|
|||||
|
معلوم
ان افلاطون
أوصى بإقصاء
الشعراء من
الدولة، أ,
من أي اجتماع
سياسي خليق
بأن يحكم
حكما يكون
نبراسا
للعدل. "ان
من بين كافة
المعالم
الاحسن
لدولتنا
المثال"
يقول سقراط،
"بطل"
المحاورات
الافلاطونية
(1)، في الكتاب
العاشر من "الجمهورية"،
"ليس هناك ما
يسمو رتبة
على تعاطيها
مع الشعر" (2).
وما ذاك الا
لأنها ارتأت
اقصاء الشعر
التمثيلي. ولئن
نمت هذه
الوصية عن
كراهية
للشعر
والشعراء،
فإنها
لتنطوي على
تقدير
استثنائي
لدوره.
فالشعر،
والمقصود
بذلك الشعر
التمثيلي،
خصم خطير،
وأيا كانت
الوصية او
الخلاصة،
فإن النظر
اليه على هذا
الوجه انما
كان له الفضل
في تمهيد
السبيل
لنشوء ما
يعرف اليوم
بعلم الجمال.
او في اقل
تقدير
لاثارة
الجدل حول
علاقة الفن
بالسياسة
والاخلاق. فئن
جادل
افلاطون في
سبيل الحؤول
دون وجود
الشعراء في
الدولة
الصالحة،
فإنه لا يفعل
ذلك لانه هو
نفسه لا
يستسيغ
الشعر،
وانما على
النقيض من
ذلك، فهو
يوصي باتباع
سلوك العاشق
الذي لا محيد
له عن نكران
هواه اذا ما
ثبت له بأن
لا طائل
تحته، ومهما
كان النكران
عسيرا. الى
ذلك فان
افلاطون
وبعدما يسوق
الحجة تلو
الحجة ضد
الشعر، فإنه
لا يني يترك
باب الجدل
مفتوحا
للمدافعين
عنه يبرهنون
بأنه ليس محض
واهب لذة
فحسب – فهذا
وحده لا
يكفي، بل انه
لمصدر
العلة، على
ما يجادل –
وانما ايضا
كسب دائم
للحياة
والمجتمع
الانسانيين. يبقى
السؤال، اذن:
لماذا شاء
افلاطون،
وهو المحب
للشعر،
والشاعر
نفسه، ان
يقصي الشعر
عن المدينة؟
أليس الشعر
حقا بذي
فائدة؟ وبأي
معنى، بل بأي
مقياس
يمكننا ان
نبرهن ان
الشعر غير ذي
فائدة
للدولة
الصالحة؟ ان
من يعود الى
كتاب "الجمهورية
" او اية من
محاورات
افلاطون
الاخرى التي
تتطرق الى
هذه المسألة
تطرقا
مباشرا، لن
يعدم الحصول
علي اجابة
واضحة على
سؤال كهذا.
فأفلاطون
واضح وضوحا
تاما في هذا
الصدد. بل ان
هذا الوضوح
نفسه لما
يجعل المرء
يرتاب في صحة
ما يقول،او
على
الاقل،في
كيفية سوق
محاجاته.
وهناك ما
يجعلك ترتاب
بأن ثمة خلف
هذا الوضوح
ما يصار الى
نسيانه او
اغفاله،تناسيا
أو اغفالا،
مرده الى
التسليم
المسبق بأن
من
الفرضيات،
بل من
المسلمات،
ما هو متفق
عليه اتفاقا
تاما يبطل
معه اية
محاولة
لمساءلة هذه
الفرضيات. ولكن
ما مسوغ
العودة الى
افلاطون؟ ما
مسوغ العودة
الى محاجة
نقر سلفا
بأنها غير
مقنعة؟
بأنها تقوم
على فرضيات
ليست بمنأى
عن المساءلة
بل الشك؟ قد
تكون هناك
اجابات
متباينة
لسؤال كهذا،
غير ان ما
يعنينا في
هذه السطور
على وجه خاص،
ان السؤال
حول جدوى
الشعر لم
يستنفد نفسه
حتي وان شهد
ذواء، او حتى
وان كف
المهتمون عن
طرحه اصلا. "اي
نفع نجنيه من
الشعر؟" سؤال
لا يمكن ان
يستنفد
طالما كان
هناك شعر.
وقد نمضي
شوطا ابعد
ونقول: لا
سيما اذا ما
وجد شعر في
عصر يصدق
القول فيه
بأنه عصر
غلبة السوق
الاقتصادية
الحرة. طبعا
هناك من سيجد
في اللجوء
الى الزعم
المعهود بأن
الشعر- بل
الفن عموما-
مستقل عن
كافة
الميادين
الاخري،
المخرج
الملائم،
بما يجيز
التسليم بأن
قيم الشعر
ليست بقيم
الميادين
الاخري، وان
معايير هذه
الاخيرة لا
يمكن ان تجرى
عليه. غير
اننا نظن ان
هذا الزعم
امسى مفلسا
ومملا. "اية
فائدة
نجنيها من
الشعر؟" من
الطبيعي ان
نسأل اليوم
كما سأل
افلاطون قبل
ما يرقى الى
الفين
واربعمئة
عام. ولئن
انطوى سؤال
افلاطون عن
ارتياب في
قيمة الشعر
بما انجلى عن
اجابة منكرة
لاية فائدة
له في الدولة
المثال،
فاننا
لنرتاب في
اهمية الشعر
في
مجتمعاتنا
البعيدة كل
البعد عن
الدولة
المثال. غير
ان مثل هذا
القول قد
يقصر عن
اقناع
السائل، اذا
ما كان غرض
هذا القول
الاقناع،
حول مسوغ
العودة الى
افلاطون. فقد
ينقلب
السائل
سائلأ هذه
المرة: وقد
سلمنا بأن
السؤال لم
يستنفد نفسه
فأية فائدة
نجنيها،
عائدين الى
افلاطون
نفسه، في
سبيل
الاجابة
عنه؟ أي عون-
يمكن لنص
يرجع الى ذلك
الزمن
البعيد- ان
يقدمه لنا في
سبيل فهم ما
يعترضنا او
يثير
حيرتنا؟ هناك
من يرى ان
ثمة تشابها
ممارخأ ما
بين موقف
افلاطون من
الشعر (بما
هو شعر
تمثيلي) وما
بين موقفنا
من الاعلام
والثقافة
الجماهيريين.
ففي نقد
افلاطون
لذلك النمط
من الاداء
الفني
الرائج، اي
الشعر
القصصي
والغنائي،
وهو مما كان
يؤدى على
مسارح تقبل
الناس على
مشاهدتها
اقبال
مشاهدي
التليفزيون
والسينما
والمسرح
والمجلات
المصورة
والقصص
الشعبي في
عصرنا
الحديث، ما
قد يبرر
نقدنا او قد
يبين لنا
قصورنا
وتحاملنا
على دور
الثقافة
الجماهيرية.
وعلى ما يذهب
الكسندر
نيهاماس فان
جمهور
الدراما
الاغريقية
كان جمهورا
شعبيا يمثل
تمثيلأ تاما
كافة قطاعات
وطبقات
الشعب
الاثيني.
وانه في
العهود
الكلاسيكية
نادرا ما كان
عدد رواد
المسرح يقل
عن سبعة عشر
الف متفرج (3).
الى ذلك فان
المسرحيات
لم تكن تنتج
امام جمهور
ممن يحسن
التصرف،او
ممن كان
يتوقع منه
سلوكا لائقا.
وغالبا ما
اعتاد
الجمهور
المحتشد في
المسرح
اطلاق
الصفير
والتعليقات
والاصوات
مما لا يبدر
الا عن جمهور
سوقي الطبع. ولئن
عمل نيهاماس
على قراءة
لموقف
افلاطون من
الشعر في
سياق تاريخي
واجتماعي
وبما يوضح
بأن ذلك
الموقف ليس
اشد اثارة
للحرج من
موقف بعضنا
حيال
الثقافة
الجماهيرية
اليوم، فانه
ليسقط، من
وجه، التهمة
الرائجة بأن
افلاطون
انما نصح
باستبعاد
الشعر عن اية
مدينة صالحة
في اي مكان
وزمان،
وليبين من
وجه آخر ان
لا اثر لهذه
التهمة من
موقفنا حيال
الشعر او اي
نشاط آخر الا
في حدود
التشابه ما
بين
الموقفين
التاريخيين.
بكلمات
قليلة فإن
مغزى هذه
المحاجة هو
وضع حد للظن
الشائع أن
افلاطون
عادى الشعر
عداء مطلقا. ولا
ريب في ان
هذا النحو من
المحاجة لهو
صائب صوابا
لا يمكن
انكاره.
فأفلاطون في
النهاية
انما جادل ضد
ظاهرة
ثقافية كانت
سائدة في
عصره. فلقد
جادل ضد
هوميروس
وهيسود
وغيرهما من
التراجيديين
بحيث انه
كلما شاء
اثبات حجة من
حججه ترده
يتخذ مما
يقوله هذا
الشاعر او
ذلك قرينة
ودليلأ. وهو
حينما يتهم
الشعراء
بتصوير ما
يجهلون، او
ما لا
يتمتعون
بمعرفته
معرفة عملية
وافية،كما
في جداله مع
ايون، على
سبيل
المثال،
فانما يسوق
تهمته هذه ضد
شاعر بعينه
ومنشد محدد (هوميروس
وايون). ولعل
اشد ما يدل
على ان
افلاطون لم
يدع الى
استبعاد
الشعر جملة
وتفصيلا،
وانما فقط
الشعر
الرائج في
زمنه لا سيما
شعر هوميروس
والتراجيديين
الآخرين،
انه لا يلبث
ان يقر في
نهاية
الكتاب
العاشر من "الجمهورية
"، بأن غرضه
الاستعاضة
عن شعر
هوميروس
واصحابه
بضرب آخر من
الشعر على ما
يتضح من هذا
الاستشهاد: "حينما
تلتقي بأناس
معن يكنون
التقدير
لهوميروس
كمرب
لليونان "
يخاطب سقراط
محاوره غلو
كون: " والذين
يزعمون انه
في سبيل
ادارة شؤون
الناس
وتربيتهم
يتوجب علينا
درا سته وصوغ
حياتنا على
نمط شعره،
يجب ان تحسر
تجاههم
بالعطف
وانهم ناس
صالحون في
حدود
قدراتهم، بل
وفي وسعك ان
توافقهم
الرأي بأن
هوميروس لهو
افضل
الشعراء
وأول
التراجيديين.
ولكنك ستعلم
بأن الشعر
الوحيد
المسموح به
في الدولة هو
تراتيل الى
الآلهة
وتسابيح في
مديح الرجال
الصالحين.
فإنك اذا ما
تجاوزت حدود
ذلك الشعر
وسمحت من
النظم ذلك
القصيد
العاطفي
اللذيذ
الحلو او ما
هو مصدر
الهام
الملحمة،
فإن اللذة
والألم
ليصيرا
حاكميك بدلا
من القانون
والمبادىء
العقلية
المتفق
عليها عموما
بأنها
الاجدى." إننا
لنقع في هذا
الرد على
العديد من
الدلائل
التي تسوغ
مذهب
نيهاماس
المشار اليه.
فالى حقيقة
ان افلاطون
يجادل ضد
هوميروس
واصحابه،
وليس ضد
الشعر
قاطبة، فإنه
ايضا ليسعى
الى دحض
تصورات
الطيبين، و
إن الغفل، من
الناس معن
ينزلون
هوميروس
منزلة مربي
اليونان ومن
يحضون على
اتخاذ شعره
دليلا
ومثالا
للمياة
الصالحة. اي
يحضون على
اتخاذ شعره
دليلا
ومثالا
للمياة
الصالحة. اي
ان ما يسوء
افلاطون ليس
اقبال الناس
على شعر
هوميروس
إقبالهم على
نشاط ترفيهي
بفرض
الترويح عن
نفرسهم
ونسيان
مشاغلهم
اليومية،
وانما
التماسهم في
ذلك الشعر
هاديا
اخلاقيا
ومرشدا الى
خير ما
يقتضيه
القانون
والمبادىء
العقلية.
وهذا ما لا
يمكن
لافلاطون
الصدوع به
طالما ان لا
هوميروس ولا
التراجيديين
عموما
يتمتعون
بالمعرفة
العلمية
والخبرة
العملية ما
يخولهم اداء
دور كهذا.
ولكن هل في
هذه المحاجة
ما يكفي لكي
نسلم بأن
قراءة موقف
افلاطون من
الشعر يجب ان
تلتزم بحدود
ما هو تاريخي
واجتماعي في
ذلك العهد؟
أليس الحؤول
دون وجود
الشعراء
وتمكنهم في
الدولة
المثال لهو
وجه من وجوه
اقامة هذه
الدولة طبقا
لما ينص عليه
كتاب "الجمهورية
" ؟ فهل يتوجب
علينا ايضا
قراءة مشروع
افلاطون
لاقامة دولة
العدل
كمشروع زمني
تاريخي؟
فكيف، اذا ما
سلمنا بحدود
قراءة من هذا
القبيل،
سيسعنا
التعامل مع
نظرية
المعرفة
الافلاطونية،
وهي كما نعلم
جيدا ركيزة
إرساء
العدل،
والتي في
ضوئها يجادل
ضد الشعر،
طالما ان هذه
النظرية ترى
الى كل ما هو
تاريخي محض
وجه عابر لما
هو ازلي
وخالد، اي
لما هو مثال؟ موقف
النخبة لا
مراء في ان
نقد افلاطون
للشعر، بما
ينطوي عليه
من نزعة
نخبوية، لا
يختلف كثيرا
عن الموقف "النخبوي"
الحديث تجاه
الثقافة
والاعلام
الجماهيريين.
ففي كلا
الموقفين،
ثمة ركون الى
الظن بأن
الناس، اي
متلقي
الشعر، غير
مكتملين او
ناضجين
كفاية، فهم
محض اطفال
وبالتالي،
مجرد متلقين مغفلين
يسهل
الإيقاع بهم
من خلال
الاستجابة
لما يرضي
اهواءهم
ونوازعهم
الفريزية.
وإن سواد
الناس، كما
الاطفال،
لهم اقل عصمة
ومناعة من
مقاومة ما
يثير
نوازعهم
ويصعد الشطر
المنحط من
نفوسهم
وارواحهم.
والناس، على
ما يجادل
افلاطون في
موقع لاحق من
"الجمهورية
"، انما هم في
نزاع دائم مع
انفسهم،ما
بين هذا
الشطر
الادني وذاك
الاسمي. ولكن
قبل بلوغ هذا
القول، وما
له من دور
هام في موقف
افلاطون
النهائي من
الشعر، حري
ان نبسط قول
الفيلسوف
اليوناي في
الكتابين
الشاي
والثالث من "الجمهورية"
عن دور الادب
والفن في
تنشئة
الاحداث، لا
سيما اولئك
الذين يعدون
لتبوء دور
حراس
المدينة. اذ
يميل
افلاطون الى
تقديم ما
يشبه وظيفة
الرقيب الذي
يعين ويحدد
ما ينبغي
حذفه او
الابقاء
عليه من نصوص
الشعراء بما
يتلاءم
وشروط
التنشئة
السليمة:"
فأول واجب
علينا هو
السيطرة على
ملفقي
الخرافات،
واختيار
اجملها ونبذ
ما سواه "
يخاطب سقراط
اديمنتس في
مطلع الكتاب
الشاي، ثم
نوعز الى
الامهات
والمرضعات
ان يقصصن ما
اخترناه من
تلك
الخرافات
على الاطفال.
وان يكفين
بها عقولهم
اكثر ما
يكفين
اجسادهم
بأيديهن.
ويجب ان نرفض
القسم
الاكبر مما
يملي عليهم
من الخرافات
في هذه
الايام." ولا
شك ان في
قوله "خرافات
هذه الايام "
ما يدل دلالة
واضحة على
وقتية، او
معاصرة نقد
افلاطون
للشعر. وعلى
ما يتضر
لاحقا، فإن "
القسم
الاكبر" من
الخرافات
لهو ما يأتي
به هوميروس
وهيسودس
وغيرهما من
اضرابهما.
فلا يسيغ
افلاطون
انعدام
الصدق في
تصوير
الآلهة مما
تحفل به
اعمالهم،
أجاء ذلك من
سبيل
الإخبار ام
من قبيل
المجاز.
فالأحداث لا
يستطيعون
التمييز بين
ما هو مجازي
وما هو غير
ذلك. ان
الآلهة لهم
مثال الخير
والحق
والصلاح،
ولا يجوز بأى
حال من
الاحوال
تصويرهم على
غير ذلك
المثال، او
بالضرورة،
تصوير
اعمالهم وما
يصدر عنهم
بما يتنافى
وصفاتها
الالهية.
وحيث ان
الذات
الالهية
معصومة عن
اتيان الشر،
أيا كانت
طبيعة ما
يصدر عنها،
فلا محيد عن
رفض قول
هوميروس،مثلا:
" كان لدى
زيوس جرتان
تستقران على
ارض قصره"
مليئتان
بالاقدار،
في واحدة
اقدار خيرة،
وفي الاخرى
اقدار شريرة." فما
يحل بالخطاة
من الناس
عقابا لهم
على ما
اقترفت
ايديهم لا
ينبغي ان
يصور بفعل
مقيت، او ما
يشي بأنه
كذلك. ولا
يصح للشعراء
نسب صفة
التغير او
التنكر او
التحول الى
الآلهة
طالما ان ذلك
يتنافى مع
صفات الثبات
والخلود
التي لا يمكن
ان يندرج
تحتها، وان
مجازا،
الدهاء او
الاحتيال
الذي يظهر
عليه الآلهة
احيانا في
شعر الشعراء.
فذلك انما
يخالف
الحقيقة
الإلهية،
وعلى
الشعراء ان
يقلعوا عنها
او على الاقل
الحؤول دون
تلقينها
للاطفال
ولمن يهيئون
للعب دور
الحراس. وهذا
ما قد يسوغ
الظن بأن
قصاري ما
يرمي اليه
افلاطون هو
تبرير وظيفة
الرقابة،
بما لا يختلف
لخيرا عن دور
الرقابة
اليوم. واساءة
تمثيل
الآلهة ليس
وحده ما يضر
بنشأة
الحراس
والحكام
نشأة قويمة.
فتصوير حياة
ما بعد الموت
على صورة
تبعث الكآبة
وتولد خوفا
من المنية
يؤثر معه
المرء ان
يكون عبدا
على ان يكون
ميتا، او
تصوير اهل
الصلاح
نائحين سوء
اقدارهم
نادبين ما
ينزل بهم من
نوازل
ونائبات، او
الى ما سوى
ذلك من
مواقف، انما
هي مما قد
يوهم المرء
بان هذا
الموقف، او
رد الفعل،
لهو الموقف
السليم ازاء
اوقات الشدة
او حيال
الموت
والنكبات. ان
الاسراف في
الانفعال،
وفي إظهار
الانفعال،
أكان ذلك
تجاه ما هو
باعث للأسى
والقلق
والخوف، ام
كان ما يدعو
الى الضحك
والسخرية،
لمن الامور
التي ينبغي
ان تحصن
الناشئة،
موضوع
التربية
السليمة
ضدها.
فالتربية
الرصينة
انما هي ما
يكفل
الانسجام
والتوازن في
شخصية من
سيقوم بعبء
حراسة
المدينة او
حكمها، وما
يتطلبه منهم
الخلق
القويم: "أمن
الوارد ان
يحض الشاعر (هوميروس
) على ضبط
النفس اذا ما
صور احكم
الرجال بأنه
ذاك الذي يظن
ان افضل
الاوقات
جميعا هو
الوقت الذي
تكون فيه
الموائد
عامرة
بالخبز
واللحم
والنادل
يسكب النبيذ
في الكؤوس؟"
يسأل سقراط
اديمانتس،
ويضيف "
وماذا عن
قوله: الموت
جوعا لنهاية
من اسوأ
النهايات
التي يمكن
للمرء ان
يواجه." او "
ما قولك في
وصف زفس وقد
ثارت فيه
الشهوة
الجنسية
فذهل عما
سواها، وظل
ساهرأ وجميع
الآلهة نيام.
فغلبت عليه
الإلهة
هيرا، فما
طاق
انتظارها
دخول البيت،
قائلا ان
الهيام قد
تملكه اشد
مما تملكه في
المرة
الاولي التي
ذاقا فيها
لذة الوصال.." فتصوير
ما يحرض على
الاعراب عن
الأسى
والخوف او ما
يبرر اظهار
السرور
المفرط او
الرغبة
الجامحة نحو
مأكل او مشرب
او نكاح،
فضلا على
تصوير
الجائر
سعيدا
والعادل
تعسا والزعم
ان اقتراف
الخطوب
اسوأها لامر
مفيد اذا ما
قيض للفاعل
النجاة
والقول ان "
العدل صالح
لغيرك وطالح
لك"، او سوى
ذلك مما هو
على منواله،
لهو تصوير
ضار وينبغي
حذفه من
القصائد
المتوافرة
ونهي
الشعراء عن
تكراره. ولا
يقتصر نقد
افلاطون على
نقد ما يصوره
الشعراء من
تصوير مخالف
لحقيقة
الآلهة او
لما يصدر
عنهم من
افعال، فضلا
عن مخالفته
لاهل الصلاح
معن ينبغي
على الناشئة
الاحتذاء
بهم،في
تصويرهم
صورا بعيدة
عن الاتزان
والحكمة
والفضيلة،وانما
تعداه الى
نقد الوجه
الذي يصار
الى تمثيل ما
يمثل
عليه،منتقلأ
بذلك من
الكلام على
المضمون الى
الكلام عن
الشكل، او في
اقل تقدير،
تناول
التقنية
المتبعة في
قصائد
الشعراء. وكتمهيد
لهذا النقد
يميز
افلاطون ما
بين اشكال
ثلاثة من
الشعر
التمثيلي.
فهناك اولا
الشكل
التراجيدي
والكوميدي،
وهناك الشكل
الذي يتوسل
من خلاله
الشعراء
سبيل
الإخبار
المعهود
والبسيط،
وهناك ثالثا
ذلك الشكل
الذي يجمع ما
بين
الاثنين، اي
ما بين
التمثيلي
والاخباري.
فترى الشاعر
مرة يروي
بنفسه وقائع
ما جرى،
وتراه مرة
أخرى يسلم
زمام
الإخبار الى
شخوصه
يخبرون ما
جرى لهم، ما
تالوه
وفعلوه، او
ما ألم بهم
وما قيل لهم.
اي بكلمات
أخرى ان
الشاعر يتيح
لشخوصه ان
يمثلوا
انفسهم. في
مرة ثالثة
ترده يجمع ما
بين الضربين. فما
وجه اعتراض
افلاطون على
اي من
الاشكال
الشعرية
المستخدمة؟ "اليك
مسألة تنظر
فيها يا
اديمنتس "
يخاطب سقراط
محاوره،"
أيحسن
بحكامنا ان
يمثلوا ام
لا؟ او ترى
انه يلزم عن
ابحاثنا
السالفة ان
يختص
الانسان
بنوع واحد من
الاعمال لا
اكثر. وانه
اذا حاول ذلك
فإشتغل
بأمور عديدة
معا فشل فيها
كلها ولم
يبلغ أربأ
بواحد منها؟
" يحيلنا
افلاطون من
خلال هذا
الكلام الى
ما يعرف _"مبدأ
الاختصاص".
وتبعا لهذا
المبدأ فانه
لا يستقر
العدل في
المدينة، اي
يستوى
عمادها، ما
لم ينصرف كل
امرىء الى ما
هو مؤهل له
وما هو منوط
به. فلا يكون
في الدولة
الصالحة
مكان
لمتعددي
المنازع.
فالتمثيل
بحد ذاته امر
مثير للريبة
لما ينطوي
عليه من
ايحاء ان في
وسع المرء ان
يكون اكثر من
صاحب مهنة
واحدة وانه
قادر على
اداء اكثر من
دور في آن
معا.
والاطفال (بل
العامة
جميعا، على
ما سيتضح
لاحقا) اذا
ما تربوا على
الشعر
التمثيلي
اخذتهم
المظنة ان
بمقدورهم
اداء اكثر من
دور واحد،
بما يبعث على
القلق لا
محالة. غير
ان ما هو اشد
إثارة للقلق
ما قد ينطوي
عليه
التمثيل من
تشجيع للعب
ادوار لا
تليق
اخلاقيا او
اجتماعيا
بمن يعدون
لكي يكونوا
حكاما او
حراسا. فعلى
الرغم انه
لمن غير
المرغوب ان
يمثل هؤلاء،
او يمارسوا
اي عمل آخر،
فإنه اذا ما "
عرض لهم ان
يمثلوا
فليمثلوا
منذ حداثتهم
ما ينطبق على
مهنتهم،
كتمثيل
الرجل
الشجاع
الرزين
المتدين
الشريف،
وامثاله. ولا
يمارسوا او
يمثلوا
الدناءة وكل
انواع
السقالات،
لئلا يلصق
بنفوسهم ما
مثلوه، فيرى
لهم سجية.
اولا تدري ان
التمثيل
يتمكن في
النفس
بتأثير
الإشارات.
ونغمة
الصوت،
وطرائق
الفكر، اذا
مارسوه منذ
الحداثة،
فيصير عادة
فيهم كطبيعة
ثانية؟ " ويشمل
تمثيل
الدناءة
والسقالة ما
يشمل تمثيل
المرأة،
صبية كانت ام
عجوزا،
مهاترة
الرجال
ومتبجحة لدى
الآلهة
تعدادا
ببرها، لا
تمثيلأ لها
في نوائبها
واحزانها
وشكواها.
ويشمل ايضا
تمثيل
المريض
والعاشق
والمجنون
والعامل
والعبد
والجبان من
الناس وكل من
يصدر عنهم
الشائن من
الافعال او
السافل من
العبارة. بل
ولا يجوز لهم
تمثيل اصحاب
الحرف
والصناع او
تمثيل صهيل
الخيل او
جئير
الثيران او
خرير
الانهار او
قصف الرعود
او هدير
البحر..الخ. إنه
ليصدق القول
ان افلاطون
المستنكر
للتعددية
اشد
الاستنكار،
كمصدر
للفساد
وكممها
لسيطرة
الطغيان،
ليشاء حرمان
من هم أدنى
منزلة، او
بالضرورة كل
من يصدر عنهم
افعال بغيضة
واقوال
شائنة، حق
تمثيل
انفسهم
بأنفسهم،
وبخلاف
الآلهة واهل
الصلاح، وهو
ما يتفق تمام
الاتفاق مع
النزعة
النخبوية
التي تنطوي
عليها
فلسفته
الرامية الى
إناطة امر
الشؤون
العامة،
وتقرير
الصالح
والجميل
والعادل،
بفيلسوف
ملك،تو آزره
صفوة من
القوم،
حكاما
وحراسا، لا
غرض لها ولا
مأرب الا
احقاق الحق
والعدل في
المدينة. ومن
ثم فانه
ليحرص على
الا يمثل من
لا يجوز
اتخاذهم
قدوة
ومثالا، أو
الا يزيد
تمثيلهم على
ما يتيحه نهج
الإخبار
العادي. وهذا
التمييز
انما يملي
تمييزا اعمق
وابعد دلالة
الا وهو
التمييز ما
بين نمطين من
الشعراء ممن
يؤدون لعبة
التمثيل
نفسها. وعلى
هذا يكون قول
افلاطون بأن
ثمة " اسلوبا
خاصا من
القصص
يختاره
الرجل
الشريف وحسن
المزايد اذا
ما لزم عليه
ان يقص اي
قصص " كما وان
هناك "
اسلوبا ضده
يلوذ به من
كان على خلاف
هذه السجايا
في طبعه
وتهذيبه." والاول
هو اسلوب ذاك
الذي اذا ما
قص اخبار اهل
الصلاح ترده
يقبل على ذلك
إقبال من
يريد تمثيل
كل ما يصدر
عنهم طالما
اتسم
بالرصانة
والتعقل. اما
اذا قص اخبار
الادنياء من
الناس، او
اضطر الى
تمثيل
ادوارهم
فإنك لتجده
يفعل ذلك على
مضض وخجل،
ومن ثم فإنه
ليتحاشى
تمثيل كل ما
لا يليق
بمنزلقه مما
يصدر عن
الشخصيات
الممثلة. اما
الاسلوب
الشاي، فإنه
أسلوب ذاك
الذي لا يهاب
اداء اي, او
يخجل من
تقليد اي صوت
أنى بلغ دركا
من البذاءة.
بل انه لمن
الوارد ان
يسرف في اداء
دور السخلة
من الناس
طالما كفل له
ذلك رضا
الجمهور
واهتمامه.
والشعراء لا
يمانعون
اداء اي من
هذين
الاسلوبين،
مخالفين
بذلك كلا "مبدأ
الاختصاص"
من وجه، وغرض
اية تربية
شريفة من وجه
آخر. ولنن
عاب افلاطون
على الشعراء
عدم إتباعهم
الضرب
الاول،دون
الشاي، من
السرد، فإنه
لا يتهمهم
بالحض على
إيثار
الرذيلة،وانما
كتبرير ظني
مفاده أن
الحياة
الفاضلة لهي
من السمو
سموا يجعل
بلوغها امرا
شاقا بما
يسوغ
الاكتفاء
بما دون ذلك.
ولهذا
السبب، فإنه
على ما يذهب
احد
الشارحين
للنص
الافلاطوني،
فإن الجمهور
والشعراء
لهم اكثر
استعدادا
لان يعرفوا
انفسهم، من
خلال الاداء
الفني بمن
يحتقرون
اكثر معن
يبجلون
ويمتدحون (4).
وعلى هذا فإن
افلاطون
حريص على ان
يبين ان
الشعراء
ليسوا
بواقعيين
معن قصاري
غديتهم
الصدق. فهذا
مما قد يجيز
القول بأنهم
يصورون
الضعف
الانساي
ومرارة
الحياة
بألوانها
الطبيعية.
فلأن تصف
الطبيعة
الانسانية
على هذا
الوجه فإن
ذلك لاقرب
الي اطلاق
نبوءات شؤم
اخلاقي تسعي
الى تجسيد
ذاتها فعلا.
اي انه ليس
لان تواجه
الواقع،على
ما قد يظن،
وانما لان
تخلق هكذا
واقع او
تساهم بخلقه
من خلال صوغ
مشاعر
الجمهور على
صيغة الشاعر
المتشائمة. اما
التذرع بأن
الشعراء
انما هم
متشائمون
لان الواقع
يدعو الى
التشاؤم او
لان بلوغ
الحياة
الفاضلة لهي
من الصعوبة
بما يبرر
التشاؤم،
فهذا ما
يتصدى له
افلاطون
بأشد النقد
حينما يجادل
ان الشعراء
لا يعرفون
الواقع
المعرفة
الحقة بما
يجيز لهم
اطلاق احكام
حولها. ومن الواضح ان لافلاطون من خلال معالجته لعلاقة الفن بالتربية، قصب السبق في اثارة مسألة "الصدق الفني" ، وهي المسألة التي غالبا ما تكررت العودة اليها بدوافع متباينة ولاغراض متفاوتة. ولئن احجم افلاطون عن تعيين ما ينبغي ان تكون عليه صورة الآلهة والصالحين من الناس، فليس لانه لا يريد ادعاء دور الشاعر، او الناقد الفني، وانما لانه بصدد التمهيد للخلوص بأن التصوير الفني هو باطل على العموم. وحسبه في هذا الطور استنكار تصوير الشعراء لما ينطوي عليه من مغالطة للصاق طالما ان ما يمنح الكينونات، موضوع التصوير، هوياتها، هي خواصها ووظائفها التي تجيز اتخاذها قدوة. فما يجعل الإله إلها هو عصمته عن إتيان الشر او اي سلوك يشي بالضعف والقصور. وانه ليصح القول ان ما يطلبه افلاطون من الشعراء، على الاقل في هذا الشطر | |||||