخية الملموسة والهامة يبين الطريق قدما أمام الفلسفة. لقد تشابك هؤلاء المفكرون مع نفس المسائل الوجودية التي تعامل معها نيتشه ولو أنهم انتهوا إلى خلاصات مختلفة. وقد تصارع دوستوفيسكي مع إمكانية الموقف التالي: "بما أنه لا حدود يقف عندها البشر إذن كل شيء مسموح به" بينما كان كير كجارد يبحث عن الوجود البشري الحقيقي في علاقته مع الإله واعتبر ذلك الوجود بحثا متواصلا عن الإيمان والالتزام. وعلى غرار هايدجر حاول هذان المفكران مجابهة تحديات العالم الحديث المتجسد في هيمنة العلوم الطبيعية والتكنولوجيا التي أنستنا الاهتمام بحياة الأفراد الحقيقيين.(16)

إن هايدجر يشاطر نيتشه اهتمامه بـ "فلسفة الاختلاف" لكنه يذهب إلى أبعد منه عندما يعلن أن الكينونة، وليس الحقيقة، هي موضوع الفلسفة، معترضا على فكرة نيتشه القائلة بأن الاختلاف هو فقط نتيجة من نتائج إرادة السلطة. في "الكينونة" سابقة لـ "الكينونات" المتعددة التي نصادفها على الأرض بما في ذلك البشر، ولذلك فا لكينونة نفسها، وليس إرادتنا البشرية، هي التي تنتج الاختلاف، ويكمن خطأ الفلاسفة، ومن ضمنهم نيتشه، في التركيز على الحقيقة في استكشاف العلاقات بين الكائنات، بينما كان أحرى بهم أن يضعوا كينونة تلك الكائنات في بؤرة الاهتمام لكونها سابقة.

ويرى هايدجر أن النزعة الانسانية تجد نفسها اليوم في أزمة بالتحديد لأنها وضعت الإنسانية بدل الإله في مركز الكون، وأصبح البشر يعتبرون أنفسهم المرجع القياسي لكل الأشياء الأخرى عوضا أن يدركوا اختلاف الكينونة، وبهذا المعنى ليس هناك تضاد بين النزعة الإنسانية والتكنولوجيا، بل على العكس تعبر التكنولوجيا عن النظرة المهيمنة المتحكمة التي تترتب عن وضم البشر في مركز المهيمنة المتحكمة التي تترتب عن وضع البشر في مركز الكون والأشياء، ويصر هايدجر على أن "جوهر التكنولوجيا ليس شيئا تكنولوجيا أو صفة تكنولوجية"، ويمثل الإقرار بكل هذا المخرج الوحيد للتخلص من قيود التكنولوجيا الحديثة.

ان الطريق الى الأمام حسب هايدجر يكمن في تقبلنا لوضعيتنا البشرية، ولن تنفع الميتافيزيقا ولا الإنسانية ولا التكنولوجيا لاساس للحياة، ويجسد هايدجر تقبل وضعيتنا هذه، والتي لا يعني التحكم فيها أو التغلب عليها، في كلمة,Verwindung  وفي النقاش حول ما بعد الحداثة يدافع جياني فاتيمو Gianni Vattimo بالخصوص عن مثل هذا الموقف ويكرسه، وهو الذي يرفض المبالغة المهولة من طرف بعض المفكرين الذين يرون في نهاية الحداثة انحطاطا أخلاقيا وانهيارا ثقافيا: فهايدجر يلاحظ "غسقا" في الفكر الأوروبي ولكنه يعتبره فرصة لإعادة البناء وليس نهاية مطاف.

وليس هناك جدوى في الزعم بأن عمالقة ما يسمى بالفكر الوجودي لم يكونوا منهمكين في البحث عن أساس ما بعد مسيحي لتأويل التاريخ وشرحه. يقول فاتيمو:

"إن الحداثة. بتطوير وتحسين الموروث اليهودي- المسيحي في صيغة دنيوية ومادية (وأعني بهذا الموروث، فكرة التاريخ كتاريخ خلاص، معبر عنه بلفة الخلق والخطيئة والغفران وانتظار يوم الحساب). هي فقط التي تعطي وزنا وجوديا للتاريخ ومعنى محددا لموقعنا منه.(17)

إن المسألة التي أثارها هايدجر. وكير كجارد أيضا. هي: هل يضعنا نقد الأمس القديمة أمام بديل دنيوي مادي بحت؟ (18) سؤال بات يطرح بحدة والحاح متزايدين ونحن على أهبة المرور &